رواية أصل وصورة الفصل الثاني عشر 12 بقلم صافيناز يوسف
اصل وصورة
الفصل الثاني عشر
الام الفقد ابشع الالام.. ربما اشد من الالام الجسدية.. وتكون اشد اذا كان المفقود متواجد ولكن لم يعد من حقك الاقتراب منه او حتى التفكير فيه.. وقتها تشعر ان روحك تتمزق بين الرغبة فيه وبين الواقع الذي يحتم عليك ان تبقى بعيدا..
انفض الحفل اخيرا.. شعرت ليلى بالاعياء.. اقترب هاشم منها وهو يقول : لقد اتفقت مع عاصم على الذهاب لزيارتهم غدا لتتعرفي على والدته.،
نظرت اليه ليلى وجسدها يصرخ من الحزن والألم والاعياء وقالت بشرود: عاصم من ؟
نظر لها هاشم بسخرية: عاصم خطيبك،، الذي ترتدين خاتمه الآن.،
نظرت الى اصابعها بذهول من افاقت على هول مصيبة.. تسارعت الأحداث في عقلها المجهد.. فتركت هاشم واقفا وصعدت مسرعة تحتمي بغرفتها.، اغلقت الباب واستندت عليه تبكي .. ةضعت يدها على وجهها ثم ابعدتها وكأنها لدغتها .. نظرت الى اصابعها.. الى ذلك الخاتم الذي يطوق اصابعها ويؤكد انها أصبحت مرتبطة بشخص آخر غير سامر.. سامر حييبها الذي طعنتها نظرة عينيه المنكسرة... تزايدت دموعها عندما تذكرت كلماته لعاصم: حافظ عليها فهي قطعة من قلبي،،
انتحبت في عنف.. لقد قتلته وخسرت حبه للابد.. وأصبحت لغيره.. لفت نظرها البوما للصور .. التقطته وفتحته.. كانت صورها معه..
امسكت بصورة حفل خطوبتهما.. تحسست ابتسامتهما.. كم كانت سعيدة ان ذاك.. اخرجت الصور التي تحتضن لحظات سعادتهما.. تشاهدهم بحنين اذاب قلبها المنهك.. تتلمس ابتساماتهم وسعادتهم المختزنة بداخلها.. وتتذكر لحظات التقاطها..
نثرت الصور حولها بفوضى تتساقط عليها دموعها بالم اجتاح جسدها المتعب.. انتفضت في الم.. وهمست لصورة سامر.. قريبا ستعرف لم فعلت كل هذا لم ابعدتك عني.. ستعرف اني ضحيت بحبك لكيلا تتألم.. كي تكون بعيدا عندما ينتهي الأمر. . صار الالم الان ينخر عظامها .. ضمت شفتبها وحاولت القيام لتهوي ارضا في اعياء.، زحفت نحو الحزانة لتلتفط علبة الاقراص من مكانها .. فتحت الدرج واخرجتها بعناء وهي تأن من شدة الالم.. ولكنها افلتت منها ووقعت مكسورة لتتناثر حبات الدواء في كل الاتجاهات..
نظرت لها بألم .. والتقطت اقربهم لها ووضعتها بين شفتيها ثم التقطت كأس الماء وتركته بجوارها وهوت على الارض بنصف وعي ونصف الم..
................................
انتفض سامر وقد شعر بقطرات من الماء على وجهه.. وفتح عينيه بذهول.. ليجد سلمى زميلته في الكلية تنحني عليه وهي تقول: هل اصبحت بخير الآن..
نظر في وجهها بضياع.. ثم اعتدل جالسا وقد انتابه خجل شديد ان تراه بتلك الحالة .. مسح على وجهه بضياع وهو يقول: ما الذي حدث..
نظرت له سلمى بعينين يشوبهما اعجاب واضح وقالت : العميد يبحث عنك بدأب في الكلية .. فقررت ان ااتي للمرسم لابحث عنك هنا لاني اتصلت بالمنزل ولم ترد..
نظر لها سامر بشرود وهو يقول: العميد يبحث عني انا.. لماذا..
نظرت له سلمى بدهشة وقالت: الا تتذكر حقا.. اليوم هو ميعاد معرض اعمال الطلبة في الكلية وانت من معك مفاتيح المعرض..
خبط سامر على جبهته وهو يقول: اوه.. لقد نسيت فعلا..
ثم حاول الوقوف بتعثر لتسنده سلمى وتساعده على الوقوف.. نظر للفوضى حوله وشعر بوخز في قلبه عندما تذكر الليلة الماضية.. قال لها : انتظريني قليلا سأبدل ملابسي واتي معك..
دخل الى المرحاض وضرب وجهه بالماء.. تطلع في المرآة لوجهه الشاحب .. زجره عقله.. لابد ان تنساها.، هي نسيتك بل وخطبت لغيرك.. لابد ان تنساها ايها القلب الحزين..
سمع صوت سلمى الناعم يحثه على الاسراع.. فقال عقله.. هاهي سلمى معيدة مثلك ومعجبة بك تكاد عينيها تنطق.. فلم لا تستسلم لها لربما تنسى الاخرى..
مط سامر شفتيه وهو يبدل ملابسه ويحادث نفسه ولكن كيف استعمل سلمى لنسيان ليلى.. هذا ضد اخلاقي ومبادئي..
خرج لها وقد بدل ملابسه ووقف مكانه يتأملها.. كانت سلمى ذات جمال شرقي .. عينين سوداتين وشعر اسود كسواد ليل سهران. . وبشرة قمحية بلون النيل .. وملامح صغيرة بشوشة .. وجسد صغير رشيق ومتناسق..
قالت سلمى بمرح: لماذا تنظر لي هكذا..
ثم اقتربت منه وامسكت يده وهي تحثه: هيا بنا قبل ان يجن العميد فالافتتاح بعد ساعة من الآن.،
اسرع معها وركب سيارته المتواضعة ليصلا بعد حوالي ربع ساعة الى مبنى الكلية ليجد العميد يقف مقلبا كفيه وقد استشاط غضبا من سامر وتأخره.. فابتسم سامر ساخرا وغمز لسلمى ثم اقترب منه وهو يقول: لا تقلق يا سيدي كل شيء سيكون على ما يرام..
ثم انطلق الى قاعة العرض ومعه سلمى لتقوم بمساعدته في وضع اللمسات النهائية قبل افتتاح المعرض.. وقف امام احدى اللوحات وغرق فيها.. كانت لوحة تصرخ بالالوان الداكنة يتخللها الاحمر الدموي.. وهناك في طرف اللوحة فتاة شقراء تبدو شاردة او تائهة.. كانت هذه اخر لوحاتها.، مشروع السنة الماضية،، عندما سألها عن معنى اللوحة ابتسمت ابتسامة الموناليزا الغامضة وسلمته اللوحة ولم ترد.. انتبه من شروده في لوحتها على طرقات من يد سلمى وهي تنظر معه للوحة ليلى وقالت: لوحة حزينة ترى ما الذي كانت تفكر به وهي ترسمها؟
هز سامر كتفه وهو يقول: صدقا لم اعد اعرف شيئا..
نظرت له يحدوها الامل في ان يشار بها وقالت بتردد: اليست خطيبتك..
نظر لها بشرود قليلا ثم قال : لا لقد افترقنا..
وضعت كفها على شفتيها وهي تهمس: كيف.. غير معقول.. لقد كنتما...
قاطعها : كنا متحابين وانتهى ما كان بيننا. .
ربتت عل كتفه وقد تعاظم الامل في قلبها.. وارتسمت بداخلها ابتسامة كبيرة الآن اصبح الصيد سهلا..
..................،،،،،،،،
كان العمل في بيت الازياء الذي تعمل به ماري قد اصبح يجري على قدم وساق.. فالعارضات يتدربن على ايقاع العرض ومخرج الحفل يختار الخلفية الموسيقية .. وكانت ماري وليان يعملان على تنسيق الاكسسوارات على مجموعة الملابس ..
شعرت ليان بقبضة تعتصر قلبها .. فوضعت يدها عليه وهي تدعو الله ان يكون خيرا.. تمتمت: ترى ماذا بك يا ليلى.. اشعر انك لست على ما يرام..
اتت ماري بجوارها وهي تحمل بيدها مظروفا ذهبيا جذب انتباه ليان.. كانت تبدو مضطربة.. رمقت ليان المظروف في يد والدتها المرتعشة وقالت بفضول: ما هذا..
مطت ماري شفتيها وهي تقول بلهجة حاولت ان تبدو لامبالية: انها دعوة لهاشم لحضرور عرض الأزياء. .
صفرت ليان وهي تقول: جيد وهل سترسليها له والاهم هل سيحضر..
قضمت ماري شفتيها وقالت: لا ادري.. مارك مصر على حضوره لانه يعتقد اني كاذبة عندما اخبرته اني مازلت متزوجة..
اطرقت ليان وهي تقول: لا اعتقد انه سيأتي بعد ما حدث في المشفى..
هزت ماري رأسها موافقة.. وترقرقت عينيها بالدموع وهي تقول: المشكلة اني لم استطع ان اكرهه.. مازلت احبه رغم خيانته واهماله.. مازلت لا اتصور اخر معي.. ممازلت احلم انه معي وان كل ما فات كان كابوس سأستيقظ منه لاجد اني مازلت معه في بيته وانت وليلى حولي .. ان كل تلك السنوات لم تمر..
ربتت ليان على كتفها وهي تقول: لا ادري كيف تأكدت من خيانته.. لم يفعلها طيلة تلك السنوات رغم محاولات تلك السلوى لاجتذابه ..
شردت ماري في تلك الليلة منذ عشر سنوات .. كان يوم عيد زواجهما.. رتبت حفل صغير خاص بهما فقط.. نومت الفتاتين وارتدت فستان للسهرة رائع.. طهت الاكلات التي يحبها وصنعت قالب حلوى على شكل قلب.. واشعلت الشموع وجلست تنتظره.. تأخر كثيرا.. يبدو انه نسي تلك المناسبة المهمة.. ولكنها واست نفسها وقالت لا بأس فهو مشغول بعمله..
ذابت الشموع.. وكاد يغلبها النوم.. نظرت الى الساعة كانت قد تعدت الحادية عشر.. فزفرت واطفأت الشموع وقامت تتصل بالشركة لتطمئن عليه..
اتصلت وانتظرت الرد .. فتح الخط وسمعت ضحدات خليعة وصوت انفاس عالية وقبلات .. تسارعت ضربات قلبها وتجمد كفاها على سماعة الهاتف.. هل حقا يخونها هاشم.. فالرقم الذي طلبته كان رقم هاتف مكتبه المباشر.. كادت ان تسقط من هول الصدمة.. ولكنها تماسكت .. تركت كل شيء وصعدت الى حجرتها وقلبها يؤلمها وكأنه تلقى طعنة نجلاء .. انتظرت الى ان عاد قرب الفجر تفوح منه رائحة عطر انثوي .. فاغمضت عينيها لتتظاهر بالنوم اما هو فرمى جسده على الفراش بجوارها بدون ان يلقى عليها نظرة واحدة.. ويومها عزمت ان تغادر بلا عودة..
انتبهت من شرودها على صوت ليان تقول: حتى لو فعلها منذ عشر سنوات فالذي يحب لابد ان يسامح..
نظرت لها ماري بعينين تسكنهما دموع تأبى المغادرة.. فأكملت ليان: اءا قررت مسامحته عندي خطة ستجعله يأتي بأقصى سرعة..
قالت ماري: خطة .. ما هي..
غمزتها ليان وهي تقول بلهجة مرحة: مفاجأة واراهنك انه سيركب اول طائرة لهنا..
قالت ماري بحزن: رهان مرة اخرى يا ليان. .
شعرت ليان بقبضة تعتصر قلبها .. واغروقت عيناها بالدموع .. فربتت ماري على كتفها وهي تقول: الاخطاء وجدت لنتعلم منها يا ليان..
قالت ليان بنبرة باكية: ولكني احبه حقا يا امي.. اريد ان يعود بي الزمن قبل أن ادخل غرفة العمليات .. عندما امسك يدي وهمس لي بحبه بكل صدق.. اتمنى ان يكون ما حدث مجرد هلوسة المخدر وعندما افيق اجده بجواري يمسك يدي ويؤكد لي حبه.. هل يمكن ان يسامحني لطيشي وغبائي ام سأظل اتعذب بحبه. . هل كرهني لما فعلت حقا..
قالت ماري: انت من قلت من يحب يسامح .. لو احبك حقا سيسامحك..
شردت كل منهما في همها.. وتساءلا هل حقا يمكن للتسامح ان يحل مشاكلهما..
.............................
هبطت ليلى من غرفتها وهي ترتدي بذلة رسمية رمادية اللون استعدادا لتلك الزيارة الثقيلة على قلبها.. ولكن هاشم لم يقبل اي عذر.. لقد اخذ موعد من عاصم ويريد الايفاء به بدون تأخير.. وقفت امام هاشم الذي قال ما ان رآها: نعم هذه هي ابنتي..
قالت بتردد: ولكن يا ابي.. لم اكن..
قاطعها هاشم بحدة: لم اكن ماذا.. هل اجبرتك على القبول بالخطبة البارحة. . اتريدين بعد ان خطبك امس وبعد تلك التمثيلية السخيفة التي قام بها سامر ان تعودي في قرارك.. انت بهذا تجلبين لي الفضيحة..
ابتلعت غصة في حلقها وهزت رأسها بخضوع.. وسارت معه نحو السيارة لتسير بهما الى حيث منزل عاصم..
تردد داخلها صوت يقول: فليحدث اي شيء.. فالباقي ايام معدودة فلتمر كما اتفق بلا جدال عقيم..
غاص قلبها .. هل حقا ستنتهي حياتها بعد ايام .. حياتها تلك التي قضتها ضائعة بين اب وام منفصلين.. مازال هناك الكثير لتفعله.. مازال عليها الكثير لتصلحه..
انتبهت من شرودها على صوت عجلات السيارة تقف امام بوابة ضخمة.. سمعو صريرها وهي تفتح آليا. .
دخلت السيارة داخل ارض المنزل.. تأملته لم يكن منزل حقا بل قصر كبير مبني على الطراز الانجليزي باسقفه المنحدرة وقرميده الاحمر الداكن.. اعجبها طراز المنزل.. وعندما دخلوا يرافقهما الخادم الى حيث حجرة الصالون.. اعجبت بأناقة تأسيسه الداخلى .. فالأثاث يجمع بين الكلاسيكية وابحداثة في مزيج جميل ومريح..
لفتت نظرها لوحة معلقة في المواجهة .. كانت عبارة عن مجموعة من الخيول تجري وتمتطي أحدهم وتبدو انها تقودهم فتاة ذات شعر اصفر متطاير وقد فردت ذراعيها في الهواء وكأنها تطير.. كانت اللوحة جميلة ومليئة بالنفاصيل الرائعة جعلتها تشرد فيها فلم تنتبه لصرير العجلات المعدنية لكرسي السيدة أميرة والدة عاصم التي دخلت واشارت لهاشم الذي كاد ان يتحدث مرحبا بها بالصمت وهي تبتسم ثم اقتربت من ليلى التي كانت تبدو في عالم اخر وهي تشاهد اللوحة وقالت بحنان: هل اعجبتك لهذا الحد..
انتقضت ليلى بعنف.. فقد انتزعتها كلمات تلك السيدة القعيدة من عالم اللوحة الغامض..
فقالت بأعجاب شديد: انها رائعة.. من قام برسمها..
قالت اميرة بفخر : انا .. فأنا احب الرسم بشدة..
هنا دخل عاصم وسمع ليلى وهي تقول: انا ايضا احب الرسم وهو تخصصي الدراسي ايضا فأنا طالبة في كلية الفنون الجميلة. .
ارتج على عاصم .. فكر وماذا عن دراسة الاثار.. هل كانت تكذب عليه.. لا يدري يشعر ان هناك شيء خاطئ.. كان يشعر ان تلك الفتاة ليلى مختلفة عن تلك التي قابلها على السفيمة واحبها.. لم يحب تلك الشخصية الجديدة .. بل احب لي لي تلك الفتاة المرحة التي تستمتع بكل ما تقوم به.. يشعر انها انطفأت.. وكأن جذوة الحياة انطفأت بداخلها وكأنها شخص اخر..
انتبه على كلمات والدته وهي تقول: اظن انك ليلى.. تبدين رائعة يا ابنتي .. واعذريني ان لم أستطع الحضور بالامس فكما ترين انا غالبا الازم المنزل..
ابتسمت ليلى بهدوء وهي تقول: لا عليكي يا سيدتي .. لقد شرفت بمعرفتك ..
دخل الخادم ليخبرهم ان الغداء جاهز.. فقاموا جميعا الى المائدة التي كانت عامرة بأصناف اللحوم والدجاج والخضروات.. جذب عاصم المقعد لتجلس عليه ليلى باناقة ومال هامسا في اذنها: ارجو ان تبدين سعيدة بخطبتنا اكثر من ذلك.. لا اريد لامي ان تصار بخيبة الامل .. فيكفي ابنها قد اصيب بها منذ وقت طويل..
نظرت له بدهشة وهمت بقول شيء ما ولكنه فاجأها بتقبيل يدها وهو يقول بلهجة محببة: حبيبتي ماذا تريدين ان اضع في طبقك..
ارتبطت عندما تطلعت الى زوج العيون الذي ينظر لهما بحنان.. وهما يعتقدان انهما يشاهدان ولادة قصة حب عميقة..
قضمت شفتيها وحاولت سحب يدها منه ولكنه قبض عليها ونظر لها نظرة محذرة فهمست: نعم من فضلك اريد قطعة واحدة من اللحم البارد وبعض السلطة..
قبض على يدها بقبضة فولاذية وهو يقول وعينيه متسعتين دهشة: لحم .. هل ستأكلين لحم..
ازداد اضرابها وقالت بتردد: هل اللحم ممنوع هنا ام ماذا..
تنهد وترك يدها ومال يضع في طبقها ما طلبت وهو يتمتم : لم اعد افهم شيئا..
نظرت له بهدوء وهي تقول: عفوا هل قلت شيء..
هز رأسه بحدة وهو يقول: لا ابدا..
بدأت في تناول الطعام .. كانت تشعر انها تتناول نشارة خشب.. فالدواء الذي تتعاطاه لتخفيف الامها جعلها لا تكاد تتذوق الطعام.. مطت شفتيها وتناولت معلقتين وتركت الطعام..
قالت أميرة: هل الطعام لم يعجبك..
ردت ليلى بسرعة وهي تقول: لا بالفعل هو جيد ولكني شبعت..
انتهى الطعام وعادوا جميعا لغرفة الصالون.. اتى الخادم بابريق للقهوة وابريق للشاي.. فصدمته ليلى للمرة الثالثة اليوم عندما طلبت فنجانا من الشاي..
قال عاصم بدهشة: الا تريدين قهوة..
قالت ببساطة: لا اطلاقا.. انا لا احبها والا احب حتى رائحتها..
كانت تلك الصدمة الاخيرة التي جعلت عاصم يكاد يجن .. تذكرها في اليونان تستنشق رائحة القهوة بهيام وترتشفها بتلذذ. . لولا ان الشكل واحد لقال هذه اخرى..
بينما هي شربت الشاي بتهذيب وتبادلت الحديث مع اميرة.. كان عقله يدور وفد كاد يجن .. هل هذه هي لي لي ام اخرى تشبهها..
؟...........................
وصل هاشم الى مكتبه في اليوم التالي.. امسك بعض الاوراق التي تحتاج لتوقيعه.. وبدأ العمل لليدق هاتفه وينتزعه من حالة التركيز التي كان فيها.. خلع نظارات العمل وامسك الهاتف ليجد اتصالا من فرنسا.. دق قلبه وهو يرد: مرحبا..
جاءه صوت ليان وهي تقول: مرحبا يا ابي ..
تنهد هاشم وعاد بظهره في مقعده .. وقال بخيبة امل بادية: اهلا يا ليان. . كيف حالك يا ابنتي..
قالت ليان بمكر: بخير ..
فقد شعرت بخيبة امله.. كان يود سماع صوت ماري.. كان يود لو اخبرته انها نادمة وانها ستعود اليه..
ولكنها كانت ليان التي قالت: عندي لك اخبار لا ادري ان كانت تهمك ام لا..
قال لها هاشم بفضول: اخبار .. اخبار ماذا؟
قالت ليان ببطء: امي بصدد طلب الطلاق.. فهي ستعلن خطبتها لمارك مديرها في العمل في عرض الازياء الذي سيقام غدا..
قال هاشم بعنف: تعلن خطبتها كيف وهي مازالت زوجتي..
قالت ليان بمكر : لا ادري .. هو طلب خطبتها وهي كانت تفكر في الموافقة..
قال هاشم بحدة : حسنا.. تريد ان تتطلق .. حسنا سترين يا ماري..
وانهى المكالمة بحدة.. وقام من مكتبه يدور فيه كالاسد الحبيس.. وقد شعر بالنيران تستعر في اعماقه.. وقلبه يتساءل في وجل : هل حقا ماري ستكون لغيره..
...،،،،،،..........،،....،.....
الفصل الثاني عشر
الام الفقد ابشع الالام.. ربما اشد من الالام الجسدية.. وتكون اشد اذا كان المفقود متواجد ولكن لم يعد من حقك الاقتراب منه او حتى التفكير فيه.. وقتها تشعر ان روحك تتمزق بين الرغبة فيه وبين الواقع الذي يحتم عليك ان تبقى بعيدا..
انفض الحفل اخيرا.. شعرت ليلى بالاعياء.. اقترب هاشم منها وهو يقول : لقد اتفقت مع عاصم على الذهاب لزيارتهم غدا لتتعرفي على والدته.،
نظرت اليه ليلى وجسدها يصرخ من الحزن والألم والاعياء وقالت بشرود: عاصم من ؟
نظر لها هاشم بسخرية: عاصم خطيبك،، الذي ترتدين خاتمه الآن.،
نظرت الى اصابعها بذهول من افاقت على هول مصيبة.. تسارعت الأحداث في عقلها المجهد.. فتركت هاشم واقفا وصعدت مسرعة تحتمي بغرفتها.، اغلقت الباب واستندت عليه تبكي .. ةضعت يدها على وجهها ثم ابعدتها وكأنها لدغتها .. نظرت الى اصابعها.. الى ذلك الخاتم الذي يطوق اصابعها ويؤكد انها أصبحت مرتبطة بشخص آخر غير سامر.. سامر حييبها الذي طعنتها نظرة عينيه المنكسرة... تزايدت دموعها عندما تذكرت كلماته لعاصم: حافظ عليها فهي قطعة من قلبي،،
انتحبت في عنف.. لقد قتلته وخسرت حبه للابد.. وأصبحت لغيره.. لفت نظرها البوما للصور .. التقطته وفتحته.. كانت صورها معه..
امسكت بصورة حفل خطوبتهما.. تحسست ابتسامتهما.. كم كانت سعيدة ان ذاك.. اخرجت الصور التي تحتضن لحظات سعادتهما.. تشاهدهم بحنين اذاب قلبها المنهك.. تتلمس ابتساماتهم وسعادتهم المختزنة بداخلها.. وتتذكر لحظات التقاطها..
نثرت الصور حولها بفوضى تتساقط عليها دموعها بالم اجتاح جسدها المتعب.. انتفضت في الم.. وهمست لصورة سامر.. قريبا ستعرف لم فعلت كل هذا لم ابعدتك عني.. ستعرف اني ضحيت بحبك لكيلا تتألم.. كي تكون بعيدا عندما ينتهي الأمر. . صار الالم الان ينخر عظامها .. ضمت شفتبها وحاولت القيام لتهوي ارضا في اعياء.، زحفت نحو الحزانة لتلتفط علبة الاقراص من مكانها .. فتحت الدرج واخرجتها بعناء وهي تأن من شدة الالم.. ولكنها افلتت منها ووقعت مكسورة لتتناثر حبات الدواء في كل الاتجاهات..
نظرت لها بألم .. والتقطت اقربهم لها ووضعتها بين شفتيها ثم التقطت كأس الماء وتركته بجوارها وهوت على الارض بنصف وعي ونصف الم..
................................
انتفض سامر وقد شعر بقطرات من الماء على وجهه.. وفتح عينيه بذهول.. ليجد سلمى زميلته في الكلية تنحني عليه وهي تقول: هل اصبحت بخير الآن..
نظر في وجهها بضياع.. ثم اعتدل جالسا وقد انتابه خجل شديد ان تراه بتلك الحالة .. مسح على وجهه بضياع وهو يقول: ما الذي حدث..
نظرت له سلمى بعينين يشوبهما اعجاب واضح وقالت : العميد يبحث عنك بدأب في الكلية .. فقررت ان ااتي للمرسم لابحث عنك هنا لاني اتصلت بالمنزل ولم ترد..
نظر لها سامر بشرود وهو يقول: العميد يبحث عني انا.. لماذا..
نظرت له سلمى بدهشة وقالت: الا تتذكر حقا.. اليوم هو ميعاد معرض اعمال الطلبة في الكلية وانت من معك مفاتيح المعرض..
خبط سامر على جبهته وهو يقول: اوه.. لقد نسيت فعلا..
ثم حاول الوقوف بتعثر لتسنده سلمى وتساعده على الوقوف.. نظر للفوضى حوله وشعر بوخز في قلبه عندما تذكر الليلة الماضية.. قال لها : انتظريني قليلا سأبدل ملابسي واتي معك..
دخل الى المرحاض وضرب وجهه بالماء.. تطلع في المرآة لوجهه الشاحب .. زجره عقله.. لابد ان تنساها.، هي نسيتك بل وخطبت لغيرك.. لابد ان تنساها ايها القلب الحزين..
سمع صوت سلمى الناعم يحثه على الاسراع.. فقال عقله.. هاهي سلمى معيدة مثلك ومعجبة بك تكاد عينيها تنطق.. فلم لا تستسلم لها لربما تنسى الاخرى..
مط سامر شفتيه وهو يبدل ملابسه ويحادث نفسه ولكن كيف استعمل سلمى لنسيان ليلى.. هذا ضد اخلاقي ومبادئي..
خرج لها وقد بدل ملابسه ووقف مكانه يتأملها.. كانت سلمى ذات جمال شرقي .. عينين سوداتين وشعر اسود كسواد ليل سهران. . وبشرة قمحية بلون النيل .. وملامح صغيرة بشوشة .. وجسد صغير رشيق ومتناسق..
قالت سلمى بمرح: لماذا تنظر لي هكذا..
ثم اقتربت منه وامسكت يده وهي تحثه: هيا بنا قبل ان يجن العميد فالافتتاح بعد ساعة من الآن.،
اسرع معها وركب سيارته المتواضعة ليصلا بعد حوالي ربع ساعة الى مبنى الكلية ليجد العميد يقف مقلبا كفيه وقد استشاط غضبا من سامر وتأخره.. فابتسم سامر ساخرا وغمز لسلمى ثم اقترب منه وهو يقول: لا تقلق يا سيدي كل شيء سيكون على ما يرام..
ثم انطلق الى قاعة العرض ومعه سلمى لتقوم بمساعدته في وضع اللمسات النهائية قبل افتتاح المعرض.. وقف امام احدى اللوحات وغرق فيها.. كانت لوحة تصرخ بالالوان الداكنة يتخللها الاحمر الدموي.. وهناك في طرف اللوحة فتاة شقراء تبدو شاردة او تائهة.. كانت هذه اخر لوحاتها.، مشروع السنة الماضية،، عندما سألها عن معنى اللوحة ابتسمت ابتسامة الموناليزا الغامضة وسلمته اللوحة ولم ترد.. انتبه من شروده في لوحتها على طرقات من يد سلمى وهي تنظر معه للوحة ليلى وقالت: لوحة حزينة ترى ما الذي كانت تفكر به وهي ترسمها؟
هز سامر كتفه وهو يقول: صدقا لم اعد اعرف شيئا..
نظرت له يحدوها الامل في ان يشار بها وقالت بتردد: اليست خطيبتك..
نظر لها بشرود قليلا ثم قال : لا لقد افترقنا..
وضعت كفها على شفتيها وهي تهمس: كيف.. غير معقول.. لقد كنتما...
قاطعها : كنا متحابين وانتهى ما كان بيننا. .
ربتت عل كتفه وقد تعاظم الامل في قلبها.. وارتسمت بداخلها ابتسامة كبيرة الآن اصبح الصيد سهلا..
..................،،،،،،،،
كان العمل في بيت الازياء الذي تعمل به ماري قد اصبح يجري على قدم وساق.. فالعارضات يتدربن على ايقاع العرض ومخرج الحفل يختار الخلفية الموسيقية .. وكانت ماري وليان يعملان على تنسيق الاكسسوارات على مجموعة الملابس ..
شعرت ليان بقبضة تعتصر قلبها .. فوضعت يدها عليه وهي تدعو الله ان يكون خيرا.. تمتمت: ترى ماذا بك يا ليلى.. اشعر انك لست على ما يرام..
اتت ماري بجوارها وهي تحمل بيدها مظروفا ذهبيا جذب انتباه ليان.. كانت تبدو مضطربة.. رمقت ليان المظروف في يد والدتها المرتعشة وقالت بفضول: ما هذا..
مطت ماري شفتيها وهي تقول بلهجة حاولت ان تبدو لامبالية: انها دعوة لهاشم لحضرور عرض الأزياء. .
صفرت ليان وهي تقول: جيد وهل سترسليها له والاهم هل سيحضر..
قضمت ماري شفتيها وقالت: لا ادري.. مارك مصر على حضوره لانه يعتقد اني كاذبة عندما اخبرته اني مازلت متزوجة..
اطرقت ليان وهي تقول: لا اعتقد انه سيأتي بعد ما حدث في المشفى..
هزت ماري رأسها موافقة.. وترقرقت عينيها بالدموع وهي تقول: المشكلة اني لم استطع ان اكرهه.. مازلت احبه رغم خيانته واهماله.. مازلت لا اتصور اخر معي.. ممازلت احلم انه معي وان كل ما فات كان كابوس سأستيقظ منه لاجد اني مازلت معه في بيته وانت وليلى حولي .. ان كل تلك السنوات لم تمر..
ربتت ليان على كتفها وهي تقول: لا ادري كيف تأكدت من خيانته.. لم يفعلها طيلة تلك السنوات رغم محاولات تلك السلوى لاجتذابه ..
شردت ماري في تلك الليلة منذ عشر سنوات .. كان يوم عيد زواجهما.. رتبت حفل صغير خاص بهما فقط.. نومت الفتاتين وارتدت فستان للسهرة رائع.. طهت الاكلات التي يحبها وصنعت قالب حلوى على شكل قلب.. واشعلت الشموع وجلست تنتظره.. تأخر كثيرا.. يبدو انه نسي تلك المناسبة المهمة.. ولكنها واست نفسها وقالت لا بأس فهو مشغول بعمله..
ذابت الشموع.. وكاد يغلبها النوم.. نظرت الى الساعة كانت قد تعدت الحادية عشر.. فزفرت واطفأت الشموع وقامت تتصل بالشركة لتطمئن عليه..
اتصلت وانتظرت الرد .. فتح الخط وسمعت ضحدات خليعة وصوت انفاس عالية وقبلات .. تسارعت ضربات قلبها وتجمد كفاها على سماعة الهاتف.. هل حقا يخونها هاشم.. فالرقم الذي طلبته كان رقم هاتف مكتبه المباشر.. كادت ان تسقط من هول الصدمة.. ولكنها تماسكت .. تركت كل شيء وصعدت الى حجرتها وقلبها يؤلمها وكأنه تلقى طعنة نجلاء .. انتظرت الى ان عاد قرب الفجر تفوح منه رائحة عطر انثوي .. فاغمضت عينيها لتتظاهر بالنوم اما هو فرمى جسده على الفراش بجوارها بدون ان يلقى عليها نظرة واحدة.. ويومها عزمت ان تغادر بلا عودة..
انتبهت من شرودها على صوت ليان تقول: حتى لو فعلها منذ عشر سنوات فالذي يحب لابد ان يسامح..
نظرت لها ماري بعينين تسكنهما دموع تأبى المغادرة.. فأكملت ليان: اءا قررت مسامحته عندي خطة ستجعله يأتي بأقصى سرعة..
قالت ماري: خطة .. ما هي..
غمزتها ليان وهي تقول بلهجة مرحة: مفاجأة واراهنك انه سيركب اول طائرة لهنا..
قالت ماري بحزن: رهان مرة اخرى يا ليان. .
شعرت ليان بقبضة تعتصر قلبها .. واغروقت عيناها بالدموع .. فربتت ماري على كتفها وهي تقول: الاخطاء وجدت لنتعلم منها يا ليان..
قالت ليان بنبرة باكية: ولكني احبه حقا يا امي.. اريد ان يعود بي الزمن قبل أن ادخل غرفة العمليات .. عندما امسك يدي وهمس لي بحبه بكل صدق.. اتمنى ان يكون ما حدث مجرد هلوسة المخدر وعندما افيق اجده بجواري يمسك يدي ويؤكد لي حبه.. هل يمكن ان يسامحني لطيشي وغبائي ام سأظل اتعذب بحبه. . هل كرهني لما فعلت حقا..
قالت ماري: انت من قلت من يحب يسامح .. لو احبك حقا سيسامحك..
شردت كل منهما في همها.. وتساءلا هل حقا يمكن للتسامح ان يحل مشاكلهما..
.............................
هبطت ليلى من غرفتها وهي ترتدي بذلة رسمية رمادية اللون استعدادا لتلك الزيارة الثقيلة على قلبها.. ولكن هاشم لم يقبل اي عذر.. لقد اخذ موعد من عاصم ويريد الايفاء به بدون تأخير.. وقفت امام هاشم الذي قال ما ان رآها: نعم هذه هي ابنتي..
قالت بتردد: ولكن يا ابي.. لم اكن..
قاطعها هاشم بحدة: لم اكن ماذا.. هل اجبرتك على القبول بالخطبة البارحة. . اتريدين بعد ان خطبك امس وبعد تلك التمثيلية السخيفة التي قام بها سامر ان تعودي في قرارك.. انت بهذا تجلبين لي الفضيحة..
ابتلعت غصة في حلقها وهزت رأسها بخضوع.. وسارت معه نحو السيارة لتسير بهما الى حيث منزل عاصم..
تردد داخلها صوت يقول: فليحدث اي شيء.. فالباقي ايام معدودة فلتمر كما اتفق بلا جدال عقيم..
غاص قلبها .. هل حقا ستنتهي حياتها بعد ايام .. حياتها تلك التي قضتها ضائعة بين اب وام منفصلين.. مازال هناك الكثير لتفعله.. مازال عليها الكثير لتصلحه..
انتبهت من شرودها على صوت عجلات السيارة تقف امام بوابة ضخمة.. سمعو صريرها وهي تفتح آليا. .
دخلت السيارة داخل ارض المنزل.. تأملته لم يكن منزل حقا بل قصر كبير مبني على الطراز الانجليزي باسقفه المنحدرة وقرميده الاحمر الداكن.. اعجبها طراز المنزل.. وعندما دخلوا يرافقهما الخادم الى حيث حجرة الصالون.. اعجبت بأناقة تأسيسه الداخلى .. فالأثاث يجمع بين الكلاسيكية وابحداثة في مزيج جميل ومريح..
لفتت نظرها لوحة معلقة في المواجهة .. كانت عبارة عن مجموعة من الخيول تجري وتمتطي أحدهم وتبدو انها تقودهم فتاة ذات شعر اصفر متطاير وقد فردت ذراعيها في الهواء وكأنها تطير.. كانت اللوحة جميلة ومليئة بالنفاصيل الرائعة جعلتها تشرد فيها فلم تنتبه لصرير العجلات المعدنية لكرسي السيدة أميرة والدة عاصم التي دخلت واشارت لهاشم الذي كاد ان يتحدث مرحبا بها بالصمت وهي تبتسم ثم اقتربت من ليلى التي كانت تبدو في عالم اخر وهي تشاهد اللوحة وقالت بحنان: هل اعجبتك لهذا الحد..
انتقضت ليلى بعنف.. فقد انتزعتها كلمات تلك السيدة القعيدة من عالم اللوحة الغامض..
فقالت بأعجاب شديد: انها رائعة.. من قام برسمها..
قالت اميرة بفخر : انا .. فأنا احب الرسم بشدة..
هنا دخل عاصم وسمع ليلى وهي تقول: انا ايضا احب الرسم وهو تخصصي الدراسي ايضا فأنا طالبة في كلية الفنون الجميلة. .
ارتج على عاصم .. فكر وماذا عن دراسة الاثار.. هل كانت تكذب عليه.. لا يدري يشعر ان هناك شيء خاطئ.. كان يشعر ان تلك الفتاة ليلى مختلفة عن تلك التي قابلها على السفيمة واحبها.. لم يحب تلك الشخصية الجديدة .. بل احب لي لي تلك الفتاة المرحة التي تستمتع بكل ما تقوم به.. يشعر انها انطفأت.. وكأن جذوة الحياة انطفأت بداخلها وكأنها شخص اخر..
انتبه على كلمات والدته وهي تقول: اظن انك ليلى.. تبدين رائعة يا ابنتي .. واعذريني ان لم أستطع الحضور بالامس فكما ترين انا غالبا الازم المنزل..
ابتسمت ليلى بهدوء وهي تقول: لا عليكي يا سيدتي .. لقد شرفت بمعرفتك ..
دخل الخادم ليخبرهم ان الغداء جاهز.. فقاموا جميعا الى المائدة التي كانت عامرة بأصناف اللحوم والدجاج والخضروات.. جذب عاصم المقعد لتجلس عليه ليلى باناقة ومال هامسا في اذنها: ارجو ان تبدين سعيدة بخطبتنا اكثر من ذلك.. لا اريد لامي ان تصار بخيبة الامل .. فيكفي ابنها قد اصيب بها منذ وقت طويل..
نظرت له بدهشة وهمت بقول شيء ما ولكنه فاجأها بتقبيل يدها وهو يقول بلهجة محببة: حبيبتي ماذا تريدين ان اضع في طبقك..
ارتبطت عندما تطلعت الى زوج العيون الذي ينظر لهما بحنان.. وهما يعتقدان انهما يشاهدان ولادة قصة حب عميقة..
قضمت شفتيها وحاولت سحب يدها منه ولكنه قبض عليها ونظر لها نظرة محذرة فهمست: نعم من فضلك اريد قطعة واحدة من اللحم البارد وبعض السلطة..
قبض على يدها بقبضة فولاذية وهو يقول وعينيه متسعتين دهشة: لحم .. هل ستأكلين لحم..
ازداد اضرابها وقالت بتردد: هل اللحم ممنوع هنا ام ماذا..
تنهد وترك يدها ومال يضع في طبقها ما طلبت وهو يتمتم : لم اعد افهم شيئا..
نظرت له بهدوء وهي تقول: عفوا هل قلت شيء..
هز رأسه بحدة وهو يقول: لا ابدا..
بدأت في تناول الطعام .. كانت تشعر انها تتناول نشارة خشب.. فالدواء الذي تتعاطاه لتخفيف الامها جعلها لا تكاد تتذوق الطعام.. مطت شفتيها وتناولت معلقتين وتركت الطعام..
قالت أميرة: هل الطعام لم يعجبك..
ردت ليلى بسرعة وهي تقول: لا بالفعل هو جيد ولكني شبعت..
انتهى الطعام وعادوا جميعا لغرفة الصالون.. اتى الخادم بابريق للقهوة وابريق للشاي.. فصدمته ليلى للمرة الثالثة اليوم عندما طلبت فنجانا من الشاي..
قال عاصم بدهشة: الا تريدين قهوة..
قالت ببساطة: لا اطلاقا.. انا لا احبها والا احب حتى رائحتها..
كانت تلك الصدمة الاخيرة التي جعلت عاصم يكاد يجن .. تذكرها في اليونان تستنشق رائحة القهوة بهيام وترتشفها بتلذذ. . لولا ان الشكل واحد لقال هذه اخرى..
بينما هي شربت الشاي بتهذيب وتبادلت الحديث مع اميرة.. كان عقله يدور وفد كاد يجن .. هل هذه هي لي لي ام اخرى تشبهها..
؟...........................
وصل هاشم الى مكتبه في اليوم التالي.. امسك بعض الاوراق التي تحتاج لتوقيعه.. وبدأ العمل لليدق هاتفه وينتزعه من حالة التركيز التي كان فيها.. خلع نظارات العمل وامسك الهاتف ليجد اتصالا من فرنسا.. دق قلبه وهو يرد: مرحبا..
جاءه صوت ليان وهي تقول: مرحبا يا ابي ..
تنهد هاشم وعاد بظهره في مقعده .. وقال بخيبة امل بادية: اهلا يا ليان. . كيف حالك يا ابنتي..
قالت ليان بمكر: بخير ..
فقد شعرت بخيبة امله.. كان يود سماع صوت ماري.. كان يود لو اخبرته انها نادمة وانها ستعود اليه..
ولكنها كانت ليان التي قالت: عندي لك اخبار لا ادري ان كانت تهمك ام لا..
قال لها هاشم بفضول: اخبار .. اخبار ماذا؟
قالت ليان ببطء: امي بصدد طلب الطلاق.. فهي ستعلن خطبتها لمارك مديرها في العمل في عرض الازياء الذي سيقام غدا..
قال هاشم بعنف: تعلن خطبتها كيف وهي مازالت زوجتي..
قالت ليان بمكر : لا ادري .. هو طلب خطبتها وهي كانت تفكر في الموافقة..
قال هاشم بحدة : حسنا.. تريد ان تتطلق .. حسنا سترين يا ماري..
وانهى المكالمة بحدة.. وقام من مكتبه يدور فيه كالاسد الحبيس.. وقد شعر بالنيران تستعر في اعماقه.. وقلبه يتساءل في وجل : هل حقا ماري ستكون لغيره..
...،،،،،،..........،،....،.....
