رواية انتصر قلبي الفصل الثاني عشر 12 بقلم قسمة الشبيني
الثانى عشر
مرت الليلة شديدة الصعوبة على جاد فقد قضى أغلب الليل يسمع بكاءها المستمر، كانت تغفو لبعض الوقت ثم تعود للبكاء كلما انتبهت ، قضى أغلب الليل واقفا قرب باب الغرفة المغلق وكأنه يخبر قلبه برفضها القاطع له عله يتراجع عن هذا العشق
لكن أنى له أن يفعل!
لقد قضى عمره كله في عشقها فكيف يمكنه التوقف عنه؟
أخيرا عاد لغرفته حين انهكه السهر أو حين اقترب موعد استيقاظ أمه فهو لا يملك أي طاقة لمواجهة أي شخص.
تسطح فوق فراشه مفتقدا وجود هيثم لقد إعتاد قرب الصغير فى الأيام الماضية لكن من الجيد أنه قرب أمه الآن فمهما شعر أنه محطم مفطور القلب فهو يشعر أيضاً أن الألم الذى تشعر هى به أشد من ألمه فقد عاش هذا الألم في الماضى .
تردد داخله صدى ضحكات تعود للماضى ليتبع قلبه صوتها إلى ذلك اليوم المؤلم
عودة للماضى
حافظ على ابتسامته رغم نزف قلبه الذى لم يتوقف منذ أعلنت حبها لأخيه الأصغر ، راودته أحلام تروى أمانيه أنها مجرد مشاعر صبيانية ستتغير مع الوقت.
أوقف نبض قلبه لسنوات منتظرا أن ترى قلبه لكنها لم تر سوى أخيه الذى أكد أنه يعشقها حين بدأت مساعيه لنيل عشقه .
ساعده قدر استطاعته ، تخلى له عن كل أحلامه لأنها اختارته .
تعالت ضحكات هبة وياسر يضمها بذراعه يقربها منه ويتبعه هو وأمه صعوداً برفقة بعض الناس لم يهتم بحفر وجوههم داخله فهو ينقش حاليا هذه الصورة ، صورتها بذلك الرداء الأبيض كما تمنى أن يراها تماما .
الاختلاف الوحيد في الصورة أنه ليس بقربها بل هو فى خلفية الصورة
_ خد عروستك واطلعوا بقا يا ياسر
_ تصبحى على خير يا عمتى
_ وانت بخير يا حبيبة عمتك
_ إيه يا عم السرحان أنت!
انتبه جاد مع دفعة خفيفة من أخيه لينظر نحوه
_ يا عم خف ايدك مرزبة
عادت الضحكات ليكن مشاركا فيها قبل أن يقترب فيضم أخيه مهنئا له نيله عشقه ومقررا نهاية حبه عند هذه النقطة .
انتزع قلبه من صدره وهما يرتقيان الدرج تكلل رأسيهما السعادة ليت أمر قلبه بيده!
نهدة حارة فرت من قلبه لتعيده لعالم الواقع فيهمس قلبه متعللا
_ انا حاولت انساها وماعرفتش
_ كداااب
صرخة داخلية نهر بها نفسه عن المناورة فهو يحتاج المواجهة التى طالما هرب منها طيلة عمره
_ انت كداب وجبان يا جاد
ترددت صرخته الداخلية لتصفع قلبه الذى لم يعد يحتمل المزيد من الألم لكنه يستحق هذا الألم
_ عملت ايه علشان الحب اللى طول عمرك بتتكلم عنه؟ ولا حاجة ، فكرت حتى تلمح لها بيه! طبعا لا لانك جبان ، خوفت تواجه اخوك الصغير بحبك ليها . ياسر كان طول عمره أحق بيها منك، أحق لأنه دافع عن حبه ، أعلنه ماخافش ولا انكسف من مشاعره .
تآوه وهو يعتدل جالساً عل هذا الصخب داخله يتوقف لكنه لم يفعل عليه أن يعترف أنها لم تكن حقا له يوماً
_ انت خاين
انتفض عن الفراش وكأنه فرش بالجمر مع صرخة عقله وكفه فوق صدره مستنكراً وصف نفسه بهذه الصفة القبيحة التى لم تكن من شيمه مطلقاً لكنه عاد يلقى بدنه فوق الفراش
_ خاين لانك فضلت تحبها كل السنين دى وهى مرات اخوك
انتفاضة أخرى أوقفته مرة أخرى يتلفت حول نفسه مسكون بالفزع يستغيث من نفسه التى تحاصره ليتحرك لسانه هذه المرة وكأنه يواجه شخصا آخر
_ كنت عاوزنى أعمل إيه وهى عايشة قدامى ليل نهار ؟ كنت عاوزنى اهرب ازاى وهى فى بيتى وقدام عنيا ؟
ارتفع كفيه يطرقا جانبى جبهته بحدة وهو يتحرك داخل الغرفة هائما بخطوات عشوائية
_ كفاية بقا كفاية انا تعبان
توقف دفعة واحدة وهو يضم رأسه بذراعيه ويحدث نفسه
_ ايوه انا عملت كده، عرضت على ياسر يتجوز فى البيت علشان تبقى معايا، اشوفها واطمن عليها، انا اعترفت اهو.. ارحمونى بقا
صرخ باخر كلماته ولم يشعر أن نبرة صوته قد ارتفعت بالقدر الذي يسمح لأمه بالخارج بسماعه لينتفض مرة أخرى مع اندفاعها عبر الباب فزعة
_ مالك يا جاد؟
كانت أنفاسه متلاحقة ويقف فى وسط الغرفة بضياع
_ كا.. كابوس يا ماما
أسرعت تجاهه لتمسك كفه وتسحبه إلى فراشه
_ اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، تعالى يابنى ارتاح انا مش عارفة الشيطان مابيخرجش من بيتنا ليه !
استلقى ليتشبث بأمه فتندهش لفعلته التى تعبر عن مدى فزعه لكنها لم تحرمه من قربها بل تحرك كفها إلى خصلات شعره المتشعثة
_ نام يا حبيبي ماتخافش انا جمبك
كان بحاجة شديدة للراحة ولحنو أمه الذى غمره بموجة من الدفء اسكنت أنين قلبه وهدأت صراخ مواجهته ليغفو فى دقائق.
............
حين وصل عبدالقادر وزوجته للمنزل كان هانى بغرفته، الضجيج الصادر عن الغرفة نبأ أنه ليس بخير وأنه لم يتقبل ما حدث.
حاولت سندس التوجه إلى غرفة هانى ليسحبها زوجها للخلف نحو غرفتهما.
دخلا ليغلق الباب فتتساءل بقلق
_ فى إيه يا عبدالقادر خلينى اطمن على ابنى!
_ سندس إحنا محتاجين نواجه نفسنا لو عاوزين نحتوى هانى ونعرف اللى بيحصل بينه وبين أخته
_ إيه اللى بيحصل ؟ كان خايف على أخته يا عبدالقادر.
نظر لها بدقة غير مستوعب أنها لا ترى الصورة بالفعل إلى هذا المدى ، لها كل العذر فأي أم قد ترفض رؤية ابنها بصورة سيئة لكن ليس لها أي حق فى ترك ابنها يحيا ضلاله لطالما كانت خط الدفاع الأول الذى يحتمى خلفه هانى ليتهرب من كل أخطائه دون أن تدرك أن ابنها قد تجاوز مرحلة الصبيان وعليها أن تدفعه لرؤية الحقائق ومواجهة أخطاء تفكيره وتشوش رؤيته لذا تساءل بصوت حاول أن يتحكم في الغضب خلاله
_ سندس انت بتحكى لهانى عن اللى بيحصل واحنا عند هبة؟
_ لا طبعا مش كل حاجة بطمنه عليها بس
اتجه عبدالقادر إلى الفراش ليجلس منهك النفس ، مسح وجهه وعاد ينظر إلى زوجته التى تقف مكانها لا تدرك ما حدث
_ لو هانى كان خايف على أخته ماكنش عمل الدوشة دى كلها خصوصا أن جاد قال هيتجوزها ، هانى هو اللى ألف كل ده واستبعد أن يكون سمع أي كلام عن هبة بس ليه يعمل في أخته كده؟ دماغى هيطير منى
صدمت سندس من الصورة التى وضعها زوجها أمام عينيها لكنها لم تملك الكثير من الوقت للتفكير فقد انتفضت مع صوت فتح هانى لباب غرفته لتهرول للخارج ، فتحت باب الغرفة لتجده يغادر وبيده حقيبة صغيرة تدل على مغادرته للمنزل
_ رايح فين يا هانى؟
توقفت خطواته المتسارعة والتى تعبر عن مدى الغضب الذى يكبته داخله لكنه لم ينظر إلى أمه
_ رايح مكان ما يعجبنى انا مش صغير
تألمت من جفاء رده لكنها تقدمت نحوه رغم ذلك عله يتراجع عن المغادرة
_ يا بنى انا عارفة انك مش صغير بس بطمن عليك
_ هغير جو يومين وابقى ارجع لما اعصابى تهدأ
ولم يمنحها المزيد من الوقت وتابع تقدمه حتى غادر صافعا الباب بقوة اهتزت لها جدران المنزل وجدران قلبها الذى يتصدع من هذا الجفاء الذى يغلف روح ابنها.
..........
وقف هانى بعد أن تفقد البنايات مرة أخرى معجبا بالفخامة والرقى المحيطان بالمجمع السكنى الذى دخله بالسيارة التى أرسلها إليه علاء والذى سيراه للمرة الأولى بعد أن تعارفا على مواقع التواصل لمدة ليست قصيرة ومنذ وصل لأرض الوطن يطالبه علاء بزيارته، هو لم يكن يتهرب منه كما ظن علاء لكنه كان بحاجة للوقت لإرباك الجميع وإثارة الفوضى بينهم كما فعل تماما .
اتجه إلى الحديقة متبعا إشارة هاتفه وكما أخبره علاء وجد الباب مفتوحا والهدوء يغلف المكان ، تقدم للداخل بتروى حتى وصل للباب وقبل أن يطرقه فتح بلهفة واضحة ليرى أمامه علاء ولم يكن بحاجة للتعرف عليه ليبتسم مبادلا ترحيبه
_ أخيراً هانى عندى! انا مش مصدق نفسي
_ انا وعدت ووفيت بوعدى بس انت متسرع
ضحك علاء وهو يمد كفه ليجذب هانى للداخل
_ انت لسه هتقف وتتكلم ادخل يا مان ده بيتك
...............
استغل جاد غياب أمه مع هيثم فى الصباح وقد غادرت دون أن توضح له سببا في هذا التوقيت واتجه للغرفة حيث ترك قلبه ناعيا دموعها طيلة الليل، طرق الباب وانتظر قليلا حتى سمع وهنها وهى تظنه أمه ليدخل ويقف قرب الباب
_ هبة انا لازم اتكلم معاكى دقيقة واحدة
انتفضت جالسة حين سمعت صوته لتراه منكس الرأس ويرفرف عليه حزنه
_ انا مش بحاول اضغط عليك علشان توافقى تتجوزيني بس انا فعلا خايف عليك من هانى ومن عبيد ومن كل الناس حتى من نفسك، انا وأنت وخالى بس عارفين أن عدتك خلصت وانا الوحيد اللي صدقتك لما قولتى لماما ياسر قالك ابنكم معاه، هو معاه فعلا إحنا دفناه فى لحد جنب قبر ياسر، انا وخالى اتفقنا علشان يبقى عندك وقت تفكرى انا مش عاوزك تخرجى من بيتنا وانت كمان مش عاوزة يبقى جوازنا هو الحل الوحيد، انا هسيبك تفكرى، انا نازل المطعم بس لما ترجع بهيثم وهاخده معايا.
اغلق الباب بهدوء لتعود هى للبكاء، يريد العالم نزع ياسر من صدرها لكنها لن تتخلى عنه، لم تكن تتوقع أن يكون جاد أحد الطامعين فى حق ياسر لكنها تعلم أنه محق فى مخاوفه التى تحدث عنها فهل شعر بما اقترفه هانى بحقها!!
قد يكون هذا هو المبرر الوحيد لبقائه فى المنزل الفترة التى تلت إصابتها.
عادت تغمض عينيها وقلبها يشاركها البكاء
_ سبتنى ليه يا ياسر؟ يارب أنا خلاص مش قادرة صبرنى على بعده أو خلينى احصله.
لم تشعر بتسلل الظلام حتى خضعت له حواسها جميعا ليعلن عالم الأحلام رفع رايته التى يصبو لظلها قلبها المتألم فهناك فى عالم الأحلام فقط يروى القلب حنينه لرؤيا ياسر.
رأته يجلس فوق فراش وثير لتقترب بخطى منهكة ورغم أن قلبها يخفق بشدة لرؤيته إلا أن ملامح وجهها تحمل الكآبة والوهن فتبدو وقد أضيف لعمرها عدة عقود
_ انت قاعد هنا مرتاح وسايبنى لوحدى يا ياسر؟
_ خليكى عندك يا هبة
توقفت خطواتها أثر نهرته الحادة غير المعتادة مع تبدل ملامحه أيضاً، غامت عينيها لتتجمع السحب فوق رأسها منذرة بيوم ممطر بارد، لازالت عينيه متعلقة بعينيها لتراه وقد راودت الابتسامة شفتيه لتنفرج ببطء
_ انت زعلتى؟ طيب قربى تعالى
عادت تتحرك وكأنها بالفعل مقيدة بخيوط متعلقة بكلماته، جلست بطرف الفراش ليشير لها إلى فراش صغير تراه لأول مرة
_ شوفتى نور؟
نظرت إلى الفراش لكنها لم تتحقق منه بشكل كامل وعادت عينيها لملامحه بلهفة
_ وحشتنى اوى يا ياسو، انا محتاجة وجودك جمبى أوى
_ انا جمبك يا حبيبة قلبي، لا عمرى بعدت ولا هبعد
_ بس انا لوحدى ؟
_ لا مش لوحدك جاد معاكى
تحركت بلهفة غير عابئة بهذا الوهن الذى يغلف قلبها بوخزات مؤلمة لتستقر بين ذراعيه فيضم ذراعيه خوفاً من تسربها مجدداً.
ركضت لهفته تضم قسماتها بشوق يعبر عن مدى اشتياق كل منهما للآخر ليحمل لها الهواء رجاء همساته
_ فتحى عينك يا هبة
فتحت عينيها فهى تشتاق لتلك الملامح المحفورة بقلبها لتنتفض مبتعدة فور رؤية ملامحه
_ جاااد
....................
تعمدت مرفت المغادرة فى هذا التوقيت المبكر لعدة أسباب فهى ايضا لم تنم طيلة الليل وتشعر بما يعانيان ربما يحتاجان المصارحة ووجودها بالقرب يحول دون ذلك وصحبت الصغير لنفس السبب كما أن هذا التوقيت هو موعد توجة حبيبة إلى عملها هى لا تتجرأ أن تتقدم لخطبتها مباشرة عل زواج ابن أخيها منها يعيد إليه نفسه .
هى ترى هانى قد شرد عن نفسه ولولا أن شروده يؤذى الجميع ما فكرت في ما طلبته منها سندس حالياً ، ربما خيط من الفرح يعيد جمع شملهم الذى يتفنن هانى نفسه في تمزيقه
رأت الفتاة قادمة باتجاهها لتسير نحوها متعمدة وقلبها يدعو الله أن يحسن ابن أخيها رعاية هذه الزهرة .
_ السلام عليكم ، ازيك يا طنط مرفت
تبسمت مرفت برحابة رغم ما تعانيه لمبادرة حبيبة المحببة
_ الحمدلله يا حبيبة عاملة ايه وماما وبابا عاملين ايه ؟
_ الحمدلله يا طنط انا عارفة أننا مقصرين فى حق حضرتك ، هو استاذ جاد عامل ايه دلوقتي ؟
_ الحمدلله يا حبيبتي انا كنت عاوزه اجى ازوركم والله
زاد تهلل وجه حبيبة لمجرد الفكرة بشكل يسهل ملاحظته
_ تشرفينا يا طنط ده واجب علينا
اقتربت مرفت خطوة وهى تخفض نبرة صوتها بحيث تتخلص من تطفل المارة
_ الصراحة يا حبيبة انا عاوزة اخطبك لهانى ابن اخويا
غابت كل البشاشة التى اشرقت فوق ملامح الفتاة لدرجة انقباض قلب مرفت وهى تشعر أنها تسببت لها في ألم لا تفهمه مع تهرب عينيها وكأنها تحاول اخفاء دمعة تهدد بكشف ما ستره القلب
_ انا آسفة يا طنط مابفكرش فى الجواز دلوقتي وهانى مستبعد تماما من تفكيرى دورى له على عروسة تناسبه وربنا يسعده
_ انا مش هسألك ليه لأن مش من حقى بس هطلب منك تفكرى براحتك
ظهرت حدة غير محببة بين نظرات حبيبة
_ انا قرارى نهائي يا طنط عن اذنك هتأخر على شغلى وسلامى لاستاذ جاد ربنا يطمن قلبك عليه.
وغادرت الفتاة بنفس الحدة التى أنهت بها الحوار ودون أن تنتظر ردا من مرفت لتلاحقها نظرات الأخيرة لطالما راودتها الشكوك حول ذلك أما الآن فهى متأكدة أنها لا تنتظر سوى جاد .
_ يا تيتة عاوز اروح
_ حاضر يا هيثم
..................
جلست هبة تلهث فوق الفراش لتهرول عمتها التى وصلت للتو فزعة لهذه الصرخة بإسم جاد
_ مالك يا هبة؟
فتح باب الغرفة أيضاً لتراه يقف ووجه يحمل الكثير من المخاوف
_ فى إيه ؟
لم تتحرك عينيها عن قسماته وهى تتحدث بنبرة بالكاد تخترق شفتيها
_ كابوس يا عمتى، كابوس وحش اوى
راقبت ملامحه وقد زالت عنها المخاوف لتظهر حقيقة ما يضمره، لطالما كانت ترى تلك التعابير على صفحة وجهه لكنه لم يكن ينظر إليها مطلقاً بل دائم التهرب بعينيه مخفيا ألمه، ما سبب هذا الألم ؟
أنها نفس التعابير التى رأتها حين تبدلت ملامح ياسر لملامحه وهى بالفعل شاكرة كونه لا يراها فى هذه اللحظة، وقف مكانه عدة ثوان قبل أن يغلق الباب بينما عمتها تقدم لها كوبا من الماء تقبلته بلا مناقشة.
............
لازال عبدالقادر صامت منذ غادر هانى فى المساء وكأنه بالفعل لا يقوى على رؤية الصورة التى تزداد وضوحا مع مرور الوقت، اقتربت زوجته لتجلس بالقرب منه
_ وبعدين يا عبدالقادر هتفضل ساكت كده؟ لو مضايق اطلبه وراضيه بكلمتين خليه يرجع
ارتفعت عينا عبدالقادر لترى كم الانكسار الذى يخفيه عنها وقبل أن يتكلم فتح باب الشقة ليدخل منه هانى وقد بدت عليه معالم الإرهاق الشديد، تقدم ليتجاوز مجلسهما
_ صباح الخير
_ صباح الفل يا حبيبي
لم يلتفت لتهلل الترحيب بصوت أمه وتابع تقدمه إلى غرفته بينما عينا أبيه متعلقتين به حتى أغلق الباب بإحكام معلنا رفضه تقرب أي منهما لينهض هو الآخر ويتجه إلى غرفته بينما نظرت سندس بإتجاه غرفة هاني وهى تتمنى أن تلحق به لولا رفضه الصريح.
...............
لازال جاد شارد منذ وصل للمطعم يرخى رأسه فوق اجتماع كفيه وبالكاد يتفاعل مع العاملين او مع هيثم الذى يوليه انس اهتمام كبير.
رنين هاتفه أجبره على الخروج من شرنقة أفكاره ليجيب صديقه الذى طلب منه إصلاح هاتف هانى، اعتدل بجلسته مع شعوره بتوتر صديقه ومراوغته وشعوره بضيق صدره لتلك المراوغة
_ فى إيه يا منير ما تتكلم علطول؟
_ جاد انت قولت لى ده موبايل واحد قاريبك صح؟
_ ايوه موبايل إبن خالى ويمكن قطع غياره صعبة شوية لأنه جاى بيه من برة
_ يعنى هو عايش برة مصر ؟
_ ايوه يا اخى فى إيه يا منير؟
_ انا لاقيت محادثات على الموبايل بينه وبين ياسر اخوك الله يرحمه وبينه وبين ناس تانية، مصيبة يا جاد
_ فى إيه يا منير ؟ اقرأ لى المحادثات دى
بدأت الدماء تفر من وجه جاد وهو يستمع إلى ما يحمله له الأثير، تمطى قلبه ينازع ألمه ويحاول نفضه بلا جدوى، بدأت أنفاسه تثقل وهو يشعر بالخدر يسيطر على حواسه مع رفض عقله لتلك الحقائق لكنه انتفض واقفاً كأنه يلقى هذا الخدر بعيدا عنه
_ ابعت لى كل ده وانا هتصرف
_ بالعقل يا جاد بالله عليك
وكأنه لازال يملك السيطرة على هذا العقل؟
أنهى الاتصال ليطلب خاله ويطالبه بانتظاره فى المنزل فوراً لحدث جلل كما يطلب منه عدم إخبار أي شخص بأن هناك ما يسوء.
....................
التقط عبيد هاتفه بلهفة وكأنه ينتظر هذا الاتصال منذ سنوات
_ ها طمنى عملت ايه!
_ يا دى النحس يعنى مابيمشيش فى الشارع ابدا لا هو ولا الواد؟
_ خليك وراه وافتكر أنه اعمى وسهل اوى تصطاده فى اى وقت
_ فلوس، فلوس انا مش لسه مديك فلوس؟ هو انت لسه عملت بيهم؟
_ خلاص خلصنا عدى عليا فى المكتب اديك دفعة بس شد حيلك شوية وخلص لى الحكاية دى لو جاد راح هو كمان يبقا الورث كله بيضة مقشرة
أنهى الاتصال قبل أن يسترخى بمقعده ناظرا للأعلى، أفكاره النابغة قادته لهذه الفكرة، مادام جاد هو ما يحول بينه وبين هبة الآن فلن يتردد فى إزاحته خاصة مع عجزه عن الرؤية وسيكون الأمر كله مجرد حادث تسبب فيه عجزه وينتهى كل شيء ثم تؤول له التركة كلها واجمل ما فيها هى الأرملة الحسناء التى سيسعد بالحصول عليها.
................
دخل جاد من باب المنزل ليركض هيثم إلى غرفة أمه فمادام الباب مفتوحاً فجده هنا، استقبله عبدالقادر ليقبله مظهرا بعض المرح الذى تكذبه ملامحه
_ طيب اقوم اسلم على جاد، خليك مع ماما وتيتة يا هيثم.
اتجه إلى غرفة جاد الذى كان ينتظره
_ اقفل الباب يا خالى
اقترب منه عبدالقادر وقد ظهر توتره وتغلبت عليه مخاوفه
_ فى إيه يا بنى وقعت قلبى؟
قدم له هاتفه فهو فعلياً يعجز عن نقل هذا الأمر إليه بأي صيغة ممكنة
_ خد يا خالى وشوف بنفسك المحادثات اللى كانت على موبايل هانى، منير نزلها علشان لو الموبايل مانفعش وعليها حاجة مهمة واتصل وسمعنى شوية منها
_ محادثات إيه يا بنى؟
إلتقط الهاتف ليبدأ فى تحريك الشاشة وعينيه تتسع فزعا مع كل كلمة يقرأها
هانى!!!
ابنه الوحيد!!
شاذ جنسيا!!
مرت الليلة شديدة الصعوبة على جاد فقد قضى أغلب الليل يسمع بكاءها المستمر، كانت تغفو لبعض الوقت ثم تعود للبكاء كلما انتبهت ، قضى أغلب الليل واقفا قرب باب الغرفة المغلق وكأنه يخبر قلبه برفضها القاطع له عله يتراجع عن هذا العشق
لكن أنى له أن يفعل!
لقد قضى عمره كله في عشقها فكيف يمكنه التوقف عنه؟
أخيرا عاد لغرفته حين انهكه السهر أو حين اقترب موعد استيقاظ أمه فهو لا يملك أي طاقة لمواجهة أي شخص.
تسطح فوق فراشه مفتقدا وجود هيثم لقد إعتاد قرب الصغير فى الأيام الماضية لكن من الجيد أنه قرب أمه الآن فمهما شعر أنه محطم مفطور القلب فهو يشعر أيضاً أن الألم الذى تشعر هى به أشد من ألمه فقد عاش هذا الألم في الماضى .
تردد داخله صدى ضحكات تعود للماضى ليتبع قلبه صوتها إلى ذلك اليوم المؤلم
عودة للماضى
حافظ على ابتسامته رغم نزف قلبه الذى لم يتوقف منذ أعلنت حبها لأخيه الأصغر ، راودته أحلام تروى أمانيه أنها مجرد مشاعر صبيانية ستتغير مع الوقت.
أوقف نبض قلبه لسنوات منتظرا أن ترى قلبه لكنها لم تر سوى أخيه الذى أكد أنه يعشقها حين بدأت مساعيه لنيل عشقه .
ساعده قدر استطاعته ، تخلى له عن كل أحلامه لأنها اختارته .
تعالت ضحكات هبة وياسر يضمها بذراعه يقربها منه ويتبعه هو وأمه صعوداً برفقة بعض الناس لم يهتم بحفر وجوههم داخله فهو ينقش حاليا هذه الصورة ، صورتها بذلك الرداء الأبيض كما تمنى أن يراها تماما .
الاختلاف الوحيد في الصورة أنه ليس بقربها بل هو فى خلفية الصورة
_ خد عروستك واطلعوا بقا يا ياسر
_ تصبحى على خير يا عمتى
_ وانت بخير يا حبيبة عمتك
_ إيه يا عم السرحان أنت!
انتبه جاد مع دفعة خفيفة من أخيه لينظر نحوه
_ يا عم خف ايدك مرزبة
عادت الضحكات ليكن مشاركا فيها قبل أن يقترب فيضم أخيه مهنئا له نيله عشقه ومقررا نهاية حبه عند هذه النقطة .
انتزع قلبه من صدره وهما يرتقيان الدرج تكلل رأسيهما السعادة ليت أمر قلبه بيده!
نهدة حارة فرت من قلبه لتعيده لعالم الواقع فيهمس قلبه متعللا
_ انا حاولت انساها وماعرفتش
_ كداااب
صرخة داخلية نهر بها نفسه عن المناورة فهو يحتاج المواجهة التى طالما هرب منها طيلة عمره
_ انت كداب وجبان يا جاد
ترددت صرخته الداخلية لتصفع قلبه الذى لم يعد يحتمل المزيد من الألم لكنه يستحق هذا الألم
_ عملت ايه علشان الحب اللى طول عمرك بتتكلم عنه؟ ولا حاجة ، فكرت حتى تلمح لها بيه! طبعا لا لانك جبان ، خوفت تواجه اخوك الصغير بحبك ليها . ياسر كان طول عمره أحق بيها منك، أحق لأنه دافع عن حبه ، أعلنه ماخافش ولا انكسف من مشاعره .
تآوه وهو يعتدل جالساً عل هذا الصخب داخله يتوقف لكنه لم يفعل عليه أن يعترف أنها لم تكن حقا له يوماً
_ انت خاين
انتفض عن الفراش وكأنه فرش بالجمر مع صرخة عقله وكفه فوق صدره مستنكراً وصف نفسه بهذه الصفة القبيحة التى لم تكن من شيمه مطلقاً لكنه عاد يلقى بدنه فوق الفراش
_ خاين لانك فضلت تحبها كل السنين دى وهى مرات اخوك
انتفاضة أخرى أوقفته مرة أخرى يتلفت حول نفسه مسكون بالفزع يستغيث من نفسه التى تحاصره ليتحرك لسانه هذه المرة وكأنه يواجه شخصا آخر
_ كنت عاوزنى أعمل إيه وهى عايشة قدامى ليل نهار ؟ كنت عاوزنى اهرب ازاى وهى فى بيتى وقدام عنيا ؟
ارتفع كفيه يطرقا جانبى جبهته بحدة وهو يتحرك داخل الغرفة هائما بخطوات عشوائية
_ كفاية بقا كفاية انا تعبان
توقف دفعة واحدة وهو يضم رأسه بذراعيه ويحدث نفسه
_ ايوه انا عملت كده، عرضت على ياسر يتجوز فى البيت علشان تبقى معايا، اشوفها واطمن عليها، انا اعترفت اهو.. ارحمونى بقا
صرخ باخر كلماته ولم يشعر أن نبرة صوته قد ارتفعت بالقدر الذي يسمح لأمه بالخارج بسماعه لينتفض مرة أخرى مع اندفاعها عبر الباب فزعة
_ مالك يا جاد؟
كانت أنفاسه متلاحقة ويقف فى وسط الغرفة بضياع
_ كا.. كابوس يا ماما
أسرعت تجاهه لتمسك كفه وتسحبه إلى فراشه
_ اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، تعالى يابنى ارتاح انا مش عارفة الشيطان مابيخرجش من بيتنا ليه !
استلقى ليتشبث بأمه فتندهش لفعلته التى تعبر عن مدى فزعه لكنها لم تحرمه من قربها بل تحرك كفها إلى خصلات شعره المتشعثة
_ نام يا حبيبي ماتخافش انا جمبك
كان بحاجة شديدة للراحة ولحنو أمه الذى غمره بموجة من الدفء اسكنت أنين قلبه وهدأت صراخ مواجهته ليغفو فى دقائق.
............
حين وصل عبدالقادر وزوجته للمنزل كان هانى بغرفته، الضجيج الصادر عن الغرفة نبأ أنه ليس بخير وأنه لم يتقبل ما حدث.
حاولت سندس التوجه إلى غرفة هانى ليسحبها زوجها للخلف نحو غرفتهما.
دخلا ليغلق الباب فتتساءل بقلق
_ فى إيه يا عبدالقادر خلينى اطمن على ابنى!
_ سندس إحنا محتاجين نواجه نفسنا لو عاوزين نحتوى هانى ونعرف اللى بيحصل بينه وبين أخته
_ إيه اللى بيحصل ؟ كان خايف على أخته يا عبدالقادر.
نظر لها بدقة غير مستوعب أنها لا ترى الصورة بالفعل إلى هذا المدى ، لها كل العذر فأي أم قد ترفض رؤية ابنها بصورة سيئة لكن ليس لها أي حق فى ترك ابنها يحيا ضلاله لطالما كانت خط الدفاع الأول الذى يحتمى خلفه هانى ليتهرب من كل أخطائه دون أن تدرك أن ابنها قد تجاوز مرحلة الصبيان وعليها أن تدفعه لرؤية الحقائق ومواجهة أخطاء تفكيره وتشوش رؤيته لذا تساءل بصوت حاول أن يتحكم في الغضب خلاله
_ سندس انت بتحكى لهانى عن اللى بيحصل واحنا عند هبة؟
_ لا طبعا مش كل حاجة بطمنه عليها بس
اتجه عبدالقادر إلى الفراش ليجلس منهك النفس ، مسح وجهه وعاد ينظر إلى زوجته التى تقف مكانها لا تدرك ما حدث
_ لو هانى كان خايف على أخته ماكنش عمل الدوشة دى كلها خصوصا أن جاد قال هيتجوزها ، هانى هو اللى ألف كل ده واستبعد أن يكون سمع أي كلام عن هبة بس ليه يعمل في أخته كده؟ دماغى هيطير منى
صدمت سندس من الصورة التى وضعها زوجها أمام عينيها لكنها لم تملك الكثير من الوقت للتفكير فقد انتفضت مع صوت فتح هانى لباب غرفته لتهرول للخارج ، فتحت باب الغرفة لتجده يغادر وبيده حقيبة صغيرة تدل على مغادرته للمنزل
_ رايح فين يا هانى؟
توقفت خطواته المتسارعة والتى تعبر عن مدى الغضب الذى يكبته داخله لكنه لم ينظر إلى أمه
_ رايح مكان ما يعجبنى انا مش صغير
تألمت من جفاء رده لكنها تقدمت نحوه رغم ذلك عله يتراجع عن المغادرة
_ يا بنى انا عارفة انك مش صغير بس بطمن عليك
_ هغير جو يومين وابقى ارجع لما اعصابى تهدأ
ولم يمنحها المزيد من الوقت وتابع تقدمه حتى غادر صافعا الباب بقوة اهتزت لها جدران المنزل وجدران قلبها الذى يتصدع من هذا الجفاء الذى يغلف روح ابنها.
..........
وقف هانى بعد أن تفقد البنايات مرة أخرى معجبا بالفخامة والرقى المحيطان بالمجمع السكنى الذى دخله بالسيارة التى أرسلها إليه علاء والذى سيراه للمرة الأولى بعد أن تعارفا على مواقع التواصل لمدة ليست قصيرة ومنذ وصل لأرض الوطن يطالبه علاء بزيارته، هو لم يكن يتهرب منه كما ظن علاء لكنه كان بحاجة للوقت لإرباك الجميع وإثارة الفوضى بينهم كما فعل تماما .
اتجه إلى الحديقة متبعا إشارة هاتفه وكما أخبره علاء وجد الباب مفتوحا والهدوء يغلف المكان ، تقدم للداخل بتروى حتى وصل للباب وقبل أن يطرقه فتح بلهفة واضحة ليرى أمامه علاء ولم يكن بحاجة للتعرف عليه ليبتسم مبادلا ترحيبه
_ أخيراً هانى عندى! انا مش مصدق نفسي
_ انا وعدت ووفيت بوعدى بس انت متسرع
ضحك علاء وهو يمد كفه ليجذب هانى للداخل
_ انت لسه هتقف وتتكلم ادخل يا مان ده بيتك
...............
استغل جاد غياب أمه مع هيثم فى الصباح وقد غادرت دون أن توضح له سببا في هذا التوقيت واتجه للغرفة حيث ترك قلبه ناعيا دموعها طيلة الليل، طرق الباب وانتظر قليلا حتى سمع وهنها وهى تظنه أمه ليدخل ويقف قرب الباب
_ هبة انا لازم اتكلم معاكى دقيقة واحدة
انتفضت جالسة حين سمعت صوته لتراه منكس الرأس ويرفرف عليه حزنه
_ انا مش بحاول اضغط عليك علشان توافقى تتجوزيني بس انا فعلا خايف عليك من هانى ومن عبيد ومن كل الناس حتى من نفسك، انا وأنت وخالى بس عارفين أن عدتك خلصت وانا الوحيد اللي صدقتك لما قولتى لماما ياسر قالك ابنكم معاه، هو معاه فعلا إحنا دفناه فى لحد جنب قبر ياسر، انا وخالى اتفقنا علشان يبقى عندك وقت تفكرى انا مش عاوزك تخرجى من بيتنا وانت كمان مش عاوزة يبقى جوازنا هو الحل الوحيد، انا هسيبك تفكرى، انا نازل المطعم بس لما ترجع بهيثم وهاخده معايا.
اغلق الباب بهدوء لتعود هى للبكاء، يريد العالم نزع ياسر من صدرها لكنها لن تتخلى عنه، لم تكن تتوقع أن يكون جاد أحد الطامعين فى حق ياسر لكنها تعلم أنه محق فى مخاوفه التى تحدث عنها فهل شعر بما اقترفه هانى بحقها!!
قد يكون هذا هو المبرر الوحيد لبقائه فى المنزل الفترة التى تلت إصابتها.
عادت تغمض عينيها وقلبها يشاركها البكاء
_ سبتنى ليه يا ياسر؟ يارب أنا خلاص مش قادرة صبرنى على بعده أو خلينى احصله.
لم تشعر بتسلل الظلام حتى خضعت له حواسها جميعا ليعلن عالم الأحلام رفع رايته التى يصبو لظلها قلبها المتألم فهناك فى عالم الأحلام فقط يروى القلب حنينه لرؤيا ياسر.
رأته يجلس فوق فراش وثير لتقترب بخطى منهكة ورغم أن قلبها يخفق بشدة لرؤيته إلا أن ملامح وجهها تحمل الكآبة والوهن فتبدو وقد أضيف لعمرها عدة عقود
_ انت قاعد هنا مرتاح وسايبنى لوحدى يا ياسر؟
_ خليكى عندك يا هبة
توقفت خطواتها أثر نهرته الحادة غير المعتادة مع تبدل ملامحه أيضاً، غامت عينيها لتتجمع السحب فوق رأسها منذرة بيوم ممطر بارد، لازالت عينيه متعلقة بعينيها لتراه وقد راودت الابتسامة شفتيه لتنفرج ببطء
_ انت زعلتى؟ طيب قربى تعالى
عادت تتحرك وكأنها بالفعل مقيدة بخيوط متعلقة بكلماته، جلست بطرف الفراش ليشير لها إلى فراش صغير تراه لأول مرة
_ شوفتى نور؟
نظرت إلى الفراش لكنها لم تتحقق منه بشكل كامل وعادت عينيها لملامحه بلهفة
_ وحشتنى اوى يا ياسو، انا محتاجة وجودك جمبى أوى
_ انا جمبك يا حبيبة قلبي، لا عمرى بعدت ولا هبعد
_ بس انا لوحدى ؟
_ لا مش لوحدك جاد معاكى
تحركت بلهفة غير عابئة بهذا الوهن الذى يغلف قلبها بوخزات مؤلمة لتستقر بين ذراعيه فيضم ذراعيه خوفاً من تسربها مجدداً.
ركضت لهفته تضم قسماتها بشوق يعبر عن مدى اشتياق كل منهما للآخر ليحمل لها الهواء رجاء همساته
_ فتحى عينك يا هبة
فتحت عينيها فهى تشتاق لتلك الملامح المحفورة بقلبها لتنتفض مبتعدة فور رؤية ملامحه
_ جاااد
....................
تعمدت مرفت المغادرة فى هذا التوقيت المبكر لعدة أسباب فهى ايضا لم تنم طيلة الليل وتشعر بما يعانيان ربما يحتاجان المصارحة ووجودها بالقرب يحول دون ذلك وصحبت الصغير لنفس السبب كما أن هذا التوقيت هو موعد توجة حبيبة إلى عملها هى لا تتجرأ أن تتقدم لخطبتها مباشرة عل زواج ابن أخيها منها يعيد إليه نفسه .
هى ترى هانى قد شرد عن نفسه ولولا أن شروده يؤذى الجميع ما فكرت في ما طلبته منها سندس حالياً ، ربما خيط من الفرح يعيد جمع شملهم الذى يتفنن هانى نفسه في تمزيقه
رأت الفتاة قادمة باتجاهها لتسير نحوها متعمدة وقلبها يدعو الله أن يحسن ابن أخيها رعاية هذه الزهرة .
_ السلام عليكم ، ازيك يا طنط مرفت
تبسمت مرفت برحابة رغم ما تعانيه لمبادرة حبيبة المحببة
_ الحمدلله يا حبيبة عاملة ايه وماما وبابا عاملين ايه ؟
_ الحمدلله يا طنط انا عارفة أننا مقصرين فى حق حضرتك ، هو استاذ جاد عامل ايه دلوقتي ؟
_ الحمدلله يا حبيبتي انا كنت عاوزه اجى ازوركم والله
زاد تهلل وجه حبيبة لمجرد الفكرة بشكل يسهل ملاحظته
_ تشرفينا يا طنط ده واجب علينا
اقتربت مرفت خطوة وهى تخفض نبرة صوتها بحيث تتخلص من تطفل المارة
_ الصراحة يا حبيبة انا عاوزة اخطبك لهانى ابن اخويا
غابت كل البشاشة التى اشرقت فوق ملامح الفتاة لدرجة انقباض قلب مرفت وهى تشعر أنها تسببت لها في ألم لا تفهمه مع تهرب عينيها وكأنها تحاول اخفاء دمعة تهدد بكشف ما ستره القلب
_ انا آسفة يا طنط مابفكرش فى الجواز دلوقتي وهانى مستبعد تماما من تفكيرى دورى له على عروسة تناسبه وربنا يسعده
_ انا مش هسألك ليه لأن مش من حقى بس هطلب منك تفكرى براحتك
ظهرت حدة غير محببة بين نظرات حبيبة
_ انا قرارى نهائي يا طنط عن اذنك هتأخر على شغلى وسلامى لاستاذ جاد ربنا يطمن قلبك عليه.
وغادرت الفتاة بنفس الحدة التى أنهت بها الحوار ودون أن تنتظر ردا من مرفت لتلاحقها نظرات الأخيرة لطالما راودتها الشكوك حول ذلك أما الآن فهى متأكدة أنها لا تنتظر سوى جاد .
_ يا تيتة عاوز اروح
_ حاضر يا هيثم
..................
جلست هبة تلهث فوق الفراش لتهرول عمتها التى وصلت للتو فزعة لهذه الصرخة بإسم جاد
_ مالك يا هبة؟
فتح باب الغرفة أيضاً لتراه يقف ووجه يحمل الكثير من المخاوف
_ فى إيه ؟
لم تتحرك عينيها عن قسماته وهى تتحدث بنبرة بالكاد تخترق شفتيها
_ كابوس يا عمتى، كابوس وحش اوى
راقبت ملامحه وقد زالت عنها المخاوف لتظهر حقيقة ما يضمره، لطالما كانت ترى تلك التعابير على صفحة وجهه لكنه لم يكن ينظر إليها مطلقاً بل دائم التهرب بعينيه مخفيا ألمه، ما سبب هذا الألم ؟
أنها نفس التعابير التى رأتها حين تبدلت ملامح ياسر لملامحه وهى بالفعل شاكرة كونه لا يراها فى هذه اللحظة، وقف مكانه عدة ثوان قبل أن يغلق الباب بينما عمتها تقدم لها كوبا من الماء تقبلته بلا مناقشة.
............
لازال عبدالقادر صامت منذ غادر هانى فى المساء وكأنه بالفعل لا يقوى على رؤية الصورة التى تزداد وضوحا مع مرور الوقت، اقتربت زوجته لتجلس بالقرب منه
_ وبعدين يا عبدالقادر هتفضل ساكت كده؟ لو مضايق اطلبه وراضيه بكلمتين خليه يرجع
ارتفعت عينا عبدالقادر لترى كم الانكسار الذى يخفيه عنها وقبل أن يتكلم فتح باب الشقة ليدخل منه هانى وقد بدت عليه معالم الإرهاق الشديد، تقدم ليتجاوز مجلسهما
_ صباح الخير
_ صباح الفل يا حبيبي
لم يلتفت لتهلل الترحيب بصوت أمه وتابع تقدمه إلى غرفته بينما عينا أبيه متعلقتين به حتى أغلق الباب بإحكام معلنا رفضه تقرب أي منهما لينهض هو الآخر ويتجه إلى غرفته بينما نظرت سندس بإتجاه غرفة هاني وهى تتمنى أن تلحق به لولا رفضه الصريح.
...............
لازال جاد شارد منذ وصل للمطعم يرخى رأسه فوق اجتماع كفيه وبالكاد يتفاعل مع العاملين او مع هيثم الذى يوليه انس اهتمام كبير.
رنين هاتفه أجبره على الخروج من شرنقة أفكاره ليجيب صديقه الذى طلب منه إصلاح هاتف هانى، اعتدل بجلسته مع شعوره بتوتر صديقه ومراوغته وشعوره بضيق صدره لتلك المراوغة
_ فى إيه يا منير ما تتكلم علطول؟
_ جاد انت قولت لى ده موبايل واحد قاريبك صح؟
_ ايوه موبايل إبن خالى ويمكن قطع غياره صعبة شوية لأنه جاى بيه من برة
_ يعنى هو عايش برة مصر ؟
_ ايوه يا اخى فى إيه يا منير؟
_ انا لاقيت محادثات على الموبايل بينه وبين ياسر اخوك الله يرحمه وبينه وبين ناس تانية، مصيبة يا جاد
_ فى إيه يا منير ؟ اقرأ لى المحادثات دى
بدأت الدماء تفر من وجه جاد وهو يستمع إلى ما يحمله له الأثير، تمطى قلبه ينازع ألمه ويحاول نفضه بلا جدوى، بدأت أنفاسه تثقل وهو يشعر بالخدر يسيطر على حواسه مع رفض عقله لتلك الحقائق لكنه انتفض واقفاً كأنه يلقى هذا الخدر بعيدا عنه
_ ابعت لى كل ده وانا هتصرف
_ بالعقل يا جاد بالله عليك
وكأنه لازال يملك السيطرة على هذا العقل؟
أنهى الاتصال ليطلب خاله ويطالبه بانتظاره فى المنزل فوراً لحدث جلل كما يطلب منه عدم إخبار أي شخص بأن هناك ما يسوء.
....................
التقط عبيد هاتفه بلهفة وكأنه ينتظر هذا الاتصال منذ سنوات
_ ها طمنى عملت ايه!
_ يا دى النحس يعنى مابيمشيش فى الشارع ابدا لا هو ولا الواد؟
_ خليك وراه وافتكر أنه اعمى وسهل اوى تصطاده فى اى وقت
_ فلوس، فلوس انا مش لسه مديك فلوس؟ هو انت لسه عملت بيهم؟
_ خلاص خلصنا عدى عليا فى المكتب اديك دفعة بس شد حيلك شوية وخلص لى الحكاية دى لو جاد راح هو كمان يبقا الورث كله بيضة مقشرة
أنهى الاتصال قبل أن يسترخى بمقعده ناظرا للأعلى، أفكاره النابغة قادته لهذه الفكرة، مادام جاد هو ما يحول بينه وبين هبة الآن فلن يتردد فى إزاحته خاصة مع عجزه عن الرؤية وسيكون الأمر كله مجرد حادث تسبب فيه عجزه وينتهى كل شيء ثم تؤول له التركة كلها واجمل ما فيها هى الأرملة الحسناء التى سيسعد بالحصول عليها.
................
دخل جاد من باب المنزل ليركض هيثم إلى غرفة أمه فمادام الباب مفتوحاً فجده هنا، استقبله عبدالقادر ليقبله مظهرا بعض المرح الذى تكذبه ملامحه
_ طيب اقوم اسلم على جاد، خليك مع ماما وتيتة يا هيثم.
اتجه إلى غرفة جاد الذى كان ينتظره
_ اقفل الباب يا خالى
اقترب منه عبدالقادر وقد ظهر توتره وتغلبت عليه مخاوفه
_ فى إيه يا بنى وقعت قلبى؟
قدم له هاتفه فهو فعلياً يعجز عن نقل هذا الأمر إليه بأي صيغة ممكنة
_ خد يا خالى وشوف بنفسك المحادثات اللى كانت على موبايل هانى، منير نزلها علشان لو الموبايل مانفعش وعليها حاجة مهمة واتصل وسمعنى شوية منها
_ محادثات إيه يا بنى؟
إلتقط الهاتف ليبدأ فى تحريك الشاشة وعينيه تتسع فزعا مع كل كلمة يقرأها
هانى!!!
ابنه الوحيد!!
شاذ جنسيا!!
