رواية ميراث الحنايا الفصل الثاني عشر 12 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
مابين عيون الحسد و دفعة الغيرة» Parr 12
"ما انتهى الليل إلا وخلى في الحنايا وجعٍ ما ينوصف..."
+
صوت سيارات الإسعاف مازال عالق بذاكرة الكل، والسطح اللي كان قبل ساعات مكان ضحك وسوالف صار مسرح دم وصرخات.
الشرطة أخذت جثة "دانه" مغطاة بملاءة بيضاء، وأصوات النساء ترتجف من البكاء، والرجال صامتين من هول المنظر.
هزاع مكبل اليدين، يمشي بخطوات ثقيلة، وعيونه ما ترفع عن الأرض، بينما أبوه متعب يطيح على ركبته يصرخ:
«يا وليديييي، وش سويت يا هزاااع!»
+
تميم ماسك يد جده هيثم اللي ارتجفت عكازته من هول الموقف، ورزان تبكي وهي متعلقة بيد أمها منيرة.
البيت كله كان كأنه يودّع ليلة سوداء، ما راح ينساها أحد.
+
بعد ساعات، كان علي يرقد في غرفة العناية، وجهه شاحب، وجنبه ملفوف بالضماد، وأجهزة المراقبة تحيط فيه من كل جهة.
سلمان واقف عند الزجاج عيونه ما تدمع، بس وجهه يصرخ بالألم.
هدى، غرام، ونور قاعدين برّا، وكل شوي وحدة تمسح دموع الثانية.
+
الطبيب خرج وقال بصوت منخفض:
«الحمد لله، الطعنة ما وصلت القلب، بس لو تأخروا خمس دقايق كان فقدناه».
+
سلمان حط يده على وجهه وتنهد:
«الحمد لله يا رب، الحمد لله».
+
و الصباح اللي بعد الكارثة ما كان يشبه أي صباح.
الشمس طلعت باهتة، كأنها خايفة تشرق على بيت الحنايا بعد الدم والوجع اللي غمره ليلة البارح.
السكون يغلف كل زاوية، حتى العصافير اللي كانت تعشش على شجر البيت... صمتت.
+
في المجلس الكبير، الجدة سارة جالسة متكئة على وسادتها، وجهها متعب، لكن عيونها ما فقدت الحزم.
جنبها جلست موضي وجواهر، وكل وحدة منهم لابسة السواد، وسارة بصوت مبحوح قالت:
«يا بنات ال عبد المحسن اللي صار ما هو سهل، لا على البيت ولا على العيلة.
علي بين الحياة والموت، ودانه راحت... وهزاع في السجن، وجوري ضاعت بين كلام الناس...»
+
تنهدت موضي وهي تقول:
«الله يعيننا على الي صار فوق راسنا يا سارة، والله إن البلاء ما جا إلا دفعة وحدة. بس لا تخافين، بيحلها الف حلال بنجي اليوم، نجتمع كلنا ونشوف وش نسوي».
+
جواهر مسحت على يد سارة وقالت:
«الله يصبّر هالبيت، من يوم فهد توفّى والمصايب تتلاحق، كأن الحنايا مو بيت، كأنها امتحان للكل».
+
سارة هزّت راسها ببطء، وقالت:
«البيت ما صار مثل أول، حتى العيال كل واحد طالع بوجهٍ ما أعرفه».
+
في المربّع الكبير
كان الجد هيثم جالس على كرسيه المعتاد، ثوبه مكوي لكنه ما عطاه وجه، القهوة قدامه باردة، ولقمة التمر بيده من نص ساعة ما بلعها.
ناظر في الفراغ، يفكر بكل اللي صار، بعياله وأحفاده اللي ما عرف كيف تفرّقوا كذا فجأة.
+
كل شيء يدور براسه...
"ولدٍ مطعون، وبنتٍ منتحرة، وحفيدٍ مظلوم، وسمعةٍ تنلعب فيها بين الحريم."
تنهد، مسك عكازته، وقال بصوت خافت وهو يكلّم نفسه:
«وين راحوا أيام فهد؟ كان البيت له مهابة... واليوم كلٍ يغني على ليلاه».
+
ركن ثاني من البيت
غرام كانت لسا موجودة في بيت الجد، ما راحت لبيتها، وتميم و رزان خرجو من امس، تقهوّت وهي ساكتة، تحاول تراقب الوضع بعينها.
ومنيرة كانت جالسة مقابلة لها، وجهها شاحب من كثر البكاء، وعيونها منتفخة.
غرام بصوت متصنّع الهدوء قالت:
«ما توقعت هالبيت يوصل لهالمرحلة. عاد ولد سلمان ما هو سهل، بس اللي صار بيترك أثر عميق».
منيرة رفعت نظرها فيها وقالت بنبرة مبحوحة:
«ما نبي نتكلم، نبي ستر وهدوء، يكفينا اللي صار».
+
غرام ابتسمت نص ابتسامة وقالت:
«ستر؟ ما أدري عن ستر بعد الكلام اللي برا... الديرة ما تسكت، والناس ما ترحم و عاد تعرفين لسان غزيل مايرحم لا صغير ولا كبير».
+
منيرة ناظرتها نظرة طويلة وقالت:
«غرام، لا تزيدينها. ترى الوجع كبير، والبيت مو ناقص نار».
+
وفي الجهة الثانية بعدما خرجو امس تميم و رزان
تميم كان راجع مع رزان لبيته، يحاول يطمنها بعد اللي صار، وهي كل شوي تلتفت له بنظرات خايفة، تقول:
«تميم، أحسك متغير».
قال:
«وش تبيني أقول بعد اللي شفناه؟ الدم والصرخات ما تطلع من بالي، بس نحاول نمشي».
+
سكتت رزان ومسحت دمعة سالت بدون ما تحس، وقالت بصوت واطي:
«الله يعين بيت الحنايا على اللي جاهم».
+
تنهد تميم ثم قال: ايه ولله."
+
الجد هيثم طالع في ناصر بنظرة أبوية حنونة، فيها تعب السنين وهمّ الأيام، وقال بصوت واطي لكنه مليان هيبة:
«ولك وحشة يا ناصر، من بعد اللي صار وانت صاير ساكت واجد. ما عاد اسمع لك حس لا فالمجلس ولا فالديرة. أنا أدري إن اللي صار مو سهل، بس ترا الساكت يا ولدي يمرض من كثر ما يكتم».
+
ناصر ابتسم ابتسامة باهتة، كأنها مجاملة أكثر من إنها حقيقية، وقال وهو يحاول يضحك:
«وش أقول يا يبه، الدنيا كل يوم تصفّق لي كف جديد. علي طُعن، ودانه راحت، وهزاع بالسجن، والبنت الناس تتكلم عليها، وجوري ما قامت من فراشها من يومها. كل شي صار دفعة وحدة، والله العظيم مدري من وين أبدى».
+
الجد هيثم تنهد بعمق ومسح على لحيته البيضاء، وقال:
«وش أقول يا ناصر... البلاء إذا جا، ما يجي إلا كالسيل. بس لازم نثبت، ترى العيلة كلها تطالع فينا. أنت أكبر من أنك تنهار كذا. جوري بنتك، والبنت ما لها غير أبوها بعد الله، شد حيلك لها».
+
ناصر حط كوب الشاهي على الطاولة الخشبية الصغيرة قدامه، وصوته خافت وهو يقول:
«أحاول يا يبه، أحاول أتماسك، بس كلام الناس يذبح أكثر من السكين. كل من شافني يسأل: وين بنتك؟ ووش صار بين علي وجوري؟ والناس ما ترحم. وغزيل ذي... زادت الطين بلّه، كل يوم طالع لي خبر جديد عنها وعن كلامها».
+
رفع الجد هيثم راسه فجأة، نظراته حادة، وقال بصرامة:
«غزيل؟ وش بعد سوت ذي؟ ما اكتفينا من اللي صار؟ وش عاد تطلع تقول؟»
+
ناصر لف وجهه شوي، ما قدر يطالع جده بعينه وقال:
«يبه، غزيل صارت تتكلم على جوري، قدام الحريم، تقول كلاماً ما ينسكت عليه، تقول: (جوري الله أعلم وش كانت تسوي مع ولد عمها علي في السطح آخر اليالي، لا و شوفوا الحين، بعد ما طعن هزاع ولد عمها، الدنيا تدور وتبين المستور)...»
+
الجد هيثم شهق شهقه خفيف وهو يحاول يهدأ غضبه، مسك عكازته بقوة كأنها اللي ترده عن الانفعال وقال بصوت مرتجف من القهر:
«استغفر الله العظيم... وش ذا الكلام؟! وش دخل البنت الطاهرة باللي صار؟ غزيل ما تستحي، تدري إن اللي تقوله يهدّ بيت؟!»
+
ناصر قال وهو يحاول يمسك نفسه:
«قلت لك يا يبه، الناس ما ترحم، وذي غزيل من أول وهي ما تحبني ولا تحب نجلاء، تبي تكسرني بأي شكل. وأنا والله تعبت، لا ومو بس هي، حتى بعض الحريم فالديرة صدقوا كلامها وصاروا يتهامسون ورا جوري كل ما دخلت مكان...»
+
الجد هيثم سكت لحظة طويلة، ثم قال بصوت مبحوح لكنه مليان وجع:
«أنا اللي سويت بيت الحنايا عشان يجمعكم، مو عشان يتفرّق فيكم الدم... الحين صارت الأعراض تُمس والسمعة تُشاع؟ والله إن قلبي يوجعني يا ناصر... قلبي يوجعني منكم كلكم.»
+
ناصر نزل راسه، يحاول يخفي الدموع اللي طغت على عيونه وقال:
«بس لا تخاف يبه، أنا ما راح أخليها تلطخ سمعة بنتي ولا سمعتنا، والله لو أقطع العلاقة بكل أحد يضرنا، بس أوقفها عند حدها».
+
الجد هيثم رفع نظره له، هز راسه وقال:
«زين يا ناصر، هذا الكلام اللي أبي أسمعه، بس انتبه... لا تخلي الغضب يعميك، ترى النار تبدأ بشرارة صغيرة، واللي صار كفانا حرائق. فكّر بعقل، مو بعاطفة، والبنت هذي غزيل لها رجالها، خَلّني أنا أتعامل معها بطريقتي و عاد حاول انت تبعد عن هروج الحريم».
+
ناصر اكتفى بإيماءة وهو يمسح وجهه بكفّه، ثم التفت الجد وسحب الجوال من الطاولة وقال:
+
«بس علشان تعرف، إذا سلمان وصل وأطمنا على علي، بنجمع الكل بالمجلس، كبير وصغير، ونحط النقاط على الحروف. ما عاد أبغى بيت الحنايا يصير مضحكة للناس.»
+
في قصر متعب بن مُهاب الراهي، حيث الفخامة تصرخ بكل زاوية من زواياه، الثريات تلمع رغم سكون الصباح، والسجاد الفاخر يحضن خطوات ثقيلة تعبث بالهدوء.
الساعة تشير إلى ٨:١٦ صباحًا، والشمس تسللت بخجل من خلف ستائر المخمل الموشّاة بخيوط الذهب.
+
في صالة القصر، جلست، الجازي الزوجة الثانية لمتعب بن مُهاب الراهي، على أطراف الأريكة البيضاء، كوب القهوة بين يديها، وصوت الأخبار يملأ المكان عن قضايا وجرائم ما زالت تشغل الرأي العام.
بجانبها كانت غزيل، وجهها متعب من السهر والبكاء على دانه، لكن عيونها لا تزال تحتفظ ببريق الكبرياء والدهاء.
+
مدّت غزيل يدها تمسك بالدلة، صبّت فنجال القهوة للجازي وهي تقول بهدوء ثقيل:
+
"ترى ما نمت زين البارح... كل ما أغمض عيوني تجيني دانه وهي تبكي."
+
لكن الجازي، بابتسامة مائلة وصوت ناعم يحمل سُمًّا خفيًا، قالت وهي ترفع فنجالها:
+
"و انتي ليه ساكته لهم ذولا؟ تسكتين عنهم كذا؟ يكفي ولدهم... وش اسمه؟ علي، ايه علي!
ذا اللي كان فالسطح مع بنت عمه، و خاتم دانه المرحومة حبيبتي بأصبعه، و لا همّه شي!
يحضن بنت عمه قدام الله و خلقه، و حبيبتي دانه منهاره داخله، الله و أعلم وش كانوا يسوون فالسطح بعد!
بس أقولك غزيل، شوّهي سُمعتهم، و نجلاء ذي عاد شفتها في زواج رُسل اخت شموخ عرفتيهم؟"
+
غزيل بإستغراب: من بناته ذولي؟"
+
_ اما ما عرفتيهم بنات رياض الرُقَيّاني هم نفسهم ترا بنات خال تميم."
+
_ اوه ذوليك ايه عرفتهم."
+
الجازي و هي تحط رجل على رجل:
+
خل نرجع لموضوعنا نجلاء و بنتها ذي جوري بعد، شكلها مو بعيده عن أمها! الله و اعلم بعد و الخافي اعظم."
+
طالعَتها غزيل بنظرة فيها شيء من الغضب، وشيء من الاقتناع.
رفعت حاجبها، شربت رشفة قهوة، وقالت وهي تميل بجسدها للأمام:
+
"هممم انتي تشوفين كذا؟ بس أقولك... سمعتِ؟ نجلاء زوجها ناصر طلقها! الله لا يوريك وجهه يوم شافت الناس تتكلم.
بس معليك، سُمعتها هي وبنتها ما راح تبقى فوق الأرض إذا اسمي مو غزيل زوجة متعب الراهي!
و بعدين رُسل اللي تقولينها؟ اللي تطلقت بعد سنه من زواجها؟
تراها من قبل تتلصق بتميم! الله يكفينا شر البنات ذي الأيام.
و نور؟ نور ذي زوجة سلمان طلعت على بنتي كلام و شوهت سُمعتها من أول، لكن إذا بيتهم من قزاز لا يرمون على بيوت الناس بحجارة."
+
ضحكت الجازي بخفة وقالت وهي تعدل جلستها:
+
"ايه يوه سمعت بنور يوم طلعت على دندون حبيبتي
كلام!
بس وش تسوين؟ غبيه وتقهر بعد!
بس معليك، هي وبنتها عندي.
أصلاً مدري عنك انتي وميتـو كيف رضيتو حفيدة مُهاب الراهي تتزوج واحد مو من طبقتنا؟ يوه بس!
أما أنا، مستحيل! بس مو قاهرني إلا زوزو هزاع حبيبي..."
+
شهقت غزيل، وارتفعت نبرتها:
+
"يوه ولدي! حبيبي هزاع مابيه يعفن فالسجن! عاد بكلم ميتو يطلعه بكفاله ولا يدور له واسطه،
ما أبي مستقبل ولدي يضيع بالسجون! آخر مرة انسجن بتهمة الـ..."
+
سكتت فجأة، عضّت على شفايفها وكأنها تذكّرت ما لا يُقال.
+
الجازي حركت يدها بسرعة وقالت بصوت منخفض وهي تنحني للأمام:
+
"يوووه ايه، ميتو علّمني! يقول انسجن بتهمة المخدرات، لقوا حبة بجيبه، الله يستر!
عاد مهو من ولدي حبيبي مُهاب اللي طالع مدريد، ذاك يشرف!
وقلت لميتـو لا يعلمه، عشان ما تتوتر دراسته حبيبي، عاد تعرفين جامعة في إسبانيا و تحديداً بعد فالعاصمة "مدريد" عاد تعرفين ههه! مايحتاج اعلمك،"
+
وفجأة، ارتفع صوت متعب و هو دوبه صاحي من النوم، و جاي من عند الممر و هو جاي صوبهم، صوته الجهوري غطّى على كل شيء:
+
"ي صباح الخير! أنتم ما تملّون؟ كل يوم أصحى على أصواتكم وصوت التلفزيون العالي! وش السالفة؟ م عندكم دم؟ م عندكم ضمير؟ حتى ذي غزيل بنتها أمس انتحرت ولا كأن شي صار! مشغلين لي التلفزيون آخر شي الصوت، وفناجيل القهوة والفصفص قدامكم، وجع إن شاء الله انتي وياها!"
+
وقف للحظة، رفع حاجبه، وصاح بصوت أعلى:
+
"روااات!! روااات! وينها ذي الثانية الصمّة؟ روااات!"
+
طلعت الخادمة متوترة وهي تمسح يديها بالمريول:
+
"نعم بابا؟ انتا ايش يبا؟"
+
صرخ فيها متعب وهو يلوّح بيده:
+
"لي ساعة أناديك ما تسمعين؟ انتي صمّه؟! اقولك روحي نظفي المقلط والمجلس، وكلمي الطباخ سامي يجهز فطور إيطالي، وجهزوا لي طاولة الأكل بسرعة!"
+
و قبل يكمل، نقزت الجازي بحماس وقالت وهي تبتسم بميوعة:
+
"هممم وأهم شي البرستيج! شكله في أحد بيجينا، صح ميوتي؟"
+
التفت عليها متعب بعصبية، وصوته طلع جهوري حاد:
+
"إيش؟ وش قلت لك؟ مو قلت لا تناديني ميتو؟ ماني بزر عندكم!
أنتي وياها أهم شي البرستيج! ذا اسمه مدري وشو! والله ما خربكم إلا الفلوس والبرستيج ذا!
اقول، ضفي وجهك عني من صباح الله خير، يا الجازي، أحسن لك!"
+
لفّ وجهه على الخادمة وقال وهو يشير بيده:
+
"هيه انتي! ولدي تركي جاي اليوم، أبو ثريا، أبي البيت يلقّ لق بسرعه، قدامي!"
+
ردت رواّت بسرعة وهي تبتلع ريقها:
+
"حاضر بابا، حاضر! سااامي! ي سااامي!"
وركضت باتجاه المطبخ.
+
التفت متعب على زوجاته، كلهم مطاطين روسهم، نظراتهم فيها خوف وسكوت متوتر.
الجازي فجأة نطّت وهي تضحك، تمسح على فستانها الغالي:
+
"أنا ولدي تركي حبيبي بيجي! أهم شي يجيب معاه ثريا وميتّو الصعنون، حبايبي أنا."
+
وقامت غزيل من مكانها وقالت بثقة فيها تحدي بسيط:
+
"ايه ايه، خلهم يجيبونهم، بس على أي ساعة بيجون؟"
+
عصب متعب، نفخ وهو يناظرهم بعين ضيقة وقال:
+
"وش فيكم أنتم؟ مدري! على تسع ونص بيكون عندي!"
+
نقزت الجازي وقالت وهي تعدل بناجر الذهب الي في يدها:
+
"يووه ما تجهزت! خلني أقوم بس..."
+
وقف متعب، طالعهم بنص عين وصوته صار غليظ:
+
"هيه ونتي غزيل، ولدك خريج سجون، طاعن أمس واحد بالسكين، و انتي ولا همّك!"
+
تجمّدت غزيل، نزلت راسها، صمتت كأن الكلام خنقها، وكل ملامحها تكسّرت.
الجازي التفتت وهي طالعة، وقالت بسخرية ناعمة وهي تمشي:
+
"هممم الله يستر بس."
وطلعت من الصالة.
+
بقيت غزيل واقفة، وعيونها تشتعل. قالت بصوت مبحوح فيه غضب وحُرقة:
+
"متعب! تعبت وأنا أتحمّل إذلالك لي كذا، خلاص! مهو بس ولدي، هو بعد ولدك، لا تنسى!"
+
التفت متعب بهدوء غريب، مشى خطوتين باتجاهها، وقف قدامها وهو يحدّ النظر فيها وقال ببرود يخوف:
+
"ايه،صح ولدي... بس تربيتك."
+
"ثم سحب عليها و طلع من الصالة"
+
غزيل صاحت و دموعها تنزل من القهر:
+
_ متعببب! متعب تعال أنا اكلمك ما خلصت كلامي متعببب!!."
+
ثم لفّ عنها، وطلع من الصالة تارك ورا صدى خطواته، وصمت ثقيل جداً...
+
وبين كل كلمة والأخرى، كانت الأعين تتقاطع، والنوايا تنكشف...
في هذا الصباح الفخم، في قصر الراهي، كانت بذور فتنة جديدة تُزرع بهدوء — والريح القادمة من "بيت الحنايا" تحمل ما يكفي لإشعالها.
+
و بيت الجد هيثم
+
كانت الشمس مائلة للغروب، وضوءها ينسكب على جدران القصر الكبير بصمت. فتح سلمان باب المجلس الرئيسي بخطوات ثقيلة، بجانبه نور زوجته، ووراهم بنتهم أسماء تمسك طرف عبايتها وتناظر المكان بخجل.
+
علي للحين بالمستشفى، والقلق مرسوم على ملامحهم، لكن رغم التعب والهمّ، كانوا لازم يجون ويطمنون أهل البيت.
+
سلمان أول ما دخل، سلّم وسار مباشرة باتجاه مجلس الرجال، بينما نور وأسماء راحوا للجناح الداخلي للحريم.
+
دخل سلمان المجلس، شاف الجد هيثم متمدد على الكنبة الكبيرة، مغمّض عيونه نص غمضة، باين عليه النعاس، وجنبه ناصر نايم نوم عميق.
ابتسم سلمان بخفة وهو يطالعهم وقال بصوت واطي:
«ما شاء الله عليكم يا الوجيه الطيّبه، نوم العوافي!»
+
ضحك بخفّة، ضحكة غصب ما قدر يكتمها رغم التعب اللي في صوته، مد يده وسحب لحاف خفيف وغطاهم، بعدين تنهد وطلّع تنهيدة طويلة كأنها فيها وجع الدنيا كلها.
ترك المجلس وطلع بهدوء، راح ناحية البير، وقف عنده ساكت، يطالع المويه الساكنة، والهواجيس تاكله.
تمتم بصوت خافت:
«يا رب لطفك... ولدي بالمستشفى وأنا هنا أضحك. وش بقى فيّ؟»
+
تبعثر تفكيره، والهوى يحرك شماغه، وكل شي حوله ساكت إلا صوت تنفسه الثقيل.
+
وفي الجناح النسائي...
+
دخلت نور ومعها بنتها أسماء، أول ما دخلوا التفتت العيون عليهم من كل الجهات. المكان مليان حريم العائلة، الجدة سارة تجلس في صدر المجلس، جنبها موضي، وجواهر، ومنيرة، وهدى، وغرام والبنات حولهم.
+
سارة رفعت نظرها باستغراب وهي تشوف نور وجهها متعب وملامحها مهب زينة، وقالت بصوت حنون فيه قلق:
«بنتي نوره، وش صار على علي؟ وش فيه وجهك كذا؟ شصاير يا بنتي؟»
+
تنهدت نور وهي تمشي بخطوات بطيئة، وجلست على طرف الكنبة جنب منيرة، تفصخ شراباتها بتعب وتمدد رجولها شوي وهي تقول:
«آه... أبد يمّه، ما فيه شي، علي ولدك ذيب، تعرفينه، ما ينخاف عليه. بطل وبخير، ما فيه إلا العافية. بس تعبنا شوي اليوم، وقلت نجي نطمنكم.»
+
رفعت رأسها وهي تغير جو الحديث، وقالت:
«إلا أقولكم، وين نجلاء وجوري؟ حتى يوم الفطور ما شفتهم، مختفين وينهم؟»
+
غرام كانت ساكته، لكنها رفعت عيونها ببطء، والوجع واضح فيها، قالت بنبرة منكسره:
«عاد تعرفين نجلاء... أمس ناصر طلقها. وجوري؟ داخل غرفتها، مهي قادرة تطلع من كلام الناس. الله لا يوفقهم، حرّموا البنت من عيشتها... حرمت عليهم عيشتهم إن شاء الله!»
+
سكت المكان لحظة، وانزلت العيون للأرض، وكل وحده حسّت بالضربة في قلبها.
سارة تمتمت وهي تشهق بخفة:
«حسبي الله ونعم الوكيل... يا ربي اجبر كسرها.»
+
وعند جوري =
كانت الغرفة غارقة بالهدوء، إلا من خفّة أنفاسها المقطوعة.
جوري جالسة على طرف السرير، عيونها حمراء ناشفة من كثر البكاء، حتى الدموع خذلتها وما عادت تنزل.
كل ما تسكر عيونها تحاول تنام، ينعاد الموقف قدامها... دانه وهي تطيح، والصرخة الأخيرة ترد في أذنها كأنها تصير الآن.
+
رفعت راسها للجدار وهي تهمس بصوت مبحوح:
«ليش يا دانه؟ ليه سويتي فينا كذا؟ أنا اللي خليتك؟ ولا الناس؟»
+
ضحكت ضحكة قصيرة باهتة، ضحكة فيها كسر أكثر من الألم، وغرست وجهها بكفيها.
تذكرت طلاق أمها أمس، وكيف طلعت من بيتهم وهي تناظر الأرض، لا دمعة ولا كلمة... بس صمت موجع.
+
جوري تحس إنها ضايعة، ما تدري وش تسوي، الكل راح عنها.
رزان اللي كانت تطبطب عليها راحت مع زوجها، أكيد ما تتحمل كل هالدراما،
حصه نايمه في سابع نومه،
البنات برا يسولفون.
وعلي... علي بالمستشفى، يمكن ميت، يمكن عايش، وهي ما تدري أصلا كيف باقي لها عين تسأل عنه بعد سواد وجها.."
+
رفعت راسها للمرآة، تطالع وجهها الشاحب، وقالت لنفسها بصوت واطي:
«أنا السبب... أنا السبب بكل شي. دانه راحت بسببي، أمي تطلقت بسببي، حتى علي لو مات، بسببي.»
+
حاولت تكتم شهقتها، بس انفجرت.
بكت من قلبها، بكاء مخنوق كله ندم وظلم.
غمزت وجهها بكمها ومسحت دموعها بعنف، كأنها تبي تمحي الألم، بس ما نفع...
كل شي جوّاها ينكسر أكثر وأكثر.
+
وفي مكان ثاني
+
في الزنزانة الضيقة، صوت الحديد يرن مع كل حركة.
هزاع واقف عند الباب، وجهه منفجر من الغضب، يصارخ:
«نادي الضابط! من أول أكلمك ما تفهم؟ ناد الضابط ودي أكلمه، أنا هنا مكاني غلط! القذر علي هو اللي يستاهل، فوق شين وقوات عين!»
+
العسكري اللي واقف قدام الزنزانة التفت عليه بنظرة فيها سخرية وقال ببرود:
«إيه، كلامك ذا اللي وصلك لهنا يا ذكي. ما قلت لك من أول إن لسانك الطويل هذا بيودّيك في داهية؟»
+
قرب العسكري شوي، وصوته صار أهدأ بس مليان غيظ:
«تذكر يوم طلّعك أبوك بواسطاته؟ قلت لك برجعك هنا... بأي طريقة. ووفّيت بوعدي، يا الحب!»
+
غمز له بخبث، ثم ضحك ضحكة باردة وقال:
«رح تعفن هنا... فاهم؟»
+
استدار العسكري ومشى بخطوات ثقيلة تبعد صوته شوي شوي،
وهزاع واقف، أنفاسه تتسارع، ووجهه يحمر من الغضب.
صرخ بأعلى صوته:
«اسمعني! ناد الضابط يا كلب!! أنا ما سويت شي!!!»
+
لكن ما أحد ردّ عليه.
كل اللي سمعه صوت صرير الباب الحديدي وهو يُقفل عليه من جديد، وصدى صوته يتكسر بين الجدران.
+
جلس على الأرض، رمى راسه على الحايط،
وصوته خفّ وهو يهمس بحنق:
«كلهم ضدي... حتى الدنيا ضدي.»
+
و في مكان ثاني
المكان – بيت تميم بن آسر الهاشمي آل عبد المحسن
الوقت: العاشرة صباحاً
+
كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء من بين ستاير المطبخ، وتلمع على الرخام الأبيض اللي وقفت عنده رزان، شعرها مربوط بخفه، وعيونها نصف ناعسة لكنها تحاول تركز وهي تقطع الفطر.
رائحة القهوة امتزجت برائحة البصل، وصوت السكين الخفيف على لوح التقطيع كان يملأ المكان بسكون مريح.
+
دخل تميم بخطوات كسولة، شعره منكوش، وصوته فيه بحة نوم.
قال بابتسامة صغيرة وهو يتمطى:
«صباح الخير... غريبة، صايرة معجزة اليوم. ام خدود حمره تطبخ لنا؟ لا اليوم شكل فيه حدث كوني جديد.»
+
قرب منها، وضحك بخفة وهو يعفص خدها بين أصابعه:
«هاه وش السالفة يا شيف؟»
+
لفت عليه بسرعة ورفعت حاجبها، ملامحها فيها جدية:
«تميم، تدري إن علاقتنا مهي كويسه، وزواجنا وكل الخرابيط ذي مبنيّة على وش؟ أجل ليه تستغل الفرصة لصالحك وتحاول تتقرب مني؟ ابعد، والزم حدك، يكفي اللي سويته فوق السطح!»
+
سكت للحظة، ملامحه صارت أهدى، واقترب منها بخطوة وحده، وصوته نزل بهدوء:
«يعني تبيني أصدق إن كل شي صار غصب؟ أو إني أجبرتك؟»
+
ارتبكت، عيونها تهرب منه، ما جاوبت.
ابتسم تميم ابتسامة خفيفة، كأنه فهم أكثر مما قالت.
+
هي تنهدت وقالت وهي تحرك السكين من جديد:
«هممم... اليوم لازم نروح بيت جدي، ما ينفع نخليهم كذا. لازم نوقف معهم، حتى مدري وش صار على علي، هوف... الله يحفظه يا رب، وحبيبتي جوجو بعد.»
تميم بغيرة:
يهمك.؟"
+
_ اكيد ولد عمي كيف مايهمني الله يحفظه بس.!"
+
_ تحبينه؟!"
+
رزان بعصبية و بإستغراب:
اكيد ولد عمي احبه فالله زي اخوي. تميممم!"
+
تميم كان يفتح الثلاجة يدور شي يأكله، ساكت، بس عيونه تلمع بابتسامة ما قدر يخفيها.
+
لفت رزان عليه بسرعة و عصبية خفيفه:
«هيه أنت! أكلمك ترا، تسمعني؟»
+
ابتسم، وسند يده على باب الثلاجة وقال بنبرة فيها دعابة يقلدها:
«هيه انت اكلمك ترا، تسمعني؟»
+
قالها وضحك، وهي عقدت حواجبها وقالت:
«خير وش تدور؟ منت شايفني أطبخ؟»
+
تميم كتم ضحكته بصعوبة وقال وهو يغمزها:
«يووه، نسيت إن رزونه تطبخ لي.»
+
شدّد على كلمة لي، فالتفتت له بسرعة، ووجهها احمرّ وقالت مرتبكة:
«هممم للّـ... لا ما أطبخ لك! أصلاً أنت، بغيت تقول ما تهمني، بس سكت!»
+
هو ضحك بخفة، وصوته صار واطي:
«أما ما أَهِمّك؟ تمام يا بنت عمي. على العموم، خلصي وطبخي لنا، خليه فطور خفيف، وبعدها تعالي الصالة، وجهزي نفسك... بنروح بيت جدي هيثم، مفهوم؟»
+
قالتها وهي تحاول تركز في المقلاة:
«ابشر.»
+
ابتسم لها نظرة دافئة، لف وخرج من المطبخ، وتركها تحرك البصل وهي تبتسم من غير ما تحس.
+
المكان مستشفى النخيل المركزي =
+
كانت عقارب الساعة تتثاقل عند الحادية عشرة صباحًا، وضوء الشمس المتسلل من ستارة الغرفة يعكس ظله الشاحب على وجه علي.
الغرفة ساكنة، إلا من صوت جهاز المراقبة يرنّ بين لحظةٍ وأخرى بنغمة رتيبة، كأنها تذكّره إنه ما زال حيّ... رغم كل شي.
+
تمدّد على السرير الأبيض، بيده شاش يلف ذراعه، وبطنه يوجعه من أثر الطعنة. تنفّس بعمق، عيونه تائهة في السقف، وكل ما حاول يزيح الفكرة... رجعت أثقل.
+
صورة هزّاع قدّامه، والطعنة اللي جاية من غدر، من لحظة ما توقعها أبد.
همس بصوت متقطع:
"ليش يا هزّاع... ليه سويت كذا؟"
+
حاول يبلع ريقه، بس الغصّة خانقته.
تذكّر وجه أبوه يوم شافه على السرير، والدموع اللي خبّاها عن الناس، وأمه اللي يدها كانت ترتجف وهي تمسح على شعره وتقول له: الحمدلله عدّت على خير يا ولدي.
+
بس اللي ما عدا... هو وجعه من الداخل.
+
سحب نفس ببطء، وغمض عيونه:
"الناس أكيد ما رحموا جوري... أكيد تكلموا عليها، قالوا إنها السبب، وإن بيني وبينها شي."
كأنه يسمعهم: ولدهم انطعن بسبب بنت!
+
حط يده على عيونه ومسح دمعة غصب.
"جوري وش حالها الحين؟ أكيد متوترة... أكيد خايفة، وأهلي توهم طلعو من عندي و رجعو لبيت جدي هيثم أكيد قاعدين يسولفون، ما يدرون وش يصير فيني هنا."
+
حس بحرارة تطلع من عيونه، قلبه ثقيل، والسكوت قاتل.
نزل راسه، همس لنفسه بصوت مبحوح:
"كلهم راحوا... حتى أبوي وآسر طلعوا قبل شوي، قالوا بيرجعون المغرب..."
+
انحنت كتفه، وصار يناظر أطراف أصابعه المرتجفة.
ولما حاول يسكت صوته الداخلي، انزلقت الذكرى اللي ما قدر يهرب منها...
دانه.
+
مجرد اسمها خلا الدمع ينزل بدون إذن.
ارتجف صوته وهو يهمس:
"يا دانه... والله ما نسيتك، بس الدنيا ما رحمتني."
+
انكتمت أنفاسه لحظة، كأنه يعاتب القدر.
الهواء صار ثقيل، والوجع فاض من ملامحه.
دمعة، ثنتين... وبعدها سكت.
عاد يناظر السقف بصمت، كأن السقف هو اللي يسمعه، هو اللي يفهم كل شي ما قاله.
+
و في بيت تميم بن آسر
+
تميم كان مسنود على مقعده، يطالعها بنظرة كلها إعجاب وهو يراقبها تنزل بخطواتها الهادية، أطراف عبايتها تلامس الدرج، والصينية بيدها الثانية تميل شوي كل ما نزلت درجة. ابتسم بخفة وهو يهمس لنفسه:
"حتى وهي شايلة الصينية تسوي دراما."
+
ركبت رزان، وسكرت الباب بصوت واضح، التفتت له بعصبية خفيفة وقالت وهي تنفخ من حرّها:
"ليه ما شلتها معي؟ وش فيك واقف تتفرج كأنك تصور إعلان مو بسيارة تنتظرني!"
+
ضحك تميم، مدّ يده على الدراكسون وقال بنبرة هادئة وهو يحاول ما يضحك أكثر:
"والله كنت بستمتع بالمشهد، حسيتني أتفرج على إعلان للمعكرونة، ناقص بس يقولون: صُنع بحب من رزان بنت منيرة."
+
رزان رمقته بنظرة قوية وقالت وهي تحط الصينية بحذر على حجرها:
"تميم لا ترفع ضغطي، ترى كنت بتعثر من كثر ما أنت واقف تطالعني، ما تحس ان لازم تساعد؟"
+
ردّ وهو يشغل السيارة ويبتسم من طرف فمه:
"يا عمري لو كنتِ طالبتيني بشي، بس أنتي متعودة تعطين أوامر، ما تقولينها بلطف."
+
قالت بعصبية ممزوجة بخجل:
"طيب الحين خلك لطيف وودنا بدال فلسفتك!"
+
ابتسم تميم وهو يضغط على البنزين:
"أمرك يا أم المعكرونة، بس أقول؟ إن طاحت الصينية لا تبكين، ما أرجع أساعدك ولا بنرجع البيت."
+
رزان هزت راسها وهي تضحك غصب، ثم تمتمت وهي تطالع الطريق:
"يا ثقيـل دم."
+
رد تميم وهو يضحك بصوت خافت:
"بس ثقيل دم تحبينه."
+
سكتت هي، لكن ابتسامة صغيرة طلعت على وجهها رغمًا عنها، وعيون تميم لمحتها في المراية وهو يقول لنفسه بهدوء:
"كل يوم تقعيني أكثر يا رزان."
+
هز تميم راسه بخفه وهو يطالعها بنصف ابتسامة وقال:
"هاه، يعني تبين نمر؟ واضح إنك تبين تشوفين علي مو تسألين بس."
+
رزان التفتت له بسرعة، عيونها فيها ارتباك واضح وقالت وهي ترفع حاجبها:
"تميم! لا تحرف الكلام، قلت لك يمكن وقت الزيارة خلص، وش فيك؟"
+
ضحك بخفة وقال وهو يميل بجسمه شوي ناحيتها:
"لا بس مستغرب، كل ما جبت طاري علي عيونك تصير كذا... كأنك تحسين بشي، ليه يهمك؟ لذي الدرجة؟"
+
رزان سكتت، نظرتها راحت للنافذة، ما قدرت ترد، بس أصابعها بدأت تلعب بعبايتها من التوتر.
تميم لاحظها، وغمز بخفة وقال:
"ترى أمزح، لا تتحسفين كذا. بس عاد، غيره خفيفة ما تضر."
+
ردت وهي تضغط على شفايفها:
"غيره؟! لا تضحك، علي مثل أخوي، ولا تفهم غلط!"
+
ضحك تميم أكثر وقال وهو يرجع يطالع الطريق:
"إي مثل أخوك، بس دايم تذكرينه أول ما تجي السيرة. المهم، بدق على عمي سلمان وأشوف."
+
مد يده للجوال وبدأ يدق، وصوته صار أهدى وهو يقول:
"إن شاء الله يرد... والله ما ودي أضيق صدره أكثر، الرجال تعبان."
+
رزان بقيت ساكته، تفكر بين كلامه وبين وجع قلبها اللي كل ما نسمت ريحته "علي" يرجع يوجعها من جديد بعد موقف الطعن و هي تعتبره زي اخوها."
+
بعدها تميم رفع رأسه و اتصل على سلمان لأكن سلمان مارد و اتصل على أبوه و رد و قال: ابوي يمديني امر على علي اتطمن عليه ."
+
قال اسر و هو واضح من صوته مشغول و قال:
لا لا ي ولدي عمك سلمان كان عنده و قالو وقت الزياره خلص إلا اقولك متى جايين انتو بسرعه!! و جيب معاك شطه عشان الغدى فجاه خلصت عاد على طريقك يعني تميم ضحك و قال: ابد ابشر ي يبه و طلبت شي."
و قبل يكمل قال اسر:
ايه كيفها رزونتي حبيبة عمها عطني اكلمها."
+
تميم مد يده و عطى الجوال لرزان و ورزان سلمت على عمها و قالت:
ايه كيفك ي عم عساك طيب."
+
رد عليها آسر بنبرة مليانة دفء وابتسامة باينة في صوته:
"بخير يا بنتي، الله يسعدك، المهم انتي، كيفك؟ كيف أمورك مع ولدنا؟ عساه ما يضايقك بشي؟"
+
رزان ضحكت بخفة وقالت وهي تناظر تميم اللي يسوق بجنبها:
"لا أبد يا عم، كل شي تمام الحمدلله، ما عليه قصور."
+
ضحك آسر وقال:
"تميم ما عليه قصور بس لسانه طويل، إذا أزعجك علميني أربيه من جديد."
+
تميم من جهة ثانية، رفع صوته وهو يحاول يسمعهم وقال:
"هاه هاه وش تقول يا أبوي؟ تربيه من جديد؟ عاد تربيتك أنا ما أنكرها، بس لا تنحازين لزوجتي عليّ!"
+
ضحك آسر وقال بمزاح:
"يا ولدي وش أسوي إذا قلبي مع رزونتي؟ بنت مؤدبة وتهدي العاصفة اللي فيك."
+
رزان احمر وجهها من كلامه وقالت بخجل وهي تضحك:
"يا عم لا تقول كذا بس، تميم يسمع ويصدق."
+
تميم ضحك بصوت عالي وقال:
"صدق عاد؟ أنا مصدق من أول، قالها الكبير بنفسه!"
+
آسر ضحك معهم وقال:
"خلاص خلاص لا تتهاوشون، أهم شي تجون بسرعه لا يبرد الغدى، وسمّعيني، أبي حفيد منكم قريب، فهمتِ يا رزونتي؟"
+
رزان اتوترت شوي وقالت بسرعة:
"هههه طيب يا عم، إن شاء الله، أبشر."
+
ضحك آسر وقال:
"تمام، بس أوصيكم لا تتأخرون."
+
قال تميم:
"ابشر ي يبه، خمس دقايق ونكون عندكم، ومعي الشطة بعد لا تشيل هم."
+
ضحك آسر وقال:
"تم، خلاص أستناكم."
+
قفل تميم المكالمة، وبعد لحظة صمت قصيرة، التفت على رزان بنص ابتسامة وقال بمزاح:
"سمعتي؟ أبوي بنفسه يقول أبي حفيد، يعني لا تجادلين بعدين!"
+
ان عطته نظرة جانبية فيها صدمة ممزوجة بعصبية وقالت:
"تميم!! عيب وش ذا الكلام، استح على وجهك، توّنا في بداية زواجنا!"
+
ضحك تميم وهو يمد يده يعدّل شماغه:
"بداية ولا نهاية، أنا أشوف الوقت مناسب، دام مزاجك اليوم حلو."
+
قالت وهي تطالع قدام السيارة وتشد على حزام الأمان:
"مزاجي حلو؟ تبيني أرجع أفسده لك؟ ترى والله ما يمديك تضحك لين أذكّرك وش سويت فوق السطح."
+
سكت لحظة، بعدها التفت عليها بابتسامة خفيفة وقال:
"عاد رجعنا للسطح؟ ما نمل من هالموضوع؟ و بعدين زوجتي فـ بكيفيي!"
+
قالت بنبرة دفاع:
"أنا ما قلت شي، أنت اللي عارف وش سويت، فـ لا تعيدها."
+
ضحك بخفّة وقال:
"ولا تشيلين هم، ما أعيدها إلا برضاك."
+
رزان غمزت وجهها بخفة كأنها تحاول تخفي ابتسامتها وقالت بسرعة:
"خلاص خلاص سق بس، لا تفتح مواضيع غريبة."
+
قال وهو يضحك:
"غريبة؟ أنا بس أحاول أفهم ليه مزاجك يتعكر كل ما قربت منك، كأني صاير لك عقدة."
+
رفعت رزان حاجبها وقالت:
"لا عقدة ولا شي، بس خلك بعقلك شوي، الدنيا م كلها مزاح."
+
ابتسم تميم وهدأ صوته:
"عاد الدنيا بدون مزاح تصير ثقيلة، وخصوصًا إذا اللي جنبي زيه."
+
رزان التفتت عليه بنظرة ناعمة بس حاولت تخفيها وقالت:
"تميم، خلنا نروح بيت جدي بسرعة قبل لا تتأخر، ومر البقاله لا تنسى الشطه اللي طلبها عمو، أكيد نسيها."
+
ضحك وقال وهو يشغل السيارة:
"أبد ما أنساها، هذي أهم من الغدى نفسه عند أبوي."
+
تميم ابتسم بخفه وهو يطالعها من طرف عينه، قال بنغز خفيف:
"عاد والله ودي أشوفك تزعلين كذا كل يوم، أحسك تصيرين أحلى وانتِ معصّبة."
+
رزان عطته نظرة جانبية فيها نصف غضب ونصف خجل وقالت وهي تلف وجهها عنّه:
"تميم، ترى ما أمزح، خلك ساكت بس لا تعكر مزاجي من بدري."
+
ضحك تميم ورفع صوته شوي:
"مزاجك؟ يا زينك وانتي تحاولين تتصنعين الزعل، خلاص خلاص ما عاد أتكلم."
+
وساد بينهم صمت بسيط، صوت المكيف والشارع هو اللي يملأ السيارة،
رزان كانت تطالع الشارع من نافذتها تفكر في بيت جدها، باللي ينتظرهم هناك، بالأخبار اللي ممكن يسمعونها،
وتميم كان بين كل لحظة يطالعها، يبتسم بدون ما تحس.
+
بعد شوي قال بهدوء:
"رزان."
+
لفت عليه وهي ترفع حاجبها: "هاه؟"
+
قال:
"بسألك، متى ناوين ترجعون ديرتكم؟ يعني إذا هدي الوضع شوي، وخلصت سالفة علي."
+
تنهدت وقالت بصوت واطي:
"مدري، كل شي متلخبط، بس ما أتوقع قريب، الجدة سارة ما ترضى نتركها الحين، والكل تعبان نفسياً... حتى أنا."
+
سكت تميم، ما قال شي، بس مد يده وشغّل المسجّل على صوت خفيف، موسيقى هادئة تعبّي الجو.
ابتسم وقال وهو يرفع صوته شوي:
"طيب دامك تعبانة، بعد ما نرجع من بيت جدي وش رايك نمر نتمشى شوي، نغير جو؟"
+
رزان رمقته بنظرة جانبية فيها نعومة خفية وقالت:
"بنشوف، إذا ما طفشتني قبلها."
+
ضحك تميم من قلب وقال:
"لا مستحيل، أنا الطفش؟! الطفش هو اللي يطفش مني."
+
ثم سكت شوي و مسك ذراع رزان و سحبها و قال:
+
اسمعي رزونتي اي شي يصير بيني و بينك يعني في بيتنا مشاكل اي شي ما تعلمينه حد و محد يعرف فأهمه!؟"
+
فكت يدها بسرعه و قالت بعصبيه خفيفه:
+
انت تحسبني لذي الدرجه غبيه و بزره اقول اسرار بيتنا لحد!!؟"
+
تميم: لا بس أحذرك ي حبي شفيك؟"
+
رزان و هي تلف و تطالع الشباك : اوف لا تكلمني و بس ماني ناقصتك!!"
+
وانطلقت السيارة بينهم نغزات وضحكات خفيفة،
لكن تحت هالضحك كان في شي ما يُقال... تعب الأيام الماضية، واللي ينتظرهم في بيت الجد هيثم.
+
في بيت الجد هيثم =
+
كانت الجدة سارة تمشي بخطوات هادية على سجاد الممر الطويل، صوت عكازها الخفيف يختلط بصوت ضحكات البنات في الصالة، لكن قلبها مثقل... مثقل بحزن على حفيدتها الصغيرة جوري.
فتحت باب غرفة جوري بهدوء، والأنوار خافتة، ورائحة بخور باهتة تملأ المكان.
+
جوري كانت جالسة على طرف السرير، رأسها نازل، وشعرها مبعثر كأنها ما نامت من أيام.
سارة سكرت الباب وراها، وجلست جنبها بدون ولا كلمة... لحظة صمت طويلة بينهم، ما يُسمع فيها إلا صوت أنفاس جوري المرتجفة.
+
مدت الجدة يدها ولامست كتف حفيدتها بلُطف، وقالت بصوت دافي وهادئ:
"جوري يا بنيّتي... أنا أدري إنك ما سويتي شي، وأعرف إنك شريفة ونظيفة مثل قلبك. لا يهمك كلام الناس ولا ظنونهم، الناس ما ترحم حتى لو كانت تعرف الحق."
+
رفعت جوري راسها ببطء، عيونها حمراء من البكا، تحاول تتكلم لكن صوتها يطلع مبحوح:
"بس يا جدّه... الكل صار يطالع فيني بنظرة كره... حتى البنات ماعاد يتكلمون معي مثل قبل، وكل ما أسمع اسم علي أحس قلبي يتقطع..."
+
سارة شدت على يدها وقالت بلُطف:
"اسمعيني، علي بخير، مرت عمك نور وأسماء وعمك سلمان توهم جايين من المستشفى، قالوا إنه طيب ومافيه إلا العافية الحمد لله، فلا تحاتين. وصدقيني يا بنتي... تميم ورزان جايين بعد شوي، وكل العائلة بتكون هنا، الجو بيصير أحسن إن شاء الله. بس انتي، لا تخلين نفسك للحزن."
+
جوري تمسحت دمعتها وقالت بتردد:
"يعني... تبيني أطلع؟ أحضر الغدى وكذا؟ تحسين لازم؟"
+
ابتسمت سارة بخفة، وقالت بنبرة حانية كأنها تحاول تزرع شجاعة فيها:
"ايه يا بنتي، لازم تغيرين جوك شوي، الحياة ما توقف على كلمة ناس ولا نظراتهم، خذي لك شاور بارد، وسوي شعرك، والبسي شي يفتح النفس، وحطي لك ميكب خفيف، واطلعي شوفي البنات، ترى كلكم لسه صغار والدنيا قدامكم."
+
جوري نزلت عيونها للأرض وابتسمت بخفة حزينة، وهي تهمس:
"الله يخليكِ لي يا جدّه."
+
سارة وقفت، رتبت طرحتها، وقالت وهي تتنهد:
"الله يخليك لي بعد يا بنيّتي، قومي يلا، أبي أشوف بسمتك قبل الغدى."
+
وطلعت من الغرفة بخطواتها البطيئة، سكرت الباب وراها بهدوء،
وهي تهمس لنفسها:
"يا رب، لمّ شمل ذا البيت، تعبنا من كثر الوجع والفضايح
+
بعد مرور دقائق، صوت الباب الرئيسي قطع ضحك البنات في الصالة، والتفتوا وشافو تميم ورزان داخلين.
رزان شايلة الصينية اللي غطتها بورق القصدير، ووجهها متعب من الشمس، أما تميم فكان يمشي جمبها بابتسامة خفيفة وهو يطالعها بنظرات غامضة كعادته.
+
وقبل لا يتجه تميم للمربّع عند الرجال، مال على رزان وغمز لها بخفة وقال بنبرة مزاح:
"هاه لا تنسين كلام أبوي... نبي نونو قريب، شدي حييلك."
+
رزان كشّرت وهي تضغط الصينية بيدها وقالت بعصبية خفيفة:
"أقول كلزق وامشِ وانت ساكت."
سحبت عليه ومشت باتجاه المطبخ، وعبايتها تتحرك معها بخفة، بينما تميم وقف مكانه يضحك بصوت مكتوم، بعدها دخل المربّع.
+
في المربّع، الرجال مجتمعين، أصوات سوالف وضحك، والجد هيثم جالس على صدر المجلس، يطالع الكل بابتسامة رضا.
سلمان كان يتحدث بحماس وقال:
"أبشرك يا يبه، طعنة علي بالسليم، إن شاء الله بكرة بيخرج بإذن الله."
+
الجد ابتسم وقال:
"الحمدلله، دايمًا بشّروني بالخير يا عيالي."
وضج المكان بضحك وسوالف، وكلٍ يحمد ربّه على سلامة علي.
+
وفجأة، سمعوا صوت تميم يضحك عند الباب وهو يقول:
"هههه! لي ساعه واقف هنا، مو منجدكم ولا واحد فيكم لاحظ؟ على العموم امسك يا يبه، الشطة اللي وصيت عليها."
رفع العلبة بيده وضحك، ودخل بينهم بابتسامة واسعة.
+
الجد ضحك وقال:
"والله إنك بطيء يا تميم، دورك دايم بالتأخير."
+
وقبل أحد يرد، دخل سلطان (أبو مطلق) وهو ماسك القدر بيديه ويصرخ من المطبخ:
"ما فيكم فايدة! لا مطلق ولا تميم، ولا واحد فيكم نافع، وين الصحنننن؟ القِدر حااااار!"
+
الكل انفجر ضحك، وتميم قام بسرعة ومسح يده بمنديل وقال:
"ههههه هدي أعصابك يابو مطلق! حط القِدر هنا وخلنا نخدمك."
+
غرفوا الكبسة وسكبوا الصحون، وبدأت السفرة تمتلي بالأكل، والجميع جلس حول الجد.
السوالف بدأت، وتميم على عادته فتح موضوع وهو ياخذ لقمة:
"يولد، مطلق، وش تخصصك فالجامعة؟ ترى الإجازة بتخلص، لا تقول لي ناوي تسحب."
+
مطلق ابتسم وقال بثقة:
"أبد، أعمال، ناوي أصير مدير أعمال وأفتح لي شركة وأصير غني إن شاء الله. و يكون عندي شركة اكبر شركة بالمدينه كلها و كذا."
وقبل يكمل
+
ضحك تميم وقال بسرعة:
"بس بس بسسس! ذي أحلام بزران، مو أحلام واحد عمره عشرين. أقول كل تبن، وخلك ساكت، الشرها علي اللي يسألك! لو علي هنا، كان عطاك كف يخليك تتكلم عربي فصيح!"
+
الكل ضحك، وسلطان (أبو مطلق) لف على ولده وقال بنبرة أبوية صارمة بس بنكتة:
"ولد! تخصصك هندسة!"
+
ضحك تميم بصوت عالي وقال وهو يصفق بيده على الطاولة:
"هههههههه كنت داري يا كذّاب إنك تبي تصير مهندس معماري من أول!"
+
ضحكوا كلهم، حتى الجد هيثم رفع يده للمسبحة وهو يبتسم، عيونه تلمع برضا، وقال بصوت خافت كأنه يدعي من قلبه:
"اللهم اجعل ذا البيت عامر بالضحك والرضا، ولا تفرق بين قلوبهم يا رب."
+
والضحك يستمر، وأصوات الملاعق تختلط بسوالفهم،
كأن الدار بعد غياب طويل... رجعت تتنفس حياة.
+
في المجلس، كانت الأحاديث بين البنات والجدات تمتلئ بالضحك والونس، أصوات فناجيل القهوة تختلط مع حكايات الجدات، ورائحة الهيل والبخور معبّية المكان. سالت رزان جوري بحنان:
بنت دحين كيفك؟. احسن من امس صح؟"
+
تنهدت جوري و قالت: الصراحه احسن من امس، امس بغيت الموت، بس ترا المكرونه الي جبيتها نستني كل شي مرة طعمه يسلم لي هاليدين،"
ابتسمت رزان و قالت: ياخي احبك،"
+
قربت جوري من عندها و حضنتها بقوة و قالت: اموت عليك يشيخ،"
+
رزان: بنات! وين وهدان و فيصل و هتان و ميار مختفيين؟"
+
نقزت أسماء من مكانها و قالت: ايه ذوليك القرود وهدان عند ابووي. و فيصل و هتان راحو مع امهم و ميار نايمه."
+
رزان: ايه وربي افتقدت لجنانهم."
و امتلاء والمكان بضحك."
+
و الجدة سارة تراقب بصمت و تبتسم و تدعي ان ربي مايفرقهم."
+
و غرام كانت جالسة بينهم، ضاحكة على سالفة قالتها موضي و رزان، لكن فجأة جوالها رنّ على الطاولة.
نظرت له بسرعة، وتجمّد ضحكها لما شافت الاسم مكتوب على الشاشة: "أخوي رياض".
+
ارتبكت، مدّت يدها وسحبت الجوال، قامت بهدوء وطلعت من جو المجلس المليان سوالف وأصوات.
وقفت عند الممر، رفعت الجوال لأذنها وقالت بصوت خافت:
"الوه؟"
+
جاها صوت رجولي، ثقيل، فيه بحة خفيفة، واضح إنه بداية الخمسينات، وصوت موسيقى خفيفة بالخلفية، قال:
"إيه أختي غرام، كيفك؟ علومك؟ عساك طيبة؟ كيف آسر؟ وولدي تميم؟ وحصوصتي؟ كلكم تمام؟"
+
غرام تنهدت وقالت وهي تضبط نغمة صوتها:
"الحمدلله بخير، كيفك أنت يا أبو فارس؟ عساك طيب؟ وكيف فارس وزوجتك و..."
سكتت شوي، بعدين قالت بصوت خافت كأنها تخاف تسأل:
"وشموخ ورُسل؟ عساكم بخير؟"
+
ضحك رياض وقال:
"إيه بخير الحمدلله، بس اسمعي..."
+
قالت بسرعة:
"سم، يخوي، أمرني."
+
قال:
"اليوم إن شاء الله جايين عندكم، مو في بيتك، في بيت الجد هيثم، دامكم كلكم مجتمعين هناك، نجي نسلم ونجلس شوي."
+
غرام انشد وجهها وقالت باستغراب:
"هاه؟ أها.. إي الله يحييكم خوي، البيت بيتكم."
+
قال:
"يعطيك العافية، أشوفك قريب."
وقفل الخط.
+
غرام ظلت واقفة تناظر شاشة الجوال، ملامحها فيها توتر واضح، وبعد ثواني رفعت جوالها واتصلت بآسر.
رد بصوته الهادئ:
"هلا والله، حبي، وش فيك؟"
+
قالت غرام بسرعة:
"آسور حبيبي، كلمت أخوي رياض اليوم؟"
+
قال:
"لا، ليه؟ صار شي؟"
+
قالت وهي تهز رأسها:
"لا ولا شي، بس سألت. تمام، باي."
وقفلت قبل يمديه يسأل أكثر.
+
رجعت للمجلس، الكل يضحك ويهرّج، وهي دخلت بابتسامة مصطنعة وقالت بصوت عالي شوي:
"اسمعوني زين يا بنات ويا حريم العيلة، أخوي رياض، أبو فارس، وأبو شموخ ورُسل، جايين اليوم، يعني بيجون هنا في بيت الجد هيثم. بس عاد بعطيكم علم..."
سكتت شوي، عيون البنات كلها عليها.
نظرت لرزان وقالت بهدوء:
"رزان ياعمري، تعالي معي شوي."
+
طلعتها للممر، وصوت ضحك البنات خفّ وراهم.
غرام وقفت قدام رزان، نبرتها صارت جديّة:
"رزان يقلبي، ذولا بنات خال تميم، شموخ ورُسل. تراهم مغرورات، وكل وحدة شايفة نفسها أكثر من الثانية. هم خوات بس ما يحبّون أحد يا بنتي، فخلك ذكية. لا تخلينهم يكسرونك، وكوني قوية، وأعطي زوجك خبر قبل لا يجي أحد منهم. واضح؟"
+
رزان رمشت باستغراب وقالت:
"تمام يا عمّه، بس ليه كذا؟"
+
غرام هزت راسها وقالت بسرعة:
"ولا تناقشيني ولا تسأليني، بس سوي اللي قلت لك عليه."
ابتسمت ابتسامة خفيفة ولفت ترجع، ورزان تبعتها وهي تفكر وش السالفة.
+
العاملات بدوا يرتبون الصالة وينظفون الطاولات، المسّاحات تلمع بالأرض، والريحة فواكه وبخور.
الجوّ بدأ ياخذ طابع "استقبال ضيوف".
+
على الساعة خمس العصر، رزان كانت بالمطبخ الخلفي، تشرف على تجهيز القهوة.
رفعت جوالها واتصلت على تميم:
"تميم، تعال المطبخ الخلفي، أبيك ضروري."
+
قال: "تمام، جاي."
+
بعد دقائق دخل تميم، ريحة عطره سبقت دخوله، ووقف عند الباب يطالعها.
كانت جالسة على الكرسي، سحبت يده وجلسته قدامها وقالت بسرعة:
"اسمع، تميم... بنات خالك رياض وخالك جاين."
+
تميم شهق، وجهه تغير:
"إيييش؟ خالي؟ خالي رياض؟! ماغيره؟ تستهبلي انتي؟! بعدين من اللي علمك؟ أتوقع انك ما تعرفينهم أصلاً؟"
+
رزان رفعت يدها وقالت بهدوء:
"يمّه، شفيك كذا؟ استنى شوي، إيه أنا ما أعرفهم، بس دقوا على عمّتي غرام وقالت لي. أنا بس بعطيك خبر، تكفى لا يصير شي، خلنا طبيعيين، فاهم علي؟"
+
تنفس تميم وقال بهدوء بعد ما فرك جبينه:
"أكيد، تم. بس تبوني أجيب شي من البقالة قبل يجون؟"
+
قالت رزان وهي تتذكر:
"إي، القهوة خلصت ومافي سكر. الله يسعدك جيب من المحل اللي دايم عمّتي توصيك عليه، اللي بأخر الشارع، تتذكره؟ اللي شريت منه في حفلة توديع عزوبيتي."
+
ضحك تميم وقال وهو يوقف:
"إي إي، عرفته. اكتبي لي الأغراض في الواتس، بروح الحمام وأمشي."
+
ضحكت رزان وقالت وهي تلوح بيدها:
"تمام، روح بسرعه."
+
وخرج تميم، وبعد دقايق رجعت رزان للمجلس، قلبها ينبض بسرعة، تحاول تخفي توترها بابتسامة هادئة،
بينما صوت ضحك البنات يستمر،
وهي تفكر بخوف خفيف:
وش بيصير إذا جوا بنات خاله؟
+
في بيت متعب بن مُهاب الراهي، كانت السفرة جاهزة، والمكان يعبّق بريحة الأرز واللحم والمقلوبة، وأصوات العائلة تتداخل بهدوء، ما بين حنين وهدوء ثقيل خيّم بعد الأخبار الأخيرة.
+
متعب جالس في صدر المجلس، قدامه ولده تركي وزوجته حور، وحولهم أمه الجازي و مرت أبوه غزيل، والجوّ رغم دفئه إلا إن الحزن كان باين بعيونهم — خصوصاً تركي اللي يحاول يبتسم، لكن كل شوي ينزل نظره لصحنه بدون ما ياكل كثير.
+
الجازي تنهدت وهي تحاول تغيّر الجو:
"تركي ولدي، كل يايمه شوي، اللحم زين، و ترا سامي الي مسويه طبخها بنفسه."
+
رفع تركي نظره لهم بابتسامة مجاملة وقال:
"لا، بالعكس ي يمه، ألأكل لذيذ كالعادة."
+
لكن صوته ما فيه حياة.
سكت شوي، ثم تنحنح، ورفع نظره لأبوه متعب اللي كان يقطّع اللحم بهدوء، وقال بصوت مائل للجدّية:
+
"أبوي... عندي لكم موضوع."
+
متعب رفع راسه ونظر له، وصوته صار هادي وجدي:
"إيه تكلم، أسمعك ياولدي."
+
ابتلع تركي ريقه، ثم مسك يد حور بخفة، وقال بابتسامة بسيطة:
"حور... زوجتي حامل."
+
ثواني مرت بصمت، بعدين تعالت ضحكة الجازي وهي تقول بصوت فيه فرح واضح:
"يالله ألف مبروك! يا بعد قلبي والله!"
+
ومتعب ضحك بصوت عالي وهو يضرب كف بكف:
"اللهم لك الحمد! أخيراً يا تركي! الله يتمم عليكم ويرزقكم الذرية الصالحة يا ولدي."
+
حور كانت حياها يغلب على ملامحها، خفضت نظرها وقالت بخجل:
"الله يسعدكم... دعواتكم لي بس."
+
غزيل نزلت دمعة صغيرة من فرحتها، ومسحتها بطرف الشيلا وقالت:
"يا بعدي والله فرحة في ذا البيت من زمان ما دخلت... الله يتمم عليكم بخير."
+
الجازي قامت وهي ما تقدر تخفي سعادتها، مشت باتجاه ولدها وضمت رقبته وقالت:
"تركي، بشّرني الله فيك يا ولدي، والله فرحت قلبي بعد الأخبار اللي كسرتنا."
+
متعب جلس متكئ على الكرسي، عيونه تلمع من الفرح وقال بصوت فيه عتب خفيف ومحبّة:
"يا ولد، ليه ما قلت لي من أول؟ تبيني أفرح متأخر يعني؟"
+
ضحك تركي وقال:
"كنت ناوي أقول لكم بعد ما أروح السجن أشوف أخوي... بس قلت أفرّحكم شوي بعد الحزن اللي عشناه."
+
الجميع سكت لحظة لما ذكر أخوه، كأن الذكرى كسرت جو الفرح،
لكن الجازي رفعت يدها وقالت بحزم لطيف:
"لا، اليوم فرحة. خلونا نفرح، الله أكرمنا بحفيد جديد... وهذا بحد ذاته رزق عظيم."
+
ومتعب ابتسم وهو ينظر لأحفاده الصغار متعب الصغير و ثريا عيال تركي اللي كانو يلعبو بألعابهم على السجادة، وقال بهدوء:
"إن شاء الله يكون له أخ يسنده، وبيت الراهي يمتليّ من ضحكات الأطفال مثل أول."
+
الجازي رفعت نظرها للسقف وقالت:
"آمين يا رب، يجعلها بدايات خير، ونهاية للأحزان."
+
وصوت ضحكة الطفل متعب الصغير ملأ المجلس، كأنها كانت أول لمحة حياة بعد أيام من الثقل والصمت.
+
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وصوت الضحك يرتفع من جهة مجلس الرجال في بيت الجد هيثم.
البيت كله يعج بالحركة، ريحة القهوة تملى المكان، وأصوات العيال تتقاطع بين هرج وضحك ولعب.
+
رنّ جرس الباب في جهة الرجال، صوت حاد قطع الجو الحماسي، فاندفع تميم وهو يحمل دلّة القهوة، يصارخ بصوت مليان حياة:
+
"هتاااان! رجّع التمر يا ولد! لا تسرقها مرّه ثانيه!"
+
وراءه فيصل يركض ويمثل كأنه بيدافع عن هتان، والضحك يملأ الجو.
وقف تميم وهو يلهث، ثم نادى بصوت عالي:
+
"وهداااان! تعال امسك الدلّة، بروح أفتح الباب،!!"
+
جاء وهدان يركض بخطوات صغيرة، وشعره منفوش، مدّ يده وأخذ الدلّة بحماس:
+
"يلا بسرعة ترى القهوة بتحرقك لو طاحت!"
+
ضحك تميم وهو يفتح الباب، وإذا برجل يقف أمامه — طويل، عريض المنكبين، عليه وقار وهيبة، الشيب مبعثر على أطراف شعره.
صوتُه العميق خشن لكن دافئ:
+
"السلام عليكم يا رجال."
+
انفرج وجه تميم بابتسامة واسعة، وقال بحماس صادق:
+
"يهلا والله! خالي رياض! حيّاك، البيت نوّر بوجودك، اقلط اقلط يا بعدي!"
+
ضحك رياض وقال وهو يصافحه:
+
"يا ولد، صرت رجال! آخر مرة شفتك كنت تتعلق بيد أمك وتبكي تبغى آيباد."
+
احمر وجه تميم بخجل وضحك وهو يقول:
+
"الدنيا تغيّرت يا خالي، الحين صرت متزوّج بعد!"
+
دخل رياض والضحكة ما تفارق وجهه، ووراه ولده فارس اللي يشبهه كثير لكن بعينين أكثر هدوء.
قال رياض وهو يلتفت حوله:
+
"وين جدّك وعمامك يا تميم؟ وراك البيت مليان أصوات وضحك، ما شاء الله!"
+
أشار تميم باتجاه المربّع الكبير:
+
"هناك، الكل متجمع، حتى أبوي."
تحركوا معًا، والأنوار تعكس هيبة المجلس ورائحة العود تعبق بالجو.
+
وفي الجهة الثانية — جناح الحريم — كان المشهد مختلف تمامًا.
رائحة العطور، همس النسوان، ضحك البنات اللي يمتزج بنغمة فناجيل القهوة.
+
انفتح باب المجلس بخفّة، ودخلت أماني زوجة رياض بخطوات متأنية، فستانها الفخم يجرّ وراءه هالة من الغرور، وعيونها ترتفع للأعلى كأنها ما تشوف أحد يستحق النظر.
وراءها تمشي بنتيها رُسل وشموخ، كل وحدة فيهم شايلة نفس الكبرياء، وكأنهم نسخ متكرّرة من أمهم.
+
رفعت غرام نظرها، قطّبت حاجبها بخفّة لكنها تمالكت نفسها وقالت بابتسامة مجاملة:
+
"أوه، أماني! حيّاك الله، من زمان ما شفناك، كيفك؟ عساكم بخير؟"
+
أماني جلست على طرف الكنب كأنها تجلس في مجلسها وقالت بنبرة فيها ترفع واضح:
+
"تمام الحمدالله، أنتم كيفكم؟ كيف آسر؟ كيف تميم؟"
+
ردّت غرام بهدوء:
+
"كلنا بخير، الحمدالله على السّعة."
+
لكن قبل تكمل، انزلت رُسل عيونها على رزان اللي كانت جالسة قريبة منهم، وضحكت ضحكة خفيفة فيها سخرية:
+
"أوه، ذي مرت ولد عمتو تمومي؟"
+
رزان رفعت حاجبها بنظرة متحدّية، مالت برأسها وقالت بابتسامة فيها جرأة:
+
"إيه يا روحي، أنا زوجته... أوه لا! يمكن تقولين حبيبته، اختاري اللي يناسبك، هممم، أتوقع إنتِ رُسل، صح؟ بنت خاله بسس!"
+
وجاها صوت شموخ وهي تتقدّم خطوة للأمام، نظراتها فاحصة وفيها لمحة تحدي:
+
"إيه، حنا بنات خاله... وينه هو؟ نبي نسلم عليه، من زمان ما شفناه."
+
هنا رفعت غرام صوتها بخفة لكنها حازمة:
+
"بسس! وش ذا الكلام؟ هو ما يحل لكم تسلمون عليه، احترموا نفسكم، وتعالوا معي عند الجدة سارة، المجلس هناك."
+
سكتوا البنات بغيض واضح، والتفتت أماني تبتسم ابتسامة مصطنعة، لكن نظراتها تقول عكسها.
تحركوا كلهم باتجاه مجلس الجدة، ودخلوا والمكان صاير هادي وجميل.
+
الجدة سارة كانت جالسة في صدر المجلس، وجهها يفيض هيبة، عيونها ما تفوت شي.
رفعت نظرها وقالت بصوت دافئ رغم برود الموقف:
+
"حيّ الله من جانا، تو ما نور البيت... يهلا ويمرحبا."
+
أماني ردّت بابتسامة صغيرة وهي تمسك بطرحة فستانها الغالي، بينما شموخ ورُسل يرمقون المكان بنظرات متفحصة، كأنهم جايين في معركة مو زيارة.
+
وانتشرت فناجيل القهوة، وصوت الدلال يرنّ في المجلس، ومعه الحشّات الخافتة بين بعض النسوان،
نظرات فيها فضول، كره، وتحدّي صامت — والجو مشحون رغم الهدوء الظاهري
+
رن جوال رزان بنغمة هادئة، نظرت للشاشة، تميم.
رفعت السماعة وهي تقول بخفوت:
+
«تميم؟»
+
جاء صوته من الطرف الثاني دافئ، لكنه فيه جدّية:
+
«تعالي المطبخ الخلفي اللي تحت، أبيك شوي.»
+
رفعت رأسها بنظرات مستغربة، بس قامت بهدوء، وعدّلت طرحتها وهي تمسك بجوالها وتنزل.
ما كانت تدري إن عيوناً تترصّدها من بعيد.
من طرف المجلس، جلست شموخ تمسح شعرها الطويل بإصبعها وهي تهمس لأختها رُسل:
+
«قامت!»
+
ردّت رُسل بابتسامة خبيثة:
«نلحقها... نشوف تميمي وش يسوي مع دُميته الصغيرة.»
+
تحركوا بخفة، خطواتهم على السجاد تكاد ماتُسمع، وطلعوا وراها بدون ما أحد ينتبه لهم.
+
وصلت رزان للمطبخ الخلفي، المكان فاضي إلا من ريحة القهوة والنعناع اللي تملأ الجو.
لمحت تميم من بعيد، واقف وظهره لها، يتكلم بالجوال ويضحك بخفّة، صوته متقطع بين «ايه والله» و«خلاص بشوفك».
جلست تنتظره، تلعب بأطراف طرحتها، ما تلاحظ الظلال الطويلة اللي وقفت عند باب المطبخ تراقبها من بعيد...
+
أنهى تميم مكالمته، لفّ بجسمه، وابتسم يوم شافها:
+
«إيه حبيبتي... اسمعي، في أحد ضايقك بشي؟»
+
رفعت حاجبها بتعجب:
+
«ها؟ لا محد ضايقني... وبعدين مو من جدّك مناديني عشان تسألني سؤال زي كذا؟ تستهبل؟»
+
ضحك تميم بخفوت وقال وهو يقرّب منها:
+
«أكيد لا، بس ودي أطمن على زوجتي، في شي مضايقك؟»
+
ابتسمت له بخجل، وقالت وهي ترفع نظرها له:
+
«طب يعني لهالدرجة خايف علي؟ ولا عشان بنات....خالك...»
سكتت قبل تكمل، كأنها ترددت.
+
هز تميم رأسه وهو يحاول يغيّر الموضوع:
+
«يلا، مافيه شي... بس ترا قربت تخلص الإجازة، قدّمي على الجامعات بدري قبل يزحَمون البنات—»
+
ما كمل جملته إلا وانفتح باب المطبخ فجأة!
دخلت رُسل وشموخ بكامل زينتهن، شعرهن منسدل، وريحة عطرهن غطّت المكان.
الغرور باين في مشيتهن، وكل نظرة فيهن تقول "احنا نعرف وش نسوي".
+
شهق تميم وهو يلتفت، ورزان وقفت مرتبكة، تحاول ترتّب طرحتها بسرعة.
رُسل قالت بضحكة فيها سمّ:
+
«أوه يا حرام! باقي في الثانوي و زوجوك؟ ههههه... رحمتك والله.»
+
ضحكت شموخ معاها وهي تميل على أختها، تهمس بشي بينهم ويضحكون أكثر.
+
رفع تميم راسه، نظر لهم بنظرة قوية فيها غضب، ثم التفت على رزان، مسك يدها قدامهم، ورفعها وباسها بهدوء وثقة:
+
«أيه، ما قدرت أتحمل حبّي لها. خفت أحد ياخذها مني. قلت أتزوجها من بدري... و بعدين ملحقين على الأطفال
اخذتها وأنا عاشقها، وما ندمت لحظة.»
+
الكلمات كانت كالسكين في قلوب رُسل وشموخ.
تبدّل وجه رُسل، حمرت عيونها من القهر، وشموخ عضّت شفايفها بقوة وهي تكتم دموعها.
التفتوا بدون كلمة، وطلعوا بخطوات سريعة، وعيونهم تلمع بحقد واضح.
+
وقف تميم لحظة، بعدها لحقهم لين قفل الباب، رجع والتفت على رزان وقال بصوت حنون لكنه حازم:
+
«لا تخافين دامني معك. بنات خالي خبيثات، لا تخلينهم يحركون فيك جفن، سمعتي؟ خليك قويه، وأنا معك وأحبك، تمام؟»
+
رزان هزت راسها بخوف خفيف، خجلها ظاهر في خدودها، وقالت:
+
«شكرًا تميم... تمام، بروح تحت، أمي شكلها تبغاني.»
+
طلعت من المطبخ، خطواتها سريعة، وحرارة الخجل في وجهها، بينما تميم وقف يتابعها بعينه مبتسم، يحس بالفخر فيها.
+
رجعت رزان المجلس، وجلست وسط البنات، عيونها راحت مباشرة على شموخ ورُسل الجالسين في الزاوية، ملامحهم متوترة، وكل شوي يتبادلون النظرات.
رزان ابتسمت بخفّة وجلست، كأنها ما تعرف شي، لكنها حست في قلبها إنهم ما خلصوا بعد.
+
وفجأة، صوت أمها منيرة قطع الجو:
+
«يبنيّتي رزونه، اطلعي فوق، المطبخ اللي في الطابق الثاني، شوفي دلّة القهوة الثانية، اللي هنا خلصت.
وخذي جوري معك تساعدك.»
+
التفتت منيرة على جوري، شافتها تضحك مع حصة وهدى وتحط مناكير، والضحك مالي المكان.
هزّت راسها وقالت لرزان:
+
«معليش، شكلها مشغولة، روحي لحالك.»
+
رزان همّت تقوم، بس قبل تمشي، الجدة موضي اللي كانت توها مخلصة صلاة، التفتت وقالت وهي ما تدري وش داخل قلوب البنات:
+
«ي بناتي، رُسل، شموخ، روحوا مع رزان وساعدوها، الله يرضى عليكم.»
+
ابتسمت رُسل بخبث وهي تقول:
+
«أكيد ي جدّه، بنساعدها.»
+
وشموخ ترد بصوت واطي وهي تقوم:
«إي بنساعدها....»
+
نظرت رزان فيهم، قلبها انقبض، بس ما قدرت تقول شي.
حاولت تبتسم وقالت بخفّة:
+
«تمام، يلا نروح.»
+
طلعت الدرج، ووراءها خطوات خفيفة، همسات وضحك خافت بين رُسل وشموخ.
الممرّ كان هادي، والبيت كله ساكن كأن الوقت توقّف.
دخلت المطبخ اللي فوق، بدت تفتّش، وهم واقفات عند الباب يتصنّعن الطيبة.
+
قالت رُسل بصوت خبيث وهي تضحك:
+
«هااا بوش نساعدك بالضبط؟ وش نشيل؟»
+
ردّت رزان بدون ما تلتفت، وهي تمسك الدلة:
+
«ولا شي، خلاص خلصت.»
+
استدارت تحملها وتنزل...
خطت الدرجة الأولى، ثم الثانية—
وفجأة، دفّة قوية من الخلف، كل شي انقلب بلحظة.
+
صرخة قصيرة خرجت من فمها، ثم صوت ارتطام حادّ.
الدلة تكسرت، وصوتها تردّد في الممرّ،
وآخر شي شافته رزان كان السقف يبتعد عنها... و الدم نعبي المكان ثم في لحضة الدنيا كلها ظلام....
+
أما في أعلى الدرج،
وقفت رُسل وشموخ، عيونهم ترتجف من الانفعال، وأنفاسهم متقطعة،
نظرت رُسل لأختها وقالت بصوت مبحوح:
+
«طاحت.»
+
وشموخ شهقت بخفة، بس بعدها ابتسمت،
ابتسامة باردة... خالية من الندم.
+
