رواية عملتان لوجه واحد الفصل الثاني عشر 12 بقلم آية الطري
١٢- السراب
كلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه، فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل.
+
صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين♥️
+
-----------☆☆☆☆☆
+
ليس على المجنون حرج نعرف، لكن لِمَ العاقل يتصرف مثل تلك التصرفات الجنونية، لِمَ تأخذ خطوة كهذه دون أن تضع الله والدين والأهل والمجتمع نُصب عينيها اللتان دارتا في المكان برهبة تمكنت منها لكنها تحاول السيطرة عليها......
+
جلست على أقرب مقعد قابلها تنتظره يخرج بالجهاز اللوحي الذي سيتم عليه العمل المزعوم.
+
شهقت بخفة واضعة يدها على قلبها عندما صدح صوت خارج من الشاشة المرفوعة على الحائط، تلقائيًا نظرت لها وهنا توقف عقلها عن العمل للحظات وهي ترى المقطع المعروض
+
_" ها يا سلمى مفاجأة مش كدة؟! "
+
كان صوته الماكر وهو واقف على باب الغرفة ينظر لها بإبتسامة نصر جعلتها تكذب نفسها سائلة بدهشة:
_" المقطع ده معاك ليه؟ "
+
نظر للشاشة التي تعرض فيديو قصير لهما حينما صفعته في شركة والده وقال:
_" ايه ندمانة؟! ولا نسيتي ؟!، لو انتِ نسيتي يا روح أمك أنا فاكر كويس قوي "
1
اتسعت عيناها بذهول من كلماته ونبرته العدائية فتلقائيًا وقفت وهي تردد بإرتباك:
_" فيه ايه يا حسام بتكلمني كدة ليه؟! وايه لزمته نجيب السيرة دي دلوقتي الأولى نخلص شغلك بسرعة "
+
فاجأها بقهقهاته العالية تحمل داخلها سخرية كبيرة ثم تشدق بمقصد مخيف:
_" انتِ هابلة يا قلبي ولا مصممة تستهبلي، أومال ايه اللي حاسبات وذكاء وبرمجة وفي الآخر دماغك لسة ما ترجمتش اللي بيحصل!! "
1
للحق عقلها ترجم ما يحدث الآن لكن الصدمة جعلتها تكذب ما وصلها لكن لا اراديًا بدأ الخوف يتسلل لقلبها:
_" عايز تقول ايه؟ لو ده مقلب هقفش بجد ومش هسامحك "
+
هز رأسه وهو يدندن بإستفزاز ثم هتف بحقارة:
_" مايفرقش معايا يا حلوة عادي خالص مش مهم تسامحيني، المهم آخد اللي أنا عايزة وأكسرك بمزاج، ما هو مفيش ست رفضت حسام الصيفي قبلك، لأ وانتِ كمان اتجرأتي وعلمتي بصوابعك الوس*خة دي على وشي وسط كل الزبالة اللي شغالين عندي، فحبيت أضيع كل الوقت ده معاكِ بس عشان أستمتع وأنا بردلك الكف عشرة "
+
كأنما أحد ضربها بقوة على رأسها تسمعه بشدوه وملامحها يظهر عليها شيء أكبر من مجرد صدمة، لا تستطيع استيعاب أنه لا يمزح بل كل ما كان بينهما مجرد لعبة قذرة منه وهي بكل سذاجة وقعت بفخه، بسرعة التقطت حقيبتها وركضت للباب لكن.... أين المفتاح يا صغيرة!!
1
مرة أخرى سمعت ضحكاته الساخرة التي ألقت الرعب بقلبها أكثر فاستدارت له قائلة بخفوت:
_" حسام لو سمحت سيبني أمشي "
+
تُضحكه حقًا وهل سيلبي طلبها بهذه السهولة، اقترب منها وهي تذوب في جلدها حتى تقلصت المسافة بينهما فقال بتقزز:
_" هو أنا أفضل أحايل وأدلع وأخطط ومستحمل قرفك عشان لما تبقي تحت أيدي أسيبك تمشي؟! "
+
حركت رأسها بعدم تصديق وكم سبت نفسها في داخلها، صدمة أرخت أعصابها لكن هذا لا يمحي قوة شخصيتها التي جعلتها تصيح فيه بنبرة عالية:
_" بقولك افتح الباب خليني أمشي، لحسن وربنا هصوت وألم عليك سكان العمارة "
+
أومأ لها ببرود وقال وهو يلوح بيديه في الهواء بعدم اكتراث:
_" وماله صوَّتي يمكن الناس تتلم والموبايلات والتصوير يشتغل وتبقى صورك في شقة واحد عازب حديث السوشيال كله "
+
تتجدد صدمتها مع كل كلمة تسمعها منه، بل لا تصدق وضعها كله وكيف رخصت نفسها بهذا الشكل المهين وهي التي تتفاخر بنفسها وتربيتها ومكانتها أين ذهب كل هذا الآن؟؟ وما زاد من ذعرها حديثه حين أكمل:
+
_" بس ما تخافيش كل ده مش هيحصل، أصل الناس اللي زينا بتحب الخصوصية والشقة دي لمؤاخذة لأغراضي الشخصية قوي عشان كدة جدرانها عازلة للصوت، حتى جربي بنفسك اتفضلي "
+
خفقان قلبها زاد وأنفاسها تقطعت فصاحت ببعض الضعف:
_" بلاش تأذيني يا حسام عشان ربنا، قدَّر أني وثقت فيك بجد "
1
وهل هذا يعنيه يا فتاة بل ضعفك يضخم قلبه بالسعادة فأردف بإبتسامة مريضة:
_" اتحايلي كمان شوية، أحب أشوفك مذلولة، انت عارفة ايه اللي يضحك أكتر... المهندسة الخبيرة ماكتشفتش إني بكلمها من حسابات فيك حتى الرقم اللي بنتواصل بيه مش باسمي يعني لو فكرتي ترفعي قضية مش هتمسكِ عليا دليل واحد، ومفيش مخلوق يعرف انك هنا معايا ما انت شاطرة وبتضحكي على أهلك وبتقابليني من وراهم ودي حتة في مصلحتي على الآخر"
+
حديثه عنفها داخليًا فظهر عليها الاشمئزاز إن كان منه أو من نفسها لكن هذا لم يمنعها من الصياح بصوت يحمل تهديد قوي:
_" أوعى تفكر انك تقدر تعملي حاجة، حفاظًا على حياتك سيبني أمشي عشان الرد مش هيعجبك "
1
_" عيب يا سلمى عيب تهددي حبيبك، طب يا ترى مين هيرد الرد اللي مش هيعجبني، ها؟ أخوكِ كان شغال ايه فكريني؟! ولا أبوكِ اللي طفش وسابكم من سنين زي ماقولتيلي"
1
حقًا قلبها يتمزق مع كل حرف ينطقه!!، ماذا لو علم سيف بتصرف أخته المصون؟! ماذا عن أمها؟ بل وشادي ؟! كيف لم تفكر سابقًا في كل هؤلاء؟!
+
انتبهت له يكمل بسخرية:
_ " يااه فكرتيني بالخرسا تصدقي وحشتني، غبية زيك بالظبط فاكرة لما هتهرب مش هعرف أوصلها، بتتحامى في شخصية وهمية عقلها المتخلف صنعها ليها، انتِ كمان كدة فاكرة ان فيه حد يقدر يقف في وش عيلة الصيفي ويجيبلك حقك "
+
عرفت أنه يقصد بتول فتركته يُكمل وهي تعود للخلف حتى التقطت تلك الأنتيكة بيدها وبسرعة قذفتها عليه ليتفاداها فجأة لتصتدم بالحائط خلفه بينما هو عيناه غامت بالغل وأخرج سبة نابية في حقها ... ثم تقدم نحوها بخطوات هجومية مخيفة وانقض قابضًا على حجابها مع صفعات قاسية نزل بها على وجهها الرقيق تزامنًا مع صرخات عالية خرجت منها وعسليتاها أفرطت بالدموع ويديها الضعيفة تدفعه عنها وكل خلية بها تقاوم بشراسة، لكن الوضيع كان قد خطط لكل شيء سابقًا....
+
اتسعت جفونها وهي تزيد من حركاتها ودفعاتها بعدما كتم صوتها بذلك المنديل القماشي الذي أخرجه سريعًا ووضعه على أنفها مع فمها بحركة أعاقت تنفسها....
+
_" انتِ بتاعتي النهاردا وماحدش هيقدر يمنعني عنك " كلمات كان يرددها بقذارة مقيتة
+
ليزيد من ذعرها، لا تُسعفها ضآلاتها الجسدية أمامه بل الخوف أربكها أكثر وجعل حركتها عشوائية ليس منها جدوى، شعرت بروحها تُسحب وهي تتوارى بظلام اللاوعي نتيجة المادة المُخدرة التي تتوغل داخلها، لتتيقن أن حصونها اقتُحِمَت وحياتها كُتب عليها الدمار من هذه اللحظة بل من اللحظة التي تخلت فيها عن جزء من مبادئها وتركت نفسها لكلماته المعسولة بإسم الحب....
2
--------------
+
أنهى الطبيب تركيب ذلك المحلول المغذي لتلك الشاحبة ثم استدار لعز يخبره بعملية:
_" محتاجة رعاية كبيرة، الأفضل تدخل المستشفى "
+
هنا نظر عز لنوح الواقف في بداية الغرفة ففهم مقصده وخرج بهدوء ليلتفت له مرة أخرى قائلًا بجدية:
+
_" ماينفعش، دي أعداءها أكتر من حبايبها ما أضمنش ممكن يحصلها ايه في المستشفى... خليك على تواصل معايا وأنا هاخد بالي منها "
+
هنا كتف يديه حول صدره ونظر له بأعين ضيقه جعلته يشعر بالإحراج فضحك بخبث قائلًا:
_" وماله يا قائد، أموت في الرومانسية السوداء "
+
جمدت ملامحه وحرك لسانه في فمه بحركة جعلت الآخر يبتلع ريقه وقال بتراجع:
_" متأسفين يا باشا أخوك الصغير وفاهم غلط "
1
_" طب وريني عرض كتافك يا صغير "
+
أومأ الطبيب بضحك وتوجه للخارج لكن توقف وسأله بفضول:
_
+
" هو الجدع اللي برا ده ايه نظامه؟ "
+
رد بعدم اكتراث:
_" ده دليفري هو اللي كلمني لما تعبت "
+
تفهم ولم يضف شيء فقط غادر من المكان، فأغلق سنايبر الباب على نور وخرج ليجد نوح واقفًا يستعد للذهاب قائلًا:
_" حمدًا لله على سلامتها ، عن اذنك أنا لازم أمشي اتأخرت جدًا هرجعلهم مكنة الشغل وأطرد وأروَّح "
1
ابتسم له عز بجانب فمه وقال:
_" وأنا مايرضينيش تتطرد، ماتقلقش ماحدش هيكلمك نص كلمة ، قولتلي اسمك ايه؟! "
+
مد نوح يده إليه مردفًا باحترام:
_" نوح "
+
بادله سنايبر السلام قائلًا:
_" عز الدين "
+
ظهر التفاجؤ لحظة على وجه نوح وقد تذكر الابن المفقود للسيدة نهال لكن ليس هناك وجه شبه سوى الاسم، فسنايبر كعادته متنكر لا يترك أحد يعرف شكله الحقيقي،
1
_" اتشرفت يا أستاذ عز ، حضرتك جوزها ولا أخوها ؟! "
+
_" شغال عند أبوها؟! " هكذا رد عز بتهكم ساخر
1
_" بس هي يعني مسجلاك " كانت كلمات مستفسرة من نوح فقاطعه عز بإختصار:
_" قصدك عشان مسجلاني أبو العيال؟! "
+
أومأ نوح بحرج طفيف فضحك عز بغرور مفتعل وشرح ببساطة كاذبًا:
_" كلام في سرك هي معجبة بيا، وانت عارف البنات لما تعجب بواحد بتحط طموحاتها في اسمه على الفون "
1
أخرج نوح ضحكة قصيرة واحتفظ بإبتسامة بسيطة رغم عدم اقتناعه بينما تفحص سنايبر وجهه والكدمات الظاهرة عليه غسأل بتوجث:
_" باين عليك هادي مش وش خناق، مين اللي عمل فيك كدة؟! "
+
تنهد نوح وقد تحولت ابتسامته لأخرى حزينة قبل أن يعترف بقلة حيلة:
_" ماتاخدش في بالك ولاد الحرام كتير "
+
أومأ له عز بهدوء وقال بنبرة تحمل بعض الألم الداخلي:
_" المهم ماتبقاش منهم "
+
تعجب الفتى للحظة من طريقته ثم انتبه على طلبه:
_" هات رقمك "
+
بمحبة أملى عليه نوح رقمه ليكتبه عز سريعًا على هاتفه ثم طلبه ليصدح صوت هاتف نوح قليلًا وانقطع فأكمل عز بهدوء:
_" سجِّل رقمي، مش بحب حد يشيلني جمايل، في أقرب فرصة لو احتاجتني كلمني أردلك جميلك "
1
رمقه نوح بنظرة مفعمة بعزة النفس وقال بعقلانية:
+
_" ما تقولش كدة يا محترم أنا لو كلمتك في يوم هبقى بس بطمن عليك، أنا معملتش حاجة كلنا أسباب وأنا كنت مجرد واحد ربنا بعتني في الوقت المناسب عشان أساعد إنسان مش أكتر، السلام عليكم "
1
فقط وغادر تاركًا ابتسامة صغيرة تزين محيا سنايبر الذي رمى بثقله على أقرب أريكة يفكر في كل تلك الأحداث التي تطارده، وما كاد يغلق عينيه بإرهاق حتى آتاه اتصال من صديقه ففتح الخط مبادرًا ببرود:
_" خير! أليكسي لسة مطلع عينك، قولتلك اعتبره ابن أختك و... "
1
_" عز فيه مصيبة... لأ مصيبتين وأليكسي تلاتة "
1
انتفض عز واقفًا يسأل بلهفة:
_" فيه ايه؟! "
+
---------------
+
أصبحت الرابعة عصرًا وهو منذ الصباح يلاعب صغيره ويدورا الاثنان في جميع أنحاء الشقة ، كان واضعًا قماشة صغيرة حول عينيه تحجب عنه الرؤية بينما الصغير يهرب منه كي لا يصل له....
+
_" بابي أنا أشطر منك مش هتمسكني خالص " كان صياح عمر الضاحك بطفولة وهو يركض وشادي خلفه يبادله الضحك والحماس
+
_" طب اخسر مرة عشان بابي " هكذا طلب منه شادي بلطافة
+
لكن الصغير استمر في الصراخ المرح والهروب وهو يردد:
_" لأ أنا بطل والبطل مش بيخسر "
+
شعر بالفخر بصغيره رغم طفولية الكلمات الصادرة منه وفجأة صرخ بانتصار لحظي:
_" مسكتك يا بطل م... "
+
بتر باقي جملته ما أن تدارك أن الجسد الذي بين يديه ليس جسد الصغير بل تلك التي صاحت بصوت يملؤه السعادة رغم أنها تظاهرت بالغيظ:
_" سيبني يا بابي خليني ألم وراك انت وابنك "
+
سكن شادي فجأة وحمحم بشيء من الاحراج الذي يُضايقها لكن أكملت بإهتمام:
_ " كفاية لعب يا عمر بابي تعبان وعنده جرح لازم يرتاح "
+
ابتعد عنها شادي قليلًا وزال القماشة عن عينيه فاقترب منه عمر قائلًا بحماس:
_" أنا اللي كسبتك في اللعبة دي، دلوقتي نلعب على الكمبيوتر سوا مالعبناش تحدي سباق السيارات من زمان خالص "
+
هنا تدخلت جنى قائلة بمزاح مقصود لتذكره بإهماله في حق عمر:
_" آه من شهرين كدة يا بابي ينفع؟! "
+
تنهد شادي بإبتسامة صغيرة وقال:
_" لأ ما ينفعش هنلعب طبعًا "
+
ثم نظر لها وطلب بمرح:
_" جهزي انتِ بقى شوية تسالي للقاعدة وتعالي شجعيني عشان ابنك المفعوص ما يكسبنيش تاني "
+
ضحكت معبرة عن راحتها الداخلية وهي تراه يعود لسابق عهده كما كان في بداية زواجهما حتى ولو وضعه غير طبيعي ويحتاج حقًا للعلاج،
+
دخل عمر للغرفة سريعًا يستعد للعب وكاد شادي يلحقه لكن أوقفه سؤال جنى المتوجث:
_" شادي مش هتكلم ماهر؟ من امبارح بيحاول يتواصل معاك "
+
ناظرها بملامح ثابتة تحمل حيرة غير واضحة ثم هز رأسه بنفي وقال بصوت مختنق به شيء من الغضب:
_" لأ مش هكلمه، كفاية، ماهر عايز يطلعني مجنون وأنا مش مجنون، أنا عايز أبقى وسطكم معاكِ انتِ وابني، وأنا عارف أنا مين كويس أنا شادي جبران الرازي جوزك وأبو عمر ومش عايز حد يبعدني عنكم، هما ليه مش عايزين يفهموا كدة؟! "
2
اقتربت منه واحتضنته مرتبة على كتفه وهي تقول بهدوء ماكر:
_" بس كمان أهلك عايزينك تقرب منهم ، انت ابنهم وبتحب تبقى معاهم وشغلك هناك "
+
لم يجب كأنه يستنكر كلماتها هو يعرف كل ذلك، لكن لا يريده، لا يريد التواجد في ذلك الحي حتى وإن كانت عائلته تعيش به،
+
أكملت حديثها وهي تحاول فهم مشاعره الآن ولأي درجة يرفض ذاك العالم:
_" يعني أكيد هيكون واحشك سكر وسيف ومدام مجدة اللي بتعتبرها زي والدتك وكمان... سلمى "
+
بنفاذ صبر انتظرت رد فعله الذي كان صوت ضعيف يردد اسم سلمى مما جعل قلبها يحترق من الغيرة وسألت دون تفكير:
_" انت ممكن تسيبنا عشانهم يا شادي؟! "
+
استغرق لحظات يفكر في إجابة حقيقية بعدها شعرت برأسه تتحرك بنفي وشدد من احتضانه لها وهو يقول:
_" أنتم حياتي ماقدرش أبعد عنكم، حاسس اني مش عايز أروح هناك دلوقتي... خايف، افهميني انتِ يا جنى بالله عليكِ، عشان أنا مش فاهم نفسي "
1
قالها مع تجمع لا إرادي لبعض القطرات الدافئة في حدقتيه، وكيف لا يدمع وداخله تخبط لا يُحتمل، مشاعر تدور خلف بعضها لا يعرف أيٍّ منها يسكنه الآن!!، داخله هويتان يحفظ تفاصيلهما لكن يريد البقاء في احداهما دون الأخرى....
+
يبدو أن القدر جاء عكس رغبته حيث سمع صوت هاتفه فابتعد عن زوجته وجفف دموعه سريعًا بينما هي ذهبت والتقطت الهاتف لتجد رقم مجهول ينير شاشته شكت أن يكون سكر فاغتاظت وأغلقته ببرود....
+
_" ماهر تاني؟! "
+
أجابت بكذب:
_" آه بس ماتشغلش بالك ادخل شوف عمر على ما أجهز ال... "
+
قاطعها رنين الهاتف مرة أخرى وكادت تعيد الكرة وتغلقه لكن أخذه منها فجأة وهو يقول بحنق:
_ " هرد ألغي معاه المتابعة و... ده مش متسجل!! "
+
قالها بتفاجؤ ما أن وقعت عينيه على الشاشة فتظاهرت هي بالجهل لكنه قد رد دون تفكير مما أثار ضجرها،
+
_" ألو... مين معايا؟! "
+
تابعته ببعض الفضول لتتأكد من هوية المتصل تتمنى ألا يكون أحد من أهله خاصة تلك الفتاة الذي طالما ردد اسمها بنومه وأوقات مرضه وآخرها ليلة أمس، لكن جذب انتباهها سكون ملامحه بل انسحاب الدماء من وجهه، لم يمهلها فرصة للإستفسار وهي تراه اندفع من أمامها للخارج بجنون وكأن النار تلاحقه....
+
_" شادي فيه ايه حصل ايه؟! " تسأل بلهفة وهو بعالم آخر مع مَن يحدثه
+
التقطت آخر ما قاله قبل أن يصل لآخر الدرج:
_" مستشفى ايه قولي العنوان بسرعة؟! "
2
----------------
+
دخل ذلك المخزن الموضوع به الرجال الذين هاجموا سيف، قناعه يزين وجهه ويخفي ملامحه بينما فارس واقف جانبًا ويظهر عليه عدم الرضا ليقول المجهول:
_" فيه حاجة يا فارس شايفك متضايق؟! "
+
نظر فارس لمصطفى الذي حضر هو أيضًا ثم اعاد نظره لتك الهيبة المتحركة أمامه وقال بإحترام إلزامي:
_" عايز أفهم ليه أنا متراقب يا باشا؟ واخد بالي ان مصطفى باعت رجالته ورايا زي ضلي، هي القيادة شاكة فيا ولا ايه؟! "
+
كاد مصطفى يشرح له الأمر لكن تدخل المجهول مبادرًا:
_" شوف يا حضرة الظابط، لو على القيادة فتصرفاتك دي كلها ممكن تتعاقب عليها لأنها مش قانونية، بس بتمشي في قانون الصداقة، وأنا عارف انك من أقرب الصحاب لسيف وكل اللي بتعمله ده بأوامره، في الأول وفي الآخر انت واحد من فريقه الخاص "
+
_" مش فاهم برضو حضرتك ليه هنا وليه طلبت تشوف العيال دي من غير علم سيف؟؟ يخصوك في ايه أصلًا "
+
خرجت نبرة مخيفة من فم المجهول وهو يردد بفحيح:
_" عشان سيف ده أمانة في رقبتي ليوم الدين، واللي يرشه بالماية أرشه بالنووي ويوم ما يظهرله عدو يبقى لازم يتمحي اسمه قبل ما يفكر يئذيه ولا يمس شعره واحدة منه "
+
اقشعر جسد فارس من عمق مشاعر الواقف أمامه ولم يستطع كبت استفساره المذهول:
_" حضرتك مين وتبقى ايه لسيف باشا؟! أنا كل اللي مصطفى قاله انك تبع القيادة بس"
1
ضحك الآخر ضحكة صغيرة يظهر بها مرارة لاذعة يردد داخل نفسه بصوت منهار:
_" أنا اللي أقرب ليه من نفسه وفي نفس الوقت ماينفعش يعرفني ولا يعرف اني موجود على وش الأرض، أنا اللي غصب عني ظهوري ممكن يدمره "
5
حرك رأسه للجنب طاردًا أفكاره العالقة وقال بصوت رخيم:
_" مش مهم أنا مين، على رقبتك سيف يعرف الحوار اللي دار بينا أو حتى إنك شوفتني، انت فيك من يحفظ السر اعتبره سر وطني "
+
ابتلع فارس لعابه وداخله حيرة كبيرة جعلته يسأل بفضول:
_" طب معاليك ناوي على ايه؟! "
+
نظر المجهول للرجلان المرميان أرضًا وقال بتوعد جحيمي:
_" ناوي أعرف مين وراهم عشان أخرجله شهادة حرق ببنزين نجس، أصل اللي يلعب بالنار ماينفعش نطلعله شهادة وفاة عادية "
+
ثم أشار لرجال الواقفين عند البوابة فتقدموا وأخذوا الرجليْن بينما هو تناول ذلك الجهاز الصغير المسمى فلاشة من يد مصطفى وقدمها لفارس قائلًا:
_" وصل دي لسيف فيها كل تفاصيل العملية اللي هتم كمان يومين؟! "
+
_" طب هقوله جبتها منين؟! "
+
_" قوله اللي خطف الرجالة من المخزن هو اللي سابها، وهو هيفهم الباقي لواحده "
+
خرج بخطواته الواثقة تاركًا فارس يردد بإعجاب:
_" حاسه تاريخ، ربنا يرزقني وأتعلم على ايده بدل الجرايم اللي بشارك فيها مع فامبي، بس.... والله فيهم صوت من بعض "
4
ثم نظر للاسم المنقوش على الفلاشة فردد ذلك اللقب الغامض بحيرة: " السراب!! "
1
--------------
+
ليس ألمًا فوق آلامه المترسخة في صدره، بل كانت فعلتها رصاصة أصابت ذلك القلب الذي لم يعشق سواه، مرهق ومتعب ومتثاقل ومتحامل على نفسه كي لا يخر على ركبتيه من شدة الضعف، تائه ومتخبط ومسلوب الهوية، مذنب ومظلوم، جاني وجنايته ذاته التي يعذبها دون شفقة، كل هذا لاشيء أمام ما فعلته تلك الصغيرة،
+
كل دمع سال من عينيه سابقًا لم يكن بحرقة الدمع المتجمع بهما الآن، يسمع صوت الهواء يدخل رئتيه بصعوبة ويخرج بثقل، رموشه رافضة التحرك صعودًا أو هبوطًا، بنيتاه المشوبة بالماية المالحة تطالع جسدها الراقد أمامه على فراش المشفى، لا نعرف كيف دخلتها أو مَن أسعفها إليها، أو حتى ماذا حدث معها؟، ماذا حدث لملامح وجهها الزاهي فشحبت هكذا، ولِمَ كحلتها التي طالما كانت مرسومة بحرفية الآن تُلطخ وجهها بعشوائية، بل وما مصدر ذاك الإحمرار الظاهر على وجنتيها.....
+
لكن ذاك العاشق كان يعرف بل يحترق بنار المعرفة ، رافض تصديق ما سمعه من المجهول في الهاتف، سلمى؟! معشوقته الخفية؟! متى تغيرت هكذا ليصدر منها مثل تلك الأفعال؟! كيف تقربت من غيره؟! متى عشقت؟! ومتى صُفعت ممن تعشق؟!
+
_" ابعد.. " فاق من جحيم صدمته على هزيانها ذاك فثابر حتى خضعت له قدماه وتحركت اتجاهها، وقف عند رأسها مباشرة وتلقائيًا مد يده المرتجفة نحو وجهها مرددًا بخفوت:
_" سلمى "
+
_" هي مش هتفوق دلوقتي واخدة مخدر قوي جدًا عن طريق الوريد " كان صوت الطبيب الذي للتو لاحظ وجوده بالغرفة، أي مخدر؟!، نعم يبدو أن الوضيع لم يكتفي باستنشاقها للمادة المخدرة بل حقنها بها أيضًا....
+
_" ح... حالتها... عايز أعرف... " يجاهد ليسأل يتمنى الموت ألف مرة على أن يسمع ما يخشى وقوعه..
+
فهم الطبيب مقصده فحمحم وقال بعملية:
_" الموضوع حساس أنا فاهم، اتفضل معايا مكتبي أشرح لحضرتك الحالة بالظبط، وكمان الإدارة بلغت وخدنا خطوات رسمية "
1
فجأة رن هاتفه شادي مرة أخرى فرفعه ينظر للمتصل، خرج الطبيب ليتركه على حريته، ففتح الخط بتوهان ليأتيه صوت مخيف:
_" بلاش سيف يعرف، امسك نفسك لو سمحت وخلص ورق خروجها ومالاكش دخل بالإجراءات القانونية أنا هتصرف، أما لو على ابن ميتين الكلب فده أبوه زمانه بيتحصر عليه، و لسة وحياة كل لحظة رعب مرت بيها لحصره هو ال*** اللي اسمه كمال الصيفي "
+
لم يرد شادي ببنت شفه فصاح الآخر بضيق:
_" شادي مش وقت ضعف "
+
_" تعرفه من امتى؟ كانت بتحبه! راحت معاه بمزاجها؟! " كانت أسئلة بصوت شبه ميت خرجت من شادي تشير لصراع ضاري يمزق أحشاءه
+
_" الوسخ ضحك عليها، هي صغيرة ووقعت ضحية ألاعيبه، احتويها وبلاش تقسى عليها يامة الصدمة اللي خدتها، احنا مانعرفش لما تفوق هتكون عاملة ازاي "
+
هز شادي رأسه بإبتسامة ساخرة وأنزل الهاتف بضعف كأنه أصبح عاجزًا عن رفعه، استدار لها وحدقتيه تفترس معالم التعب البادي على وجهها، اقترب بوهن وجلس جوارها، ثم ابعد عينيه عنها ونظر للأمام وهو يهمس بوجع:
_" حبتيه يا سلمى؟! حبتيه لدرجة تروحي بيته؟!، سمحتيله يكلمك، سمحتيله يقولك اللي طول عمري بتمنى أقولهولك.... كنتِ مبسوطة معاه، يعني شاب من سنك وغني وروش ومهندس زيك كل حاجة فيه كفيلة تخطف قلبك مش كدة؟!... طب قولتيله اللي شادي مستعد يدفع عمره و يسمعه منك؟؟؟.... عينيك غمرته بنظرات كفيلة تحييني أو تقتلني عشان كانت لغيري؟!، رسمتي حياتك معاه يا سلمى ؟!، قولي انك كمان تخيلتيه في أحلامك؟!.... تخيلتيه؟؟!.... طب وأنا؟!... أنا.... تعرفي إني عاذرك.... آه والله أصل الدنيا كدة تسيبك تحلمي وتخططي وتتحمسي ومرة واحدة تطفيكي بعاصفة ريحها عالي أعلى منك بكتير قوي؟! ريح رغم أنها بتطفي الحلو بس بتعجز قدام نار الوجع اللي ساكنة القلب بالعكس دي بتكون بنزين بيزودها... بس... ليه "
3
اختفى صوته بإختناق داهمه، ليمر الصمت بالمكان قبل أن يستقيم هو بأكتاف أسدلها الوجع لأسفل، رفع نظر لباب الغرفة المغلق وفجأة هرول إليه يفتحه بعنف كأنه يحرر نفسه من سجن مظلم ضاق عليه حتى كاد يقتله،
1
تزامنًا مع تحرر دمعتيها اللتين خرجتا من بين جفونها المغلقة بعدما أفصحت عن شهقاتها المكتومة تحاول تدارك أين هي؟! وماذا حدث؟!
1
---------------
+
مر يومان ثقال على الجميع بلا استثناء لكن للحق كانا خفيفان على المنزل البسيط الخاص بالسيدة عتاب مادام زوجها المتجبر لم يعد إلى الآن....
+
_" لأ يا سالي قلقلي القاف مادام وقفتي عليها زي ما بننطق كلمة الفَلَق " كان ارشاد نوح لتلك الصغيرة التي تتلو عليه نصها اليومي من كتاب الله،
+
بالفعل صححت الآية ليبتسم لها برضا قبل أن يجذب انتباهه دخول سها من باب المنزل بعد يوم شاق في الدروس الخصوصية وكالعادة خصلاتها السوداء الفجرية تظهر من مقدمة حجابها بل لنقل تلك القماشة الشفافة التي تحيط برأسها...
+
_" ماما جعانة " قالتها بصوت مرتفع حانق يوحي ببغضها لمثل تلك الفترات الصعبة التي تقضيها بين مراكز التدريس...
+
_" مش المفروض دروسك بتخلص أربعة؟؟ كنتِ فين؟! " قالها نوح بنبرة باردة دون أن ينظر لها فطالعته بضيق
+
وقالت بكذب:
_" كنت في المكتبة بصوَّر ورق وكانت زحمة جدًا حتى اسأل فيروز ما انت بتثق فيها وعايزين أبقى زيها "
+
وقف وقد عقد حاجبيه الكثيفان وسأل بإستنكار:
_" أنا؟! امتى جبت سيرة فيروز ولا ليا كلام معاه عشان أسألها عنك؟! "
+
تأففت قائلة:
_" تعليقاتك الكتير على كل تصرفاتي وكلامي ولبسي بتقول انك عايزني ابقى نسخة منها، معقدة ومقفلة "
+
ماذا؟! من أين تأتِ بتلك الأفكار هو بالأصل لم ينتبه تلك فيروز أو لغيرها،حقًّا تفكيرها يزعجه ألا تخجل من فعلتها الشنيعة والذي مازال صابرًا عليها ولم يخبر والدتها بل أيضًا تتواقح في ضوابط صحيحة ينصحها بها وتستهزأ بخوفه وحرصه عليها....
+
_" أنا ماليش علاقة بفلانة ولا بغيرها ولا عايزك تكوني نسخة من حد، كل اللي طالبه منك تبعدي عن الغلط مش أكتر، وأظن أنا لسة هادي وصابر عليكِ يا سها، ربنا يهدي قلبك وتبطلي أساليبك دي عشان هكون زعلان أكتر منك لو اضطرتينا نشدد التعامل معاكِ "
+
أنهى تهديده المبطن وغادر المنزل بعدما صدح آذان المغرب وتبعته سالي حاملة اسدالها الصغير حيث تصلي عادة مع الخالة نهال...
+
زفرت الأخرى بقهر ودخلت تنادي والدتها التي نزلت من ذلك السلم الصغير المؤدي للسطح وهي تسأل بتعجب:
_" فيه ايه يا سها هو نوح اللي صوته كان عالي ده؟! "
+
هنا زاغت أعين سها بتفكير شيطاني واستغلت استغراب والدتها لتتشدق بنبرة باكية:
_" أنا تعبت يا ماما بقى ايه الأسلوب ده!!، بقيت أشوفها زي الجماعة الإرهاب اللي بيظهروا في التليفزيون نفس أفكارهم بجد "
+
رفعت عتاب حاجبها بإستنكار وصاحت فيها بضيق:
_" سمعيني انتِ بتقولي ايه يا بت؟!، ورحمة أبوكِ اللي زي قلته لو ما اتعدلتي مع ابن خالك وحطيتي جزمته على راسك لأخلعلك شعرك من جدوره يا بت عرفة "
+
تشجعت سها وصاحت فيها بقهر مزيف:
_" آه ماهو ده اللي عايزة ما هي دي أفكاره، أحط جزمته على راسي وأعماله انه الأمير وأنا جارية عنده "
+
_" انتِ بتهلفطي تقولي ايه يا بنت انتِ " صاحت بها عتاب بضجر وهي تقترب من ابنتها
+
_" بقول الأفكار اللي مزروعة جوة راس ابن أخوكِ، ما أنا بقيت أسمعه يتكلم على مِلك اليمين، وتصرفاته معايا بقت تخوف أصلًا وشكله داخل على شغل تطرف و... "
+
صمتت واندفعت الدماء من شفتيها أثر كف عتاب الذي ارتطم بخدها وهي تصرخ فيه بعدم تصديق:
_" اخرسي يا بنت الكلب ماسمعش صوتك!!!... هي حصلت!! نوح؟! مالقتيش غير اللي الضرب لسة معلم في وشه عشان ما يسيبش واحد من الأوساخ مجايب ابوكِ يدخل عليكِ أوضتك؟!!! "
+
صرخات والدتها أرعبتها، للحظة تراجعت عن مخططها الدنيئ قبل أن يكرر شيطانها توجيهات شهد بضرورة حبك التمثيلية فاستجمعت قواها واستغلت دموع الخوف بعينيها لتكمل بإنهيار مفتعل:
_" كنت عارفة انك مش هتصدقيني؟! ماشي يا ماما ماتصدقينيش، بس إسألي المحروس ابن أخوكِ كان داخل ورايا ليه المطبخ في نصاص الليالي، وانت شوفتيني مش محتاجك أحلفلك في دي كمان "
+
فقط واندفعت لغرفتها ضاربة الباب خلفها، تاركة عتاب في واقع الصدمة والتخبط، لا تصدق تلك الكلمات القذرة التي ترددها ابنتها وكيف لها الجرأة لقول ذلك!!!
+
---------------
+
نرى الآن ذلك الفريق متجمع في مقر المخابرات أمام معلومات لا يعرف أحد مصدرها....
+
اللواء شاكر يراقب الجو المشحون بالتوتر وسط ضباطه الأقرب، سيف أعصابه مشدودة بغضب داخلي لا مثيل له بعدما وصلته رسالة السراب، راجح يحاول أن ينسى حموله الثقيلة ويركز فقط في عمله الآن، أما بكر كان أقلهم توترًا....
+
بدأ شاكر الحديث بهدوء:
" ١٥٠ ضحية، عشان نقول قدرنا نبوظ العملية لازم يرجعوا في أفضل حال من غير مانعرض حياة واحدة فيهم للخطر "
+
بكر بتركيز وتريث:
_" بغض النظر عن مصدر المعلومات بس ازاي الضحايا فضلت وقت كبير في المنتجع السياحي بتاع كمال الصيفي من غير ما حد يشك من البوليس أو حتى من المدنيين؟! "
+
رد راجح بشيء من الغضب الساخر:
_" عشان المنتجعات الخاصة اللي زي دي مش بتخضع لرقابة أمنية مشددة، فطبيعي تكون أماكن مناسبة لتخزين سلاح مخدرات آثار أو حتى بشر "
+
أكمل سيف بنفس السخرية:
_" حتى عربيات النقل اللي اتحركت بالضحايا من المنتجع لمخزن سلمان منصور في المينا ماخضعتش لأي تفتيش؟! دي صدف ولا رشاوي؟! "
+
تنهد شاكر وقال متجاهلًا أسلوب سيف الفظ:
_" للأسف عربيات النقل خاصة بشركات تابعة لنائب مجلس شعب، يعني معاه حصانة برلمانية تمنع تفتيش أي من ممتلكاته الخاصة دون إجراءات قانونية معقدة "
+
_" وبالنسبة لوجود الضحايا في مخزن في المنطقة الصناعية القريبة من المينا وبرضو ماحدش اكتشف وجودهم ولا فيه أي شبهات، دي حصانة برضو ولا تورط رتب في الداخلية "
+
_" سيف ده مش موضوعنا دلوقتي، لحظة " قالها شاكر وضغط على زر في مكتبه...
+
مرت ثوانٍ صامتة قبل أن يدخل مصطفى بطلة رسمية قائلًا ببعض التوتر من نظرات سيف التي بدأت تخترقه:
_" معاك يا سيادة اللوا "
+
أشار له شاكر ليجلس وقال:
_" ده النقيب مصطفى رشوان كان معاكم في أول مهمة ليكم بقيادة العقيد قاسم الدالي من ست سنين تقريبًا "
+
ناظره بكر بإبتسامة لطيفة قائلًا:
_" طبعًا فاكرينه، أخبارك يا شِق "
+
ابتسم له مصطفى بتحفظ وقال:
_" تمام يا صاحبي "
+
_" لو معاليك مصمم تدخل رابع بينا أنا أفضل النقيب فارس " قالها سيف ببرود
+
فناظره شاكر بضيق وقال بنبرة محذرة:
_" فارس لسة ماعندهوش الخبرة الكافية يشارك في عملية زي دي، ماتنساش ان فيه تجميد أي تحركات رسمية لموقع الضحايا يعني دي مهمتكم انتو بس ومعتمدة عليكم اعتماد كلي، بلاش نفكر في أي مشاحنات داخلية "
+
بعدها وقف شاكر أمام خريطة إلكترونية تعرض المخزن والميناء، وامتلأت نبرته بالحزم والجدية وهو يشرح التفاصيل:
_ " المعلومات اللي عندنا بتقول إن الضحايا في المخزن ده، في انتظار التحرك بيهم لواحدة من سفن الاستيراد والتصدير الخاصة لرجل الأعمال والسفير السابق سلمان منصور … تحرير الضحايا لازم يتم بشكل صامت وآمن لحد ما نضمن سلامتهم هيتم الدخل الرسمي ووقتها نقدر نقول تم إسقاط كيان سلمان منصور نهائيًا "
+
التفت سيف بعينيه نحو راجح ليلحظ ما يحاول الآخر اخفائه حتى عن نفسه، فتنهد مبتسمًا بهم.
+
---------------
+
الوضع مريب بل مرعب بمقر زعيم المافيا المدعو دميتري ألكسيفيتش ، الجميع تحت واقع الصدمة والترقب، فلاديمير يسارع بخطوات مترددة نحو الزعيم يجهل كيف سيخبره بتلك الكارثة،
+
_" سيدي " رددها بخفوت إجباري وإحترام وهو واقف أمام جسد الزعيم الذي يتلقى جلسة استجمام مريحه، فرد عليه وهو يحتفظ بهدوئه وأعينه المغلقة:
+
_" ما الخطب فلاديمير هل هناك عائق بمسار العمل " قالها دميتري وهو يشير بأصابعه في الهواء فغادرت الفتيات من المكان...
+
ابتلع الآخر ماء حلقه وشجع نفسه ليرد بصوت يملأه الحيرة مع التريث:
_" جاءتنا معلومات من مصادر موثوقة تفيد بأن.... رئيس مجلس الوزراء الذي تمت عملية اغتياله منذ شهر ونصف لازال على قيد الحياة تحت حماية من جهات أمنية خاصة "
+
_" ماذا؟! أتمازحني؟ " قالها الزعيم الذي انتفض بنصف جسده وأعينه اتسعت بتشنج
+
_" الأمر حقيقي سيدي لا أعرف كيف تم..... فلحظة قتله شهدت عليها عشرات الكاميرات المصورة وتناقلتها الأخبار لشهرٍ كامل وحتى الآن الشرطة والأمن الوطني غير قادر على التوصل لأي معلومة عن القاتل "
+
جذب دميتري ذلك الرداء الأبيض القطني وارتداه وهو يصيح بسخط:
_" إذا تأكد الخبر فلاديمير تعرف ما معناه؟! "
1
طأطأ فلاديمير رأسه ونبس بتردد:
_" ليس هناك سوا معنيَيْن يا زعيم، إما بيننا خائن سرب معلومات عن عملية الاغتيال سابقًا لتقوم الجهات الأمنية بتبديل الرئيس بشبيه له إما... "
+
صمت فلاديمير بعدم اقتناع ورفض ليكمل عنه دميتري بوعيد:
_" إما أن يكون الشبل الذي ترعرع في بيتك هو الخائن"
+
---------------
+
منذ أن فاقت من مرضها وهي تجده يتجول حولها دون أدنى حديث بينهما يخرج بالساعات ويعود مستغلًا النسخة التي أخذها من مفاتيح شقتها، يتجاهلها كما تتجاهله، حتى فاض بها الكيل وصاحت به بضيق:
_" هو انت هتفضل مقيم في بيتي كتير، ماقولنا متشكرين على وقفة ولاد البلد، تتردلك "
+
ابتسم ببرود بجانب فمه ووقف واضعًا زجاجة العصير الخاص به جانبًا ونبس بأعين تلمع بالدهاء:
_" وهتعرفي تردهالي؟! "
+
اقتربت منه حتى وقفت أمامه مباشرة وتشدقت ببرود مماثل:
_" جربني، قتل، سرقة، مستندات تفيدك ضد المافيا اللي خاطفة حبيبتك، اطلب واتمنى يا.... سنايبر؟! "
3
لا لن نقول أعجبته بل أذهلته، فترددت ضحكاته مع تصفيق حار يشيد بإعجابه بها ونبس بإنبهار مفتعل:
_" خسارة! هما ولاد المدلعة طلعوا جايبين سيرتي في الصفقات اللي تحت ايدك ؟! "
1
أغمضت عينيها وهي تهز رأسها بنفي ثم رفعت يدها الممسكة بجهاز صغير جدًا وقالت:
_" لأ اطمن انت في السليم، بس حبة البسلة دي اللي وصلتني كل اللي دار بينك وبين الديب، ما أنا قاعدة هنا آه بس مزروعاتي مفرعة في كل ركن في وقره السري اللي متخبي فيه زي الفار المقطوع من شجرة "
1
ناظر جهاز التصنت القاطن بين أصابعها ثم طالعها بنظرات غامضة فأكملت بسخرية:
_" سمعني تاني كنت بتقول عليا ايه؟!... آه جبروت!.... ضيف عليها بقى إني جاحدة وآخر حاجة بستخدمها قلبي، يعني شغل الصعبنيات اللي كَل دماغك بيه ده بلِفُه في كيس اسود وأرميه في أعفن مقلب زبالة، زي ما هو بيعمل بالظبط "
+
كان يسمعها ومعالمه ثابتة حتى نبس بشيء من الجدية الهادئة:
_" صدقيني والدك بيحاول ينضف بلاش..."
+
لم يتم جملته وهبت فيه صارخة بإستنكار:
_" ينضف؟! "
+
ثم صرخت ضاحكة كأنه ألقى عليها إحدى النكات الخفيفة وأضافت بسخرية كبيرة:
_" اللي زي ده مش بيعرف ينضف، هو ومراته صرف صحي متنقل، يظلموا يقتلوا يشردوا يدمروا، عملوا اللي مفيش عقل يشفعلهم فيه، ياخي دا ابنه اللي ملهوف عليه ده أصلًا كان ناوي يخلص عليه وعلى أمه أصلًا.... خيبة لتكون صدقت حنانه وهو بيقولك نفسي أرجع عيالي.... الراجل الحُنيِّن لامؤاخذة جنن مراته الأولى وسرق فلوسها ويوم ما عرف انها حامل كان مصمم يسقطها لحد ما هربت بابنها من ظلمه.... بجد مش عارفة ازاي بيتلون كدة؟!.... أبويا و مبهورة بيه "
1
كان في قمة انتباهه مع كل كلمة تُخرجها ولأول مرة يشعر بالتسرع أو أنه فشل في قراءة شخص، لكن رجَّح أن تكون نور هي المخطئة في تقبل توبة والدها،
+
_" وهو لو كان كاره أخوكِ ورفض وجوده ليه دلوقتي بيعمل كل ده عشان يوصله " هكذا سأل بتوجث
+
فردت بتنهيدة ساخرة وهي تجلس على المقعد رافعة قدميها فوق المنضدة:
_" ما هو لقى نفسه كبر وعايز اللي يسنده في وش المافيا قال أدور على ابني، أوعى تصدق عينيه الندمانة ودموعه الكدابة، نفس العينين دي بصتلي بقسوة وأنا بعيط وهما بيرموني لخالي ومراته يربوني عشان يتفرغوا لحياة الأضواء اللي عايشين فيها... دلوقتي لما حولني لآلة قتل بشرية عايز يرجعني، أهو حاجة تعوض مكان ابنه لحد مايلاقيه... بس ده بعينه.... كل التمثيل الهابط بتاعه ده مايشغلنيش... الأب اللي ما أصعبش عليه وأنا ببكي عشانه... مايصعبش عليا لو بيموت وفي ايدي ترياقه "
1
_" تعرفي ايه كمان؟! " سألها مرة أخرى بفضول
+
رفعت عينيها الغامضة له وتشدقت بمكر:
_" أعرف كتير قوي "
+
_ " شطورة، عايزة ايه بقى؟! " قالها وهو يجلس في مقابلها بنفس طريقتها
+
بكل وضوح ألقت بهدفها في وجهه:
_" هو يوصلك لحبيبتك وانت ترجعله ابنه وبنته! "
+
لم يطمئن لنبرتها لكن سايرها قائلًا:
_" طب بنته ومفهومة، ابنه بقى هتوصليله ازاي؟... انت عارفة مكان أخوكِ؟؟ "
+
للمرة الثانية ردد كلمة أخوكِ التي لا تنكر أثرها في قلبها فكثيرًا ما تمنت وجود هذا الأخ جوارها عله انتشلها من عالمها الدموي لعالم أكثر سلَامًا...
1
_" الحقيقة معرفوش ولا قدرت أوصله ، أو يعني ماكنتش مهتمة... حازم كان بالدنيا... بس ممكن أضحي وأتقرب لمامتي المصون وأجيبلك أخباره"
+
هنا ذُهل من مقصدها فسأل بصدمة للمرة المائة:
_" هي نرجس عندها خبر بمكانه؟! لأ دا انتو بجد بجد عيلة بنت كلب "
1
رمقته بضيق لم تظهره وقالت بلامبالاة:
_" ماتستغربش نرجس دي أوسخ من عارف بكتير، طب أقولك على سر.... "
1
وقفت سريعًا واقتربت من أذنه وهمست بجدية خطيرة:
_" نرجس من النوع اللي بيتسلسل في رمضان؟! "
1
ألحقتها بغمزة تبدو مرحة لكنها كالنيران الزرقاء يخدع لونها شدة حرقتها...
+
عم الصمت بينهما قبل أن يستفسر بهدوء:
_" وايه المقابل؟! مش معقول هتعملي كدة رد جميل عشان منورك بقالي يومين وواخد بالي منك "
+
التقطت منه مشروبه الخاص وتجرعت منه القليل تحت ابتسامته الماكرة وقالت:
_" أبو المحروس "
1
قالتها وهي تشير نحو هاتفه الذي يستقبل مكالمة من أليكسي فناظره برهة ثم أعاد بصره لها فأكملت:
_" عايزة روح دميتري ألكسيفيتش، بس على ايدي، أصل فيه مهارات تعذيب متعلماه مخصوص عشانه... فكر و رد عليا عشان نقرى الفاتحة ونتمم الاتفاق "
2
فقط ثم تركته ودخلت غرفتها بينما هو انشقت شفتيه بإبتسامة غامضة قبل أن يرد على أليكسي الذي صاح بصوت محمل بالجدية:
_" سنايبر أنت بمصيبة "
3
--------------
+
لا نعرف كيف حل ذلك الليل الثقيل الذي خيم على الأرجاء، كأن السماء حبست أنفاسها قبل العاصفة، الشوارع خاوية إلا من ظلال تتداخله أضواء خافتة، الهواء مشحون بترقبٍ خانق....
+
مهمة يقودها فريق بعقله فقط بينما قلبه مسلوب بمكان آخر، دقات الساعة تتباطأ، وكأن الزمن نفسه يستعد لاحتضان كارثة وشيكة.
+
إنها الواحدة والنصف بعد منتصف الليل الميناء على بعد كيلومترين أصوات الموج المتلاطم تتداخل مع ضربات قلوبهم ليس خوفًا بل ترقبًا....
+
يتوارى خلف كومة من الحاويات الصدئة على بعد ليس كبير عن المخزن المستهدف، منظاره الليلي مثبت على عينه اليسرى، راجح جواره لا يقل تركيزًا عنه، مصطفى على بعد بسيط منهم يكشف المخزن من جهة اليسار....
+
بكر عبر اللاسلكي من فوق مستودع قريب من المخزن:
_" سيف فيه ١٢ مسلح ظاهرين بيدوروا بشكل متقطع حوالين المخزن، ده اللي قدامنا بس أكيد فيه جوة "
+
رد الآخر بصوته البارد:
_" جمعهم ناحية اليمين "
+
بالفعل رفع بكر بندقية القنص مصوبًا نحو أحد براميل الوقود جهة اليمين على بعد من المخزن، وفي لحظة أطلق رصاص واحدة فدوى صوت انفجارها وانتبه جميع الحرس وركضول نحو مكان الانفجار بأسلحة مرفوعة...
+
تحرك سيف فورًا نحو الجدار الأيسر للمخزن مستغلًا الفوضى وكذلك راجح ومصطفى اللذان لحقا به بخطوات سريعة دون أى صوت....
+
_" بكر ايه الوضع" كان سؤال سيف فرد الآخر بجدية
+
_ " تمانية وصلوا لمكان الحريق وأربعة متخلفين ورا أقرب للمخزن "
+
_" ارمي "
+
نفذ بكر الأمر بسلاسة احترافية، ليدوي انفجار آخر وتتطاير أجساد الرجال أثر تلك القذيفة التي صوبها بكر على مكان تجمعهم....
+
تراجع الأربعة حراس المتبقيين للخلف في طريقهم للمخزن وبدأوا يطلقون النيران بعشوائية،
+
تدخل راجح ومصطفى للتخلص منهم ليرتفع صوت تبادل الطلقات بينهم، تاركين سيف منشغل بلصق تلك المتفجرات على البوابة الحديدية التي تعد المدخل الرئيسي...
+
الهواء تعبأ برائحة البارود مع الدماء، المهمة بسيطة بصورة غريبة، لكنه لم يكن سوى خطأ عقلي من الفريق بأكمله، كيف لا يخطؤون وعقولهم أسيرة قلوبهم حتى ابتلعوا الطعم بكل غباء...
+
_" يلا يا سيف " قالها راجح بعدما انتهوا من الرجال الأربع فابتعد فامبير عن البوابة بمسافة كافية ثم قام بالضغط على الجهاز الصغير بيده لتتناثر أجزاؤها وسط انفجار مهيب....
+
تأهبوا بأسلحتهم موجهيها للداخل ونبس سيف بعجلة:
_" هندخل بس خدوا حذركم مانعرفش ممكن يكون فيه حراس جوة ولا لأ .... مصطفى لو حصل اشتباك هدفك الضحايا والباقي عليا أنا وراجح "
+
أما على المستودع بدأ بكر ينسحب من مكانه بعدما أتم مهمته، لا يصدق أن الأمر يمشي بتلك السهولة.... لكن منذ متى ومهامهم تعرف السهولة نعم يحدث الآن ما لم تحمد عقباه...
ارتفعت رأسه بعنف وقد لمح حركات غريبة تدور وسط الظلام، بسرعة التقط منظاره اليدوي وجال ببصره في الأرجاء ليهمس بشدوه:
_" كمين.... "
+
"كمين يا سيف اتراجعوا "
+
صرخ بها فجأة عبر اللاسلكي.... لكن دون استجابه
+
_ " سيف... راجح حد سامعني " يردد نداءاته بصراخ غير واصل لأحدهم فتيقن أن هناك مَن شوش أجهزة التواصل اللاسلكية بينه وبين الفريق....
+
على الجانب الآخر تقدم سيف للداخل وهو يأخذ حذره أو هكذا ظن وخلفه مصطفى بينما كان راجح لا يزال بالخارج حيث قال:
_" بكر اتحركنا للمخزن، انسحب ورانا "
+
أنهى أمره وكاد يلحق برفيقيه قبل أن يعقد حاجبيه نابسًا:
_" بكر.... بكر سامعني "
+
فجأة وعلى غفلة من الجميع صدحت طلقات نارية من مصادر مهولة، في لمح البصر تدحرج راجح بجسده نحو أقرب حاجز حديدي...
+
_" اتراجع يا مصطفى " صاح بها سيف بسرعة والتفت بعنف يركض للخارج قبل أن يظهر ذلك الإشعاع الأحمر الذي حاوطهم داخل المكان...
+
_" احذر من الليزر " صاح بها مرة أخرى بصوت محمل بالتخبط الذي ازداد مع صرخة مصطفى بعدما ابتلعه أحد الفخاخ المنصوبة بالأرض حيث قبضت تلك الاسنان الحديدية على قدمه بعنف جعله يصرخ من وخز الألم.....
+
لم يكن الوضع أقل سوءً بالنسبة لبكر الذي انهال عليه وابل من الرصاصات يشيعها قناصة متربصين على سطح المخزن، ارتمى بجسده على الأرض وبحركة سريعة كان خلف عمود خرساني يحتمي به في ذاك المكان المكشوف فوق المستودع....
+
تقرع قلوب الأربع مقاتلين بدقات الخطر بعدما أصبحوا في منتصف فخ عملاق فهل من منفذ!!!....
2
----------------
+
رأيكم في البارت؟!
3
هل الأحداث بطيئة؟!
+
فوت + تعليق فضلًا
+
لا تنسوا الصلاة على النبي و الدعاء لإخواتنا دمتم في أمان ♥️♥️
+
