رواية ميراث الحنايا الفصل الثالث عشر 13 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
«مابين عُقـدة آل عبد المحسن... وانفراط السُبحـة»Part13
"مو كل باب يُفتح يكون خلفه فرح. و مو كل غياب يوجع، ولا كل حضور يفرح."
+
كانت رزان ممدده على السرير الأبيض، وجهها شاحب، شفايفها باهتة، ودموعها ناشفة من كثر ما بكت. أصابعها كانت تمسك بطنها بخوف، والأجهزة حولها تصدر أصوات متقطعة تزيد التوتر في الغرفة.
+
جنبها، تميم جالس على الكرسي الصغير، مائل بجسده للأمام، يده ماسكة يدها، وعيونه ما تفارق وجهها. كان صوته مبحوح من كثر ما نادى اسمها وقت الحادث، وكل ثانية تمر عليه كأنها دهر.
+
دخل الدكتور، ملامحه متوترة، وصوته منخفض وهو يقول:
"السلام عليكم... الدنيا ذي، كل شي فيها قَدر ومقدور..."
وقف تميم بسرعة، صوته فيه رجفة: "دكتور، طمني، كيفها؟ وش فيها؟"
+
تنهد الدكتور، قلب الملف اللي بيده وقال بصوت متردد:
"زوجتك بخير الحمدلله... بس للأسف، كان فيه جنين في بطنها... وتوفّى، يعني أجهضت."
+
السكوت خيّم على المكان، كأن الزمن توقف.
شهق تميم بصوت عالي، وصارت الكلمة تتردد في راسه "جنين... توفى؟"
لف على رزان بعيون مصدومة، وقال بصوت مخنوق: "إييييش؟!"
+
رزان كانت تناظر فيه بعينين مليانة دموع، تحاول تتنفس، صوت بكاها طالع خفيف ومرتجف:
"تميم... ولدي..."
+
انهارت تبكي بصوت مكتوم، ودفنت وجهها في يدها، ودموعها تنزل على الشاش اللي يلف راسها.
تميم جلس جنبها، مسك يدها، ما قدر يقول شي، صدره يطلع وينزل بسرعة، وصوته مختنق:
"قدر الله وما شاء فعل... بس ليه يا رزان؟ ليه صار كذا؟"
+
وبينما هو يحاول يحتويها، انفتح الباب فجأة، ودخلت الجدة سارة ومنيرة وهدى و غرام والباقين بعد ما سمعوا صرخة تميم، والقلق واضح على وجوههم.
اقتربت الجدة سارة بخطوات بطيئة وقالت بصوت مبحوح:
"وش صار يا تميم؟ طمني ي ولدي؟"
+
ما قدر يرد، رفع عيونه عليهم، ودمعته نزلت بصمت.
نزلت الجدة سارة عيونها على رزان اللي تبكي، وفهمت بدون ما أحد يتكلم.
رفعت يدها للسماء وقالت:
"يا رب، ألطف فيهم بلطفك، واربط على قلوبهم."
+
المكان امتلأ بنحيب خافت، بين بكاء منيرة، وصمت تميم اللي كان ماسك يد زوجته بقوة، كأنه يخاف تفلت منه مثل ما فلت منهم الحلم اللي ما كمل...
+
الجهة الثانية...
دخل سلمان من الباب، يسحب علي على الكرسي المتحرّك. وجه علي شاحب، والصمت اللي بينهم أثقل من كل المصايب اللي صارت في ساعة وحدة.
+
تنهد علي، صوته مبحوح وهو يقول:
"يبه... وين جدي هيثم؟ أحس في شي... البيت ليه عادي كذا؟ وين عمامي؟ وين جو—"
سكت فجأة... كأنه حسّ إن الوقت غلط يسأل.
+
سلمان ما رد... بس طالع جدران البيت بتنهدة طويلة.
وفجأة اندفع وهدان عليهم وهو يركض، حضن علي بقوة!
صرخ علي من الألم، وسلمان بسرعة مسك وهدان ورجّعه لورا.
+
قال وهدان وهو يضحك ضحك هستيري:
"يبه اشتقت لعلي!"
+
سلمان:
"وشو له اشتقت له؟! بس مو تنط عليه كذا! أخوك تعبان، حرام عليك يا وهدوي."
+
وهدان بخجل:
"أسفه يبابا... بس من زمان عنه! ذا ذيب ما شاء الله... جاته طعنه ومن ثاني يوم طلع من المستشفى، ذي معجزة!"
+
سلمان:
"اذكر الله يا ولد! قول ما شاء الله... الله يحفظه.
على العموم، وين أمك؟ وين أختك وأمي؟"
+
توتر وهدان... بلع ريقه وقال:
"الصراحة بابا... رزان بنت عمتي منيرة... طاحت من الدرج.
ركضوا فيها للمستشفى.
تميم وجدتي سارة وعمتي منيرة كلهم طلعوا.
واللي داخل متوترين: جدي هيثم، عمي ناصر، البنات...
وتوّ تميم دق وقال بخير... بس صوته متوتر ومبحوح.
وحصه وعمي آسر رايحين للمستشفى."
+
سلمان وعلي تبادلوا نظرات توتر خانقة...
التفت سلمان وهو واضح يفكر بشي:
"أجل... وين آسر؟ خل نروح المستشفى."
+
قال علي بخوف:
"يبه... خلني أروح معكم."
+
سلمان هز راسه:
"لااا... مو وقت.
الدكتور قال ترتاح... ومو ناسي إنك زنيت عليّ عشان أطلعك من المستشفى.
كان المفروض تقعد أسبوع!
خلك أنت وأخوك... أنا بروح أكلم جدي هيثم."
+
سحب عليه سلمان وراح...
وهدان أخذ يدفع كرسي أخوه وهو يحاول يسولف عشان يغير جوه.
لكن علي ما كان يسمع...
عيونه كانت معلّقة على السقف...سرحان، مشغول، خايف.
+
داخل مجلس الحريم
+
الجدة موضي ماسكة جوالها تنتظر أي اتصال.
جنبها جوري تهدّي فيها وتحاول تطبطب على كتفها.
وحصه متوتره ماسكة عبايتها.
+
وفي الزاوية...
شموخ رافعه راسها وعلامات الانتصار مرسومة على وجهها،
والغل والحقد واضحين.
وأختها رُسل كانت متوترة، خايفة من اللي صار...
لكن شموخ قربت عليها وهمست بخبث:
"باقي ما شافوا شي... الجاي أقوى."
+
ابتسامة حقد طلعت على فم شموخ...
أما رُسل اكتفت بالسكوت، ما عاد تقدر تلحق أفعال أختها.
+
أماني كانت جالسة، تفكر، تغرق في أسئلتها...
لكن فجأة قطعها صوت سلمان يهدر في البيت:
"نوووور! ي نوووور؟!"
+
قامت نور، منهد حيلها، راحت تفتح الباب.
طلعتله برا، وقفلته.
+
سألت بهدوء رغم الهلع اللي في عيونها:
"هاه سلمان... سمعت باللي صار؟"
+
سلمان توتر:
"ايه... وهدان قالّي.
بس وين آسر؟ ما لقيته فالمجلس."
+
نور تنهدت:
"آسر هو وناصر عند البير...
آسر يستنى حصه تخلص عشان يروحون المستشفى.
أنا كنت انتظرك تجيب علي...
أبي أروح أنا وجدتي موضي.
أمي أصلاً راحت مع تميم وغرام وسلطان ومنيرة.
كلنا متوترين...
الله يستر.
رزونه ما تستاهل...
بس كل شي قدر ومكتوب.
حتى جوري... تهاوت بعد اللي صار لها.
ونجلاء ببيت أهلها ما تدري عن شي."
+
سلمان شد شعره وتنهد...
نزل راسه وكفه على الباب.
رفع عيونه على نور وقال بصوت مخنوق:
+
"جهزوا أنفسكم...
بشوف آسر وناصر...
وبنزل عند جدي هيثم...
ما أبي ضغطه يرتفع.
المصايب جت ورا بعض.
والله يستر من الجاي."
+
بعدين صمت شوي... وصوته بدا يثقل:
"وجوري... عندي كلام ثاني معها.
هي وولدك المصون... نزلوا راسنا بوساخة.
بس خلّيها... بعدين."
+
نور لمست كتفه:
"هدي... البنت فيها اللي يكفيها.
ولا علي... لا تزود عليه، دوبه طالع من المستشفى.
روح لجدك...
والباقي يصير خير."
+
سلمان نزل للبير...
شاف ناصر، وجهه أصفر، تحته هالات سودة، تعبان بشكل يخوّف.
وشاف آسر واقف، التفت وقال وهو يمسح على ظهر سلمان:
+
"الله يعين... هونها وتهون.
نروح المستشفى أنا وحصه...
وناصر أبيه يقعد، بس مو راضي.
اقول له محد مع البنات إلا مطلق وهايف.
وهايف منحرج، يبي من يساعده.
ومطلق خابص الدنيا...
وناصر تعبان، ما نام شف حتى عيونه.
تكلم معه تكفى. حاول تقنع فيه تعبني معاه."
+
تنهد سلمان:
"معليّك... روحوا أنتم للمستشفى.
ناصر عليّ أنا."
+
آسر قبل ما يمشي، قال:
"وخله علي ينام...
دوبه طالع من المستشفى.
أنا رايح أشوف جدي هيثم...
من يوم صارت السالفة وهو ما طلع."
+
سلمان:
"تمام..."
+
مستشفى الأمير محمد بن عبدالعزيز بالطائف
+
هدأت أروقة المستشفى في ذيك الساعة...
الضو الأصفر اللي فوق سرير رزان كان خافت، والدنيا راكدة كأنها تحبس أنفاسها.
+
رزان متمددة على السرير الأبيض، وجهها هادي بعد بكاء طويل...
وجنب سريرها، على الكنبة الضيقة...
كان تميم نايم.
نام من كثر التعب... نام بدون ما يحس، كأنه انهار مكانه.
+
صدره يرتفع وينزل بهدوء...
ورأسه طايح على كتفه، كأنه حارس سقط وهو يحاول يبقى صاحي.
+
فجأة—
هزته فزة خفيفة.
فتح عيونه بسرعة، يتلفت، قلبه يدق بقوة.
+
أول شيء سواه...
مد رقبته تجاه سرير رزان.
+
ولما شافها...
نايمة.
سابع نايمة.
ملامحها صافية، الدموع اللي كانت محفورة في عيونها اختفت بالنوم.
+
ابتسم... ابتسامة صغيرة، مرهقة، بس صادقة.
تميم يعرف إنها قبل لا تنام كانت تبكي، ترجف، تهوجس...
فصارت ابتسامته كأنها حمد لله إنها أخيرًا هدأت.
+
قام بهدوء من الكنبة...
عدّل شماغه، ومد ظهره اللي تعبان، وطلع من الغرفة.
+
دخل حمّام القسم...
فتح الموية، غسل وجهه، وبعدين وقف يتوضأ.
فاتته صلاة العشاء، وكان لازم يصليها.
الماء البارد صحّاه وهدّى قلبه شوي.
+
وفي نفس اللحظة داخل الغرفة...
+
فتحت رزان عيونها بهدوء.
رمشت كم مرة، تحاول تفهم المكان، وبعدين حاولت تجلس.
تمسكت بحافة السرير ورفعت نفسها شوي.
+
دارت عيونها تدور...
تدور تميم.
+
ما لقيته.
+
نزلت عيونها على الكنبة الفاضية...
وفهمت.
+
ابتسمت... ابتسامة صغيرة مرهقة.
رفعت راسها تتأمل السقف، كأنها تراجع كل اللي صار...
وفي قلبها راحة غريبة، يمكن لأنها عرفت إنه قريب... مو بعيد.
+
و عند آسر – غرفة الجد هيثم
+
آسر كان واقف قدّام باب غرفة الجد...
يده على القبضة، وضلوعه تضيق بالحمل.
تنفّس...
ودفع الباب.
+
الغرفة كانت هادية...
بس هدوء يخوّف.
+
الجد هيثم جالس على الكرسي اللي جنب الشباك، ظهره مائل شوي، نظارته بيده، وعقله يسبح بعيد... بعيد.
+
دخل آسر وهو متوتر:
"السلام عليكم... جدي؟"
+
رفع هيثم عيونه...
بطيييييء... كأنه يرجع من عالم ثاني.
+
وتجمّد آسر مكانه...
يحس إنه جاي يبشر رجل قلبه محروق.
+
تنهد آسر مرة ثانية...
رفع يده وشغّل الأنوار، نور أصفر باهت عمّ الغرفة.
سحب له كرسي خشبي قديم، لونه بني فاتح، وصوت احتكاكه بالأرض كسر هدوء المكان.
+
جلس قدّام الجد هيثم، قريب جدًا منه...
والجد كان يحرك سبحته بيده حركة بطيئة، متوترة.
+
قرب آسر أكثر... صوته هادي، لكن يبين فيه الخوف على العائلة:
"ترا يا بويه... تميم توه دق وقال إنهم بخير. معليك.
وهاذاني رايح لهم...
عاد تعرف حفيدك وحفيدتك... ذياب ما شاءلله عليهم.
أنت بس اهدى... لا يصير لك شي.
بسم الله عليك... ترانا نخاف عليك يا بويه. صحتك مهمة."
+
سكت آسر... ينتظر رد.
+
الجد هيثم تنهد تنهدة كسرت قلب آسر...
مدّد ظهره شوي وهو يطالع الشباك اللي جنبه، نظراته ضايعة في القمر، كأنه يحاول يلقى إجابة فيه.
+
عكازته مستندة عند رجله...
ويده ثابتة، بس صوته ما كان ثابت.
+
بدون ما يلتفت على آسر...
قال بصوت منخفض، مبحوح من الهم:
+
"لا حول ولا قوة إلا بالله...
لا حول ولا قوة إلا بالله."
+
نزل راسه...
وصمت.
+
رجف كتفه الصغيرة من ثقل التفكير.
+
وبصوت بالكاد يُسمع... همس:
+
"سيبني لوحدي يا ولدي...
سيبني لوحدي."
+
الكلمة جرحت آسر...
لكنه عرف إن الجد ما يقصد يبعده، بس قلبه مو شايل أكثر.
+
وقف آسر ببطء...
مد يده وطبطب على كتف الجد، لمسة احترام وخوف وحب.
+
"تصبح على خير يا بويه... الله يقوم رزان بالسلامة."
+
لف آسر...
وفتح الباب بخفة، وطلع من الغرفة.
+
والباب انقفل وراه بصمت...
خلى الجد هيثم وحيد مع همومه، ومع القمر اللي ما زال واقف عند الشباك.
+
بيت متعب بن مهاب – الساعة 10:30 الليل
+
متعب متمدد بالصالة، التلفزيون قدّامه على قناة الأخبار، وصوته واطي شوي.
جنبـه غزيل... مدنّقة راسها، النفَس يطلع منها متقطع من كثر ما كانت تبكي قبل شوي على بنتها دانه اللي انتحرت.
ملامحها منهارة، لكن دموعها خلصت... ما عاد قدرت تبكي أكثر.
+
لفّت فجأة على متعب بصوت مكسور:
+
غزيل:
"متعب... وين الجازي؟"
+
رد عليها متعب بدون ما يشيل عينه عن الأخبار، نبرة باردة، ثقيلة:
"الجازي راحت ملكة بنت خالتها.
أنا أصلاً مؤديها بعد صلاة المغرب... و قبل العشاء بشوي."
+
سكتت غزيل لحظة...
وبعدها قالت بصوت فيه قهر:
+
"أها... تمام.
بس... متى ناوي تخرج ولدك من السجن؟
انت تبي مستقبل الولد يضيع؟!"
+
هنا... التفت عليها متعب بسرعة.
عيونه تغيّرت، وصوته تلون بالعصبية والاحتقار:
+
"أول شي...
لا تقولي عنه ولدي.
أنا حتى لو هو ولدي... ما أعتبره ولدي ولا اعترف فيه ولا أتشرف انه يكون ولدي و بعدين عن اي مستقبل تتكلمين عنه هاه عن وشو!؟.
+
ثاني شي...
لا تنسين إنه تربيتك انتي وتربية أبوك...
وأبوك هو اللي ربّاه.
+
وبتشوفين... بشوف له واسطة وبطلّعه.
بس... لا مو عشانه، لاااا يا يمّا...
أطلعه عشان سمعتي أنا وبس."**
+
قرب وجهه منها زيادة وقال بحدّة:
**"وأساساً... بكراً بيجي مهاب عيون أبوه.
بيقعد عندنا شهر... يمكن شهرين، عنده إجازة من جامعته.
+
وانا خلصت كلامي...
وإذا قلت كلمة... لا أشوفك تحطين فوقها كلمة ثانية.
يعني كلمة وردّ خطّاها... فاهمة؟"**
+
وقف متعب من مكانه...
وأعطاها ظهره، ومشى بدون ما حتى ينتظر رد.
+
غزيل قامت بهدوء...
وجهها جامد، ما نزلت منها ولا دمعة...
مو لأنها قوية، لا...
لأنها تعبت.
تعبت لين جفّت منها الدموع.
+
دخلت غرفتها، سكرت الباب،
وجلست على طرف السرير...
تفكر:
+
وش بيصير بعدها؟
وش بينتظرها مع متعب؟
ومهاب إذا رجع... وش بيقلب في البيت؟
والسجن... والجازي... ودانه... كل شي متلخبط فوق بعض.
+
والبيت كله...
يحس إنه واقف على حافة شي كبير جاي."
+
و في داخل سجن الطائف العام
+
كان الليل داخل الزنزانة أثقل من الجدران نفسها.
هزّاع متمدّد على الأرض، راسه على يده، والبرد يقرص جلده.
عيونه مثبتة على سقف خشن ومتسخ، كأن كل نقطة فيه تذكّره بخطأه.
+
تنهد بقهر وقال بينه وبين نفسه:
+
**"متى الفرج يا الله...
بس أطلع من ذا المكان...
بس أطلع...
وأوريهم كلهم...
خلّهم يستنون علي بس.
+
الجوع ذابحني...
آه بس من ذا السجن الزق!
والله ما جابني هنا إلا يدي...
تفووو بس...!"**
+
غمض عيونه، وصدره يطلع وينزل بسرعة...
من القهر، من الندم، من الجوع... من كل شي.
+
صوت سجين جنبه يسعل، وصوت مثبتة الباب الحديد تضرب مع الهواء...
والليل طويل... طويل مرّة على هزّاع•
+
و في نفس الحظة لأكن في مكان آخر
+
الساعة 11:15 الليل... طريق الطائف فاضي، بس التوتر مالي الجو.
+
سيارة آسر تمشي قدّام، عيون آسر مثبتة على الخط الأبيض تحت الأنوار.
جنبه حصّة ساكته، يدينها مرتبكه في حضنها، وكل شوي تطالع نافذة السيارة كأنها تهرب من اللي بقلبها.
+
الخلف...
تمشي سيارة سلمان.
معه نور و الجدة موضي.
+
ولا أحد فيهم يتكلم.
الهوا داخل السيارة كأنه ثقيل...
الهم واحد... والخوف واحد...
+
نور تطالع سلمان، تشوف فكه معضوض وتعرف إنه يبي ينفجر من القلق.
والجدة موضي ماسكة سبحتها، تعيد نفس الذكر، وبصوت واطي تدعي:
"يا رب... يا رب تقوم رزان بالسلامة..."
+
وفي سيارة آسر...
حصّة همست فجأة وهي تطالع الطريق:
+
"بابا.. تتوقع بيصير شي؟"
+
آسر شد على المقود وقال بصوت واطي لكنه حازم:
+
"الله يستر... يماما ي عيون ابوتس بس دام تميم موجود معها... كل شي بيهون."
+
والسيارتين يكملون طريقهم...
والليل كله واقف ينتظر وش بيصير في المستشفى.
+
في مستشفى الأمير محمد بن عبدالعزيز بالطائف...
+
تميم خلّص صلاته، طوى السجادة بهدوء، ولف على أمه اللي كانت رافعة يدينها وتدعي من قلبها:
إن الله يقوم رزان بالسلامة.
+
قرب منها، مسك يدها، وقال بنبرة ناعمة:
"يا بعد الدنيا... رزان بخير، اهدي. ما عليك."
+
تنهد شوي وكمل:
"الحين بكلم الدكتور أشوف إذا باقي لها أدوية ولا شي... إذا تمام، نطلع بكرا. الجنين ما كمل أسبوعين."
+
وقبل يكمل، انفتح الباب وصوت آسر حزم الممر:
"السلام عليكم."
+
غرام قامت بسرعة، راحت له، حضنها بكل قوته كأنه كان خايف يفقدها.
الجدة سارة ومنيرة وقفوا على جنب، وعيونهم كلها قلق.
+
اتجهوا كلهم عند سرير رزان...
حولوها بدفا، كأنهم يقولون لها بدون كلام:
"أنتِ مو لوحدك."
+
رزان ابتسمت بخفة... ابتسامة ضعيفة لكنها مليانة امتنان.
+
دخل الدكتور، بيده مجموعة أدوية:
"ي تميم، وصلني كلامك عن الخروج... لكن خلها تاخذ الأدوية هذي أول. مهمّة."
+
كان ينتظر رد تميم، لكن سلمان سبق وقال وهو رافع حاجبه:
"وش الخروج؟ الزم حدّك ي تميم. خِل البنت ترتاح، مو لازم تطلع."
+
تنهد تميم:
"يا عم... أدري. بس ودي أطلعها من الجو الكئيب ذا. نغيّر جو... نسافر، تتحسن نفسيتها."
+
رزان حركت يدها شوي وقالت بابتسامة خفيفة:
"لاا يا خال... ترا أنا بخير. أقدر أمشي وأروح وأجي.
بس تميم... سفره؟ وش تقصد؟ ما قلت لي عن شي؟"
+
جلس تميم على الكرسي اللي جنبها، قرب راسه لها وقال بنبرة دافية:
"ولا شي... بس ودي أمخّذك مكان هادي نغيّر جو.
قبل الزحمة حق التقديم على الجامعات.
نستانس شوي... أنا و انتي."
+
غرام شهقت تنهيدة طويلة، ورفعت عباءتها وقالت بصوت متعب لكنه قوي:
غرام: أجل روحوا كلكم...
أنا بقعد مع البنت.
ارتاحوا أنتم وروحوا البيت.
+
كانت منيرة بتفتح فمها وتعترض، لكن غرام لفّت عليها بنظرة أوقفتها مكانها...
نظرة أم خايفة، منهكة، لكنها متملكة الموقف.
منيرة ابتلعت كلماتها ورجعت خطوة ورا.
+
تميم حسّ الوضع بدأ يضيق... الجو صار مشحون، والكل تعبان.
عدل وضع الأدوية في يد غرام وقال:
تميم: أبد تم...
بس إذا احتجتوا شي، كلموني فوراً.
+
غرام ورزان قالوا سوا، بنفس الطبقة الهادية:
غرام ورزان: طيب...
+
الجدة سارة رفعت عصاتها شوي وقالت:
سارة: بكرا نجيكم من بدري...
ونجيب لنا أغراض، وإذا أحد بيجيها المستشفى عشان "الحمدلله على السلامة"، نكون جاهزين.
+
غرام عدّلت شيلتها بخفة، وقالت وهي تومئ لجدّة سارة:
غرام: ايه جيبوا...
بس...
+
سكتت شوي كأنها تذكّرت شي ثقيل...
رفعت حاجبها وقالت:
غرام: غزيل ومتعب بيجون ولا...؟
+
منيرة شهقت شهقة واضحة وقالت بصوت مصدوم ومتعصّب:
منيرة: لااااا! لا أبد لا!
مابيهم يجون عند بنتي...
ولا تنسون إننا ما رحنا عزاء بنتها دانة—رحمها الله—عزّيناهم من بعيد بس، لا بعيد... لا تنسون!!!
+
ولا بعد نسينا إن ولدنا الغلطان!
مابيها تجي تزيد الطين بِلّة... هي وضرتها عاد... تعرفون لسانهم ما يرحم! أعوذ بالله!
+
غرام ضربت كف بكف وقالت:
غرام: إيييه... وقسم بالله نسيت.
+
وفجأة... الباب انفتح ودخلت الممرضة بنبرة هادية ومستعجلة:
الممرضة: يلا خلص وقت الزيارة...
بس خلو معاها مرافق أو مرافقة.
+
ثم طلعت.
+
بدو تميم و آسر و ناصر و الجدة سارة و منيرة و حصه – اللي كانت ما تمسك يد رزان وتواسيها – يقومون واحد واحد، كلهم متوترين شوي بس يحاولون يخفون، وتحركوا برا الغرفة وكلهم ساكتين إلا خطواتهم.
+
غرام لفّت على رزان، قلبها متلخبط بس صوتها كان هادي بشكل ما يطمن:
غرام: "يلا يا بنتي... لازم تنامين. جهّزي نفسك للنوم، ما ينفع تسهرين كذا، ما نمتي إلا ساعتين."
+
رزان: "بس يا عمّه..."
+
غرام: "قلت بدون بس... هيا!"
+
رزان مدّت رجلها بهدوء، كأن جسمها أثقل من قبل، غمضت عيونها ببطء، وصوت القرآن يملا الغرفة، يبرد جوفها شوي.
غرام جلست بجنبها، مدت يدها على راس رزان، تقرا وتحوق، وكأنها تحاول تحميها مو بس تهديها. لين ما حسّت نفس رزان يثبت... نامت.
+
داخل سيارة تميم...
الجو ساكت، بس التفكير يصارخ.
الجدة سارة جنبه، نايمة نص نص، وولدها قدامها مخّه يدور:
هل فعلاً رزان طاحت لحالها؟ ولا... فيه شي؟ فيه أحد؟
+
قطع هواجيسه صوت منيرة من الخلف:
منيرة: "يا ولدي ركّز بالطريق... قول منتيبه تهوجس واجد. شفيك؟ تعال فضفض لي وأنا عمتك."
+
تميم شهق شهقة صغيرة من الفجأة:
تميم: "لا أبد يا عم... بس تفكير، بس."
+
منيرة: "تميم! متأكد؟"
نبرتها مو شك... نبرتها خوف.
+
تميم: "إي."
بس صوته شايل ارتباك واضح، حتى الجدة وهي نعسانة لاحظته.
+
الجدة كانت تحاول ما تنام... تحاول تمسك عصابها... فجأة مسكها ضحك خفيف بدون سبب واضح، ويمكن من التعب. ضحك تميم وهو يقول:
تميم: "أوهــوو جدتي! شفيك؟ تو الناس!"
+
الجدة سارة مدت يدها وضربته ضربة خفيفة على فخذه، مو زعل... دلع.
ما ردت، كملت نومتها، ومنيرة ضحكت عليها بصوت واطي وقالت:
منيرة: "الله يصلّحكم أنتو الاثنين... واحد يهوجس وواحدة تنام وتضحك!"
+
وتميم رجع يناظر الطريق...
ووراء عيونه سؤال واحد يحوم مثل دخان:
مين كان عند الدرج؟
+
في بيت الجد هيثم...
الليل هادي، و الكل نايم إلا من لمبات بالون الأصفر خفيفة تلوّن الجدران القديمة.
الجد هيثم جالس على طرف السرير، مسبحته تتقلب بين أصابعه، وعينه على الباب كأنه ينتظر شي مهم.
+
انفتح الباب شوي شوي ودخلت جواهر، شعرها مربوط على عجَل، وتبان مرهقة.
قربت منه وهي تتمغط وتتنهد:
+
جواهر بصوت خافت ومكسور نوم:
"ابوي... انت مناديني صح؟ دوبني منومة هتان وفيصل وميار بالقوة، وجاني النوم بس قامت هيلة تقول: بابا هيثم يبغاك.
هلا يابوي، أمرني... وش صاير؟"
+
الجد هيثم ابتسم ابتسامة أبوّي دافية، تخفف حتى من رهبة كلامه:
هيثم:
"والله يا بنيّتي... كان في هم على قلبي... وانزاح.
كنت شايل هم رزان... يوم قالوا طاحت، قلبي طاح معها.
بس خلاص، قالوا إنها بخير...
ومع هذا... أدري ما بتطمن إلا إذا شفتها بعيني... بس مو مهم الحين."
+
رجع المسبحة بيده وقال بنبرة أخف:
"مناديتك لأني أبيك بموضوع."
+
جواهر تبتسم رغم التعب:
"الحمد لله إنها بخير... الله يديم هالنعمة.
وسارة وتميم وموضي ومنيرة كلهم بالطريق...
بس سمّ يا يبه... وش بغيتني فيه؟"
+
هيثم يميل ظهره على المخدة ويشهق شهقة مشتاق:
"إيه، الله يوصلهم بالسلامة.
اسمعي... وأنا أبوك...
دوبني مكلم ثريا."
+
جواهر تفتح عيونها على آخرها:
"ثريا؟!"
+
هيثم:
"إيه. كملتها... ولله إن الشوق مالي قلبي عليهم.
حتى ما قدروا يجون زواج تميم ورزان...
بس خلاص...
قلبي ما يطاوعني أكثر.
كلمتها، واليوم كلمت رباح بعد... يجي ويجيب زوجته وعياله كلهم.
من زمان عنهم... مشتاق، مشتاق لين العظم."
+
جواهر تهز راسها بفرحة ما قدرت تخبيها، تبتسم ابتسامة من قلب:
"أبك جدّ؟! كلمتهم يا يبه؟
يا وييييل حالي... من زماااان عنهم!
والله صدق من قال... الشوق يذبح."
+
تتنهد بحماس وتعدل جلستها:
"خلاص، عاد لازم نبدأ تنظيف وتجهيز...
مو بس لاستقبال رزان...
لاستقبال أمي ثريا...
و رباح وعياله بعد!
أبشّرك... مشتاقه لـ مِجــاهد
وخلف... وخليف...
ومزوووون...
مشتاقة لهم بشكل...
آخر مرة شفتهم كانت... عزّة مشبّب، أخوي... الله يرحمه."
+
سكتوا لحظة... الجو امتلأ بذكرى ثقيلة وريحة فقد.
هيثم مسح على يد بنته:
+
"الله يرحم مشبّب...
بس يا جواهر... الجايات أحسن... والقلوب إذا اجتمعت... تبرى."
+
جواهر تهز راسها وتبتسم بحزن دافي، وتقول:
"بإذن الله... بإذن الله يا يبه."
+
... فجأة، وبينما جواهر تسولف مع أبوها هيثم...
+
رنّ جرس الباب بصوت عالي مزعج شق هدوء البيت كامل.
جواهر فزّت واقفة لا شعوريًا، يدينها ترتجف من القهر:
+
جواهر:
"ياااا ربييييي... مين اللي يدق؟!"
+
طلعت من الغرفة بخطوات سريعة تنزل الدرج وهي تكتم عصبيتها، شعرها يتحرك مع كل خطوة، لين وصلت عند الباب.
+
فتحت الباب ببطء وبوجه ما يعطي خير أبداً:
+
جواهر بعصبية منخفضة عشان ما يصحون العيال:
"مو أنا قلت لَـحَـدّ... لَـحَـدّ يدق الجرس؟
دحين بيصحّـون البنات... والعيال...
هااايف ما صدق يغمّض، وأنا دوبني منوّمة هتان وفيصل وميار بالقوووة!
آخر الليل والبيت نايم...
يالله... ادخلوا... بس لا تدقون مرّة ثانية!!"
+
ضحكوا كلهم وهم داخلين واحد واحد...
آسر، الجدة سارة، منيرة، نور، سلمان، تميم، حصّة...
كأنهم قروب من الهاربين من معركة.
+
لكن جواهر وقفت قدّامهم ورفعت يدها تسكّت صوتهم:
+
جواهر بابتسامة خفيفة:
"توقّعوا مين جاي؟"
+
تميم يرفع حاجبه، صوته مبحوح من التعب:
+
تميم:
"يا جدّتي... مو وقت السبرايز الحين...
وش صاير؟ مصيبة جديدة؟"
+
موضي من ورا سارة تعطيه كف خفيف على ظهره:
انت شفيك مافي برأسك إلا مصيبة اعوذ بالله تعوذ من ابليس ياولدي ان شاءالله مافي إلا الخير و العافية.
+
جواهر:
"وشو له مصيبة؟ أعوذ بالله!
في خبر حلو... وخلّنا من الإنجليزي حقك، أنا مالي فيه!"
+
ضحكت، وكملت وهي تحط يدها على صدرها:
+
جواهر:
"أمي ثريا... بتجي!"
+
حصّة + تميم + منيرة (بصوت واحد):
"إيييييييييييييييييش!!!"
+
جواهر تضحك وتصفق بيدها:
+
جواهر:
"إييه... بيجوووون كلللللهم!! رباح وعياله بعد!"
+
تميم بإبتسامه: يالله اني مشتاق لهم يشيخه الشوق الف!"
+
حصه: الله اخيراً بيجون عمي رباح و مزنه!!.
الله"
+
منيرة و هي تتقدم صوب جواهر: ياويلي يالله حيهم من زمان عنهم شكلنا ما بنستقبل بس رزان بنسوي عزيمه كبيره عاد ولد عمي رباح مو بهين.
لازم نذبح له."
+
سلمان: ايه لازم لأكن هل جدي صرح متى بيكون بالضبط؟"
+
جواهر: الصراحه ابوي ماقال لي بس الي اعرفه ان ما معانا وقت ول لازم ننجز!"
+
الجدة سارة: اكيد بس خل ندخل فيني نوم!"
+
ضحكو تميم، و جواهر، و آسر، و غرام، على كلام.الجدة سارة
+
و البيت انفجر بضحك وسواليف وكلام كثير...
جو دافئ، رجعة ناس غايبين، فرحة ما تنوصف.
+
لكن...
+
فوق... من الشباك...
عيون تراقبهم بدون ما أحد ينتبه.
+
أسماء كانت واقفة عند الستارة، متنهدة:
+
أسماء:
"هااه، شفتي؟
وش قايلة لك أنا؟
جت جدّتنا جواهر تقول بروح أنوّم هتان وفيصل وميار...
شوفيهم!
يضحكون ومبسوطين مدري على وش!"
+
جوري تمسك يدها وتضحك بخفة:
+
جوري:
"ههههههههههه ابد خليهم...
يلا نروح ننام قبل تجينا الحين وتصفّقنا صفقة ما ننساها!"
+
أسماء وهي تقفل الستارة وتلتفت:
+
أسماء:
"ايه والله... صادقة!"
+
وهم يمشون وسط الظلام، كل وحدة تحاول تلحق فراشها...
+
جوري بالغلط دعست على رجل رغد اللي نايمة نوم أهل الكهف.
+
رغد تصرخ:
"آآآآاخ!! مين الحيوانة؟!"
+
قبل تخلص كلامها جوري تتعكرف وتطيح فوق رغد،
وأسماء تطيح فوقهم اثنينهم!
+
ضحك هستيري مالي المكان.
+
هدى تفتح النور وتصارخ:
+
هدى:
"مــــا تنامووووون؟!
خلاص!
انادي عليكم عمتي جواهر الحين!"
+
جوري بضحكة بايخة:
"اقول اصّ انتي يا النفسية!"
+
هدى تعصب:
"احترمي نفسك أنا عمتك يا كلبة... ونامي!"
+
الضحك انفجر أكثر... رغد تطق الأرض بيدها من الضحك، وأسماء تصرخ:
+
أسماء:
"ههههههههههههه بس خلاص خلصت... متتتت!!"
+
فجــأة...
انفتح الباب بقوة!
+
دخلت جواهر، شعرها منفش، نظرتها قاتلة:
+
جواهر:
"إيه إيه واضح نايمات... ما شاء الله!!"
+
وسكتوا...
ثم انفجروا ضحك مرّة ثانية.
+
،
+
في المستشفى الساعه ٨:٣٠ صباحاً
+
دخلت الممرّضة وهي تدق الباب دقّة خفيفة، وبمجرد ما فتحت شغّلت المِبْه وهي متوقعة إن رزان وغرام صاحيات... لكن تفاجأت إنهم مكمّلات نوم.
+
غرام فزّت بقوة يوم نور اللمبة ضرب وجهها، يدينها ترتجف من الفجعة.
+
رزان، من صوت حركتها، قامت مفزوعة بعد.
+
غرام لفت على رزان بسرعة وهي تشوف الجوال، ترفع وتخفض، عيونها تتسع:
+
غرام:
"يا بنتيييي!!! الساعة ٨:٣٤!! وش قاعدين نسوي؟!"
+
رزان—تمددت شوي، حطت يدها على خدها، وتطلّع فيها باستغراب وضحكة صغيرة:
+
رزان:
"وش فيها عاد يا عمّه؟ ٨ مو آخر الدنيا...
والله المهم إنك نمتي صح... أمس ما نمتي من كثر ما كنتي تقرين علي وتمسحين على راسي... ما جاك النوم إلا آخر الليل... ما عليك!"
+
غرام تهز راسها بقلق واضح:
+
غرام:
"لا بنتي... ما ينفع... يمكن يجينا أحد، يمكن يدخلون يطمنون عليك، لازم نكون جاهزين ومترتبين! مو معقولة نصحى كذا!"
+
رزان غطت ضحكتها:
+
رزان:
"ههههههههه خلاص خلاص... معليك يا عمّه."
+
الممرضة تقدمت بخطوات خفيفة، ماسكة الصينية قدّامها:
+
الممرضة:
"لازم تفطرين قبل تاخذين دواءك يا رزان."
+
رزان:
"تمام... جيبي.
بس خليني أقوم أتشطف وارتّب نفسي شوي... وبرجع آكل."
+
الممرضة وهي تتراجع للباب:
+
الممرضة:
"براحتك..."
وطلعت.
+
غرام وقفت، سارت ترتّب المخدة وتعدل السرير وهي تردد:
"يا الله... يوم ما يبدأ إلا مفجوعين..."
+
ضحكت وزان و دخلت الحمام.
+
،
+
و في نفس الحظة لأكن في مكان آخر
+
تميم كان واقف و ماسك الدلة ويصب شاهي لناصر...
الجو كله صباحي ورايق، رجال مجتمعين، ابتسامات، حديث خفيف.
+
البيت مبسوط اليوم... خبر وصول رباح وعياله وثريا قلب جو الديرة.
+
سلمان رفع الكاس وهو يبتسم من قلب:
+
سلمان:
"يااان الفرحه مهيب سايعتني اليوم...
من زمااان عن ولد عمي مشبّب رحمه الله... وعن عياله بهاج وخلف وخليف ومزون...
والله إني مشتاق لهم موت..."
+
هز راسه وهو يتذكر:
+
سلمان:
"وغير كذا استغربت يوم قال لي جدي هيثم إن جدتي ثريا ما بتجي ملكة تميم ورزان...!"
+
ناصر يضحك وهو يميل على ظهر الكرسي:
+
ناصر:
"ترى أمكم هذي إذا زعلت... تسوي مقاطعة تشيب الروس...
بس دام إنها بتجي اليوم؟ خلاص... الدنيا بخير."
+
مطلق يدخل وهو يحك عينه من النوم:
+
مطلق:
"من جدهم بيجون؟ بهاج بيجي؟"
+
سلمان يهز راسه بحماس:
+
سلمان:
"إييه الكل... حتى مزون."
+
مطلق على طول ابتسم ابتسامة خبيثة:
+
مطلق:
"يبيلها... لبس... وكشخة..."
+
ناصر رمى عليه نظرة ضحك:
+
ناصر:
"اجلس يا متبهذل... لا يضحكون عليك الثياب!"
+
الكل ضحك...
وتميم كان هادي، بس واضح عليه الفرح، عيونه تلمع وهو يمسك فنجاله:
+
تميم (بخاطر هادي):
"الله يتمّمها على خير... وألحق على رزان قبل تزعل منّي..."
+
وبعدها رفع راسه وقال بصوت مسموع:
+
تميم:
"على طريقكم للمستشفى؟"
+
سلمان:
"ايه بعد شوي... نروح نشوف رزان ونطمن."
+
تميم هز راسه وهو يخفي ابتسامة خفيفة.
+
لأكن ناصر قطعهم و قال:
هيه هيه! خير منت رايح ي سلمان اليوم أنا الي بروح امس شبعت نوم و اليوم بروح!"
+
سلمان و آسر ضحكو، سلمان: طيب طيب! و أنا اخوك شفيك!؟"
+
ناصر كان بيردّ على سلمان، لكن قطعته نغمة جوّاله...
لمع الاسم قدّامه:
+
(نجولتي)
+
قلبه تشقلب، ابتسامة حاول يخفيها بس ما قدر...
قام بسرعة وطلع برا المربّع، خطواته تلقائية وهو يمشي يم المشربية عند البير.
+
علق الجوال على أذنه:
+
ناصر:
"الو؟"
+
جاءه صوت ناعم، مكسور بشويّة فرح... ناعم مرّة لدرجة حساه يلامس أذنه:
+
نجلاء:
"الو... ناصر؟"
+
قلبه فزّ... وابتلع ريقه:
+
ناصر:
"لبيه..."
تراجع بسرعة، عدّل صوته:
"ايه هلا."
+
نجلاء:
"السلام عليكم..."
+
ناصر:
"وعليكم السلام... هلا؟"
+
نجلاء تنفست بعمق، واضح إنها لفت الدنيا قبل تكلمه:
+
نجلاء:
"اسمعني زين يا ناصر...
أبيك اليوم، إذا ما عليك أمر... أقابلك.
ضروري.
في موضوع لازم تعرفه."
+
ناصر جمد... نبرة صوتها مو نجلاء العادية.
هذه نجلاء اللي تصير قوية بس إذا الموضوع مره مهم.
+
لكن ناصر؟ كابر... رفع الجدار اللي بينه وبينها:
+
ناصر:
"انتي تدرين إن خلاص...
ما عاد في شي يربطنا ببعض.
إذا عندك شي... قوليّه وانتي بالخط.
ما يحتاج نتقابل."
+
سكتت ثواني... بعدها جاء صوتها أعصــب:
+
نجلاء:
"الموضوع لو إنه مو مهم...
ما كان دقيت عليك أصلاً.
وانت تعرف هالشي زين... صح ولا لا؟"
+
ناصر ضغط على أسنانه:
+
ناصر:
"طيب... وش الموضوع؟"
+
نجلاء انفجرت:
+
نجلاء:
"يعني كذا نظامك؟
أنا أقولك الموضوع مهم...
وانت تقول قوليّه بالخط؟
صدق من قال:
أشرّ على القمر... والـ(....) يناظر إصبعي!!"
+
ناصر اتنرفز:
+
ناصر:
"نجلاء... عنّ الغلط!
+
وبطّلي عبط، ترى ماني فايق لك.
تبين نتقابل؟
خلاص، أنا بجيك.
وباخذ جوري معي.
ساعتين طريق... وساعة النص...
وأنا عندك.
إني بالطايف... وانتي بالرياض.
بس بجــي."
+
سكتت نجلاء لحظة... بعدها قالت بصوت طايح:
+
نجلاء:
"طيب... مع السلامة."
+
ناصر:
"مع السلامة."
+
قفلوا الاثنين.
ناصر ثبت جواله بيده، يتأمل الشاشة كنه ينتظرها ترجع تتصل...
حاجبه ارتفع بخفة، وبدا على ملامحه سؤال واضح:
+
"ليه قفلتي؟ ليه مستعجله؟"
+
بس بسرعة شد على قلبه، كابر...
سحب نفس طويل، وطبع على وجهه الجمود اللي تعود عليه، ودعس على كل الشعور اللي تحرك فيه.
+
لف على عقبه...
خطواته ثقيـلة شوي من القهر اللي ما يبغى يعترف فيه.
فتح باب المجلس ودخل.
+
،
+
أسماء كانت مستأنسة لدرجة تخوف...
الفساتين ناثرتها بكل زوايا الغرفة—على السرير، على الكرسي، على الدولاب... حتى عند الباب فستان طايح.
+
دخلت جوري ورغد وهدى، وعيونهم توسعت على حجم الكارثة.
+
رغد تنحنحت:
"يا بنت انتي شتسوين؟ ليه قالبه الغرفة كذا؟ شصار؟"
+
هدى بسخرية:
"لا شكلها بتسوي حفله داخل الغرفة مع الجن."
+
جوري تنهق ضحك:
"ههههه لا خلوها... شكلها فعلاً بتسوي حفلة معاهم. أعوذ بالله."
+
أسماء لفت عليهم بعيون نصف مغلقة:
أسماء:
"هيهيه مرة ضحكتوني... انتي وإياها.
أقول يلا بس تقلعو... ما لكم صلاح فيني، وبعدين—"
+
وما كملت...
لأن حصّة دخلت وهي فاتحة الدولاب وتفتّش:
+
حصّة (بحماس):
"بنات أما محد قال لكم؟ أنا قلت لأسماء!"
+
البنات بصوت واحد:
"وشهو اللي محد قال لنا عليه؟"
+
حصّة تبتسم بسعادة غريبة:
+
حصّة:
"بنااااات!
جدتنا ثريا...
وعمو رباح...
وعيالــــه...
ومزوووون...
بيجووون!!"
+
هدى بصدمة وفرح:
"إييييييش!؟"
+
رغد ويدانها على راسها:
"لا لا أكيد تمزحو! بنات!
أما بابا بيجي!!؟"
+
حصّة:
"ايه! أما ما علمك رغود؟ معقولة؟"
+
رغد:
"ورب ما كلمني بشي!
بس حمااااس... اشتقت لمزون أختي... وخلف!"
+
جوري:
"بنات!! تمزحون صح؟ مو معقوول! حماس!
بس كيف ما علمتوني إلا اليوم؟ بعقلكم؟"
+
أسماء (رافعه حاجب):
"وأزيدك من الشعر بيت...
إنهم جايين... اليوم!"
+
جوري تنفجر:
"كلووو زق!!
متى نمدّي نجهز الحييييين؟ بلا غباء!"
+
هدى بجدية:
"بنات هدو...
لازم نروق.
نجهز على رواق.
وبعدين لا تنسون رزان! لازم نستقبلها ونخفف عنها."
+
فتحت الجدة الباب وهي مستغربة:
+
الجدة سارة:
"يبنااات؟ وش صاير؟"
+
هدى:
*"أمي!
تخيلي... حصّة تقول ولد عمي رباح وعياله وزوجته وجدتي ثريا بيجون!
اليوم!
+
وحنا ما جهزنا ولا شي.
وغير كذا بنستقبل رزان!
والمسكينة تحت ضغط.
وما عطتنا خبر إلا الحين!
+
ورغد تقول أبوها ما علمها بشي!
كيف انتي بنته وما عطاك خبر؟"*
+
رغد (تصارخ):
"اقووولك ما أعطاني خبر!
شكله ما كلم أحد إلا جدي هيثم!"
+
جوري فجأة تلتفت على حصّة:
+
*"وبعدين انتي!
من علمك أصلاً؟
أنتي ما كنتي بالبيت!
جيتوا من المستشفى آخر الليل!
+
منو عطاك خبر؟
لا يكون تفلمين علينا وجايبه السالفة من كيسك!
+
لأن آخر مرة جدتي ثريا وعمي رباح وعياله جو الديرة كان...
بعزّة جدي مشبب!
+
تسوقين أمها انتي!؟"*
+
حصّة رفعت شنطتها وبتطلع:
+
حصّة:
"أقول... لا تكذبيني.
روحي سألوا جدتي جواهر،
وهي بتعلمكم.
يلّا."
+
ركضوا جوري وهدى ورغد برا الغرفة متجهين للجدة جواهر...
وأسماء؟
+
أسماء واقفة مكانها، مصدومة، عيونها تلمع من الفرح.
الجدة سارة طالعت فيها...
ضحكت بخفة، وطلعت معهم.
+
أسماء ابتسمت...
الفرحة رجعت للعائلة.
وانحنت تكمل تجهيزاتها بحماس أكبر.
+
،
+
كان علي جالس على كرسيه المتحرك، متصدّر المجلس، وهايف جالس قدّامه، مسند يده على ظهر الكرسي وكأنه يناقش موضوع مصيري.
+
هايف وهو يلوّح بيده:
+
"يا ولد خلها على الله...
بس اسمع... أنا و(وافي)؟
مررره مو أخويا!
أنا وياه ما نتوافق أبد،
إنت اللي دايم معه وتضحكون وتتحلطمون سوى...
أما أنا؟ ما أدانيه حتى!"
+
علي رفع حاجبه وهو يكتم ضحكة:
"إي والله إنه يجيب الهم...
وهو بعد أخوه.
الله يخارجني منهم كلهم.
وتدري بعد؟ ولا واحد فيهم جا زارني بالمستشفى!"
+
هايف هز راسه:
"وربي إني كنت داري...
بس معليه، ما نلومك."
+
وفجأة تقدّم مطلق عليهم بخطوات ثقيلة وسالفة واضحة على وجهه:
مطلق وهو يضحك:
"يا شيخ فكونا...
من يوم صحّيتوا وأنتم: وافي ووافي وواااافي...
خلاص أبلشتوووني!"
+
ولم يلحق يكمّل...
لأن سلمان صوته جاء من ورى، بنبرة أبوية:
+
سلمان:
"ولد!
لازم تتلقف؟
خلاص ياخي... الاثنين يسولفون.
وش تبي فيهم؟"
+
مطلق بس فتح فمه، وانقلب يسكت.
+
وبنفس اللحظة دخل سلطان زوج منيرة، ماسك دفتر صغير ويقلب أوراقه:
+
سلطان:
"اسمع يا بويه...
إنت ما علمتنا كم ذبيحة بنذبحها للعزيمة؟"
+
الجد هيثم كان ساكت يفكر، حاط أصابعه على لحيته... ثم ابتسم ابتسامة رضا:
+
الجد هيثم:
"اذبحوا خمسين راس...
واللي يتبقى نتصدق فيه للمحتاجين وأهل الديرة."
+
سلطان:
"أبد تم يا بويه."
+
سلمان ومطلق وهايف وعلي كلهم طالعوا بعض بنفس الوقت...
وبدأ واضح إن العزيمة ماهي صغيرة أبد.
+
،
+
و في المستشفى الساعه ٩:١٠ صباحاً
+
كانت رزان واقفة عند الطاولة تنتظر الممرضة ترجع تشيل صحون الفطور، وهي تسولف مع غرام اللي تجهز نفسها وتلبس عبايتها.
+
قربت الممرضة، شالت الصحون بابتسامة وطلعت، وخلفها نظرة سريعة من رزان لغرام اللي كانت مستعجلة:
+
"سلمان وناصر وآسر بيجون... وفي أحد بيجي معهم، الله أعلم من."
+
وفجأة...
انفتح الباب فجأة ببطء وكأن أحد متقصد يدخل بثقل.
+
أماني — أم رسل وشموخ — دخلت وهي رافعة خشمها شوي، ووراها بناتها.
+
اماني مسكت العباية بيدها، ورفعت ذقنها وقالت بصوت ناعم بس فيه غرور واضح:
"السلام عليكم... مساكم الله بالخير."
+
غرام ارتبكت للحظة... لكن ابتسامتها طلعت بسرعة:
+
غرام:
"وعليكم السلام... يا هلا والله بأم فارس. حي الله من جانا."
+
أماني:
"أهلين فيك. رزان كيفك؟ عساك طيب؟ حمدالله على السلامة يا عمري."
+
رزان بخجل واضح:
"الحمدالله... كيفك إنتِ يا عمّه؟"
+
شموخ بابتسامة فيها خبث بسيط:
"الحمدالله... كلنا تمام. وإنتِ أخبارك؟"
+
رزان:
"تمام، الحمدالله."
+
شموخ:
"دوووم يا رب."
+
أماني مدت يدها بوردة ملفوفة بشيفون وهديّة صغيرة:
"تفضلي يا بنتي... شي بسيط مني."
+
رزان:
"الله يسعدك... شكراً، تعبتي نفسك."
+
رسل مشت بخطوات هادية ناحية السرير...
طلعت يدها كأنها بتسلم على رزان، لكن بخفة البرق حطّت ورقة صغيرة مطوية في يد رزان بدون ما أحد ينتبه...
ورجعت مكانها وكأن ما صار شي.
+
نظرة سريعة بينهم... فيها رسالة.
+
— وهنا الباب ينفتح مرة ثانية —
+
آسر وسلمان وتميم دخلوا حاملين ورد وهدايا.
وقفوا مكانهم مصدومين يوم شافوا سيارة رياض برّا... وزوجته وبناته داخل.
+
لكن أول ما لمحوا الحريم... لفّوا بظهورهم محترمين.
+
غرام:
"تعالوا... ما عليكم، هم متغطيات."
+
دخلوا وسلموا وجلستهم كانت قصيرة...
تميم تحرك مباشرة وجلس جنب رزان، وبدأ يسولف معها بصوت منخفض.
+
سلمان تنحنح:
"خل نطلع شوي... نخليهم لحالهم."
+
وطلعت الحريم... وفضت الغرفة عليهم.
+
رزان استحت ونزلت رأسها، تميم قرب منها...
رفع خصلة شعر نازلة على خدها وقال بهمس:
+
تميم:
"قد قالّك أحد إنك تطلعين حلوة إذا خجلتي؟ خدودك تصير حمر وتحرق القلب."
+
رزان بصوت منخفض:
"ايه."
+
تميم يبتسم وكأنه فاز بالدنيا:
"اسمعي... اليوم إن شاءالله جدتي ثريا وعمي رباح وعياله بيجون!"
+
رزان تصرّخ بصوت مخنوق:
"أمانة؟ احلف! تمزح صح؟"
+
تميم:
"لا والله ما أمزح.
وبعد... حاجز تذاكر. بكرا نسافر النمسا نغيّر جو."
+
رزان:
"وليش؟ ما أبي النمسا... قد رحت لها. ودي بإسبانيا!"
+
تميم يضحك:
"خلاص بلّغيها... نسافر إسبانيا."
+
رزان:
"بس أبي نقعد شوي مع جدتي ثريا... من زمان عنهم هي ومزون."
+
تميم:
"أكيد... احنا مو رايحين إلا بكرا. واليوم بيجون كلهم."
+
رزان بفرحة طفلة:
"طيب متى أطلع من المستشفى؟"
+
تميم:
"اليوم إن شاءالله... بس أطّمن عليك، بعدها يصير خير يا بعد الدنيا."
+
رزان تضحك بخفة:
"شكراً... خلاص اطلع برا!"
+
تميم (يمثل الانقهار):
"يعني تطرديني؟ وأنا باقي ما شبعت منك؟!"
+
دفّته بخفة وهي تضحك:
"إيه إيه... برا!"
+
قام... وقرب منها...
حط قبلة على راسها وقال بصوت هادي:
"أحبك."
+
وراح...
وهي بقت ساكتة وقلبها يطييييح.
+
الجو برّا الغرفة كان أهدى من اللازم.
آسر وسلمان واقفين مع رياض يسولفون، وجوّ الحديث ثقيل شوي، لكنه مستقر.
+
وبعيد عنهم...
في زاوية رمادية ما توصلها الشمس، كان ناصر واقف.
ضارب عينه فالأرض، لكنه من داخل مخه فيه عاصفة.
كلام نجلاء من المكالمة يزن بثقل جبل.
+
ليش تبي تقابله؟ وش الموضوع؟ وليش الآن؟
+
ناصر يبلع ريقه...
وفجأة لمح تميم طالع من غرفة رزان.
+
هنا تحرك...
كأنه تحرر من مغناطيس كان ماسكه.
+
اتجه بخطوات سريعة عند سلمان، وسحبه معه للزاوية نفسها اللي كان فيها قبل شوي.
صوت ناصر نازل، لكنه مستعجل... مثل اللي يبي يخرج قبل ما يطيح عليه السقف:
+
ناصر (بهمس):
"اسمع يا سلمان... أنا مضطر أرجع بيت جدي هيثم.
أخذ جوري... وأمسك خط للرياض.
ضروري!"
+
سلمان (عيونه توسّعت):
"وإيه عسى ما شر؟ وش فيه؟"
+
ناصر يلتفت يمين يسار، كأنه يخاف أحد يسمع حتى النفس اللي يطلع منه:
"موضوع مهم... بعدين أعلمك.
الحين ما عندي وقت.
بس الله يعافيك... إذا أحد سألك، قل لهم ناصر راح مشوار وبيرجع. تمام؟"
+
سلمان:
"طيب... بس خل جوالك مفتوح.
لا تقفله، عشان لو صار شي... أدق عليك."
+
ناصر يهز رأسه:
"تم. مع السلامة."
+
وطلع...
خطواته تسرّع... ثم تختفي.
+
⸻
+
تميم كان لافي وراجع. لمح سلمان واقف لحاله، اقترب بنظرة مستغربة:
+
تميم:
"أما شفيه عمي ناصر؟ وش صاير؟"
+
سلمان:
"لا... أبد. رايح مشوار وبيرجع. وش فيك أنت؟"
+
تميم:
"ولا شي... بس بروح أدور الدكتور. خلاص... أبي أطلع رزان."
+
سلمان:
"تم... روح."
+
تميم اتجه صوب مكتب الدكتور
الممر طويل... أحذية الزوار تضرب البلاط بضجة خفيفة، لكن تميم عقله في مكان واحد فقط:
رزان.
+
وقف عند مكتب الدكتور، طرق الباب، ودخل.
+
تميم:
"السلام عليكم."
+
الدكتور كان يرتب أوراق على طاولته، رفع رأسه بابتسامة رسمية:
"وعليكم السلام... هلا والله. أمرني."
+
تميم جلس قدامه، ظهره مشدود لكنه يحاول يخفي فرحته:
"الله يسعدك... أنا زوج المريضة رزان بنت سلطان.
وجيتك بخصوص خروجها اليوم."
+
الدكتور هز رأسه:
"ايه... أمس اتفقنا.
يمديك تطلعها اليوم.
بس وقّع لي على هالأوراق."
+
تميم أخذ الأوراق... وقع بسرعة، كأنه يخاف يسحبون الكلام منه.
وقف بابتسامة صغيرة:
+
"مع السلامة، دكتور."
+
وطلع...
وتحس في خطواته لهفة شخص يركض لأجمل جزء من يومه.
+
وفي مكان ثاني، داخل سيارة ناصر...
كان ساكت ويفكر في نجلاء والموضوع المهم اللي بتكلمه عنه.
جوري كانت معصّبة، تطالع أبوها وتقول بعصبية:
+
جوري:
"يبه وش فيك ماسك خط؟ وين رايحين؟!
وش السالفة؟! أخذتني فجأة بدون ما تعلّمني!
وتدري اننا كنا نتجهز لجدتي ثريا وعمو رباح!"
+
ناصر تنهد وهو يحاول يمسك أعصابه:
"يا بنت اهدي، وش فيك زنّانة؟ استهدي بالله!"
+
جوري:
"بس بابا—"
+
ناصر:
"بدون بس! خلاص اصه!"
+
وصلوا أخيراً، ووقفت السيارة تحت.
نزل ناصر، وجوري نزلت معه.
تقدّمت جوري ودقّت الجرس.
+
انفتح الباب، واستقبلها جدّها (أبو أمها)...
سلمت عليه بحرارة وهي تبتسم،
وتقدم ناصر بعدها ودخل... سلّم على أبو نجلاء ببرود واضح.
+
رحّب فيه محمد ودخله المقلط.
+
وبعد دقائق...
دخلت نجلاء، والابتسامة شاقّة وجهها.
جلست جنب بنتها.
+
قامت جوري وحضنت أمها بحرارة:
"ماما اشتقت لك."
+
نجلاء، ويدها تمسح على شعر بنتها:
"يا عمري... وأنا أكثر.
بس اسمعي جوري... تقدرين تطلعين برا؟ نبي أنا وأبوك نجلس شوي لحالنا."
+
قبل ترد جوري، نطق ناصر بسرعة وبنبرة متحفّزة:
"وشوله تخرجينها؟! خلها تسمع...
وش تبين فيني؟ هي مهي بزره... خلها جالسة."
+
عفست نجلاء وجهها وتنفست بقهر قبل ما تنفجر بصوت عالي:
"يعني تبغاها كذا؟ أجل ابشر... أنا حااامل!"
+
وقف ناصر دفعة وحدة، عيونه متوسّعة من الصدمة،
و جوري صرخت وهي تفز:
"إييييش؟ أَنْتِ إيييش؟!"
+
حاولت نجلاء تهدي بنتها وهي تمسك يدها:
"يا عمري اهدي... اشبك؟ المفروض تكونين مبسوطة! بيجيك أخ... شفيك كذا بسم الله؟"
+
ناصر بصوت مليان شك وغضب:
"وش تقولين؟ من وين جبتي الخرابيط هذي؟ تبينني أرجّعك؟ عارف حركاتكم ذي أنا"
+
وقفت نجلاء وهي رافعة حواجبها بعصبية واضحة:
"أقول، لا تفتي من راسك! واحترم نفسك... أنا زوجتك السابقة، وإذا ما احترمت هالشي... احترمني لأني أم ولدك!"
+
ناصر يتراجع خطوة، صوته ينكسر بين استغراب وخوف:
"منجدك انتي؟... انتي حاامل؟"
+
نجلاء رفعت رأسها بكرامة وقالت:
"إيه... ولا بعد بتتّهمني إن الولد مو ولدك يا شيخ ناصر؟"
+
جوري تدخّلت وهي معصّبة ومصدومة:
"ماما وش تقولين؟! على وش أكون مبسوطة أنا؟! يجيني أخ أصغر مني بـ٢١ سنة؟! لا يشيخ... وش الشي الحلو بالموضوع اللي يخلّيني أفرح؟ هاه؟!"
+
ناصر حط يده على جبينه:
"لا حول ولا قوة إلا بالله..."
+
وبصوت منخفض:
"بأي شهر؟"
+
نجلاء:
"بالشهر الثاني."
+
جوري جلسِت على الكرسي ويدها على راسها:
"يا ويل حالي... وش هالمصيبة؟"
+
نجلاء بصوت حاد:
"أقول اشكري ربّك ولا يكثر... غيرك مو ملاقي!"
+
جوري حاولت ترد، لكن نجلاء قطعتها:
"بدون بس يا جوري... إذا تبيني أرضى عليك يا عيون أمك."
+
دخل محمد أبو نجلاء وقال بهدوء وهو يطالع ناصر:
"هاه يا ناصر... ما ودّك ترجع زوجتك بذمّتك؟"
+
ناصر نزل راسه... كأنه مستسلم لقدر يحبه ويخاف منه بنفس الوقت، وقال بصوت مبحوح:
"رجعت... يا عم... رجعتها."
+
جوري وقفت وعيونها تلتمع بخليط من الفرح والذهول:
"ماما... بترجعين معانا يعني؟"
+
نجلاء رفعت راسها باتجاه ناصر... والتقت عيونهم.
لحظة طويلة... بعدها نزلت دمعة من عين ناصر، ومعها دمعة من نجلاء.
+
ناصر بصوت مكسور ومليان ندم:
"ولله يوم طلّقتك كانت لحظة طيش... مدري كيف هانت علي علاقة حب وقفت بوجه أهلي عشانك... وعلاقة زوجية دامت ٢٢ سنة... أخ... مني."
+
نجلاء ما قدرت تتحمّل... ركضت له وحضنته بقوّة، وهو ضمّها كأنه خايف تفلت من يده مرّة ثانية.
+
جوري طلعت برا الغرفة... وعلى وجهها ابتسامة ما قدرت تخفيها.
+
و في الجهة الثانية...
كانت سيارة تميم تشق الطريق بهدوء، رزان جنبه، مسك يدها وكأنّه يعوّضها عن كل التوتر اللي مرّوا فيه، صوتهم خفيف وسواليفهم متقطعة بس مليانة حب. وراهم تمشي سيارة آسر ومعه غرام، وخلفهم سيارة سلمان لوحده.
+
رياض كان مار بالطريق المعاكس، لمح موكب العائلة من بعيد، بس كمّل طريقه بدون ما ينتبه أحد له.
+
،
+
وصلوا جميعهم بيت الجد هيثم. وما إن فتح ناصر باب المجلس، ويده ماسكة يد نجلاء، وخلفهم جوري...
إلا وانقلب وجه سلمان، وتميم، ورزان، وحتى غرام تجمّدوا مكانهم!
+
سلمان بصدمة:
«ناصر؟!»
+
ناصر وهو متضايق:
«خلاص سلمان... بعدين نتكلم.»
+
حتى مرزوق وسلطان اللي كانوا ماسكين الخرفان وقفوا مذهولين!
+
،
+
دخل ناصر مجلس الرجال، بينما تقدّمت جوري ونجلاء ودخلوا مجلس الحريم.
+
الجدة سارة، وموضي، وجواهر، ومنيرة، وغرام، وهدى... الكل وقّف كلامه، وكل العيون صارت على نجلاء.
+
الجدة سارة تقدّمت لها بخطوات بطيئة، ونبرة صوتها خايفة:
«نجلاء... وش جايبك بهالوقت؟»
+
نجلاء ابتلعت ريقها، قلبها يدق:
«والله يا عمه... مدري شاقولك... بس أنا حامل.»
+
الكلمة نزلت كالصاعقة.
الجدة سارة شهقت بصدمة.
منيرة وهدى بصوت واحد: «إييييييش!!؟»
+
نجلاء وهي تحاول تحافظ على ثباتها:
«إيه... وأنا كلمت ناصر من الصباح.
جاني بيت أبوي هو وجوري... وعلّمتهم كل شي.»
+
منيرة كان واضح عليها الفرح، والبنات بعد كلهم تهاوشوا على حضن نجلاء أول، أمّا الجدة سارة—ورغم كل التوتر اللي كان بينها وبين نجلاء—إلا إن ملامحها تلانت يوم سمعت كلمة "حامل".
الفرحة ضربت قلبها بسرعة... هاه! حفيد جديد بيجي للعائلة؟
صارت الفرحه فرحتين: مجيّة ثريا... و قدوم النونو الجديد.
+
الجدة جواهر ابتسمت وقالت وهي تمسك يد نجلاء:
"هلا فيك بين أهلك وناسِك يا قلبي. انسوا اللي صار... اليوم يوم فرح. امي ثريا و عيال اخوي مشبب... وخبر الحمل! خلوها كلها فرحات، والماضي خلوه ورانا."
+
ابتسمت نجلاء، واقتربت منها وحضنتها بحرارة، والبنات حولهم يصارخون ويضحكون.
+
ومرت الساعة، وصارت ١١:٣٠...
البيت كله واقف على رجل، الزينة معلّقة، والشموع شغّالة، وأصوات الشغالات رايحة جاية.
الجميع ينتظر ثريا ورباح وعياله.
+
لكن فجأة...
بينما البنات جالسين في مجلس النساء، بدأ صوت الرجال يعلو من برّا:
"يهلــــا والله!"
"مرحبا ومسهلا!"
وصوت أبواب تنفتح ونعال تضرب الأرض بسرعة.
+
البنات كلهم:
"جـــوووووووووووو!!!!"
+
اسماء تصرّخ وهي تدور حول نفسها:
"وين الكعب حقّي!! اووف!!"
+
رزان فجأة تمدّ يدها وتعطيها كعبها:
"خذي خلاص بس خلصينا يا بنت الناس!"
+
ضحكت مي وهي تقول:
"ترى بتطلعين أطول مني يا اسماء!"
+
جوري تهرج وهي تهز يدينها من الحماس:
"يا بنات ثريا نفسها جات!! يخي ما صدقت! بفتح الباب وأركض عليهم."
+
وفجأة يجي صوت منيرة:
"اقعدوو!! استحوو! خليهم يدخلون أول."
+
ويرتفع صوت الباب الكبير حق المجلس...
ويدخل أول واحد رباح، طويل ومهيب، ومعه عياله.
ووراهم تطلع ثريّا لابسة عباية راقية، وريحة بخورها تسبقها...
النساء كلهم وقفوا مثل خط عسكري من الفرحة.
+
رزان تهمس لروان:
"يا عيوني شكل الوناسة بتقوم من اليوم..."
+
والبيت كله ينقلب فجأة ضحك، زغاريد، سلامات، أحضان...
وكان واضح إن الليلة مب ليلة عادية—
الليلة بداية فوضى جميلة من تجمع الحنايا.
+
نزلت حصّة ورغد من فوق، والقلق واضح بعيونهم، وما إن شافت رغد أبوها قدّام الباب ركضت عليه كأن شي شدّها، حضنته بقوّة، ودموعها تنزل بدون ما تحس. أبوها من كثر الشوق حتى هو دمعت عيونه، كأنه أحد ردّ له روحه.
تركت حضنه وركضت صوب أمّها مضاوي، وحضنتها بقوّة هي ومزون اللي لحقت عليهم، وصاروا ثلاثتهم ملفوفين على بعض... الدموع ماليّة المكان.
2
نزلت حصّة بخجل، واقفة تتلفّت، إلا رباح يمسكها من يدها ويسحبها لحضنه ويقول ضاحك:
"أوهوه من زمان عنّك! كبرانه يا بنت آسر!"
+
حصّة احمرّ وجهها، وضحكت بخجل وهي تشوف خلف عمها واقفين: مِجــاهد، وخلف، وخليف، كلهم مبتسمين.
+
وفجأة تذكّروا كل البنات إن الجدة ثريا جاية!
ما لحقوا يستوعبون، إلا والباب يُفتح... وطلع صوت خطواتها.
+
طلعت الجدة ثريا من ورا ظهر رباح — وش صار؟ البنات طاروا عليها!
رغد، حصّة، جوري، أسماء، وحتى رزان اللي دوبها طالعة من المستشفى تركض عليها!
حضنوها كلهم بقوة كأن سنين الشوق تنهال دفعة واحدة.
+
الجدة ثريا رفعت يدها تمسح على روسهم وتضحك من بين دموعها.
+
تقدّمت ثريا صوب المجلس، وما إن وصلت عند الباب وقفت الجدة سارة من مكانها، مبهورة...
مشيت بخطوات سريعة صوب ثريا وحضنتها حضن مو حضن عمّة، حضن أم.
+
سارة بصوت مليان فرح وغصّة:
"عاش من شافك يا أمي..."
+
طبعاً الكل ينادي ثريا (أمي)، لكن بالنسبة لسارة، ثريا هي عمّتها... أم زوجها المرحوم فهد.
رجعوا سنين ببعض.
+
سارة مسحت دموعها وقالت والفرحة تشق وجهها:
"آخر مرة شفناك يوم عزا مشبّب الله يرحمه... غير كذا ما جيتينا.
طوّلتي الغيبة يا أمي.
والله إن الشوق لك ألف...
حيّالله من جانا...
توّ ما نور البيت!"
+
دخلت الجدة ثريا، والبنات حولها، والبيت كلّه حسّ فعلاً إن النور رجع له.
+
ابتسمت ثريا وهي تحاول تبعد البنات اللي لصقوا فيها من الشوق، ورجعت حضنت الجدة سارة مرة ثانية. بعدها تقدمت نجلاء ونور وسلّموا عليها وحضنوها، والبيت كلّه كان مليان فرحة وريحة رجعة الغايبين.
+
لكن ثريا رفعت يدها بهدوء وقالت بابتسامة ناعمة:
+
"أنا ما سلمت على زوجي هيثم... بروح أسلم عليه وأقعد معاه شوي، وبجيكم. الشوق الف، بس خلّوني أبدأ بأوله."
1
ضحكت حصّة ورزان وسوّوا لها غمزة، كل وحدة فيهم تفهم وش قصدها. الجو صار ألطف، والقلوب هديت، وكأن دخول ثريا ألقى على البيت طمأنينة ما كانت موجودة من زمان.
+
مشت الجدة ثريا بخطاها الواثقة باتجاه المجلس الكبير، جهة مكان الرجال. كان صوت ضحك الجد هيثم وولده سلطان ومرزوق يصل للداخل، والصوت لحاله يشرح الصدر بعد غياب طويل.
+
وقفت عند باب المجلس، ما أعلنت دخولها على طول، تنتظر أحد ينتبه لها. لكن الجد هيثم رفع راسه أول ما حس بظل واقف، وإذا عيونه تتوسع من الفرح:
+
"ثريا؟"
+
ابتسمت ثريا والدمعة تجمع في عينها:
+
"عاش من شافك يا هيثم."
+
قام من مكانه بسرعة ما تناسب عمره، واتجه لها، وحضنها حضن مليان شوق وانكسار ولهفة وراحة. الكل في المجلس وقف احترامًا، مرزوق يبتسم، سلطان يطالع المشهد بنظرات دافية، وناصر وسلمان وهايف واقفين بدون ما يقدرون يخبّون ابتسامتهم.
+
جلس الجد هيثم معها، وسحب يدها بين يديه وقال:
+
"طوّلتي الغيبة يا ثريا... البيت بدونك ما هو بيت، ونورك ما ننساه."
+
وبينما ثريا تجلس جنب زوجها، في جهة الحريم كانت البنات يتهامسون ويجهزون القهوة والشاي، والفرحة تسابق الخطوات، لأن وجود ثريا بينهم مو بس رجعة... كان يعني بداية جديدة، ودفعة قوية للعائلة كلها.
+
وبكذا صار البيت فرحتين فعلاً:
– فرحة رجعة ثريا وعيالها.
– وفرحة خبر "النونو" الجديد اللي قلب البيت فوق تحت.
+
و قبل لحظات
+
دخل رباح ومعه مِجــاهد، وخلفهم خلف وخليف، وعين رباح تلمع دمع وفرح كأنه رجع لروحه بعد غربة طويلة. أول ما لمح الجد هيثم، تقدم له على طول وسلّم عليه بحرارة كأنهم يعوّضون سنوات من الفقد.
+
سلمان ما صدّق، سحب مِجــاهد لحضنه وهو يعفطه بين ضلوعه ويضحك:
"كبران يا مِجــاهد! أخبرك بزر... والحين طالع لك شنب! مو معقوله صرت رجال!"
+
خجل مِجــاهد ومسَح على راسه:
"ياعم كبرنا خلاص... و متخرج من الجامعة، و زي ما تعرف يعني محقق جنائي، وإن شاءالله ربي يكتب لي رزقي هنا بينكم."
+
ضحك سلمان وهو يفكه:
"بإذن الله ياولدي... الخير قدّامك."
+
جلس الرجال كلهم حول الجد هيثم، وكل واحد فيهم مبتسم، والضحك يتصاعد بينهم، والبيت كأنه يتنفس حياة جديدة.
+
في بيت متعب بن مُهاب الراهي...
فجأة اندقّ الباب.
غزيل وقفت بسرعة، وتركت اللقمة اللي كانت بيدها، لكن ما إن فتحت الباب... كانت المصيبة هناك.
+
هزّاع واقف عند الباب... وأبوه متعب واقف وراه، وجهه متشنج وعروقه بارزة من الغضب.
+
هزاع أول ما شاف أمّه، نزل عندها وحضنها بقوّة.
غزيل احتضنته كأنها تبي تخبيه بداخلها، تبكي وتهزّ يدها على ظهره.
+
لكن صووت متعب شقّ اللحظة:
+
"اسمعوا... أنتو وهالحركات. دموع ومدري إيش؟ ما أبيها.
هيه انت، لِمّ عفشك وملابسك... وعلى المطار.
تسافر برا، مابي أشوف وجهك ولا أشوف الفضايح اللي نزلت راسي بين الناس!
فشلتني... مدري وين أروح بعد سواد وجهي!"
+
غزيل تبكي بصوت مخنوق.
+
هزاع رفع رأسه على أبوه:
"بس يا يبه! أنا ولدك! تداري؟ لا تهتم للناس!"
+
متعب التفت عليه بقسوة، ومشى بخطوات ثقيلة، ومسك الشنطة اللي كانت جنبه...
ورماها قدام هزاع بقوّة.
+
"أقول... بلا ولدي بلا بطيخ.
خذها وامشِ... قدّامي ما أبي أشوفكم!"
+
وقف هزّاع ثابت للحظات، و هز رأسه، بطيب، كأن رجوله انغرست في البلاط. النظرة الأخيرة بينه وبين أبوه كانت مكسورة... نظرة ولد يحاول يفهم ليه فجأة صار غريب في بيت تربى فيه.
+
الدمعة اللي كان يكابر عليها... نزلت.
+
مسحها بسرعة وكأنه يخاف أحد يشوف ضعفه، خصوصًا أبوه.
مدّ يده للشنطة، ويده ترتجف، وحين انحنى يشيلها... حس بالعمر كله يطيح على ظهره.
+
غزيل اندفعت عليه، تمسك بكمّه وتشدّه:
"يمّه لا تروح... تكفى يمّه لا تخليني..."
+
كانت تصيح بصوت مخنوق، قلبها ينزف، كأنها تعرف إن اللي بيصير مو بسيط... وإن خروج ولدها من الباب مو خروج عادي.
+
متعب رجع لها بخطوة سريعة، وسحبها من يدها بقسوة:
"قلت لك ما تروحين معه! منتي لاحقه واحد فشلني!"
+
دفّها لورى ووقف بينهم مثل جدار، وعيناه تحترق غضب وقهر... أو يمكن خوف، بس ولا أحد قدر يقرأه.
+
هزّاع طلّ عليها، على أمه اللي يدها ترتفع له وحلقها يابس من البكاء، بس ما قدر يسوي شي...
حس إن أي كلمة بتنقال بتزيد النار وتولّع أبوه أكثر.
+
التفت... وطلع.
+
ما سمع غير صوت أمه اللي انهار بعد ما انقفل الباب عليه.
+
ركب السيارة، ورمى الشنطة جمبه، وساق بلا هدف.
يديه تشد على الدراكسون، وصدره يعلو وينزل سريع.
+
الليل براها ساكن... بس جواته صاخب.
أسئلة، ذكريات، وجع، خوف... كل شيء يضربه دفعة وحدة.
+
"ليه؟
أنا وش سويت؟
كيف يصير أبوي أول من يرميّني؟
كله منهم علي و ذيك.
بس ذيك... حسابها عندي مع اني انعجبت فيها"
+
كان يهوجس بصمت، وصوت الغصة أعلى من أنفاسه.
+
وقف سيارته، سحب شنطته، واتجه للبوابة وهو يحاول يمسك نفسه، يحاول يجمع ما بقي من قوته.
+
لكن قبل يدخل...
أوقفه رجل أمن.
+
"اسمك؟"
+
قاله.
لحظات... والشرطي يرفع نظره فيه بحدة.
+
"أنت عليك منع سفر."
+
هزّاع تجمّد:
"وش؟! كيف؟! أنا ما..."
+
ما كمل.
اثنين من رجال الأمن جاؤوا، وطلبوا تفتيش الشنطة.
+
فتحوا السحاب...
+
وصارت الصدمة.
+
أكياس صغيرة، ملفوفة بإتقان... مخدرات.
+
هزّاع وقف مصدوم، وجهه شاحب، قلبه طاح من مكانه.
+
"مو لي! هذي مو لي! والله العظيم مو لي!"
+
لكن ولا أحد صدّقه.
+
يدهم تمسكت بذراعه، ودفعوه للخلف وهو يحاول يفك نفسه، يحاول يفهم... يحاول يتنفس.
+
لحظتها بس... عرف إن فيه أحد ناوي يدمّره.
وإن طرده من البيت كان مجرد بداية.
+
بعد الغداء، امتلأ المربّع بريحة الشاي والنعناع، والضحكات الخفيفة تترقّع بين زواياه.
العائلة كلهم مجتمعين:
الجدة ثريا، الجدة سارة، الجد هيثم... سلمان، ناصر، ،سلطان، منيرة، مطلق، علي الثاني، هايف...
تميم، رزان، حصه، رغد، رباح، مزون، مجاهد، خلف، خليف، و علي و جوري الي يتبادلون النظرات مني حين لأخر... و أسماء، الجدة جواهر، الجدة موضي، و هدى.
جو دافئ ما يكدره شي.
+
لكن الجدة ثريا قطعت السواليف:
"اقولك هيثم... ما في اخبار عن مسعف ولد فهد؟"
+
سلمان ومنيرة شرقوا بالشاي.
الجد هيثم بدأ يكح، وعلي بسرعة ناوله موية بدون ما يفهم وش صاير.
+
نظر هيثم لثريا نظرة واضحة:
اسكتي.
+
لكن ثريا تنفست وقالت بعصبية يملؤها شوق:
"وشو له نسكت؟ إلى متى؟ حتى عزّة أبوه ما جا! فهمني يا هيثم! وش وضعكم؟"
+
سارة وقفت:
"حنا قلنا خلاص... ما عاد في شي يربطو بعائلة آل عبدالمحسن."
+
ثريا بعين تمتلئ دموع مكبوتة:
"حتى لو قلتو... ذا ولدنا. ما نستغني عن واحد منا مهما كان!"
+
أولاد العائلة يطالعون بعض باستغراب:
مسعف؟ وش سالفة ٢٤ سنة؟ ليه ما رجع؟ و أنا في بالي انه رجع و طلب السموحه و انه فبيته؟؟"
+
هزّ الجد هيثم راسه وقال بصوت أثقل من الحجر:
"سارة... كلام ثريا صحيح. يكفي مكابرة. ذا ولدنا... وضناك. قلب الأم ما ينسى."
+
سارة نزل راسها...
وهالمرّة الدمعه نزلت بدون ما تلحق تمسحها.
+
هايف:
"وش صاير؟ من مسعف؟"
+
رباح ضرب كفه بكفه:
"وش يمنعه يرجع؟ ٢٤ سنة غايب! وش العقل ذا؟"
+
هيثم رفع يده يحسم الجدال:
"خلاص... سكّرو الموضوع. ما نبي سوالف زايدة."
+
لكن التوتر كان واضح...
الجو تغيّر.
+
وفجأة جوال تميم يرن.
رد: "الو؟"
+
صوت رسمي:
"تميم بن آسر؟ طيارتك تقلع بعد ساعة."
+
تميم فتح عينه بس:
"طيب."
+
قفل.
ورزان تطالع فيه بصوت منخفض:
"تميم!؟"
+
تميم بحزن:
"اسف يا قلبي... لازم نتحرك."
+
ثريا:
"وشوله؟ اقعدو شوي!"
+
تميم:
"والله يا جدّة حاجزين من أول... وخايف تروح علينا الطيارة."
+
الجد هيثم:
"وكم بتقعدون؟"
+
تميم:
"شهر يا بوية... شهر."
+
آسر وسلطان نفس واحد:
"استودعناكم الله."
+
تميم ورزان مع بعض:
"التي لا تضيع ودائعُه..."
+
ووقفوا...
وطلعوا من الباب،
كأن البيت نقصه نور بعد ما مشوا.
+
ركب تميم جنب رزان، وهي قدّام، يدينها متشابكة بحضنها وعيونها فيها شرار بسيط.
+
رزان بعصبية خفيفة:
"ي كذااب! مو انت تقول بنسافر بكرا؟ ليه دحين؟"
+
تميم يضحك وهو يشغّل السيارة:
"يا عمري انتي... ما شفتي الجو اللي ورانا؟ كلهم دخلوا في سالفة مسعف ذا الي معرف من هو و ماضٍ و مشاكل، والبيت مشحون...
وإنتي توّك طالعة من تعب. أبيك تغيّرين جو، تهوين، تتنفسين... وما أبي أحد يضايقك.
أنا أخــاااف عليك يا بعد روحي."
+
رزان تتنهد وتطالع النافذة:
"أوفف... طيب. بس كان ودي اعرف مسعف ذا مين.
لاني اعرف ماعاد بيسولفون فالسالفه ذي.
و بتفوتنا"
+
تميم: ماعليك يروحي"
+
انطلقت السيارة، والضحك يعبّي الجو بينهم...
وبين الضحكات فجأة قال تميم وهو فاقع ضحك:
+
تميم: "تدرين إذا جانا ولد وش بسميه؟"
+
رزان: "وش؟"
+
تميم وهو يطيح ضحك:
"جـعــفــر."
+
رزان تصرخ ضاحكة:
"هههههههه لاااااا! عشان نناديه: يـا جـعـفـوريييي!!"
+
وانفجروا ضحك لين دمعت عيونهم.
+
دخلوا المطار، تميم ماسك يد رزان، وهي مبسوطة وعيونها تلتمع.
مرّوا على:
+
كونترات الخطوط – سلّموا الجوازات والتذاكر.
+
الوزن – حطّوا الشنط على السير.
+
الجوازات – ختموا لهم السفر.
+
التفتيش الأمني – مشوا وقّفوا أغراضهم ومرّوا من البوابة.
+
بعدها جلسوا في منطقة الانتظار، تميم مسنّد راسه على راس رزان وهما يسولفون بصوت منخفض.
+
وفجأة ظهر الإعلان:
+
"الرحلة رقم 417 للمتجهين إلى المدريد... الرجاء التوجّه للبوابة رقم 12."
+
تميم: "يلا ي قلبي، بدت الرحلة."
+
وقفوا، دخلوا الطيارة، جلسوا جنب بعض، رزان ساندت راسها على كتف تميم، وتميم شبك يدها بقوة.
والطيارة بدأت تقلع... صوت المحركات، رزان مسكت يد تميم بقوة.
+
تميم يبتسم:
"لا تخافين ي روحي، معي."
+
جلسوا، وشغلوا الفلم، وكانت لحظات دافئة...
جت المضيفة، وقدمت لهم الأكل،
وتميم بكل دلع يقطع لرزان من صحنه ويأكلها:
+
تميم: "افتحي فمك... كذا... ي سلام عليك. ي دلوعتي"
+
رزان ضحكت بخجل:
"وش ذا الدلع كله؟"
+
تميم:
"لأنك تستهليييييين. ليه منتي زوجتي؟ منتي حبيبتي.
مو كذا يصير بين المتزوجين؟"
+
وأكملوا رحلتهم جوّها حب وضحك وونس.
+
،
+
جوري في المطبخ تغسل المواعين، دخل علي وبيده صينية الشاي.
اقترب منها، ووقف جنبها، وصوته ناعم:
+
علي يهمس:
"مأخذك مأخذك... ومهما صار... مافي شي يوقف بيني وبينك.
علي لجوري، وجوري لعلي... وآخر شي نرجع لبعض، فهمتي؟"
+
جوري ارتعش جسمها كله، وخدودها حمّرت:
+
جوري:
"ولـــدد! عيب! اطلع برا لا يشوفك أحد!"
+
علي ضحك، وخطف بوسة على خدها وطلع.
+
لكن... الجدة سارة كانت واقفة برا.
+
طالعته بنظرة فهمها تمام:
"أبعد عنها... قبل يصير شي ما يعجبك."
+
،
+
هايف ممدد رجله، والجدة ثريا تطالع فيه:
+
ثريا:
"يا وليدي... ليه ما تسوي علاج طبيعي؟ ارتاح."
+
هايف:
"ايه يمه... موعدي بكرا. ثالث جلسة. لا تشيلين هم."
+
ابتسمت له بخفة، وقال:
"دوم بخير يا يمه."
+
وابتسمت الجدة ثريا... وكأن الفرح رجع للبيت.
+
،
+
نزلوا من درج الطيارة، والهوا البارد لامس خدود رزان،
وقفت عند أول خطوة برا وتجمّدت شوي، وعيونها تتسع بشكل طفولي جميل، قالت بصدمة صادقة:
+
رزان:
– "وَربي داايم أشوف إسبانيا فالتلفزيون... ما توقعتـهااا كذا! شنو ذا الجمال اوووف..."
+
ضحك تميم، ووقف جنبها وهو يحاول يلحق ردة فعلها:
تميم:
– "بعيّشك أميره... انتي بس ازهليني."
+
التفتت له رزان... مدري وش اللي جاء ببالهـا،
بس فجأة اقتربت، وحطت يدها على صدره...
ورفعت عينها فيه وقالت لأول مرّة بدون لف ولا دوران:
+
رزان (بخجل وبقلب يدق):
– "تميم... أحبك."
+
تميم حس إن قلبه طار من مكانه—
نقز حرفيًا من الفرحه!
مسكها ولف فيها لفتين كأنه طفل صغير لقى لعبته المفضلة،
وهي تضحك وتشبّك يدينها حول رقبته.
+
نزلها وهو يلهث من الضحك ويمسك يدها بقوة:
تميم:
– "عاد انتي قلتِها من نفسك... ما راح أنساها لباقي عمري."
+
ومشوا سوا لين وصلوا عند باب التكاسي...
وقفوا تكسي، ركبوا، وبدت المدينة تتحرك من حولهم، ألوان، وناس، ونخل، وموسيقى—
ورزان ماسكه يد تميم بنظرة انبهار الطفل اللي أول مره يشوف الدنيا.
+
وقف التكسي عند فندق كبير واجهته زجاج،
وتميم نزل أول شيء، فتح الباب لرزان كأنه أمير معها أميرة.
+
دخلوا اللوبي... ريحة عطر، صوت خفيف لموسيقى، ورخام الأرض يلمع.
+
رزان تمسك شنطتها وتمعن بكل زاوية،
وتميم واقف عند الرسيبشن يتكلم إنجليزي بلهجة عربية واضحة:
+
تميم:
– "Hello... reservation for Tamim Al-Aser."
+
الموظفة تبتسم، تطقّق على الكيبورد:
– "Yes sir, two nights. This is your room key... Room 907."
+
تعطيه بطاقة الغرفة،
وجاء العامل يشيل شنطهم على عربية صغيرة.
+
رزان تمشي جنبه، تهمس له:
رزان:
– "يااااه كيف يرفّع الشنط بسرعه!"
تميم يضحك:
– "يا قلبي ذولا شغلهم كذا مب مثلك انتي تطلعين شنطك وتطيح على وجهك."
+
صفقته رزان بخفه على كتفه:
– "اصه يا قليل الأدب!"
+
دخلوا المصعد...
رزان ملتصقه في تميم من الخجل لأنها أول مرة تطلع فندق معه كـ زوج وزوجة...
وتميم ماسك يدها ويدخل إصابعه بين أصابعها.
+
وصلوا الدور التاسع...
العامل فتح لهم الباب... شنطهم ترتّبت...
المنظر من الشباك يطل على المدينة كاملة.
+
تميم أول ما شاف السرير الكبير...
نط عليه مثل الأطفال، تمدد وكأنه بالبيت.
+
رزان:
– "خير؟ لا نبي نطلع! تعااال!"
+
تميم يدف المخدة على وجهه:
– "يا عمري خل نرتاح شوي... اجلسي يهديك! الرحلة متعبة."
+
رزان واقفة عند رجوله، تعقد يدينها وتقول بنبرة مدلّعة قوية:
– "نُووو... مابي... وبزعل بعد!"
+
تميم جلس وهو يسحب نفس:
– "ياليل من أم دميـعـه! خلاص خلاص... يلا قومي خل نطلع."
+
ضحكت، مدّت يدها له...
مسك يدها وقام، سحب جاكيت خفيف،
وهي وقفت قدام المراية تعدل شعرها.
+
فتح لها الباب، وخرجوا...
وتميم يمسك يدها بكل فخر كأن الدنيا كلها تشوفهم.
+
تميم:
– "يلا يا أم جعفور... نتمشى."
+
رزان:
– "تميم!! لا تبدأ... جعفور وش بلاه؟!"
تميم يضحك:
– "هذا اسم ولدنا المستقبل لا تنسين!"
رزان:
– "هقوتك؟ والله ما أرضع واحد اسمه جعفور!"
+
ضحكهم يملي الممر،
وطلعوا على أول ليلة لهم في إسبانيا...
يدين ماسكه بعض، عيون تلمع،
وبداية شهر كامل من الحب.
+
و بعد وقت قصير
+
عند الكافي، كانت رزان واقفة تنتظر تميم يطلع طلبه. الجو هادي، والناس تمشي رايحة جاية... وهي بس ماسكة شنطتها وتحرك رجولها بإبتسامه خفيفة تبين أنوثتها.
+
فجأة... حسّت بخطوات قريبة... ريحة عطر ثقيل... وصوت متهكّم، واطي، لكن واضح:
+
"الله... وش هالحلا؟"
+
احمرّ وجه رزان، قلبها نزل تحت، وارتجفت أصابعها. رفعت عيونها بخوف... الرجال قرّب أكثر، يتغزل فيها وهي تتراجع خطوة ورا خطوة.
+
مدت يدها تتعلق في يد تميم أول ما شافته يلتفت لها، تحاول تلاقي أمان بأي طريقة.
+
لكن قبل ما تنطق...
ذاك الشخص مد يده ولمس كتفها.
+
تجمّدت.
شهقت.
ورجفت يدها وهي تمسك تميم.
+
تميم ما احتاج ثانية وحدة ليعرف مين هو.
الملامح... النظرة... الوقاحة...
هذا مُهاب ولد متعب الراهي.
+
لكن مُهاب؟ ما عرف إن اللي قدامه تميم الي من ال عبد المحسن نفسه... ولا عرف إن هذي زوجته.
+
وملك الغضب؟ اشتغل.
+
تميم ما صرخ... ما سب... ما تكلم.
هجّم عليه هجمه وحدة.
نقز فوقه كأنه ينتقم لشي من سنين.
+
ضربة.
ثانية.
ثالثة.
وجهيّة ما ترحم... كأنه بيذبحه.
+
الناس تجمعت...
ومهاب حاول يحمي وجهه وما قدر... تميم فعلاً شوهه.
+
رزان؟ كانت تصيح من الخوف وتحاول تمسكه:
+
"تميم!! خلاص!! خلاص حبيبي وقف!!"
+
مسكته من قميصه، ترجّيه، تحاول تدفعه عنها.
+
وبنفس اللحظة... مهاب هرب وهو يترنح، دمه يطيح على الأرض، والناس تبعد عنه.
+
تميم حاول يلحقه لكن رزان تمسكت بيده بكل قوتها:
+
"ي عمري اهدى... اهدى تكفا... لا تخرب فرحتنا وسفرتنا عشان واحد ما يسوى."
+
وقف.
تنفس بعمق...
التفت عليها بعينين حمر، يدوّر أي تفسير:
+
"عرفتيه؟! منهو النذل ذا؟ ولد من؟"
+
رزان بخوف:
"لا والله... من؟"
+
تميم وهو يأشر على مهاب اللي يركض بعيد:
"ذا... ذا اللي كنه بريعصي... هذا أخو دانه المرحومة! ولد متعب!"
+
رزان شهقت:
"وش؟ مو دانه عندها بس أخ واحد؟ هزّاع خريج السجون ذاك؟!"
+
تميم مسك خصرها يحميها وهو يشرح بنرفزة:
"لا يا حبيبتي... متعب متزوج اثنتين. الجازي وجاب منها مهاب وتركي. وغزيل وجاب منها هزاع ودانه."
+
رزان بصوت مصدوم:
"أمااا!"
+
تميم:
"إييييه والله... ما أمزح."
+
رزان تقطب حواجبها:
"وش جابه هنا؟ مو المفروض عند أهله؟"
+
تميم:
"جاي ابتعاث... بس واضح شارب له غبرة، مو صاحي. واحد خريج سجون، والثاني خربان، والثالثة انتحرت... الله يعينهم."
+
بعدين ضحك تميم بمرارة:
"ووجهه؟ ما تحسين يشبه عيال الراهي؟"
+
رزان بحزن:
"أوف... والله حزّنتني... حتى أبوهم مسكين!"
+
تميم رفع حاجبه:
"أقول... بطّلي حزب ألطافه ذي. أبوهم نفسه... متعب! اللي تقلين عنه مسكين؟ تراه وراه بلا، وعليه سوابق وملاحظات."
+
ضحكت رزان ودقت كتفه:
"هيه! وش عرفك انت؟!"
+
تميم بتفاخر:
"معليش... أعرف كل شي. بس دايم أعيش دور الغبي."
+
رزان تمثل عليه:
"إي يا محقق كونان... قم قم، أبي آكل من مكدونالدز."
+
ضحك... وقف... مسك يدها بحنية:
"عشانك؟ ولا شي يخرب مزاجي... ولا سفرتنا. يابعدي."
+
ومشوا سوا...
خطواتهم متناسقة...
وملامحهم متطمنة...
+
كأن الدنيا كلها صفّت عشانهم.
+
في الجهة الثانية...
+
باب الشقة انفتح بقوة، وكأن الريح هي اللي دافعة مُهاب مو رجوله.
دخل وهو يجرّ خطواته جَرّ، وجهه مزرقّ ومورّم، والدم يابس عند طرف شفته. عينه فيها شرارة غضب ودوخة سُكر، وريحته فايحة شراب.
+
رفع ماجد راسه من الكنبة، ووقف مذهول:
"يرجال شفيك؟! وش صاير؟ اشبو وجهك كذا؟!"
+
مُهاب ما رفع عينه فيه حتى، رمى مفتاحه على الطاولة وصار يلعق جرح بفمه بحدة:
"يشيييخ خـلـــــاص، اصه... ما أبغى أسمع نَفَس..."
+
نبرة صوته ثقيلة، متكسّرة... فيها شيء من القهر وشيء من الفضيحة، وصوت اللي يحاول يتماسك لكنه واقع.
+
ماجد تنفّس بضيق، حاس إن الوضع أكبر من مجرد طقّة:
"ايه كله من الشراب اللي تشربه ليل نهار... والبنات اللي طالع معاهم كل آخر الليل!
حسافة... حســـافة على أبوك وأمك..."
+
هنا بالذات... شيء طق داخل مُهاب.
+
التفت فجأة، وعيونه توسّعت كذا بشكل مخيف—
وبخطوتين كان ماسك ماجد من رقبته، صوته يطلع مخنوق من القهر:
+
"إلّا أهــــلي... إلّا أهلي.
يمين بالله لو أسمع طاريهم على لسانك مرّة ثانية... لأقطع أحبالك الصوتية بنفسّي... فاهم يا قذر؟"
+
يد مُهاب كانت ترجف... مو من الحمية بس، من اللي صار قبل شوي... من الضرب اللي ما توقعه... من الإهانة اللي انحط فيها.
+
ماجد حس باليد تعصر رقبته... عرف إن مُهاب شارب ومهزوز ومو صاحي، وصوته المرتعب طلع بلا وعي:
"تم... تم خلاص ولله... بسكت... بس انت اهدأ وانا بخليك لوحدك..."
+
دفّه مُهاب بقوة...
وماجد أخذ أغراضه بسرعة وطلع من الشقة وكأنه يهرب من وحش.
+
بقت الشقة ساكتة... إلا من صوت نفس مُهاب الثقيل.
+
نظر للمرآه... شاف شكله...
شاف كيف وجهه متبهدل من ضرب تميم...
شيء داخله انكسر لحظتها، يمكن كرامته، يمكن خوفه... يمكن إحساس قديم كان دايم يخبيه.
+
مسح وجهه بعصبية،
سحب شنطته من الزاوية،
فتحها وطلع جواز سفره.
+
بدون ما يفكر... بدون ما يرتب...
نزل الدرج ركض، وهو يعرج، كأنه يهرب من كل شيء...
من اللي صار...
ومن نفسه.
+
قلبه يدق... أنفاسه تلحقه...
والملامح اللي تركها وراه كانت تكبر وتكبر... كأنها تلحقه لين باب المطار.
+
و في بيت الجد هيثم الساعه ٧:١٥ المغرب
+
كانت رائحة القهوة تملأ صالة بيت الجد هيثم، والمغرب بدأ يرخي ستايره على الديرة. أصوات البنات والحريم تتداخل مع صوت المسلسل التركي اللي شغّال قدّامهم، والفصفص متناثر على الصحون والطاولات الصغيرة. الجو كله حياة ولمّة.
+
في زاوية هادية شوي، جلسَت الجدة ثريا مع الجدة سارة، كأنهم عالم ثاني وسط كل هالضجة.
+
الجدة سارة وهي تحرّك سبحتها:
"ايه يمي... حكيني عن الديرة اللي فضلتيها علينا وعلى شوفتنا!"
+
ضحكت ثريا بخفة:
"وانتو مين اللي ما يُحبّكم؟ بس ولله ما رحت إلا علشان أريح راسي شوي، الديرة تهدي الخاطر."
+
سارة قطّبت حواجبها بنص زعل:
"ايه بس مو علينا يمييي!"
+
ثريا تهز كتفها:
"معليك معليك... انتي علميني، من بعد موت فهد... كيف الأمور؟ خصوصًا هايف وهدى."
+
ارتخى وجه سارة، تنهّدت:
"ولله يا يمي انتي عارفه وش فيها هدى... ما يحتاج اقولك. وحرام نظلم الولد."
+
ثريا رفعت حواجبها بقوة:
"اقول مافيها ظلم ولا شي! علموه الحقيقة. هم يبغون بعض، وانتو تاركينهم كذا؟ ما يصير!"
+
سارة حاولت تبتسم تهديها:
"إن شاءالله يمي... ما يصير خاطرك إلا طيب، بس تدرين الأمور مب سهلة."
+
ثريا هزّت راسها بـ حنان:
"وانا ادري... بس برضه ما أبي اشوفهم معلقين بين بعض."
+
صوت ضحك البنات من الجهة الثانية قطع الجوّ شوي، ورجع الدفء للصالة.
+
و عند البير.. سلمان و ناصر و رباح و خلف
+
كان الهواء بارد شوي، والغروب يعكس على البير لمعة برتقالية جميلة.
+
خلف جلس على حجر، رفع صوته وهو يضحك:
"اسمعوني زين... فكرة الزواج خرّجوها من راسي. أنا الآن إبداء ما أفكّر بالزواج أبد!"
+
رفع رباح عصاته عليه بضحكة شريرة:
"أقول اسكت لا أحلف عليك واخلي أمك تدور لك بنت من بنات الديرة هالحين!"
+
خلف قام يهز يده بسرعة:
"لاااا لااا هدي يابوي خلاص!"
+
انفجروا الأربعة بضحك عالي، يرد الروح، صوتهم يطير فوق البير ويمتد للبطحاء.
+
و في بيت متعب بن مُهاب الراهي
+
وقف مُهاب قدّام باب البيت، صدره يطلع وينزل بسرعة. أصابعه ترتجف وهو يمد يده لجرس الباب. لحظة تردد... وبعدها دق.
+
فتحت روات العاملة الباب، وعيونها توسعت عليه من الدهشة:
"أوووه... مِهاب؟"
+
دخل بخطوات بطيئة، عيناه تمشط المكان. ريحة البيت، الممر، الصور... كل شي صفعه بشوق قديم.
+
وفجأة سمع صوت أبوه متعب من آخر الصالة:
"هلا بولدي... هلا والله!"
+
ركضت أمه الجازي قبل حتى ما يكمل كلمته، حضنته بقوة، وصوت بكاها مكتوم:
"يا ويلي عليك... وجهك! شصاير؟"
+
متعب حضنه، دفاه صدره:
"نورت البيت يا ولدي."
+
ابتسم مُهاب ابتسامة نصها استهزاء ونصها ألم:
"أجل ها... انتو كلكم حضنتوني! ويين اخواااني؟ ودنووو؟ الشوق الففف!"
+
متعب شد على كتفه، يجره لورا:
"اسمع... خلنا من اخوانك دحين. طالعين برا ويرجعون بعدين. انت كيفك؟"
+
مِهاب رفع حاجبه، حسّ نبرة مو طبيعية:
"وشفيك؟ لا تلف ولا تدور. وش صاير؟ وين هزاااع؟ وين دانوون!؟"
+
متعب بلع ريقه. حاول يمسك نفسه. لكن صوته انكسر:
"تؤمن بالله يا مِهاب؟ كل شي قدر مقدور."
+
وجه مِهاب تغيّر...
"ابوي... اخلصص! وش صاااير؟!"
+
صرخ متعب فجأة، كأنه يطلّع غصّة عمرها شهور:
"اختك دانه... انتحرت! وهزاع انسجن... وخرّجته بواسطاتي وسفرته!"
+
الكلمة وقعت على راس مُهاب مثل صاعقة.
+
اتجمّد.
وقف مكانه كأنه حجر.
عيناه توسعت، تنفّسه انقطع، كأن أحد سحب الروح منه.
+
حاول يفتح فمه... ما طلع صوت.
بس دمعه نزلت... حارّة... كسّرت كل شيء فيه.
+
...ومهاب واقف قدّام أبوه، صوته مكتوم، وعيونه ترجف من الصدمة:
+
"أقول... أبوي... دنو وينها؟ وين دنووو؟"
+
ومتعب يهز رأسه، وما قدر يرفع عينه فيه.
+
عندها...
يطلع صوت من فوق الدرج... خطوات بطيئة...
وتركي يوقف عند آخر درجة، وجهه شاحب، ويطالع مهاب بنظرة ما فيها رحمة ولا مواساة، بس غضب مكبوت سنين...
+
وقال بحدة، كأنه يرمي كلمة بتذبح أحد:
+
"تسأل وين دنو؟
اسأل نفسك أول...
هي ماتت من وش؟
ومن اللي بدأ خراب هالبيت؟"
+
مهاب يرفع عينه، والشرارة تولع فيها...
ومتعب يصارخ:
"تركييي اسكت!"
+
لكن تركي يكمل، صوته ينفجر:
+
"لا ما أسكت...
اليوم كل شي بينقال...
كل شي."
+
وتنقطع الصفحة هنا•
+
"والريح تمرّ من صوب الديرة...
تحمل حكي ما ينقال، و خبرٍ لو انكشف غيّر مصاير.
ما انتهى البارت... انتهى الهدوء.
والجاي؟ ما يرحم أحد... لا آل الراهي... ولا آل عيد المحسن."
+
يتبع....
+
