اخر الروايات

رواية دوبلير الفصل الثاني عشر 12 بقلم فاطمة علي

رواية دوبلير الفصل الثاني عشر 12 بقلم فاطمة علي


لفصل الثاني عشر.

كانت "داليدا" بمكتبها في المجلة تتابع عملها بتركيز وإمعان غير مبالية لهذا الذي لم يهدأ قليلًا أو يتخذ هدنة صغيرة من ثرثرته المستمرة، لتسحب نفسًا عميقًا وتزفره بقوة وهي ترفع رأسها نحوه مرددة بإبتسامة مصطنعة :
- نعم.. أؤمرني يا أستاذ "إياد".. أقدر أخدمك إزاي؟

جلس "إياد" أعلى المقعد أمامها وهو يسحب نفسًا عميقًا بإرهاق شديد مرددًا بإسترسال:
- خطيبتي هتموت وتدخل فيلم "أمجد الصواف" الجديد، قرأت الرواية بدل المرة عشر مرات، ورغم كده واكلة دماغي عشان تحضر الفيلم.

حركت رأسها بإستنكار وهي تغمغم بتهكم شديد :
- وحد قالك إني بقطع تذاكر في السينما؟.. الفيلم كلها أسبوع ويكون في كل السينمات.

هز "إياد" رأسه بأسى مرددًا :
- مش قادرة تستنى الأسبوع ده، عايزة تحضر العرض الخاص بتاع بكره، وكمان هتموت وتاخد توقيع "أمجد" على كل رواياته اللي عندها.

أطبقت "داليدا" أجفانها بقوة متنهدة بهدوء في محاولة لضبط أنفاسها مرددة :
- العرض الخاص ده بالدعوات يا "إياد" وإنت عارف كده كويس، حتي الصحفين والمراسلين لازم دعوة عشان يحضروا بيها العرض ده ويغطوا فاعلياته.

انفرجت إبتسامة واسعة تزين شفاهه وهو يردد بسعادة :
-ما هو ده اللي أنا بتكلم فيه من الصبح.

جعدت ما بين حاجبيها بإستنكار وهو تهز رأسها مرددة :
- مش فاهمة.

استرسل "إياد" ماكرًا :
- تكلمي "أمجد" يبعت لنا دعوة حضور.

مطت شفاهها بضجر مغمغمة :
- طب وأنا مالي، أنا أساسًا شركة الإنتاج اللي بعتالي الدعوة، يعني مش "أمجد" خالص، وبعدين ده بني آدم مغرور وشايف نفسه وأنا ما بحبش النوعية دي.

رفع "إياد" جانب فمه بإستنكار مرددًا :
- وأنا قولت لك اتجوزيه؟ عشان تحبي ولا ما تحبيش.

اشتعل غضب "داليدا" وهي تهتف به بحنق شديد :
- اتجوز مين يا ابني إنت؟.. قوم روح شوف شغلك أنا مش فاضية لك ولا فاضية للتفاهات دي.

كسا الحزن قسمات "إياد" وهو يحاول النهوض من مقعده وقد نجح أخيرًا في هذا واستدار مغادرًا، تسلل الندم والألم إلى قلب "داليدا" لحدتها معه، فهتفت بنبرة حانية:
- هو ضروري قوي موضوع العرض الخاص ده؟

استدار نحوها بأسى يرافق نبرته :
- ببقا مبسوط وأنا بعمل لها حاجة تسعدها، حتى لو حاجات تافهة.

جعدت "داليدا" وجهها بتصنع مشاكسة وهي تردد بتساؤل :
- وده شكل واحد مبسوط؟

تنهد "إياد" بشجن وهو يردد بسخرية:
- وأنا يعني عرفت أحقق لها حلمها؟!

نهضت "داليدا" من مقعدها مستديرة حول مكتبها حتى توقفت أمامه تعقد ذراعيها أمام صدرها مرددة :
- أه طبعًا حققته، اعتبر دعوات الفيلم عندك، جهزوا نفسكوا للحفلة، وخليها تحضر كل الروايات اللي عايزاه يوقعها.

تدلى فاهه بصدمة ألجمته للحظات قبل أن يهتف صارخًا بأرجاء المكان :
- إنتي أحسن "داليدا" شفتها في حياتي، أنا هروح أفرحها.

التفتت أنظار الجميع إليهم، وتوقف الكل عن عمله محركين رؤوسهم بتساؤل مستنكر، لتُشير هي لهم بإبهامها بأن كل الأمور جيدة وأولتهم جميعًا ظهرها منحنية صوب طاولتها تلتقط جوالها.

***********
كانت "هيا" بغرفتها وقت استراحة عملها الذي عادت إليه ثانية بعدما اعتذر لها "مروان" وأخبرها بموافقته لعودتها مع تحفظ الإندماج مع الرجال فهو يخشى عليها من نظرة تخدش كبريائها أو همهمة تستنفر لها أذنها، لتجد دقات مرتبة تطرق الباب فتهتف بجدية احتلت قسماتها كنبرتها :
- اتفضل.

دُفع الباب وولج ذاك الشاب الأرعن الذي تسبب لها بجرح غائر في القلب فاق جُرح رأسها التي تواري أثره بخصلات شعرها المنسدلة، لترمقه بحنق شديد مرددة بإمتعاض:
- أفندم.

طوف الغرفة بأعين ثاقبة استقرت أخيرًا نحو أحد المقاعد الخشبية وخطى نحوه يحمله إلى أمام مكتبها ويحتله بهدوء مرددًا بثبات :
- آسف.. بس إنتي اللي اتدخلتي في حاجة ما تخصكيش.

انفرجت ابتسامة متهكمة من شفاهها وهي تردد بإستنكار قوي :
- ما تخصنيش!..

أماء الشاب رأسه بتأكيد مرددًا بثبات مريب:
- أيوه ما تخصكيش، دكتور "مراد" هو الدكتور بتاعي، وأي حد تاني مش مسموح له إنه يدخل أوضتي ويقتحم خصوصياتي.

استشعرت "هيا" الرهبة من هدوءه هذا وتذكرت ألم جُرحها ليرتاب قلبها قليلًا مُعلنًا هذا على يدها المرتجفة التي تمسكت بالقلم الموضوع أعلى الطاولة أمامها مرددة بجمود جاهدت له كثيرًا :
- أنا دكتورة وبأدي واجبي المهني، يعني لو أي مريض احتاجني في أي وقت أكيد هساعده.

رفع الشاب يده يستند بها أعلى سطح المكتب، لينتفض جسدها وتعود بمقعدها خلفًا وهي تحاوط رأسها بيديها كحركة تلقائية، فانفرجت ابتسامة نصر بثغره وهو يردد بنشوى :
- وأنا مريض ومش هحتاجك في أي وقت، وكمان متنازل عن كل خدماتك، ياريت تخلي واجبك المهني ده بعيد عني.

سحبت نفسًا عميقًا وهي تفرق يديها قليلًا ترمقه من بينهما مرددة بحمحمة :
-تمام.. رسالتك وصلت، تقدر تتفضل بره.

اتسعت ابتسامة الظفر بمحياه وهو ينهض من مقعده مستندًا بكلتا يديه على طرف الطاولة، ومائلًا نحوها بجذعه مغمغمًا بنبرة لاهية :
- بحب أشوف الخوف اللي على وشك ده، هاجي تاني، إوعي تنسيني.

وغادر بخطى بطيئة يتمايل مع أنفاسها المتلاطمة والتي تُطرب أذانه فرحًا قبل أن يجذب الباب خلفه بقوة انتفض لها جسدها المرتجفة خلاياه.

تعالى نحيبها تدريجيًا وعبراتها تنهمر بحارًا قبل أن ينتفض جسدها بقوة ثانية محررة صرخة قوية بأرجاء الغرفة التي ولجها زوجها لتوه. تعلقت أنظارها بأعينه وهي تلتصق بالحائط للحظات تيقنت من خلالها هوية الزائر لتركض نحوه بلهفة الغريق لقشة النجاة وتعلقت بعنقه بقوة دافنة رأسها بين ذراعيه التي كانت لها حصن الآمان.
ارتجف قلبه لرجفتها بين ذراعيه، ليضمها إلى صدره بقوة ممسدًا ظهرها بحنو شديد متمتمًا جوار أذنها بنبرة دافئة :
- إهدي يا "يوكا".. فيه إيه يا حبيبتي؟

شددت من احتضانه أكثر وأكثر وهي تتنفس دفيء صدره الذي أذاب جليد هلعها وتغلغلت سكينتها إلى قلبها تدريجيًا حتى توقفت شهقاتها تمامًا. لحظات مرت عليه كالدهر وهو يجاهد للثبات وبث الآمان إلى قلبها، إلا أن قلقه القاتل أوشك على النيل منه وفرض سطوته عليه، لتحرر كلماتها التي كانت لها وقودًا سُكب على نيران قلبه المشتعلة، فأخرجها من صدره بعنف وقد همَّ بالنيل منها بوابل من الصيحات التي اختنقت بجوفه حالما شاهد توسلها الذي يضج بأحداقها. هز رأسه بموافقة واستدارت هي تجمع متعلقاتها الشخصية وتحمل حقيبتها متشبثة بذراعه ترافق خطواته إلى الخارج بأعين زائغة.

************
غرفة "عبد الرحمن".
لكمات عشوائية متتالية لكيس الملاكمة أمامه وبقوة حتى اصطدم بجدار غرفته الداكن اللون وارتد إلى صدره ثانية وهو يصفعه بقوة حتى دفعه للإصطدام بحافة سريره. تأوه قليلًا وهو يرفع ساقه لأعلى يتحسسها بألم شديد مغمغمًا بسباب لذلك الكيس الأحمق، منزلقًا بجسده قليلًا حتى جلس بطرف الفراش ينتزع قفازاته الجلدية ملتقطًا منشفته القطنية يجفف بها حبات العرق الغزيرة التي تكسو جبينه وتملأ أنسجة قميصه القطني الفضفاض. زفر أنفاسه اللاهثة تباعًا حتى استطاع ضبطها بعد لحظات طويلة وهو يتذكر مشهدها بفراش الموت مزاحمًا مشهد دفعها لشقيقته بعيدًا عنها وهرولتها لمغادرة المكان غير مكترثة لصراخهما الذي تزلزلت له جنبات البيت، استعرت نيران غضبه ثانية ونهض مكشرًا عن أنيابه يلكم الكيس مرة أخرى بوابل من اللكمات التي استدعت والده إلى الغرفة من قوة ارتطامها بالحائط.
دلف والده إلى الغرفة يطوفه بأعين مندهشة وهو يردد بصوت حانٍ:
- "عبد الرحمن"!

تباطئ تدريجيًا حتى توقف تمامًا وهو يحتضن الكيس بيديه المدممة لاهثًا بأنفاس متسارعة، ليردف "عز الدين" مستنكرًا :
- من إمتى وإنت بتلعب بالشكل ده؟!،. وبعدين فين قفازاتك مش لابسها ليه؟

تنهد "عبد الرحمن" بقوة وهو يحرك رأسه بنفي مرددًا بتقطع :
- مفيش يا حبيبي.. أنا اللي سرحت في التمرين.

استدار والده نحو منضدة جانبية صغيرة يعتليها صندوق بلاستيكي معبأ بأدوات الإسعافات الأولية فالتقطه وعاد نحو ابنه يتناول يده ويُجلسه أعلى السرير أمامه وهو يفتح الصندوق متناولًا منه قطعة من القطن التي بللها بكثير من المعقم ينظف بهما جروح يد ابنه الذي تجعدت معالمه ما أن مَسَّت القطنة بشرته، ليردد والده بتساؤل :
- موجوع؟

انفرجت ابتسامة جانبية متهكمة من فم "عبد الرحمن" وهو يردد بسخرية :
- ياريت كل الوجع كده يا بابا.

انصب تركيز "عز الدين" على جرح ابنه وهو يردد كلمات ذات مغزى:
- مهما كان الوجع مسيره يخف، ومهما كان الجرح مصيره يطيب يا ابني.

حرك "عبد الرحمن" رأسه بنفي مرددًا بأسى :
- فيه جروح متجددة يا بابا، عمر وجعها ما يقل، بالعكس ده ممكن يزيد لحد ما يموتنا.

أنهى والده عمله وأغلق الصندوق جانبه مرددًا بعطف :
- مفيش جرح بيفضل على حاله يا ابني، زي ما مفيش حد بيفضل برضه على حاله، التغيير سنة الكون، كل ما بنكبر وبنفهم بنقدر نغفر ونسامح، وأفضل غفران اللي بيكون عن قوة، اتعلم تصفح وتغفر وإنت قوي وإنت مستغني، قبل ما يجي اليوم اللي فيه قوتك دي تخونك، ويومها هتحس بالذنب طول عمرك..

وتنهد بأسى مستطردًا :
- روح لها يا ابني، حقق أمنية أم في آخر أيامها، أم كل أمنيتها في الدنيا تشوف عيالها قبل ما تقابل رب كريم.. روح لها قبل ما تندم طول عمرك.

ونهض من مجلسه مربتًا على كتف ابنه الذي شبك أصابعه أمام وجهه محتجزًا عبرة لامعة بأحداقه.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close