رواية أصل وصورة الفصل الثالث عشر 13 بقلم صافيناز يوسف
الفصل الثالث عشر
تناديك روحي ونزف جروحي..
وقرع فؤادي على باب صدري..
فلا تتجاهل ندائي حبيبي..
فأنك تعلم ما بي وتدري..
الشاعر: مانع العتيبي
دلفت سلوى الى مكتب هاشم في خيلاء فاستوقفتها السكرتيرة.. فقالت بعجرفة: ماذا هناك سأدخل للسيد هاشم. .
قالت السكرتيرة بارتباك: اعذريني سيدة سلوى ولكن السيد هاشم طلب عدم دخول اي شخص.. فمن فضلك انتظري لحظة ريثما اخبره بحضورك..
وضعت سلوى يدها على خصرها وهي تقول بحدة: منذ متى تخبريه بحضوري..
قالت السكرتيرة باضطراب : عفوا يا سيدتي ولكن السيد هاشم عصبي للغاية اليوم ولا اريد ان يوبخني..
قاطعهما جرس استدعاء السكرتيرة. . فاعتذرت لسلوى بأدب ودخلت الى مكتب هاشم.. لحظات وخرجت وقالت بتلعثم لسلوى: اسفة سيدة سلوى فالسيد هاشم اعتذر عن مقابلة حضرتك..
نظرت سلوى للباب المغلق بحقد وتمتمت: حسنا يا هاشم .. يبدو ان الاخبار التي جاءتني صحيحة..
خرجت من الشركة كالعاصفة .. ركبت سيارتها وهي تسب .. فقد اخبرها احد عيونها في الشركة ان عاصم يسعى لتقليص نصيبها في الشركة بزيادة رأس المال وزيادة اسهم الشركة ليكون لها وزن في السوق. . اما هي فيلقى لها الفتات.. ضربت بحدة على مقود السيارة وهي تهتف بغل: اتظن يا عاصم اني مجرد امرأة ضعيفة ستسكت وتسكين عندما تتفق مع هاشم على تقليص حصتها ورمي فتات الارباح لها..
قادت السيارة وانطلقت بها بسرعة .. وعقلها يدور مفكرا في وسيلة للانتقام من عاصم وهاشم..
.......،،،،،،؟.................
عاد هاشم الى المنزل.. وذهب الى حجرة ليلى ليجدها تجلس على فراشها وهي تتصفح البوم صورها باستغراق وقد اغروقت عينيها بالدمع..
هتف هاشم : اما زلت تعيشين في اسر الماضي.. لا يحق لك ان تفعلي ذلك .. لقد اصبحت مرتبطة بشخص اخر.. حرري قلبك من اسر سامر .. وقتها ربما تحبين عاصم..
رفعت اليه عينين مبللتين بالدموع وهي تقول بنبرة باكية: وهل استطعت ان تحرر قلبك من اسر ماري..
صمت هاشم وهوي جالسا بجوارها على الفراش.. تمتم: عندك حق..
ثم رفع عينيه لها وهو يقول: ولكن كيف السبيل الى التخلص من اسر هذا الحب الفاشل.. حاولت ان احب غيرها ولكنها كانت عندي كل النساء.. استحوذت على قلبي حتى اني لم اعد ارى غيرها.. اصبحت كل النساء بجوارها مجرد أشباح ومسوخ لا استطيع النظر اليهم..
قالت ليلى بعينين دامعتين: انا ايضا. . مازلت احب سامر .. رغم كل شيء فحبه تغلغل في قلبي.. لا يوجد في قلبي زر اضغطه لانسى كل شيء واعود كما كنت قبله خالية القلب والبال.. فانا لا اتذكر اصلا كيف كانت حياتي وهو ليس بها.. والآن اعيش حياتي بالكاد وهو ليس بها ..
تنهد هاشم وربت على كتفها وهو يقول: احيانا لا اكاد افهمك يا ليلى.. طالما تحبينه هكذا لماذا تركتيه..
سالت دموعها بغزارة وارتمت بين أحضان هاشم الذي احاطها بذراعيه بشدة واسند ذقنه على شعرها وهو يتمتم لها بكلمات مهدئة.. وفي اعماقه يتساءل لماذا تركته وهي تحبه كل هذا الحب. .
......................................
وقفت ماري في كواليس العرض تطمئن على طلة العارضات .. وليان تساعد العارضات في ارتداء الازياء وارتداء الاكسسوارات الخاصة بكل زي.. بدأت العارضات بالخروج بعدما القى مارك كلمة قدم بها العرض. . فركت ماري يدها بتوتر والقت من مكانها نظرة على الحضور ثم قالت لليان: لم يأت الم اقل لك ..
تنهدت ليان وربتت على كتفها وهو تقول: على الاقل حاولنا ..
مطت ماري شفتيها بحزن. . فقالت ليان: لا وقت للحزن اليوم.. فاليوم انت العروس بهذه التصميمات المميزة..
هزت ماري رأسها وهي تقول: وما معنى النجاح بدون حبيب يشاركك فرحتك به..
خرجت اخر عارضة ترتدي ثوب الزفاف الابيض .. راقبتها ماري من مكانها وهي تتهادى بالثوب الابيض المنفوش كالاميرة على ايقاع الموسيقى الحالمة.. سمعت تصفيق الحضور وانبهارهم بالثوب الذي بدا كالحلم.. صعد مارك الى المسرح بعد ان غادرته العارضة وقبض بيده على يد ماري لتخرج معه الى الجمهور..
خرجت ماري متوترة.. فقد كانت لا تحب الاضواء والظهور.. سمعت مارك يحييها ويقول: كل هذا الجمال الذي رأيتموه من تصميم فنانتنا السيدة ماري ثم انحنى وطبع قبلة على يدها.. ادارت ماري عينيها وهي تشعر بالخجل المشوب بالاحراج حاولت سحب يدها بهدوء ولكنه شدد من قبضته عليها وهم بقول شيء عندما شعر بنفسه يسحب بعيدا عنها بهدوء وصوت يقول له بفرنسية سليمة : الم يعلمك اهلك الا تعبث بممتلكات غيرك ..
ارتجفت ماري فقد عرفت الصوت. . كان هاشم.. وكان صوته غاضب تفوح منه رائحة الغيرة العطرة..
لم يبالي هاشم انهم على خشبة المسرح وان المسرح ممتلئ بالاعين الفضولية.. فضمها اليه وهو يقول: انت ملكي انا .. ولن اسمح ان تكوني لغيري.،
ثم هبط على شفتيها مكتسحا اياها بقبلة متملكة وكأنه يضع صك الملكية عليها..
ذابت ماري في قبلته .، وتذكرت تلك الايام الخوالي.. بادلته القبلة بعشق،. ولكن انتبها على تصفيق الحاضرين وضحكاتهم واضواء الكاميرات التي سطعت لتلتقط هذا المشهد الغرامي.. ارتجفت ماري وهي تبتعد عنه مضطرة وامسكت مكبر الصوت وقالت: عذرا انه زوجي وكان مسافرا لوقت طويل.، وقد عاد للتو..
نزلت من على المسرح وهو يمسك يدها بتملك.. فاستوقفهما مارك الذي مد يده مصافحا هاشم وهو يقول: انت اذن ذلك الزوج الخفي..
نظر هاشم لماري وهو يقول : لن اكون خفيا بعد اليوم..
ثم سحبها الى خارج مكان العرض واشار لاحد سيارات الأجرة. . قالت ماري بتردد : ولكن ليان لم اخبرها اني سأرحل..
غمغم هاشم ببرود: انا اخبرتها واوصلتها الى المنزل بنفسي لا تقلقي يا سيدة ماري..
ارتجفت من برودة صوته.. ركبت سيارة الاجرة التي اوقفها .. وسارت بهم الى حيث فندق شهير في وسط المدينة.. وقفت السيارة فنقد السائق اجرته وخرجا من السيارة.. وقفت ماري امام الفندق متصلبة.. فقد كان نفس الفندق الذي امضيا فيه ليلة زفافهم قبل ان يذهبا لرحلة شهر العسل.. ابتلعت ريقها وهي تنظر له برجاء .. اتراه اختار هذا الفندق بالتحديد لينهي فيه زواجهما كما بدأه .. ولكن قبل أن تسترسل في افكارها سحبها من يدها الى داخل الفندق.. ووقف امام المصعد.. واختار احد الادوار.. اما هي فكانت غارقة في افكارها.. تشتاق اليه بحنين عشر سنوات طوال. . كيف ستخبره انها غفرت له خيانته .. كيف تخبره انها كانت مخطئة عندما ابتعدت عنه كل هذه السنوات. .
وصل المصعد الى الدور المنشود.. فامسك يدها بدون كلمة واحدة وخرجا من المصعد ليقف امام باب حجرة ابتسمت عندما رأت رقمها.. نعم هي ذات الحجرة التي تعج بالذكريات .. ذكرى ليلة زفافهما وعشرة ليال لعيد زواجهما قبل الانفصال.. اغروقت عيناها بالدموع عندما هاجمتها الذكريات.. ذكريات السعادة بين احضان زوجها الحبيب..
وقفت على عتبة الغرفة بعد ان فتحها بتردد ولكنه سحبها داخلها واغلق الباب بشدة ثم هوى على شفتيها بقبلة حطمت دفاعاتها.. تأوهت بعنف فقد شعرت بالرغبة تجتاحها.. شوق ورغبة عشر سنوات لفتهما معا.. كان هاشم يريد ان يتحدث مطولا ان يتشاجر ان يعنفها.. ان يعاقبها على سنوات البعد وعلى عنادها ولكن ما ان رآها حتى انهارت دفاعاته كلها.. اصبح امامها اعزل بدون سلاح وهي قاتلته مدججة باسلحة فتنتها وانوثتها التي لم تنقصها طول السنوات ولا كبر السن..
هويا معا في بحر لا شطآن له .. بحر الشوق واللهفة والرغبة..
..................................
امسك عاصم الهاتف ليتصل بليلى.. لم يحادثها منذ ان زيارتها لوالدته.. كان يود ان يفهم ولكنها دائما كانت لا ترد على الهاتف .. كان يكاد يجن يريد ان يفهم ما الذي غيرها.. يكاد يجزم انها فتاة اخرى غير التي قابلها في السفينة.. ولكن هل يمكن ان يكون الشبة لهذه الدرجة.. لا يمكن ان تكون اخرى .. كل التصرفات معكوسة .. كيف تأكل اللحم ولا تحب القهوة ولا تحب حتى رائحتها.. كما انها ذابلة دوما.. كالدمية التي لا روح لها.. انتهى رنين الهاتف ولم ترد ايضا. . اعاد الاتصال ولكن الهاتف كان قد اغلق..
جن جنونه ورمى الهاتف المحمول بطول ذراعه.. وهنا دخل كريم المكتب مصادفة ليتلقف الهاتف ... عقد حاجبيه وهو يراه بهذه الحالة .. امسك الهاتف ووضعه بعيدا عنه وهويقول: ماذا بك يا صديقي لم ارك في هذه الحالة من قبل..
نظر له عاصم وهو يزفر بحدة ويقول: اكاد اجن يا كريم.، اشعر انها غريبة ليست الفتاة التي التقيتها واحببتها.. نفس الملامح والشكل لكن الروح مختلفة والميول وكل شيء..
قال كريم مفكرا: ربما تمارس عليك تمثيلية اخرى..
اتسعت عينا عاصم بغضب وقال: إذا كان ذلك اقسم ان اجعلها تتمنى او انها لم تولد..
قال كريم بهدوء: ارجوك اهدأ وحاول ان تصفي ذهنك فانا اريد ان اتحدث معك في امور خاصة بالعمل..
زفر عاصم بحدة ومسح على وجهه .. وضع يده على رأسه محاولا ان يبعدها عن تفكيره ولو قليلا. .
ثم التفت الى كريم وقال بهدوء: حسنا .. كلي أذان صاغية..
بدأ كريم في الحديث عن العمل وحاول عاصم ان يعطيه تركيزه الكامل ولكن هيهات فقد كان عقله يشرد مجددا في تلك الشقراء التي انهكت قلبه بتقلباتها المزعجة.. هز رأسه بحزم كأنه يستطيع بهذه الحركة ابعادها عن تفكيره..
سمع كريم يقول: وآخر شيء هناك مناقصة في الحكومة نريد الاشتراك بها بواسطة الشركة الجديدة التي بينك وبين هاشم..
عقد عاصم حاجبيه وهو يتساءل: حسنا ولماذا ليس احدى شركاتنا ..
زفر كريم وهو يقول: يبدو انك لم تكن معي من بداية كلامي.، لقد قلت ان الشركة التي سوف تنافسنا في هذه المنافسة هي شركة السمري عدونا اللدود فاثرت ان ندخل بالشركة الجديدة حتي لا يعرف اننا وراؤها.. سيعتقد انها شركة جديدة بالمجال.. ولن يأخذ حذره..
تمتم عاصم وهو يمسك جبهته : حسنا افعل ما تراه صحيحا فحقا لا استطيع التركيز بشيء ..
هز كريم رأسه وجمع اوراقه وخرج تاركا عاصم وفي رأسه يدور الف سؤال.. لماذا تتهرب منه ومن مقابلته.. ولماذا هي متغيرة..
امسك عاصم هاتف المكتب واتصل بهاتف منزلها.. استمع الى رنين الهاتف حتى ردت الخادمة .. سألها مباشرة: اين ليلى اريد التحدث معها..
تلعثمت الخامة بارتباك ظاهر وقالت: هي غير موجودة يا سيدي عندما تحضر سأخبرها انك هاتفتها..
تأكد انها في البيت وتنكر وجودها من تلعثم الخادمة.. فانهى المكالمة بحدة وقام مسرعا وارتدى سترته وخرج من الشركة وهو يتمتم بغيظ: لابد ان انهي الامر وافهم كل شيء الآن..
وركب سيارته وانطلق بحدة ..
.......................................
زفر سامر بارتياح وهو يملس رقبته .. لقد انتهى أخيرا المعرض. . وقد نالت اللوحات وخاصة لوحة ليلى الغامضة اعجاب الاساتذة والنقاد.. مط شفتيه وهو يتطلع بها.. غالبا ما كانت خطوطها بسيطة ساسة كطباعها .. ما الذي حدث لها وجعلها ترسم بهذه الحدة والعنف.. كانت اللوحة مليئة بمزيج من الحزن والغضب والشعور بالتيه..
تنهد بعنف فما زال يحبها رغم كل شيء.. يحبها وهو يعلم انه ليس من حقه ان يشعر بهذه المشاعر.. يحبها رغم انها اصبحت لغيره.. يحبها ولا يتصور حقا انها ستكون لغيره..
انتبه على لمسة يد على كتفه.. التفت ليجد أمامه سلمى بوجهها الباسم دوما..
قالت بمرح: اوه. . واخيرا انتهى المعرض.. بهذه المناسبة ادعوك للغداء..
ابتسم باحراج وقال: نعم ولكن الدعوة مني انا..
تهلل وجهها وهي تقول: مني او منك المهم ان نتغدى سويا..
ثم امسكت يده كطفلة صغيرة متحمسة وهي تقول: هيا بنا.. اعرف مطعما رائع ..
استسلم لحماستها وحاول مجارتها ربما تستطيع مداواة جرح قلبه العليل..
ركبا سيارته القديمة .. واشارت هي اليه ترشده لمكان المطعم الذي تعرفه.. توقف امامه وتجمد .. كان هذا مطعم ليلى المفضل بجوه الهادئ الرومانسي .. امسكت يده ليدخلا معا .. ولكن قلبه كان يهتف.. لماذا كل شيء يذكرني بها.. لماذا يراها في كل الوجوه وفي كل الاماكن.. اغمض عينه ليحبس دمعة كانت لتنزل.. ثم قال: لا اريد دخول هذا المطعم..
نظرت له سلمى باستياء: لماذا؟
زفر بحدة وقال: لي اسبابي.. ارجوك يا سلمى اركبي السيارة لنذهب الى مطعم آخر..
مطت شفتيها بضيق وركبت مرغمة .. اما هو فكان يشعر ان هذا المكان مقدس بذكرياته معها لا يريد ان يدنسه بدخوله مع اخرى.. فلتظل ذكرياته بأمان لا تشوبها شائبة. .
قادها الى احد مطاعم الوجبات السريعة العادية.. خرجت من السيارة ونظرت الى المكان وقالت بضيق: هل هذا هو المكان الذي اعجبك..
تنهد وقال : نعم لنتغدى بسرعة ثم اوصلك لبيتك واذهب انا ايضا لمنزلي لانام فانا لم انم جيدا منذ وقت طويل..
تنهدت بضيق وكادت ان تضرب بقدميها على الارض بغضب ولكنها تمالكت نفسها ورسمت ابتسامة مرحة على شفتيها تناقض الغضب بداخلها..
وقالت: اذن هيا ندخل فانا اتضور جوعا..
دخلا المطعم واجلسها وقام ليحضر طلباتهما.. اما هي فقد كانت تغلي غضبا.. ما زال يحبها.. تلك الفتاة الشقراء المتعجرفة.. لم تحبها يوما وزادت كراهيتها عندما علمت بخطبتها لسامر.. فقد كانت تشعر نحوه بالاعجاب منذ ان كانا طالبين معا في الجامعة.، ولكنه كان دوما بعيد المنال.. كان يترفع ان يدخل في علاقة مع زميلة له يعلم انها ستنتهي بدون زواج .. ولكن احتفاظه بدور الزميل والصديق للجميع بدون استثناء جعلها تصمم على الحصول عليه .. وعندما خطب ليلى شعرت انه افلت من بين يدها..
نبهها من شرودها رنين هاتفها النقال.. نظرت الى اسم المتصل بحنق.. ثم نظرت الى سامر الذي يحضر الوجبات.. فقامت مسرعة وخرجت من المطعم ثم ردت على الهاتف الذي كان يرن بإلحاح. . قالت بحدة: نعم يا ايمن ماذا تريد..
رد ايمن: انسيت لدينا اليوم ميعاد..
زفرت بحنق وهي تقول: حسنا امامي حوالي الساعة وسآتي..
قال ايمن ببرود: حسنا ولكن لا تتأخري.. انت تعلمين جيدا ماذا يمكن ان افعل لو تأخرت..
انهت المكالمة بحدة .. ودخلت الى المطعم لتجد سامر قد احضر الطعام.. رسمت ابتسامة على شفتيها وقالت: اسفة كانت مكالمة مهمة.. فوالدتي تتصل بي تستعجلني للعودة للمنزل..
قال سامر ببساطة: حسنا فلنتناول الطعام لنذهب بسرعة..
نظرت له وهي تتناول الشطيرة .. دار بعقلها سؤال.. هل يمكن يوما ان يحبني..
...............................
اتكأ هاشم على ذراعه.. يتأمل تلك النائمة بين ذراعيه كالحورية النائمة. . مد يده يتحسس وجنتها البيضاء النقية ويزيح تلك الخصلات الشقراء الناعمة المتناثرة على جبينها.. تساءل كيف استطاع ان يحيا بدون مرآها تستيقظ في فراشه وبين ذراعيه كل تلك السنوات.. كانت كالوردة الندية لم يفسد جمالها وانوثتها مرور عشر سنوات.. ولا عشر سنوات اخرى.. كانت كالعطر المعتق كلما ازداد عمره كلما ازدادت حلاوته ..
همهمت ماري وهي ترفرف بجفنيها ثم فتحت عينيها وحين رأته ينظر لها بحب اغمضت عينيها وفتحتها مرة اخرى ثم تمتمت وهي تتحسس وجنته: لو كنت حلما ارجوك لا ترحل..
امسك يدها وقبل كفها وهو يقول: لست حلما يا حبيبتي.. انا حقيقة .. بجوارك وانت بين ذراعي..
ابتسمت بحب وهي تضمه لها وتقول: هذا شيء لم احلم به في اكثر احلامي سعادة.. كنت بدونك كالميتة بلا روح.. لو لم تأت امس كان سيكون نجاحي بلا طعم. .
قال بلوم: كنت ستخطبين..
ابتسمت وقالت: لن اكون لغيرك يا حبيبي .. لم اتخيل يوما ان اكون لغيرك ..
كادت ان تقول انها حتى غفرت له خيانته ولكنها لم تشأ افساد تلك اللحظات بينهما ولكنه بادرها: ولكن اذا كنت تحبيني كل هذا الحب لماذا هربت وتركتني..
عضت على شفتيها واعتدلت جالسة وقالت: ارجوك لا اريد افساد تلك اللحظات بيننا بالحديث عن الماضي..
رفع حاجبيه وهو يقول بتحد: ولكني اريد ان افهم.. افهم لماذا افترقنا عشر سنوات كاملة.. لماذا تركت بيتك وبناتك.. ما الذي فعلته لتتركيني احترق طيلة عشرة سنوات..
تنهدت وقالت وعيناها تهرب من عينيه: الا تعرف حقا لماذا فعلت ذلك..
امسك كتفيها وهزها وهو يقول بحدة: لا .. لا اعرف واريد ان اعرف الآن.. انت لم تعاتبني ولم تسمعي دفاعي ومن حقي بعد كل سنوات العذاب تلك ان افهم..
عضت على شفتيها بقهر .. ثم قصت عليه ما حدث ليلتها.. سمع كلماتها وهو عاقدا حاجبيه في غضب.. بعد ان انتهت من كلماتها التي كانت تهوي عليه كالخناجر .. قام بهدوء وتناول ملابسه قالت باكية: الى اين ستذهب.، الن تقول شيئا..
نظر لها بغضب مكبوت وقال بسخرية مريرة: ولماذا .. لماذا ادافع عن نفسي الآن ان كنت حاكمتني وادنتني منذ عشر سنوات.. هل لاثبت براءتي.. واي براءة تلك من الممكن ان تفيد متهم بعد ان ادين وقضى فترة عقوبته..
تساقطت دموعها وقامت مسرعة لتقف امام الباب وهي تراه انتهى من ارتداء ملابسه وتوجه للباب ليخرج .. وهي تقول : لا لن تتركني.. دعنا لا نتحدث عن الماضي يا هاشم..
ازاحها عن الباب ومر منه .. شاهدته وهو يخرج وكأن روحها ستخرج من جسدها.. ارتدت ملابسها سريعا وخرجت خلفه راكضة.. شاهدته خارج الفندق يستوقف سيارة اجرة فأسرعت نحوه.. وحين ركب السيارة ركبت بجواره.. انطلق السائق بالسيارة.. فقالت بتوسل: ارجوك يا هاشم.. انا كنت مخطئة بالفعل عندما غادرت بدون اي كلمة وحين رفضت التحدث في الموضوع.. انا الآن اصدقك بدون اي تبرير..
نظر لها بسخرية: اعتذار بعد عشر سنوات فراق اعتقد انه ليس له طعم..
قالت له بحزن: كانت الدلائل كلها تؤكد خيانتك.. اهمالك لي وبرودك وفتورك.. كنت احاول ابقاء جذوة حبنا مشتعلة ولكنك كنت تصر على اطفائها.. ثم جاء يوم عيد زواجنا ليؤكد ظنوني.. انت نسيته للمرة الاولى منذ عشر سنوات .. وكنت مع غيري..
التفت لها وغرز اصابعه في كتفها وهو يقول: لم اكن يومها في المكتب.. لقد خرجت الساعة الخامسة لمرافقة وفد اجنبي كنا نجري معه صفقة .. ويومها لم انسى ذكرى زواجنا ولكني كنت بالفعل مشغول للغاية مع هذا الوفد .. لا ادري كيف سمعت ما سمعت.. انا تركت المكتب وكان به سلوى ومعها سعد الالفي لانهما كانا يعملان في بنود الصفقة.. وعندما عدت للمنزل ووجدتك نائمة اعتقدت انك نسيت..
صمتت بصدمة.. لقد ظلمته كل هذه السنوات.. لم تسمع دفاعه.. فعلت كل ما اتهمته به.. حاكمته وادانته بدون ان تسمع دفاعه..
همست : انا حقا اسفة.. اسفة بعدد كل تلك السنوات التي فارقتك فيها.. اسفة بعدد كل الدموع التي ذرفتها في بعدك.. لو لم تصفح عني فهذا حقك.. ولكني اقسم اني احبك.. احبك لدرجة اني لم اعد اتصور حياتي بدونك.. كنت اظن اني في بعدك سأعيش سعيدة .. ولكني كنت دوما اشعر اني بلا روح.. تركت روحي معك .. وعندما رأيتك في المشفى علمت اني لا استطيع العيش بدونك..
لان قلبه لكلماتها.. فقال: واذا عدنا هل نعيش كل مننا في دولة..
ابتسمت وسط دموعها وقد شعرت ان قلبه قد لان وانه صفح عنها.. وقالت بسرعة: لقد قدمت استقالتي ومعي ما يكفي لانشاء بيت ازياء خاص بي في مصر..
صفر ساخرا ثم قال: لقد دبرت كل شيء. . والان لو لم ات ماذا كنت ستفعلين..
ابتسمت بحب وقالت مشاكسة: كنت سآتي انا اليك..
ابتسم قائلا : مكانك محفوظ سيدتي..
اخبر السائق ان يغير اتجاهه ليذهب الى بيت ماري لاعداد حقائبها للعودة الى مصر..
..................
قامت ليلى من الفراش بوهن فقد اجتاحتها الالام بشكل اشرس.. رغم انها تناولت دواءها المسكن منذ ساعة فقط.. حاولت الاحتمال ببسالة ولكن الامها هزمتها .. ورغم تحذيرات الطبيب بعدم تناول الدواء الا في مواعيده .. امسكت علبة الاقراص وترددت للحظة ولكن الالام عاودت هجمتها بشدة.. فحسمت امرها واخرجت قرص اخر وتناولته بسرعة واستلقت على الفراش قليلا حتى هدأت الالام ولكنها شعرت بدوار يكتنف ذهنها..
سمعت طرقات على باب الغرفة فقالت وهي مغمضة العينين: ادخلي يا ام محمد
فتح باب الغرفة.. فقالت وهي مغمضة العينين: هل اتصل مرة اخرى؟
اعتدلت جالسة بسرعة عندما سمعت صوت عاصم الغاضب هو يقول: لا لقد تعلمت من خطئي .. فجئت اليك مباشرة..
قامت وهي تقاوم دوارها وقالت بوهن: كيف تدخل غرفة نومي .. كيف سمحت لنفسك بهذا. .
امسك كتفيها بشدة وهزها وهو يقول: لاني اريد ان افهم .. اكاد اجن.. من انت حقا ..
ولكنه نظر اليها بذهول فقد هوت بين ذراعيه فاقدة للوعي.. هتف بها بذعر: ليلى .. ليلى. .
ولكن بلا رد..
.............،،......،،،،،..........
تناديك روحي ونزف جروحي..
وقرع فؤادي على باب صدري..
فلا تتجاهل ندائي حبيبي..
فأنك تعلم ما بي وتدري..
الشاعر: مانع العتيبي
دلفت سلوى الى مكتب هاشم في خيلاء فاستوقفتها السكرتيرة.. فقالت بعجرفة: ماذا هناك سأدخل للسيد هاشم. .
قالت السكرتيرة بارتباك: اعذريني سيدة سلوى ولكن السيد هاشم طلب عدم دخول اي شخص.. فمن فضلك انتظري لحظة ريثما اخبره بحضورك..
وضعت سلوى يدها على خصرها وهي تقول بحدة: منذ متى تخبريه بحضوري..
قالت السكرتيرة باضطراب : عفوا يا سيدتي ولكن السيد هاشم عصبي للغاية اليوم ولا اريد ان يوبخني..
قاطعهما جرس استدعاء السكرتيرة. . فاعتذرت لسلوى بأدب ودخلت الى مكتب هاشم.. لحظات وخرجت وقالت بتلعثم لسلوى: اسفة سيدة سلوى فالسيد هاشم اعتذر عن مقابلة حضرتك..
نظرت سلوى للباب المغلق بحقد وتمتمت: حسنا يا هاشم .. يبدو ان الاخبار التي جاءتني صحيحة..
خرجت من الشركة كالعاصفة .. ركبت سيارتها وهي تسب .. فقد اخبرها احد عيونها في الشركة ان عاصم يسعى لتقليص نصيبها في الشركة بزيادة رأس المال وزيادة اسهم الشركة ليكون لها وزن في السوق. . اما هي فيلقى لها الفتات.. ضربت بحدة على مقود السيارة وهي تهتف بغل: اتظن يا عاصم اني مجرد امرأة ضعيفة ستسكت وتسكين عندما تتفق مع هاشم على تقليص حصتها ورمي فتات الارباح لها..
قادت السيارة وانطلقت بها بسرعة .. وعقلها يدور مفكرا في وسيلة للانتقام من عاصم وهاشم..
.......،،،،،،؟.................
عاد هاشم الى المنزل.. وذهب الى حجرة ليلى ليجدها تجلس على فراشها وهي تتصفح البوم صورها باستغراق وقد اغروقت عينيها بالدمع..
هتف هاشم : اما زلت تعيشين في اسر الماضي.. لا يحق لك ان تفعلي ذلك .. لقد اصبحت مرتبطة بشخص اخر.. حرري قلبك من اسر سامر .. وقتها ربما تحبين عاصم..
رفعت اليه عينين مبللتين بالدموع وهي تقول بنبرة باكية: وهل استطعت ان تحرر قلبك من اسر ماري..
صمت هاشم وهوي جالسا بجوارها على الفراش.. تمتم: عندك حق..
ثم رفع عينيه لها وهو يقول: ولكن كيف السبيل الى التخلص من اسر هذا الحب الفاشل.. حاولت ان احب غيرها ولكنها كانت عندي كل النساء.. استحوذت على قلبي حتى اني لم اعد ارى غيرها.. اصبحت كل النساء بجوارها مجرد أشباح ومسوخ لا استطيع النظر اليهم..
قالت ليلى بعينين دامعتين: انا ايضا. . مازلت احب سامر .. رغم كل شيء فحبه تغلغل في قلبي.. لا يوجد في قلبي زر اضغطه لانسى كل شيء واعود كما كنت قبله خالية القلب والبال.. فانا لا اتذكر اصلا كيف كانت حياتي وهو ليس بها.. والآن اعيش حياتي بالكاد وهو ليس بها ..
تنهد هاشم وربت على كتفها وهو يقول: احيانا لا اكاد افهمك يا ليلى.. طالما تحبينه هكذا لماذا تركتيه..
سالت دموعها بغزارة وارتمت بين أحضان هاشم الذي احاطها بذراعيه بشدة واسند ذقنه على شعرها وهو يتمتم لها بكلمات مهدئة.. وفي اعماقه يتساءل لماذا تركته وهي تحبه كل هذا الحب. .
......................................
وقفت ماري في كواليس العرض تطمئن على طلة العارضات .. وليان تساعد العارضات في ارتداء الازياء وارتداء الاكسسوارات الخاصة بكل زي.. بدأت العارضات بالخروج بعدما القى مارك كلمة قدم بها العرض. . فركت ماري يدها بتوتر والقت من مكانها نظرة على الحضور ثم قالت لليان: لم يأت الم اقل لك ..
تنهدت ليان وربتت على كتفها وهو تقول: على الاقل حاولنا ..
مطت ماري شفتيها بحزن. . فقالت ليان: لا وقت للحزن اليوم.. فاليوم انت العروس بهذه التصميمات المميزة..
هزت ماري رأسها وهي تقول: وما معنى النجاح بدون حبيب يشاركك فرحتك به..
خرجت اخر عارضة ترتدي ثوب الزفاف الابيض .. راقبتها ماري من مكانها وهي تتهادى بالثوب الابيض المنفوش كالاميرة على ايقاع الموسيقى الحالمة.. سمعت تصفيق الحضور وانبهارهم بالثوب الذي بدا كالحلم.. صعد مارك الى المسرح بعد ان غادرته العارضة وقبض بيده على يد ماري لتخرج معه الى الجمهور..
خرجت ماري متوترة.. فقد كانت لا تحب الاضواء والظهور.. سمعت مارك يحييها ويقول: كل هذا الجمال الذي رأيتموه من تصميم فنانتنا السيدة ماري ثم انحنى وطبع قبلة على يدها.. ادارت ماري عينيها وهي تشعر بالخجل المشوب بالاحراج حاولت سحب يدها بهدوء ولكنه شدد من قبضته عليها وهم بقول شيء عندما شعر بنفسه يسحب بعيدا عنها بهدوء وصوت يقول له بفرنسية سليمة : الم يعلمك اهلك الا تعبث بممتلكات غيرك ..
ارتجفت ماري فقد عرفت الصوت. . كان هاشم.. وكان صوته غاضب تفوح منه رائحة الغيرة العطرة..
لم يبالي هاشم انهم على خشبة المسرح وان المسرح ممتلئ بالاعين الفضولية.. فضمها اليه وهو يقول: انت ملكي انا .. ولن اسمح ان تكوني لغيري.،
ثم هبط على شفتيها مكتسحا اياها بقبلة متملكة وكأنه يضع صك الملكية عليها..
ذابت ماري في قبلته .، وتذكرت تلك الايام الخوالي.. بادلته القبلة بعشق،. ولكن انتبها على تصفيق الحاضرين وضحكاتهم واضواء الكاميرات التي سطعت لتلتقط هذا المشهد الغرامي.. ارتجفت ماري وهي تبتعد عنه مضطرة وامسكت مكبر الصوت وقالت: عذرا انه زوجي وكان مسافرا لوقت طويل.، وقد عاد للتو..
نزلت من على المسرح وهو يمسك يدها بتملك.. فاستوقفهما مارك الذي مد يده مصافحا هاشم وهو يقول: انت اذن ذلك الزوج الخفي..
نظر هاشم لماري وهو يقول : لن اكون خفيا بعد اليوم..
ثم سحبها الى خارج مكان العرض واشار لاحد سيارات الأجرة. . قالت ماري بتردد : ولكن ليان لم اخبرها اني سأرحل..
غمغم هاشم ببرود: انا اخبرتها واوصلتها الى المنزل بنفسي لا تقلقي يا سيدة ماري..
ارتجفت من برودة صوته.. ركبت سيارة الاجرة التي اوقفها .. وسارت بهم الى حيث فندق شهير في وسط المدينة.. وقفت السيارة فنقد السائق اجرته وخرجا من السيارة.. وقفت ماري امام الفندق متصلبة.. فقد كان نفس الفندق الذي امضيا فيه ليلة زفافهم قبل ان يذهبا لرحلة شهر العسل.. ابتلعت ريقها وهي تنظر له برجاء .. اتراه اختار هذا الفندق بالتحديد لينهي فيه زواجهما كما بدأه .. ولكن قبل أن تسترسل في افكارها سحبها من يدها الى داخل الفندق.. ووقف امام المصعد.. واختار احد الادوار.. اما هي فكانت غارقة في افكارها.. تشتاق اليه بحنين عشر سنوات طوال. . كيف ستخبره انها غفرت له خيانته .. كيف تخبره انها كانت مخطئة عندما ابتعدت عنه كل هذه السنوات. .
وصل المصعد الى الدور المنشود.. فامسك يدها بدون كلمة واحدة وخرجا من المصعد ليقف امام باب حجرة ابتسمت عندما رأت رقمها.. نعم هي ذات الحجرة التي تعج بالذكريات .. ذكرى ليلة زفافهما وعشرة ليال لعيد زواجهما قبل الانفصال.. اغروقت عيناها بالدموع عندما هاجمتها الذكريات.. ذكريات السعادة بين احضان زوجها الحبيب..
وقفت على عتبة الغرفة بعد ان فتحها بتردد ولكنه سحبها داخلها واغلق الباب بشدة ثم هوى على شفتيها بقبلة حطمت دفاعاتها.. تأوهت بعنف فقد شعرت بالرغبة تجتاحها.. شوق ورغبة عشر سنوات لفتهما معا.. كان هاشم يريد ان يتحدث مطولا ان يتشاجر ان يعنفها.. ان يعاقبها على سنوات البعد وعلى عنادها ولكن ما ان رآها حتى انهارت دفاعاته كلها.. اصبح امامها اعزل بدون سلاح وهي قاتلته مدججة باسلحة فتنتها وانوثتها التي لم تنقصها طول السنوات ولا كبر السن..
هويا معا في بحر لا شطآن له .. بحر الشوق واللهفة والرغبة..
..................................
امسك عاصم الهاتف ليتصل بليلى.. لم يحادثها منذ ان زيارتها لوالدته.. كان يود ان يفهم ولكنها دائما كانت لا ترد على الهاتف .. كان يكاد يجن يريد ان يفهم ما الذي غيرها.. يكاد يجزم انها فتاة اخرى غير التي قابلها في السفينة.. ولكن هل يمكن ان يكون الشبة لهذه الدرجة.. لا يمكن ان تكون اخرى .. كل التصرفات معكوسة .. كيف تأكل اللحم ولا تحب القهوة ولا تحب حتى رائحتها.. كما انها ذابلة دوما.. كالدمية التي لا روح لها.. انتهى رنين الهاتف ولم ترد ايضا. . اعاد الاتصال ولكن الهاتف كان قد اغلق..
جن جنونه ورمى الهاتف المحمول بطول ذراعه.. وهنا دخل كريم المكتب مصادفة ليتلقف الهاتف ... عقد حاجبيه وهو يراه بهذه الحالة .. امسك الهاتف ووضعه بعيدا عنه وهويقول: ماذا بك يا صديقي لم ارك في هذه الحالة من قبل..
نظر له عاصم وهو يزفر بحدة ويقول: اكاد اجن يا كريم.، اشعر انها غريبة ليست الفتاة التي التقيتها واحببتها.. نفس الملامح والشكل لكن الروح مختلفة والميول وكل شيء..
قال كريم مفكرا: ربما تمارس عليك تمثيلية اخرى..
اتسعت عينا عاصم بغضب وقال: إذا كان ذلك اقسم ان اجعلها تتمنى او انها لم تولد..
قال كريم بهدوء: ارجوك اهدأ وحاول ان تصفي ذهنك فانا اريد ان اتحدث معك في امور خاصة بالعمل..
زفر عاصم بحدة ومسح على وجهه .. وضع يده على رأسه محاولا ان يبعدها عن تفكيره ولو قليلا. .
ثم التفت الى كريم وقال بهدوء: حسنا .. كلي أذان صاغية..
بدأ كريم في الحديث عن العمل وحاول عاصم ان يعطيه تركيزه الكامل ولكن هيهات فقد كان عقله يشرد مجددا في تلك الشقراء التي انهكت قلبه بتقلباتها المزعجة.. هز رأسه بحزم كأنه يستطيع بهذه الحركة ابعادها عن تفكيره..
سمع كريم يقول: وآخر شيء هناك مناقصة في الحكومة نريد الاشتراك بها بواسطة الشركة الجديدة التي بينك وبين هاشم..
عقد عاصم حاجبيه وهو يتساءل: حسنا ولماذا ليس احدى شركاتنا ..
زفر كريم وهو يقول: يبدو انك لم تكن معي من بداية كلامي.، لقد قلت ان الشركة التي سوف تنافسنا في هذه المنافسة هي شركة السمري عدونا اللدود فاثرت ان ندخل بالشركة الجديدة حتي لا يعرف اننا وراؤها.. سيعتقد انها شركة جديدة بالمجال.. ولن يأخذ حذره..
تمتم عاصم وهو يمسك جبهته : حسنا افعل ما تراه صحيحا فحقا لا استطيع التركيز بشيء ..
هز كريم رأسه وجمع اوراقه وخرج تاركا عاصم وفي رأسه يدور الف سؤال.. لماذا تتهرب منه ومن مقابلته.. ولماذا هي متغيرة..
امسك عاصم هاتف المكتب واتصل بهاتف منزلها.. استمع الى رنين الهاتف حتى ردت الخادمة .. سألها مباشرة: اين ليلى اريد التحدث معها..
تلعثمت الخامة بارتباك ظاهر وقالت: هي غير موجودة يا سيدي عندما تحضر سأخبرها انك هاتفتها..
تأكد انها في البيت وتنكر وجودها من تلعثم الخادمة.. فانهى المكالمة بحدة وقام مسرعا وارتدى سترته وخرج من الشركة وهو يتمتم بغيظ: لابد ان انهي الامر وافهم كل شيء الآن..
وركب سيارته وانطلق بحدة ..
.......................................
زفر سامر بارتياح وهو يملس رقبته .. لقد انتهى أخيرا المعرض. . وقد نالت اللوحات وخاصة لوحة ليلى الغامضة اعجاب الاساتذة والنقاد.. مط شفتيه وهو يتطلع بها.. غالبا ما كانت خطوطها بسيطة ساسة كطباعها .. ما الذي حدث لها وجعلها ترسم بهذه الحدة والعنف.. كانت اللوحة مليئة بمزيج من الحزن والغضب والشعور بالتيه..
تنهد بعنف فما زال يحبها رغم كل شيء.. يحبها وهو يعلم انه ليس من حقه ان يشعر بهذه المشاعر.. يحبها رغم انها اصبحت لغيره.. يحبها ولا يتصور حقا انها ستكون لغيره..
انتبه على لمسة يد على كتفه.. التفت ليجد أمامه سلمى بوجهها الباسم دوما..
قالت بمرح: اوه. . واخيرا انتهى المعرض.. بهذه المناسبة ادعوك للغداء..
ابتسم باحراج وقال: نعم ولكن الدعوة مني انا..
تهلل وجهها وهي تقول: مني او منك المهم ان نتغدى سويا..
ثم امسكت يده كطفلة صغيرة متحمسة وهي تقول: هيا بنا.. اعرف مطعما رائع ..
استسلم لحماستها وحاول مجارتها ربما تستطيع مداواة جرح قلبه العليل..
ركبا سيارته القديمة .. واشارت هي اليه ترشده لمكان المطعم الذي تعرفه.. توقف امامه وتجمد .. كان هذا مطعم ليلى المفضل بجوه الهادئ الرومانسي .. امسكت يده ليدخلا معا .. ولكن قلبه كان يهتف.. لماذا كل شيء يذكرني بها.. لماذا يراها في كل الوجوه وفي كل الاماكن.. اغمض عينه ليحبس دمعة كانت لتنزل.. ثم قال: لا اريد دخول هذا المطعم..
نظرت له سلمى باستياء: لماذا؟
زفر بحدة وقال: لي اسبابي.. ارجوك يا سلمى اركبي السيارة لنذهب الى مطعم آخر..
مطت شفتيها بضيق وركبت مرغمة .. اما هو فكان يشعر ان هذا المكان مقدس بذكرياته معها لا يريد ان يدنسه بدخوله مع اخرى.. فلتظل ذكرياته بأمان لا تشوبها شائبة. .
قادها الى احد مطاعم الوجبات السريعة العادية.. خرجت من السيارة ونظرت الى المكان وقالت بضيق: هل هذا هو المكان الذي اعجبك..
تنهد وقال : نعم لنتغدى بسرعة ثم اوصلك لبيتك واذهب انا ايضا لمنزلي لانام فانا لم انم جيدا منذ وقت طويل..
تنهدت بضيق وكادت ان تضرب بقدميها على الارض بغضب ولكنها تمالكت نفسها ورسمت ابتسامة مرحة على شفتيها تناقض الغضب بداخلها..
وقالت: اذن هيا ندخل فانا اتضور جوعا..
دخلا المطعم واجلسها وقام ليحضر طلباتهما.. اما هي فقد كانت تغلي غضبا.. ما زال يحبها.. تلك الفتاة الشقراء المتعجرفة.. لم تحبها يوما وزادت كراهيتها عندما علمت بخطبتها لسامر.. فقد كانت تشعر نحوه بالاعجاب منذ ان كانا طالبين معا في الجامعة.، ولكنه كان دوما بعيد المنال.. كان يترفع ان يدخل في علاقة مع زميلة له يعلم انها ستنتهي بدون زواج .. ولكن احتفاظه بدور الزميل والصديق للجميع بدون استثناء جعلها تصمم على الحصول عليه .. وعندما خطب ليلى شعرت انه افلت من بين يدها..
نبهها من شرودها رنين هاتفها النقال.. نظرت الى اسم المتصل بحنق.. ثم نظرت الى سامر الذي يحضر الوجبات.. فقامت مسرعة وخرجت من المطعم ثم ردت على الهاتف الذي كان يرن بإلحاح. . قالت بحدة: نعم يا ايمن ماذا تريد..
رد ايمن: انسيت لدينا اليوم ميعاد..
زفرت بحنق وهي تقول: حسنا امامي حوالي الساعة وسآتي..
قال ايمن ببرود: حسنا ولكن لا تتأخري.. انت تعلمين جيدا ماذا يمكن ان افعل لو تأخرت..
انهت المكالمة بحدة .. ودخلت الى المطعم لتجد سامر قد احضر الطعام.. رسمت ابتسامة على شفتيها وقالت: اسفة كانت مكالمة مهمة.. فوالدتي تتصل بي تستعجلني للعودة للمنزل..
قال سامر ببساطة: حسنا فلنتناول الطعام لنذهب بسرعة..
نظرت له وهي تتناول الشطيرة .. دار بعقلها سؤال.. هل يمكن يوما ان يحبني..
...............................
اتكأ هاشم على ذراعه.. يتأمل تلك النائمة بين ذراعيه كالحورية النائمة. . مد يده يتحسس وجنتها البيضاء النقية ويزيح تلك الخصلات الشقراء الناعمة المتناثرة على جبينها.. تساءل كيف استطاع ان يحيا بدون مرآها تستيقظ في فراشه وبين ذراعيه كل تلك السنوات.. كانت كالوردة الندية لم يفسد جمالها وانوثتها مرور عشر سنوات.. ولا عشر سنوات اخرى.. كانت كالعطر المعتق كلما ازداد عمره كلما ازدادت حلاوته ..
همهمت ماري وهي ترفرف بجفنيها ثم فتحت عينيها وحين رأته ينظر لها بحب اغمضت عينيها وفتحتها مرة اخرى ثم تمتمت وهي تتحسس وجنته: لو كنت حلما ارجوك لا ترحل..
امسك يدها وقبل كفها وهو يقول: لست حلما يا حبيبتي.. انا حقيقة .. بجوارك وانت بين ذراعي..
ابتسمت بحب وهي تضمه لها وتقول: هذا شيء لم احلم به في اكثر احلامي سعادة.. كنت بدونك كالميتة بلا روح.. لو لم تأت امس كان سيكون نجاحي بلا طعم. .
قال بلوم: كنت ستخطبين..
ابتسمت وقالت: لن اكون لغيرك يا حبيبي .. لم اتخيل يوما ان اكون لغيرك ..
كادت ان تقول انها حتى غفرت له خيانته ولكنها لم تشأ افساد تلك اللحظات بينهما ولكنه بادرها: ولكن اذا كنت تحبيني كل هذا الحب لماذا هربت وتركتني..
عضت على شفتيها واعتدلت جالسة وقالت: ارجوك لا اريد افساد تلك اللحظات بيننا بالحديث عن الماضي..
رفع حاجبيه وهو يقول بتحد: ولكني اريد ان افهم.. افهم لماذا افترقنا عشر سنوات كاملة.. لماذا تركت بيتك وبناتك.. ما الذي فعلته لتتركيني احترق طيلة عشرة سنوات..
تنهدت وقالت وعيناها تهرب من عينيه: الا تعرف حقا لماذا فعلت ذلك..
امسك كتفيها وهزها وهو يقول بحدة: لا .. لا اعرف واريد ان اعرف الآن.. انت لم تعاتبني ولم تسمعي دفاعي ومن حقي بعد كل سنوات العذاب تلك ان افهم..
عضت على شفتيها بقهر .. ثم قصت عليه ما حدث ليلتها.. سمع كلماتها وهو عاقدا حاجبيه في غضب.. بعد ان انتهت من كلماتها التي كانت تهوي عليه كالخناجر .. قام بهدوء وتناول ملابسه قالت باكية: الى اين ستذهب.، الن تقول شيئا..
نظر لها بغضب مكبوت وقال بسخرية مريرة: ولماذا .. لماذا ادافع عن نفسي الآن ان كنت حاكمتني وادنتني منذ عشر سنوات.. هل لاثبت براءتي.. واي براءة تلك من الممكن ان تفيد متهم بعد ان ادين وقضى فترة عقوبته..
تساقطت دموعها وقامت مسرعة لتقف امام الباب وهي تراه انتهى من ارتداء ملابسه وتوجه للباب ليخرج .. وهي تقول : لا لن تتركني.. دعنا لا نتحدث عن الماضي يا هاشم..
ازاحها عن الباب ومر منه .. شاهدته وهو يخرج وكأن روحها ستخرج من جسدها.. ارتدت ملابسها سريعا وخرجت خلفه راكضة.. شاهدته خارج الفندق يستوقف سيارة اجرة فأسرعت نحوه.. وحين ركب السيارة ركبت بجواره.. انطلق السائق بالسيارة.. فقالت بتوسل: ارجوك يا هاشم.. انا كنت مخطئة بالفعل عندما غادرت بدون اي كلمة وحين رفضت التحدث في الموضوع.. انا الآن اصدقك بدون اي تبرير..
نظر لها بسخرية: اعتذار بعد عشر سنوات فراق اعتقد انه ليس له طعم..
قالت له بحزن: كانت الدلائل كلها تؤكد خيانتك.. اهمالك لي وبرودك وفتورك.. كنت احاول ابقاء جذوة حبنا مشتعلة ولكنك كنت تصر على اطفائها.. ثم جاء يوم عيد زواجنا ليؤكد ظنوني.. انت نسيته للمرة الاولى منذ عشر سنوات .. وكنت مع غيري..
التفت لها وغرز اصابعه في كتفها وهو يقول: لم اكن يومها في المكتب.. لقد خرجت الساعة الخامسة لمرافقة وفد اجنبي كنا نجري معه صفقة .. ويومها لم انسى ذكرى زواجنا ولكني كنت بالفعل مشغول للغاية مع هذا الوفد .. لا ادري كيف سمعت ما سمعت.. انا تركت المكتب وكان به سلوى ومعها سعد الالفي لانهما كانا يعملان في بنود الصفقة.. وعندما عدت للمنزل ووجدتك نائمة اعتقدت انك نسيت..
صمتت بصدمة.. لقد ظلمته كل هذه السنوات.. لم تسمع دفاعه.. فعلت كل ما اتهمته به.. حاكمته وادانته بدون ان تسمع دفاعه..
همست : انا حقا اسفة.. اسفة بعدد كل تلك السنوات التي فارقتك فيها.. اسفة بعدد كل الدموع التي ذرفتها في بعدك.. لو لم تصفح عني فهذا حقك.. ولكني اقسم اني احبك.. احبك لدرجة اني لم اعد اتصور حياتي بدونك.. كنت اظن اني في بعدك سأعيش سعيدة .. ولكني كنت دوما اشعر اني بلا روح.. تركت روحي معك .. وعندما رأيتك في المشفى علمت اني لا استطيع العيش بدونك..
لان قلبه لكلماتها.. فقال: واذا عدنا هل نعيش كل مننا في دولة..
ابتسمت وسط دموعها وقد شعرت ان قلبه قد لان وانه صفح عنها.. وقالت بسرعة: لقد قدمت استقالتي ومعي ما يكفي لانشاء بيت ازياء خاص بي في مصر..
صفر ساخرا ثم قال: لقد دبرت كل شيء. . والان لو لم ات ماذا كنت ستفعلين..
ابتسمت بحب وقالت مشاكسة: كنت سآتي انا اليك..
ابتسم قائلا : مكانك محفوظ سيدتي..
اخبر السائق ان يغير اتجاهه ليذهب الى بيت ماري لاعداد حقائبها للعودة الى مصر..
..................
قامت ليلى من الفراش بوهن فقد اجتاحتها الالام بشكل اشرس.. رغم انها تناولت دواءها المسكن منذ ساعة فقط.. حاولت الاحتمال ببسالة ولكن الامها هزمتها .. ورغم تحذيرات الطبيب بعدم تناول الدواء الا في مواعيده .. امسكت علبة الاقراص وترددت للحظة ولكن الالام عاودت هجمتها بشدة.. فحسمت امرها واخرجت قرص اخر وتناولته بسرعة واستلقت على الفراش قليلا حتى هدأت الالام ولكنها شعرت بدوار يكتنف ذهنها..
سمعت طرقات على باب الغرفة فقالت وهي مغمضة العينين: ادخلي يا ام محمد
فتح باب الغرفة.. فقالت وهي مغمضة العينين: هل اتصل مرة اخرى؟
اعتدلت جالسة بسرعة عندما سمعت صوت عاصم الغاضب هو يقول: لا لقد تعلمت من خطئي .. فجئت اليك مباشرة..
قامت وهي تقاوم دوارها وقالت بوهن: كيف تدخل غرفة نومي .. كيف سمحت لنفسك بهذا. .
امسك كتفيها بشدة وهزها وهو يقول: لاني اريد ان افهم .. اكاد اجن.. من انت حقا ..
ولكنه نظر اليها بذهول فقد هوت بين ذراعيه فاقدة للوعي.. هتف بها بذعر: ليلى .. ليلى. .
ولكن بلا رد..
.............،،......،،،،،..........
