اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثاني عشر 12 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الثاني عشر 12 بقلم صابرين


12- متحرش في المدرسة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
خرج يوسف بعد أن أجرى كشف عليها وتركها رفقة براءة بعد فترة من البكاء فلم يكن بها شئ غير انهيار عصبي وقد بدأ يزول عنها، خرج ليجد حمزة جالسًا في الخارج على مقاعد الإنتظار بينما يتكئ يونس بكتفه على الحائط
نظر إلى الإثنين بملامح معقودة ثم قال :
-انتوا لسه قاعدين ليه ممنوع أصلًا
اجابه يونس وهو يشير بعينيه إلى حمزة الجالس :
-رفض يمشي غير لما يتكلم معاها
زفر يوسف بتعب تبعه حديث حمزة وهو يستقيم من على المقعد :
-هتكلم معاها على أساس اني المحامي بتاعها يا يوسف كلها يومين بالكتير وتخرج من المستشفى مش عايزها ترجع على الحجز تاني لازم أعمل حاجة وتخرج على ذمة القضية
نظر الآخر إلى العسكري الواقف أمام غرفة نور وكأنه يقول لهم وماذا عن هذا من ثم قال :
-مفيش زيارة في الوقت ده أصلًا وانا هتجازى بسببكم علشان الكاميرات صورتكم وانتوا رايحين جايين في المستشفى في قرآن الفجر
تقدم حمزة للأمام دافعًا إياه جانبًا حتى يدخل إذ قال :
-عديني انا وحل مشاكلك على جنب
استوقفه بسرعة العسكري ناظرًا إلى يونس والذي قال :
-سيبه يدخل ده المحامي بتاعها وعايز يتكلم معاها وانا نفسي هكون معاهم فلو عايز ترتاح شوية انت ارتاح
تراجع العسكري مسلمًا الأمر فهو مجرد عسكري بينما المتحدث ضابط برتبة رائد، امسك حمزة بمقبض الباب مترددًا فماذا إن كانت غفت؟!
تنهد وسلم الأمر طارقًا على الباب بيد والأخرى على المقبض وعندما استمع إلى صوت براءة تسمح بالدخول دلف في الحال
عقدت براءة حاجبيها تبصر حمزة يقف على الباب بينما عينيه معلقة بنور الممددة على الفراش، تستند بظهرها على الوسادة، تستمع إلى قرآن الفجر من خلال النافذة ولم يبدو أنها انتبهت أن هناك من دلف
حمحمت براءة ناكزة إياها فانتبهت الأخرى وعندما انتبهت أن هناك من يقف على الباب حاولت الإعتدال فقال حمزة وهو يتقدم للأمام :
-لأ خليكي مرتاحة متقوميش
وقف أمام فراشها محدقًا في ملامحها المتعبة وعينيه تشرح حزنه عليها بينما هي عندما رأته يحدق بها لم تخفض نظرها كما العادة بل ظلت تنظر إليه بنظرات ضائعة شاردة ثم قالت وهي توزع نظراتها بين حمزة ويونس الذي دلف واقفًا في أحد الأركان بهدوء شديد :
-هو انا كده لبست القضية و.... وخلاص هتحبس؟؟
نفى حمزة سريعًا يرى الرعب واضحًا داخل عينيها :
-لأ مش هيحصلك حاجة إن شاء الله انا معاكي وههتم بقضيتك لحد ما تخرجي براءة، هي القضية صعبة علشان كده جتلك في الوقت ده علشان انتي هادية حاليًا مش عليكي ضغط من عمامك أو من حد تاني
نظرت براءة ناحية يوسف الذي كان يستند على إطار الباب بكتفه لتشير ناحية يونس وحمزة قائلة :
-هو ازاي دول دخلوا هنا!؟ مش ده ممنوع؟؟
-مش عارف والله دخلوا إزاي بس اللي اعرفوا اننا هنتجازى بسببهم
-وليه حضرتك نون الجماعة انا مالي انا، انا هنا تدريب بس مش موظفة أساسية ثم انت الدكتور النبطشي هنا مش انا
قلب يوسف عينيه ضجرًا منها من ثم نظر إلى نور قائلًا :
-لو فيه حاجة هتنجدك من اللي انتي فيه ده احكيها ليونس وحمزة علشان يساعدوكِ وانجزوا بقى قبل ما يطلع النهار
سحب حمزة مقعد حديدي وجلس في المقابل لها أمام الفراش ونور تتابعه بعينيها صامتة تنتظر أن يتحدث فقال الآخر :
-بصي زي ما قولتلك القضية مش سهلة ومحتاجة دليل قوي، ضد دليل ابن سعيد علشان تاخدي على الأقل إفراج على ذمة القضية ومترجعيش الحجز تاني
أعادت الأخرى رأسها على الوسادة تحدق في السقف بأعين ملتمعة بالدموع :
-دليل ايه بس هيبقى بقوة الظلم اللي نزل على النت، انا مفيش شخص واحد دافع عني كله ضدي
تحدث حمزة بعملية وتركيز شديد فأي جملة تخرج منها سيحتاجها في هذه القضية :
- من البداية كده سليم سعيد غانم تعرفي عنه ايه؟ كان بيعمل ايه أثناء حصتك؟ لاحظتي عليه حاجة؟ أي حاجة مهمة حتى ولو قليلة في نظرك يا نور اتكلمي علشان أعرف أساعدك
نظرت نور أمامها تتذكر ما تعرفه عن سليم الطالب الفاشل صاحب السمعة السيئة ورغم هذا كان مشهور بسبب ثراء والده :
-سليم كان أكبر طالب في المدرسة عنده ١٨ سنة تقريبًا وده شيئ غريب فلما سألت قالوا أنه كان بيعيد كتير بياخد السنة اتنين تقريبًا حتى انه دخل مدارس كتير بسبب إعادة السنة دي
قاطعتها براءة مذهولة من أن هناك طالب في الصف الثالث الإعدادي يمتلك من العمر ثمانية عشرَ عامًا :
-لحظة بس هو عنده ١٨ سنة!؟ على كده لو اتحبس مش هيروح الأحداث ده هيدخل السجن حدف
-والله شكلي انا اللي هدخل السجن حدف
هتفت بها نور ساخرة على حالها لتعتدل بسرعة متذكرة شيئًا فنظرت إلى حمزة سريعًا قائلة :
-هو انا لو اثبتّ اني سليم كان بيتحرش بالبنات في المدرسة والبنات دول شهدوا على كده ده هيديني براءة
آماء حمزة سريعًا مركزًا فيما تقول جيدًا :
-ايوه طبعًا بس انتي تعرفي البنات دول؟ متأكدة من إنهم ممكن يشهدوا بحاجة زي دي
-مش... مش عارفة هيشهدوا ولا لأ بس ممكن نقنعوهم براءتي في ايديهم ومش عارفة كل البنات بس لحظة.... رحمة ولؤي
هز حمزة رأسه لا يفهم لما شقيقته وابن عمه ذُكرا في الأمر :
-رحمة اختي؟! مالها رحمة بالموضوع أصلًا؟
-رحمة واحدة من اللي سليم كان بيضايقهم طول الوقت لدرجة وصلت بيه أنه يتحرش بيها انا مش أول واحدة
اجابته الأخرى وعقلها يتذكر تلك المرة التي أتتها رحمة راكضة تبكي مرعوبة، كانت حينها تجلس على أحد المقاعد في فناء المدرسة كما عادتها فهي لا تحب أن تجلس في غرفة المدرسين عندما لا يكون لديها حصة
بل تحب الجلوس هنا في الفناء رغم أن الأجواء باردة لكن بالنسبة إليها أفضل من الجلوس مع أولئك النساء اللواتي يأتين في سيرة الجميع بل لا عجب أن سيرتها واحدة من اقتراحاتهم، بالإضافة إلى أنها لا ترتاح في الجلوس مع الغرباء، ربما الأمر كرهاب إجتماعي معها لكنها تفضل الجلوس بمفردها
ابتسمت وهي ترى اقتراب هاجر منها تلك الفتاة التي تقابلت معها أول مرة في فناء المدرسة وكان أول يومٍ لها في المدرسة وضائعة في هذا الفناء الفسيح كما كانت هي أيضًا
شعرت أنها تشبهها في نفس التصرفات والخجل من التعامل مع الآخرين بل حتى هي أيضًا لا تجلس في غرفة المعلمين بسبب اسألتهم الكثيرة لها فتأتي وتجلس هنا في الفناء معها، هي شخصية لطيفة خجولة وتبدو وحيدة لذا تجلس معها يوميًا وتتحدث معها في فترة الإستراحة
افسحت لها مكان حتى تجلس به وقبل أن تتحدث عن سبب وجودها هنا رغم أن لديها حصة الآن، قاطعتها هاجر وهي تجلس هاتفة بذعر :
-انا مش بتصل عليكي من إمبارح مردتيش ليه
أشارت نور إلى نفسها هاتفة بتعجب :
-اتصلتي عليا انا؟ أمتى!؟
-على الساعة عشرة ونص كده بالليل
-يا راجل ده انا كنت في سابع نومه ثم التليفون كان صامت يمكن علشان كده مسمعتش المهم كنتي عايزة ايه في الوقت ده
اجابتها الأخرى بصوت منخفض خائف وكأن أحدًا سيسمعها رغم أن الفناء فارغ تقريبًا إلا منهما وكم طالب يمرون هنا وهناك :
-انا هموت يا نور جاري المجنون ده هيقتلني
حدقت الأخرى بملامح باردة قبل أن تقول وهي تعتدل في جلستها :
-طب صلي على النبي جارك ده ما هو إلا واحد فاضي بيستهبل عليكي علشان يضيع وقت فراغه وقولتلك الكلام ده من أسبوع، مش انتي بتقولي أنه طلب منك قبل كده أكل معين بالليل وانتي عملتيه علشان تتقي شره وحطتيه على سور البلكونة
آماءت لها هاجر صامتة فأكملت نور وهي تضربها على رأسها باصبعها :
-ما هو ده اللي هو عايزه لعبة يتسلى بيها وانتي بهبلك خايفة منه، طنشيه ولا كأنه موجود يا هاجر وهو هيحل من على دماغك
-لأ لأ انتي مشوفتيش اللي انا شوفته انا
قلبت الأخرى عينيها مقاطعة إياها :
-شوفتيه ماسك سكينة عليها دم وصوت صريخ جاي من شقته بصراحة فكرت في الموضوع ما يمكن اللي كان على السكينة مش دم وصوت الصريخ ده صوت تليفزيون عادي، أصله ليه انتي الوحيدة اللي شكيتي أنه قاتل وباقي العمارة لأ
-هو انتي عرفتي ده كله ازاي!؟ أو استنتجتي ده ازاي؟؟
تساءلت بها هاجر فقالت نور محمحمة :
-هقولك بس متترقيش انا بقرأ كتب كتير منها عن الجريمة وكده وأحيانًا خيالي بيسرح بعيد ففكرت في الاستنتاج ده
-يا سلام؟ ده حاول يقتلني يا نور، طب ده انا إمبارح شوفته معلق على الحيطة صور لكل اللي ساكنين في العمارة حتى صورتي كان من ضمنهم تفسيرك ايه بقى؟
حدقت بها نور صامتة ترفرف فقط بأهدابها لتقول بعد فترة وجيزة من الصمت :
-هو انتي دخلتي شقته؟؟
-لأ شوفتها من برا، استني اشرحلك انا إمبارح دخلت البلكونة على الساعة عشرة كده علشان ألم الغسيل من المنشر الصغير اللي في البلكونة لقيت بقى الهوا طير نص الغسيل على بلكونته
-وطبعًا روحتي خبطتي عليه في ساعة زي دي بالليل
-اعمل ايه طيب ده انا قعدت نص ساعة أفكر اعمل كده ولا لأ بس كان فيه هدوم محتاجها ضروري أعمل إيه روحت خبطت عليه ويا ريتني ما عملتها
وقفت أمام باب شقته كلما رفعت يدها حتى تطرق اخفضتها مجددًا لا تريد أن تحتك بهذا الرجل الذي يثير رعبها وتعجبها في آنٍ واحد، هو لا ينفك عن التعامل معها بتلك النبرة الساخرة المخيفة وكأنه يستلذ بخوفها
هو لا يتعامل معها كثيرًا لكن ما إن تقابله على الدرج أو جالسة في الشرفة حتى يبدأ في إثارة خوفها بحديثه عن القتل والضحايا والدماء وهي حقًا تخاف من كل هذا
عزمت أمرها وطرقت تتذكر حديث صديقتها في أنه شخص يمزح على الأرجح لكن بمزاح ثقيل نوعًا ما، فمن الذي يعترف على نفسه لأحد بأنه قاتل، طال رده على طرقها فقررت العودة إلى شقتها سريعًا متقية شر الشبهات فماذا تفعل هي أمام شقة رجل وحيد في مثل هذه الساعة
ولكن قبل أن تصل إلى شقتها كان هو يفتح الباب ولا يبدو أنه كان نائمًا، إذًا لما استغرق وقتًا في فتح الباب؟؟
اقتربت عدة خطوات محافظة على المسافة لتقول بنبرة مترددة :
-محتاجة مساعدة منك بس لو مش هضايقك
-لا بصراحة هتضايقيني
اتسعت عينيها مذهولة من هذا الرد الوقح الفظ بشدة بينما الآخر أكمل غير مبالي فهو بالفعل كان مشغولًا حين طرقت هي لكن وجودها هنا والآن جعله يقول مثيرًا خوفها كما العادة فهذه الفتاة الوحيدة التي تجعل مهمته هذه غير مُضجرة :
-انتي بتخبطي على باب شقتي الساعة عشرة ونص بالليل ومسيباني الراجل اللي بقطع فيه جوا علشان حضرتك عايزة مني مساعدة، هو انا جوزك وانا معرفش؟؟
-انت... انت بني آدم قليل الذوق
هذا ما نطقت به بعدما تفاجأت من وقاحته أجل هو يخيفها بحديثه الذي على الأرجح غير حقيقي لأنها جبانة بطبعها، لكن لم تعلم أنه وقحٌ هكذا
ابتسم لها الآخر ابتسامة باردة ثم قال :
-وانتي مزعجة بجد هو فيه حد يخبط على حد الساعة عشرة ونص في عز الشتاء
-ده على أساس انك كنت نايم ما انت صاحي أهو وأكيد مكنتش بتقتل حد زي ما بتقول محدش هيقول على نفسه حاجة بالسرعة دي إلا إذا كان كداب
ارتفعا كلا حاجبيه من جرأتها هذه المرة في الرد ففي العادة تفر هاربة من أمامه بملامح خائفة، يبدو أنها استوعبت الآن أنه كان يمزح منها حتى يراها خائفة
ورغم كل هذا أردف راسمًا على وجهه ابتسامة مخيفة وهو يسحب سلاحه الموضوع على منضدة صغيرة بجانب الباب لكنه خبأه خلف ظهره حتى لا تصرخ في هذا الليل :
-تحبي تسلمي على الجثة جوا؟
رمشت هاجر عدة مرات تستوعب ما قال وعينيها لا ترى ما خبأه خلف ظهره لذا قالت بسرعة حتى ترحل من هنا :
-هدومي الهوا طيرها من على المنشر في بلكونتك
نظر الآخر ناحية شرفته يدعي الغباء فهو رأي بالطبع هذه الملابس وقد رجح أنها تعود إليها لكنه لم يعيدها وانتظرها هي :
-هي دي هدومك؟ والله كويس إنك قولتيلي علشان كنت ناوي ارميها من فوق
اتجه ناحية الشرفة تاركًا إياها تقف على الباب تضغط على فكها بغيظ هامسة :
-فعلًا قليل الذوق
اتجهت انظارها إلى داخل شقته لم تكن الأضواء مغلقة لذا رأت بوضوح هذه المرة ولم يكن أي شئ في مكانه يبدو أنه ليس من النوع المنظم أبدًا، وماذا تنتظر من شاب أعزب يعيش بمفرده
لكن مهلًا هل هو أعزب من الأساس يبدو على ملامحه وبعض الشعيرات البيضاء القليلة في شعره الأسود أنه ليس أقل من خمسٌ وثلاثون عام، مهلًا لما تطرح هذه الأسئلة على نفسها من الأساس
ابعدت نظرها عن شقته لكنها عادت ببطء مخيف عندما لمحت صورًا معلقة على الحائط وإذ بعينيها تتسع شيئًا فشئ تبصر صورًا لساكني البناية حتى أن صاحب محل البقالة في الأسفل صورته معلقة
شهقت بصوت مكتوم تضع كفيها على فمها تبصر صورتها معلقة معهم وعليها علامة خطين احمرين متعاكسين تعني خطأ أو انتهى على الأرجح
عاد جارها وفي يده ملابسها ليقول بفظاظة :
-تاني مرة حطي هدومك بعيد عن الهوا مش ناقص انا
عقد حاجبيه بتعجب شديد يراها في حالة ذعر كلي وعينيها تنتقل بينه وبين سلاحه القابع في يده وعلى الأرجح نسى أنه في يده، نظر إليها في انتظار صراخها أو هروبها أو أي شئ لكنها نقلت بصرها لشئ خلفه وعندما استدار فهم تقريبًا لما هي مذعورة هكذا
عاد بنظره سريعًا إليها عندما سحبت منه ملابسها وفرت إلى شقتها مغلقة الباب بسرعة وعنف فظل ينظر إلى طيفها لثواني قبل أن يدلف ويغلق هو أيضًا الباب ليقول سائلًا نفسه، مستندًا بكفه على الباب :
-تقريبًا كده هتبلغ عني النهاردة أو بكرة بالكتير
أنهت هاجر حديثها تنتظر رد فعل من نور التي كانت تستمع وعينيها تتسع شيئًا فشئ وعندما أنتهت فتحت فمها للتحدث لكن أغلقته مجددًا عندما لم تجد ما يقال فقالت هاجر تنتظر منها أي شئ :
-انتي سكتي كده ليه قولي حاجة بالله عليكي انا مش عارفة أعمل إيه
همهمت نور وهي تقف وتتحرك أمامها في حركة اعتادتها أثناء التفكير فعندما تفكر تظل تسير حول نفسها بدون هدى وكأن هناك من يلحق بها :
-بصراحة المنطق بيقول ده بني آدم هزاره تقيل بينما الصدفة بتاعتك بتقول اني ده واحد سايكو بجد زي اللي شروق بنت عمي بتتفرج عليهم في الأفلام والمسلسلات الكورية بتاعتها
كانت عينا هاجر تتحرك معها أثناء تحركها الغريب هذا بينما أذنيها تركز فيما تقول إذ أكملت نور :
-انتي قولتي أنه كان معاه مسدس وهو عايش واحدة فنستبعد كونه مسدس لعبة علشان مفيش اطفال معاه، وقولتي أنه معلق صور لسكان العمارة وانتي من ضمنهم على الحيطة وده له تفسيرين يا إما هو سايكو فعلًا يا إما هو عنده وسواس وبيحب يراقب الناس
توقفت أمامها وقد دار عقلها بداخل رأسها لتفرد يديها أمامها قائلة :
-بس لو هو عنده وسواس ليه عنده مسدس، اقولك قضى أخف من قضى بلغي عنه ولو هو مش قاتل اقاصها هيتعملك بلاغ كاذب وهتتدفعي غرامة ٥٠٠ جنية
ذمت هاجر شفتيها بتفكير لتقول بتردد :
-بس هو قالي لو بلغتي عني هحطك في البانيو وهحط عليكي بطاس علشان ميبقاش فيه لا جلد ولا عضم
رمشت نور عدة مرات لتعود وتدور حول نفسها قبل أن تقول فجأةً وكأنها وجدت الحل وهي بالفعل كذلك :
-بس لقيتها تروحي القسم وتقوليلهم في سفاح عايش في الشقة اللي قدامي وفيه صريخ كل ليلة بسمعه ومرة كان هيقتلني بسكينة فيها دم، بصي قولي كل اللي تعرفيه وكل اللي حصل وتقوليلهم هددني مبلغش عنه وإلا هيقتلني هما بقى هيتحفظوا عليكي لحد ما يقبضوا عليه بس كده اتحلت
أعجب الأخرى هذا الاقتراح كثيرًا لكن مهلًا هناك مشكلة صغيرة أخرى وهو أنها لا تستطيع التعامل مع الناس فعاشت ثمانية وعشرون عامًا من عمرها في إنعزال فوالديها كانا شديدا الخوف عليها لأنها وحيدتهما
وبعد زواجها من حاتم كان ممنوع الخروج من سجنها ذلك إلا في أقصى الحدود وفي العادة كانت هذه الحدود هو ذهابها الي المشفى أو زيارة قبر والديها
حمحمت تقترح على نور الذهاب معها بطريقة مهذبة تتوقع الموافقة منها فنور وبالرغم من كونها شخصية خجولة إلىٰ أنها تحب المساعدة وهذا يشهده الجميع هنا في المدرسة بمعلميها بطلابها
ورغم أيضًا أن وجودها بالكاد أكمل الشهر إلىٰ أنها استطاعت خلق لنفسها هالة من الإحترام فهي ذات شخصية عطوفة على جميع الطلاب رغم تشددها، محبة لا تقول لأحد لا أبدًا رغم تفضيلها للجلوس بمفردها دائمًا :
-نورهان انتي عارفة اني مش بتكلم مع حد خالص من وقت ما جيت هنا غيرك
هزت نور رأسها تنتظر أن تكمل فقالت الأخرى :
-تعالي معايا القسم علشان انا مش هعرف أروح لوحدي هخاف، انا أصلًا خيبة
-كان على عيني والله، ده انا لو حد عاكسني بموت في جلدي تقولي تعالي نروح القسم نتهموا واحد أنه قتال قتلة
رفعت هاجر اصبعيها السبابة والوسطى مرددة ببلاهة :
-يعني احنا كده خيبتين
وقبل أن تجيبها نور بأجل توقفت سريعًا وهي ترى رحمة تقترب منهما مهرولة وتنهمر من عينيها الدموع لدرجة أنها لا ترى بوضوح فتتعثر أثناء ركضها، تحركت لها سريعًا متجاهلة هاجر التي كانت تتساءل إلى ما تنظر هكذا
وصلت إليها في ثوانٍ لتمسك بكتفيها محاولة فهم ما بها :
-مالك يا بت بتبكي كده ليه؟؟
اجابتها الأخرى بنبرة متقطعة أثر شهقاتها المتتالية تشير بيدها ناحية المبنى الخاص بالمرحلة الإعدادية :
-لؤي بيتخانق مع... مع سليم وعوروا... بعـ.. بعض
أسرعت هاجر بخطى سريعة ناحية ذلك المبنى وتبعتها نور ليجدا لؤي وأحد طلاب المرحلة الإعدادية يدعي "سليم سعيد غانم" كلاهما يتشاجران بالقرب من مراحيض الفتيات وقد أصيبا بجروح في وجهيهما
صاحت نور باسم لؤي وهي تتجه نحوهما ساحبة لؤي من فوق سليم ذو الوجه الدامي، فبرغم من أن سليم وبسبب إعادته لمراحله الدراسية يكبر لؤي بثلاث سنوات تقريبًا، إلىٰ أن لؤي كان له اليد العليا، وهذا بسبب ذهابه أسبوعيًا إلى نادي رياضي رفقة أبناء عمومته
وكم كان من الصعب على نور التحكم به فكان غاضبًا هائجًا بشدة، بل وحديث ذلك الآخر يستفزه ويزيد من حركته العنيفة فقالت هاجر وهي تقف أمام سليم تمنعه من التكلم بأي كلام سخيف آخر ولم ينتهي هذا الشجار إلا من بعض الأساتذة الذين اتوا على الأصوات المرتفعة
لينتهي الأمر بوقوف سليم ولؤي في مكتب المدير ومعهم نور وهاجر التي كانت تضم كتفي رحمة وتقف خلفها تتابع غضب المدير بقلق إذ كان يصرخ قائلًا :
-فاكرين نفسكم بلطجية اومال لو مكنتوش في مدرسة كنتوا عملتوا في بعض ايه؟!
أشار إلى ملابسهما المليئة بالتراب ووجهيهما الداميين ببعض الجروح والكدمات :
-ده منظر طلاب في مدرسة محترمة انا عايز أعرف ايه السبب اللي يخليكم تعملوا في بعض كده
تحدث لؤي بإنفعال واضح وغضب جعل عروقه تنتفخ في وجهه ورقبته بوضوح :
-كان بيضايق رحمة وهي بنت عمي اشوفوا وأسكت يعني
-كان بيضايقها ازاي عملها ايه يعني؟؟
نظر سليم إلى لؤي ينتظر إكمال حديثه لكنه يعلم أنه لن يتحدث فهو لم يرى ما حدث، لذا طالعه بنظرات ساخرة استفزت الآخر فضغط على فكه وود لو يلكمه على وجهه هذا لكنه نفخ ونظر إلى الناحية الأخرى فقال المدير موجهًا حديثه إلى رحمة :
-عملك ايه يا رحمة قولي علشان اعرف اعاقبه إزاي
والأخرى لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث فكانت خائفة، باكية، حتى الكلمات لا تخرج من بين شفتيها فقالت هاجر وهي تربت على كتفها بحنو :
-قولي يا حبيبتي عملك ايه سليم، قولي متخافيش
انهمرت دموع رحمة أكثر تنظر إلى لؤي بخوف والذي بدوره لم يكن يعلم ماذا فعل لها هذا الحقير، فقط كل ما رآه أثناء مروره من دورة المياه الخاصة بالفتيات أنه أبصر رحمة تخرج فزعة من أحد الأركان وعندما أبصر ما تركض منه اشتعل غضبًا
هو لم يعلم ماذا فعل لكن بالطبع لم يكن يُحفِّظ لها جدول الضرب فهو يعلم أفعال هذا المدلل الفاشل
كم حاولت هاجر ونور والمدير جعلها تتحدث لكنها كانت خائفة فأرسل المدير في إحضار والدتها فورًا لربما تقنعها بالحديث
جلست نور بجانب رحمة على الاريكة المتواجدة في مكتب المدير تحاول سحب كلمة واحدة منها خاصةً وأنها بدأت تشك في أمرًا :
-رحمة قولي عملك ايه؟؟
بدأت الشكوك تراودها فقالت بصوت خافت بشدة وهي تمسك ذراعها :
-اتحرش بيكي؟؟
نظرت إليها خائفة ثم نظرت إلى سليم الذي بدوره كان ينظر إليها بنظرات اخافتها أكثر وعندما لاحظ لؤي هذا لكم سليم في ظهره بقوة صائحًا :
-متبصش ليها
بدأ الشجار مرة ثانية فصرخ المدير بهما وهو يدفعهما بعيدًا عن بعضهما فأصبح أحدهم في ناحية في بداية الغرفة والأخرى على الناحية الأخرى :
-انتوا كده زودتها أوي وحركة تاني اقسم بالله هفصلكم خالص من المدرسة ومش هتعتبوها تاني
تحدث لؤي بنبرة غاضبة :
-اتفصل اتفصل بس مسكتش على واحد زي ده بيضايق بنت عمي
اجابه سليم بنبرة منخفضة بجملة وقحة بشدة لا تخرج أبدًا من طالب مدرسي وتلك الجملة لم يسمعها لؤي لكن سمعتها هاجر والتي شهقت مصدومة، ونور التي ألتفتت إلى سليم مذهولة من أن لفظ كهذا يخرج من شاب لم يكمل العشرون عام
بل ولم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع يدها هابطة على وجهه بصفعة دوت في أرجاء المكتب بأكمله جعلت الجميع يتجمد في مكانه خاصةً وأن من قوة الصفعة سقط سليم أرضًا وعلامات أصابع نور طبعت بشكل واضح على وجهه
لتقول نور بنبرة غاضبة وصوت مرتفع لم تعي كيف خرج منها :
-لما طالب في سنك يقول جملة زي دي يبقى لا شاف تربية ولا أخلاق والعيب على أهلك اللي دخلوك مدارس
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
سار في أرجاء المنزل مبتسمًا بإرتياح على غير العادة ربما لأن هذه أول مرة تتركه جدته يستيقظ دون أن تلكمه بالوسادة؟ ربما
حك خصلات شعره البنية الغير مرتبة بالمرة متجهًا إلى الحوض الموضوع بجانب باب المرحاض ليفتح الصنبور واضعًا رأسه أسفله غير مبالي بأن الجو باردًا لكنه شخص لا يحتمل الحرارة أبدًا وهذه الشقة ضيقة في حارة أضيق لذا الجو بالنسبة إليه حار
خرج إلى البهو مناديًا على جدته تاركًا شعره ينقط ماءً على وجهه لعل هذا يخفف الحرارة قليلًا :
-جدتي انتي فين يا ولية عاملين ايه إفطار النهاردة ولا أفطر على عربة الفول زي كل
انقطع الحديث عنده ولا يستطيع وصف صدمته حين وجد تلك الفتاة تجلس على الاريكة وعلى قدميها حاسوبه وفي يدها جزرة تقطم منها
تحركت شفتيه أكثر من مرة تعبر عن صدمته لكنه لم يجد كلمات مناسبة فأشار إليها مرددًا بصوت مصدوم وعينيه تكاد تخرج من محجرهما من شدة صدمته :
-انتي... انتي بتعملي ايه هنا؟!
ابتسمت رقية تضع قدم فوق الأخرى وفي يدها الجزرة وكأنها سيجار فاخر، معجبة بشعره وهو مبتل هكذا لكن عليها ركن الإعجاب هذا جانبًا الآن :
-فكرك لما تبلغ عني هحل من على سماك يا عمر لأ انسى يا حبيبي
اقترب منها عدة خطوات صائحًا بغضب وهو يكاد يجن لا يعلم كيف دلفت إلى المنزل بل وعلى الأرجح قد دلفت إلى غرفته وأخذت حاسوبه الذي هو على قدميها الآن :
-حبك برص يا شيخة انتي دخلتي هنا إزاي
وقفت رقية سريعًا تضم الحاسوب أسفل ذراعها تقول بجدية لا تليق بها :
-انا كل اللي اشتغلت معاهم قالوا إني عنيدة وزنانة ولو حطيت حاجة في دماغها بعملها، ولو عوزت حاجة باخدها وانت بقى عندك حاجات تلزمني يا عمر، فيا نشتغل مع بعض يا إما مش هتشوف اللابتوب ده تاني
وود عمر لو يلقي عليها شيئًا ثقيلًا لكنه خاف على حاسوبه لكن عندما حشرته في هذه المشكلة شعر بثوران جعله يقفز من فوق المنضدة حتى يصل إليها فصرخت الأخرى مهرولة بعيدًا
وفي هذه الأثناء فتحت جدة عمر باب الشقة وخلفها حنان بعدما تركت رقية حتى تنادي عليها وتعد الإفطار، تجمد عمر ناظرًا إلى جدته وانتقل بصره بسرعة إلى رقية التي كانت تقف على أعتاب البهو من ناحية المطبخ لكنها ظاهرة للأعمى
نظرت جدته إليه ثم إلى رقية لا تدري ماذا يُقال في مثل هذه الحالات، هي تعلم رقية بالطبع لكن عمر لا يتذكرها إذًا المطلوب منها الآن أن تتدعي أنها لا تعلمها، وفي مثل هذه الحالة وجب عليها الصياح إذ قالت مدعية الغضب :
-جايب نسوان في البيت يا عمر!؟
شعر عمر بالذعر حتى رقية التي اتسعت عينيها بذهول تضرب جبينها من تسرع تلك الجدة خاصةً أنها رأت فتاة تمد رأسها للداخل حتى ترى ماذا يحدث، ترتدي حجاب أو نصف حجاب لامع يظهر من أسفله خصلات شعرها المصبوغة بالأصفر الفاقع
استدار عمر مواليًا رقية ظهره بينما وجهه إلى جدته هاتفًا بغيظ :
-نسوان ايه بس هي دي نسوان ثم انا صحيت من النوم لقيتها قاعدة بتاكل جزر قدام اللابتوب بتاعي أكنها قاعدة في بيت أبوها، مين دي؟!
لم تبالي جدته بهذا التبرير بل حدقت في رقية بتعجب تراها تشير بعينيها إلى شئ خلفها فاستوعبت أخيرًا أن حنان تقف خلفها فقالت وهي تتجه إلى الداخل مدعية التذكر :
-يا اختي ده انا نسيت إنك هتيجي النهاردة يا رقية
اتجهت إلى رقية ماررة بجانب عمر الذي حدق في جدته ببلاهة لا يفهم إلى ماذا تُخطط وسرعان ما اتسعت عينيه عندما سمع جدته تقول بينما تضم رقية :
-ازيك يا بنت الغالية عاملة ايه، ايه يا عمر نسيت بنت عمتك اللي مسافرة إنجلترا نزلت مصر علشان تتطمن عليك تعالى سلم عليها
ارتفع طرف شفتي عمر بتشنج واضح فابنة عمته تبلغ من العمر أربعون عامًا ولا تدعي رقية من الأساس لكن السؤال هنا لما فعلت جدته هكذا
اقترب من رقية ووقف أمامها ماددًا يده حتى يصافحها ليقول من بين أسنانه :
-ازيك يا بنت عمتي
مدت رقية يدها بحسن نية لكن تفاجأت به يعصر كفها بين كفه فأطلقت تأوه مرتفع تسحب يدها بسرعة من يده فقال عمر ملقيًا إليها بنظرة حارقة :
-لأ مش كده يا بنت عمتي إيدك ناعمة كده ليه
تركهما وعاد إلى غرفته أسفل نظرات جدته المذهولة ورقية الساخطة، أما تلك الفتاة حنان قالت بفضول وهي تنظر إلى رقية بتقييم :
-إزاي بنت عمته وعايشة في جنترا مش باين يعني إنك أجنبية
رفعت رقية إحدى حاجبيها بتشنج من تلك الكلمة العجيبة التي نطقت بها بينما قالت جدة عمر وهي تشير ناحية المطبخ :
-ادخلي يا حنان يلا اعملي غداء
-غداء يا أم زينب الساعة لسه تسعة
-خلاص اعملي فطار المهم تتحركي
ذمت الأخرى شفتيها تنظر إلى رقية وكأنها تفصلها حتى أن رقية شعرت بالغرابة منها :
-طب اتعرف على قريبتكم ده انا عمري ما شوفت ليكم قرايب غير مقطوعين من شجرة
-مقطوعين من شجرة؟! طب تصدقي انك عايزة تتربي
هتفت بها ونس وهي تميل على حذائها حتى تلقن هذه الفتاة درسًا ولكن الأخرى فرت سريعًا المطبخ صائحة ببعض كلمات الإعتذار، وكل هذا أسفل نظرات رقية المتعجبة لتشير ناحية المطبخ حيث اختفت حنان متسائلة :
-هي مين البنت دي؟
-دي واحدة من بنات الجيران بتساعدني كل يوم
-وعمر بيبقى موجود هنا عادي طول ما هي موجودة!؟
فهمت الأخرى ما ترمي إليه فقالت نافية هذا :
-أكيد لأ ده انا بطرده كل يوم الصبح وبيفضل قاعد على القهوة على الزفت الكمبيوتر بتاعه ده لحد معاد الغداء بس وقتها حنان بترجع بيتها بعد ما تعمل الغداء وترتب البيت
-وبعدين عمر بيعمل ايه؟؟
هتفت بها رقية تشعر بفضول لمعرفة كيف يمر يوم عمر في العادة فقالت الأخرى مبتسمة :
-بيقعد يتسامر معايا لحد بعد العصر كده حنان ترجع تقعد معايا علشان هو وقتها بيطلع بيفضل لحد الليل برا، أموت وأعرف بيروح فين الواد ده كل لما اسأله يقولي كنت في مشوار برا
نكزتها رقية بخفة بسرعة وهي تميل على أذنها قائلة بهمس :
-طب بقولك ايه وزعي نفسك علشان هو جاي عايزة اتكلم معاه كلمتين
نظرت الأخرى ناحية عمر القادم من غرفته ويبدو التجهم على ملامحه فقالت وهي تتجه إلى المطبخ إلى حنان :
-طب انا هشوف حنان عملت الفطار علشان بنت عمتك تفطر معانا
رفع الآخر حاجبه ناظرًا إليها بملامح قانطة :
-هتكدبي الكدبة وتصدقيها ثم مين دي اللي تفطر معانا دي حرامية
وقف أمام رقية التي كانت تتابع حديثه بتهكم واضح ليقول بنبرة مغتاظة وهو يمد يده لها :
-أعتقد اللي في إيدك مش بتاعك فلو هنزعج جنابك هاتيه
ضمت رقية ذراعيها إلى بعضهما وفي يدها الحاسوب لتقول نافية :
-المرة اللي فاتت غدرت وبلغت عني وأخدت الفلاشة
-ايه كلام تجار السلاح ده ثم ما اديكي قدامي اهو لا ناقصة ايد ولا رجل وتلاقي اخوكي خرجك قبل ما تقعدي ساعة هناك
عقدت الأخرى حاجبيها بضيق لتذكرها ترقيح يونس لها بسبب هذا الأمر فصرخت به مغتاظة :
-انت عارف انا حصلي ايه علشان اخرج
-لا مش عارف ومش عايز أعرف إن شاء الله تولعي هاتي اللاب
حاول أن يأخذه منها رغمًا عنها فركضت الأخرى إلى الشرفة ومدته خارج السور قائلة :
-خطوة كمان واللاب هيبقى في ذمة الله، اتكلم معايا بأدب واحترام زي الناس العاقلين ولا أأقل أدبي عليك
مسح عمر وجهه بغيظ شديد يمنع نفسه من إلقائها من النافذة بحاسوبه نفسه، فإن كان تضحية حاسوبه ستخلصه منها إذًا فهو مسامح في الآخر :
-تقلي أدبك ده انا اللي هقل أدبي وهقل منك بس اصبري عليا
أخرجت هاتفها بسرعة وفتحت تسجيل فيديو وعرضته أمامه فتوقف الآخر يحدق بصدمة فيما يراه، عضو مجلس النواب الذي كشف بعض الأسرار عنه البارحة موجود في التسجيل الذي تعرضه لكن الأدهي هو رؤيته لنفسه وهو يلتقط له بعض الصور الذي فضحه بها
أغلقت رقية الهاتف مبتسمة على ملامحه المصدومة هذه فقالت راددة له فعلته التي فعلها في المطعم والتبليغ عنها :
-انا بقالي أسبوع وأكتر براقبك بتركيز علشان امسك عليك غلطة ولاحظت امبارح بالتحديد إنك بتدخل مكان هاي كلاس من بتاع الناس اللي فوق دي وشوفتك قعدت في مكان بعيد عن الكاميرات وعينك على ترابيزة معينة انا استغربت ايه علاقتك بالراجل ده ومالك مراقبه كده ليه روحت شوفتك بقى بتاخدله صور وهو بيسلم شنطة لراجل معرفش هو مين، انا بصراحة استغرابي زاد بس تاني يوم لما شوفت خبر فضيحة النائب العام الذي يعمل في غسيل الأموال لقطت طرف الخيط
أشارت إليه مكملة حديثها والابتسامة تزداد إتساعًا على وجهها :
-انت الهاكر اللي بيفضح كبار البلد الفاسدين ومحدش عارف يوصلك لا بوليس ولا مباحث الإنترنت نفسها
ضغط عمر على شفته السفلية معجبًا بذكائها هذا ليصفق قائلًا :
-لأ حلو، اللعبة الحلوة لازم يتسقفلها
-لأ ده انت اللي يتسقفلك انت عارف انت فضحت كام واحد، البوليس مكنش عارف يمسك عليهم خيط واحد ومع ده محدش عارف عنك حاجة صفحة كل مرة بتتغير ينتشر الخبر من هنا البلد تتقلب من هنا، حتى الناس دي نفسها مش عارفة توصلك تخيل بقى لو عرفوا اني اللي فاضحهم يبقى مجرد شاب خريج تكنولوجيا المعلومات اسمه عمر فياض أبو المجد
غمزت له ثم أكملت :
-حلوة انا صح؟! استاهل يترفعلي القبعة مش سقفة بس
رفع عمر رأسه للسقف يمنع بصعوبة ابتسامته من الخروج لكنها خرجت في النهاية فوضع يده على وجهه يخفيها تزامنًا مع جلوسه على أحد مقاعد البهو قائلًا :
-لا حلو بجد حتى عارفة اسمي ثلاثة ومتخرج من ايه؟!
مسح على ذقنه النابتة ثم أضاف :
-انتي عايزة ايه بالظبط؟ الفلاشة!؟
-لأ فلاشة ايه بقى ده كان زمان انا هدخل على التقيل
رفعت اصبعيها السبابة والوسطى ثم قالت :
-انا عايزة حاجتين ملهومش تالت أول حاجة سؤال لازم تجاوب عليه من غير كدب
بسط عمر كفيه أمامها يدعوها لتكمل، صابرًا على ابتلائه هذا، هو يعلم أنها تريد شيئًا محددًا ولا تريد إيذائه، يرى هذا في عينيها رغم تعجبه من الأمر، يرى نظرة مساومة لا تهديد :
-قولي
تغيرت ملامح رقية بشكل واضح لتنظر إلى عينيه مباشرةً تدعو بمخالفة توقعاتها :
-انت هو السفاح؟؟
صمت الآخر صمت زاد من توترها تخشى حقًا أن يكون عمر هو السفاح لن تتحمل أن يكون الرجل الذي تحب هو قاتل متسلسل تبحث عنه الشرطة والبلاد بأكملها
-ليه السؤال ده؟ ايه دليلك علشان تسأليه
ابتلعت الأخرى لعابها قبل أن تجيب قائلة :
-السفاح بيقتل أي حد قريب من كبار البلد خاصةً ما بيكونوا أولادهم وانت بتفضح كبار البلد الفاسدين وأولادهم، ايه رأيك في وجه التشابه ده بقى؟
-مش انا
كلمتين خرجتا منه بهدوء شديد جعلتها ترتاح قليلًا لكنها شكت أنه يكذب لذا قالت :
-ايه يضمنلي إنك بتقول الحقيقة
-علشان انا مقتلش انا أنزل فضايحهم آه لكن اقتل لأ، القتل من الكبائر
ارتفع حاجب الأخرى بتشنج قائلة :
-يا راجل!؟ تصدق اقشعر جسدي من فرط إيمانك، القتل من الكبائر والفضايح عادي؟ مش بيقولك من ستر عبدًا ستره الله يوم القيامة
مال عمر بجسده ناحية الأمام مستندًا بذراعيه على فخذيه ليقول بجدية وصوت جامد وقد التمع الكره في عينيه ربما هذه أول مرة ترى في عينيه نظرة كره وحقد لأحدهم :
-علشان اللي زي دول الفضيحة حلال فيهم، ربنا لما قال من ستر عبدًا ستره الله يوم القيامة كان يقصد عبد غلط وندم على غلطته، عبد أول مرة يغلط وهيتوب وقتها الستر عليه أفضل، لكن الناس دي ربنا قال فيهم الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس
احتد الغضب في عينيه ضاغطًا على فكه بقوة وهو يكمل :
-الناس دي هي اللي بتنشر الفساد في الأرض وطريقتي دي وفضحي ليهم من غير ما يمسكوا عليا دليل هي الطريقة الوحيدة اللي هتنضفها منهم، علشان الأيام دي اللي يقول الحق ويكشف سر عنهم لازم... لازم
اختنق صوته بغصة مريرة مكملًا بصعوبة ضاغطًا على جرح نازف في قلبه :
-لازم يقتلوه علشان الحق في البلد دي بقى غلط والفساد اللي مسخبي وراه بدلة وكرفتة وكلام حلو هو الصح
فهمت رقية ما يرمي بسهولة لكنها لم تبين هذا بل غيرت الموضوع قائلة وهي تحاول ألا تنجرف خلف مشاعرها المضطربة في هذه اللحظة :
-الطلب التاني انا عايزة اشتغل معاك في ده، عايزة نبقى تيم
ضحك عمر ساخرًا بعدما كان على وشك التقهقهر على نفسه لتذكره لوالديه ليقول بإستفزار :
-لا آسف مش بشتغل مع عيال
-طب ما انا برضو مش بشتغل مع عيال بس هعصر على نفسي لمونة
ضغط عمر على كفيه يطالعها بغيظ شديد خلف ابتسامته المتهكمة فقالت رقية وهي تضم ذراعيها إلى صدرها :
-يا نشتغل سوا يا إما الصـ
قطعت حديثها بصرخة مدوية جعلته يفزع منها وما افزعه أكثر أنه رأي جسد يسقط من خلال الشرفة إلى الشارع في الأسفل، ركض بسرعة إلى السور ناظرًا إلى الأسفل وبجانبه رقية وجدته وحنان اللتان أتيا على صراخ رقية بل وصراخ الأناس في الشارع
ولم يلبثوا لثوانٍ إلا وبدأت تصرخ حنان هي الأخرى لاطمة على وجهها ترى إحدى جيرانها ملقاة في الأسفل جثة هامدة :
-يا لهوي يا لهوي ده أكيد سفاح إسكندرية قتل البت ميرفت مرات عبد المحسن اللي في الخامس
أطلقت حنان الصرخات بشكل ازعج عمر بشدة وود لو يلقيها من الشرفة هي أيضًا وقبل أن يجعلها تصمت وجد رقية تدفعه جانبًا ويبدو الحماس على وجهها وهي تقول :
-جريمة قتل جديدة، خبر جديد وانا أول واحدة هتنزله استنوني محدش يحرك الجثة انا جاية


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close