رواية عديل الروح الفصل الحادي عشر 11 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الحادي عشر - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
**************
الكبرياء هو الزهو, والهيبة، والاحترام، والاعتزاز بالنفس، وإن اختفى تختفي كرامة الشخص ويسحق تحت الأقدام، حتى لو كان بالمقابل خسارة الحب، فعزة النفس لا ترخص أبدا.
جبهتين من أقوى الجبهات تقفان ضد بعضهما، وحولهما تثار زوابع وأعاصير تتطاير من أعينهم، نظرات التحدي لم تنخفض وإصرار يشع من كليهما بعدم الخسارة.
وقف بتصميم وعزم لم يفتها لكن عزيمتها لن تضمحل أبدا أمامه فما طلبه شيء لا يغتفر أبدا.
رمته بسهام حارقة من عينيها، ترمقه بقوة وغضب من اقتحامه الغير مرغوب لغرفتها وحياتها، فقرارها قد قيل وانتهى الأمر, فلما إصراره على المثابرة؟!... هل يعتزم إذلالها؟!.... أم يريد الظهور أمام عائلته بمظهر الشهم؟!!
قاطعت ذراعيها وقالت بتهكم وضح من نبرة صوتها:
" ما الأمر يا ابن العم؟!... ما هو الموضوع المهم الذي يجعلك تقتحم غرفتي وتطالب بالسرية؟! ".
" ما أعرفه يا ابنة العم أنك صاحبة واجب وتكرمين الضيف!! ".
انتظر ترحيبها، فقابله ارتفاع حاجبها الكثيف المقوس بشكل جميل، فقال مقتحما غرفتها:
" حسنا!!.... بما أنك قبلتي محادثتي فهذا يعني أنني يمكنني الدخول والجلوس ".
تطلع لما حوله بانبهار...جدران طليت بلون أزرق سماوي يماثل زرقة السماء المائلة بين الفاتح والغامق يأخذك برحلة استرخاء كأنك تحلق بين السحاب, والسقف بلون أبيض يماثل لون الغيوم بكثافتها تشبه غزل البنات, سرير بلون أبيض يتوسط الغرفة وفراشه يضاهي لون القشطة بجماله ونقط سوداء توزعت عليه, وطاولة الزينة تشابه لون السرير، وفوق رخام الغرفة تربع فراش بلون السقف كأن الغيوم تحتضنك بحميمية, كانت الغرفة تشابه شخصيتها المزاجية بين الرزانة والطفولة وبين الدلال والحكمة.
اتجه ناحية السرير وجلس عليه لتنبثق منه رائحة عطرية مبخرة بالعود والمسك, واختلط معه شذى عطرها الفواح الذي أسكره, ليغمض عينيه منتشيا بتلك الرائحة وتخيل نفسه معها على هذا الفراش الناعم تناغيه فيلبي نداءها.
شعر بإحساس جميل يتسلل إليه، ودفئ فراشها سرى بداخله ليرغب بإلقاء جسده والتمرغ بدفئه وعدم الخروج منه, قطع تخيلاته صوتها المحتقن بغضب لم يكتمل بعد فالمواجهة لم تبدأ والحرب على وشك الاندلاع:
" تحدث بسرعة يا ابن العم، فليس لدي وقت للجلوس والرغي معك على شيء لا طائل منه!! ".
انفرج جفنيه ليظهر العسل المصفى بداخله متوهجا لجموح أحلامه، ونظر إليها بنظرة عاصفة, قاتلة, مشتاقة وراغبة لأنثى طاقت أحضانه للشعور بها.
اقشعرت شعيراتها الصغيرة على أثر تلك النظرة التي غامت بها عيناه لتتحول لبحر هائج تتلاطم أمواجه بشدة, لم تستطع أن تحد بنظراتها عنه، لم تقدر على الهرب تجذبها عيناه، تسحبها ناحيته، تناديها لتقترب وتغرق في بحور الهوى، شاهدت نفسها هناك يحتويها بنظراته، تحتويها ذراعيه القويتين وعيناه تنظر إليها بنهم وشوق ولهفة ليغرقا بعدها بقبلة ساحقة لروحها وكيانها.....
أسدلت أهدابها تقاطع تلك الرؤيا المخيفة لبراءتها، تهرب من مشاعر مجنونة تطيح بروحها، لا تعرف لما تستحضرها فقط بوجوده, تعلم بأنها تكن له كل الحب لكن لا تعرف كيف تصوغ وتترجم أحاسيسها أو ما الذي يجب أن تشعر به ناحيته؟؟؟
هذه العواطف التي تصيبها بحضوره تخيفها بل ترعبها لحد الصراخ، تطالب بها بالرحمة من جسد لم يختبر تلك المشاعر قط، ولكن ذلك الذي يخفق بين أضلاعها يثور و يصرخ مطالبا بتلك النظرات.
" لدي سؤال وأريدك أن تجيبيني عليه بكل صراحة...لما تناديني بابن العم وليس باسمي؟!.... هل هو صعب نطقه؟! ".
حدقت به متعجبة سؤاله وعين شابها الحزن وقلبها يصرخ ويبكي سؤاله:
" أتأتي وتعاتب اسما عاش بين ثنايا الفؤاد أمدا طويلا؟!...
اسما تربع على عرش تملكه من أول نظرة اهتمام.
أتأتي وتبحث هجري لنطق اسم أستصرخه طوال سنين حياتي...
ماذا أقول؟!....
أأنطق اسما همست به أنثى غيري؟!...
أأقول حروفك تبعثرت على لسان تذوق عسل شهدك؟!...
أأناديك بحب خرج بفم غير فمي؟!....
لا والله!!!...
اخترت أنت البعد, فاخترت أنا الهجر.
فلا تأتي وتعاتب وتطالب، فليس لديك أي حق بالمطالبة!! ".
هزت كتفيها بلا مبالاة وتحركت ناحية كرسي الزينة وجلست عليه بشموخ، يخالف ما بداخلها من حمم ونظرت باتجاهه ونطقت:
" سؤالك غريب يا ابن العم!!... ولا أعرف أين الخطأ بعدم مناداتك باسمك، وأنت بالسابق لم تعترض لعدم مناداتي لك, ولا أعرف ما الذي اختلف الآن وجئت تسألني هذا السؤال!! ".
" ربما بالسابق لم أهتم، لكن الآن الوضع تغير ويهمني الأمر!! ".
" لا!! "
صرختها بقوة.
" الوضع لم يتغير، وهو على ما هو عليه ولن يتغير أبدا!! ".
هدوء سكن الغرفة بعد كلماتها, ونظراتهما لم تحد عن الآخر ترسل إشارات التحدي والرفض من كلاهما...
" حسنا سأترك الأمر بشكل مؤقت و لكن بعدها سيكون لكل حادث حديث...والآن لنعد لموضوعنا المهم ".
تأهبت بجلستها وقلبها يطرق بشدة مما سيقوله فكان عقلها لقلبها بالمرصاد, فهو أبدا لن يسير خلف أهواءه التي سترمي بهم بالهاوية.
" لما ترفضين الزواج بي؟!... هل هناك عيب أو مانع أو اعتراض لشخصي ؟! ".
ثوان هي فقط....لتطلق صوتها الرنان بضحكة زلزلت كيانه, وبعثرت مشاعره, فأشاعت التمرد بين خلاياه, فلضحكتها نغمة شجية لطالما أحب سماعها دائما منذ أن كانت طفلة صغيرة, فصوتها يشبه العندليب بغنائه, لها نغمات موسيقية يطرب قلبه ما أن يسمعها, وأحيانا أخرى يقف بالخارج عندما تكون بزيارة لعائلته فيسمع ضحكاتها وقهقهاتها وما أن يدخل حتى تبخل عليه بصوتها فيكتفي فقط بالبقاء بعيدا ليسمعها.
لم يكن يعلم لما كان يتوق لسماع صوتها أو الرغبة برؤيتها أو أن يشاكسها لتغضب منه!!.... لم يكن يعرف، وإلى الآن لا يعرف؟!....
هو فقط يريدها, يحتاجها, يتوق إليها, قلبه يشدو لنظرة واحدة من مقلتيها, أرادها بقربه وبين ذراعيه, وإلا سيموت حسرة على عدم امتلاكها.
هدأت ضحكتها قليلا ومسحت دموع تكومت عند أطراف أجفانها وقالت:
" يا إلهي يا ابن العم!!... إن غرورك ليس له حدود ".
ابتسم لنعتها بالمغرور لتظهر أسنانه البيضاء وما هي إلا لحظات حتى بدأت ابتسامته تضمحل رويدا رويدا ما أن بدأت بالتحدث بجدية:
" أتقول أن لا عيب فيك وأكبر عيوبك هو زواجك من أخرى!! ".
فتح فمه ليرد عليها لكنها قاطعته رافعه كفها تمنعه الحديث.....
" إذا سمحت!!... أنت سألتني وأنا أجيبك, فاتركني أتحدث واسمعني للنهاية ".
أخذت أنفاسا طويلة ثم زفرتها بهدوء وبندقيتاها اشتعلتا بصهير حارق:
" أنا لا أحب المشاركة أبدا, وأحب دائما أن أكون متفردة بكل شيء يخصني، فكيف تريدني أن أشارك أخرى بزوجها وأنا لا أريد أن أشارك بزوجي مع أخرى, فأنا أريده لي وحدي!! ".
سكتت لتمهله الوقت الكافي لتترسخ كلماتها بعقله ثم أكملت:
" أحد عيوبي يا ابن العم والتي لا أنكرها أبدا أني إنسانة متملكة بشدة لمن أحبه، فأريده لنفسي وأحارب من أجل الاحتفاظ به ".
نظرت إليه بقوة وعيونها تشتعل بتصميم:
" وأنت إنسان لك حياة أخرى مع زوجة, وأنا كما قلت أكره المشاركة ولا أريد الدخول بحروب النساء من أجل رجل وهو يجلس ويستمتع بتلك المعركة من أجل الفوز به أم أن هذا ما تريده؟!... أن تتقاتل النساء من أجل الظفر بك!! ".
قالت كلماتها الأخيرة بتفكه وسكتت, كان كلما تحدثت ازدادت ابتسامته اتساعا وأعجبته صيغة التملك بصوتها، وبغرور رجل انتفخ صدره لتلك الصورة، وخيالاته أخذته لأرض المعركة، امرأتين ترتديان دروع وبيدهما سيوف وتتقاتلان من أجله وهو يجلس على كرسي مزخرف بالذهب وينتظر ويشاهد من ستفوز به وتعلن الأحقية بأخذه، فضحك بخفوت لتصوراته تلك وهمس دون أن يشعر:
" بالطبع الغلبة ستكون من نصيبك ".
تنحنح يجلي حنجرته عندما تطلع إليها وشاهد إمارات القتل تتشكل على ملامحها من ابتسامته البلهاء وما تفوه به من حماقة:
" هل هذا فقط سبب رفضك لي؟؟ ".
رفعت حاجبها بتعجب وقالت بذهول:
" وهل ترى أن هذا ليس بسبب يستحق به الرفض؟! ".
رفع كتفيه للأعلى.
" في الحقيقة انه سبب غير مقنع، فالشرع حلل للرجل الزواج من أربع نساء إذا كان قادرا على إعالتهم!! ".
" أنت تمزح بالتأكيد!! ".
" في الحقيقة.... لا مزاح بهذا وأنا أتكلم بكل جدية، فأنا قادر على فتح بيتين أو أكثر, وبالطبع كل منكما ستأخذ كامل حقوقها ".
برودة سرت بداخلها, وهاجت معدتها وكادت أن تتقيأ كل ما بجوفها لكنها قاومت واستكانت بمكانها, وتصلب اكتسح جسدها, ورفض ظهر على صفحة وجهها, فقال يحاول إقناعها:
" فكري بالموضوع وأمامك وقت طويل للتفكير، فأنا سأسافر برحلة عمل وبعدها تكونين قد فكرت جيدا ".
" لماذا؟! ".
عقد حاجبيه وسأل:
" لماذا ماذا... لم أفهم؟!".
" لما تتزوج من أخرى؟... ما هي أسبابك؟.. أظن يحق لي المعرفة!! ".
أرادت أن تصرخ به وتسأله لما جئت الآن ولم تحضر بالسابق؟؟... لما اخترتها هي بدلا عني؟؟.. لما...ولما... لكن لم تستطع التفوه بتلك الكلمات، لم ترد أن تكشف عن مشاعرها ويستغل ما تكنه ناحيته..
" أسبابي تخصني...وثانيا يحق لي الزواج من أخرى إن أردت دون أي سبب ".
رفعت حاجبيها بذهول.
" هل تقصد أنك ربما تتزوج ثالثة ورابعة دون سبب فقط لمزاجك؟! ".
سكت ولم يستطع الرد فما سيقوله سيتوقف عليه ردها، فكر وفكر ثم فتح فمه ليجيبها.....
" في الحقيقة أمممم....هذا يعتمد على الزوجة....بيدها، تستطيع أن تملئ حياة زوجها فيكتفي بها ويطمس عيونه عن الباقيات، لكن عندما يكون هناك نقص بالمرأة فيضطر الرجل البحث عن هذا النقص بامرأة أخرى!! ".
كانت تنظر إليه فاغرة فاهها فما تسمعه شيء مقزز وكلماته محملة بأنانية ذكورية بحتة, ونطقت بكل حرقة أنثى تشاهد حبيبها يبحث فقط عن راحته:
" لكل امرأة عيوب, يا ترى كم امرأة ستتزوج لتكمل هذا النقص الذي تريده ؟! ".
لعن نفسه على ما تفوه به، فيبدوا أنه أخطأ بما قاله فشعر بقوته تنسل منه والتوتر يكتسحه وخوف...نعم شعر بالخوف
" في الحقيقة أنا......".
" أخشى يا ابن العم أنني منبع كل العيوب, كما ترى أنني سمينة, ولا أملك جمال ملكات الجمال, ولدي أيضا عيوب أخرى لا أستطيع أن أعددها لهذا أنا لا أنفعك, لهذا أنا أختصر الطريق لك وأفتح لك المجال لتبحث عن المرأة المثالية لك ".
لوت شفتيها بحسرة وقامت من كرسيها باتجاه الباب المفتوح كما تركه شقيقها، ووقفت متكئة على أكرة الباب وأشارت إليه بيدها الأخرى بالخروج.
" سأعطيك نصيحة يا ابن العم, وأرجوا أن تستفيد منها وتساعدك بالبحث عن فتاة أحلامك....لكل شخص عيوب, حتى أنت لديك عيوب، لكن يبدوا أنك معميا عنها وترى نفسك رجل مثالي ولا ينقصك شيء, نصيحتي هي إن أردت الزواج أنظر لحسنات المرأة ولا تنظر لزلاتها، فحسناتها ستخفي سيئاتها وبهذا ستكون لك المرأة التي أردت, لكن إن ظللت ترى عيوبها فأنت لن تجد الزوجة التي تريدها، والآن إذا سمحت لقد انتهى الكلام بيننا وأنا متعبة وأحتاج للراحة ".
شد على قبضته يعتصر أصابعه بقوة, واختلجت عضلة خده تعلن عن عصبيته التي يحاول كتمها من الخروج والإمساك بتلك الصغيرة وإخراسها بقبلة ينسيها فيها اسمها.
كيف خذله ذكاءه الذي يتغنى به الجميع؟!... كيف لم يسعفه ليفوز على هذه الصغيرة التي أخرسته؟!.... لقد جردته من أسلحته!!... ومن غروره وشموخه ومسحت بهم الأرض, جعلته يشعر كم هو صغير وأناني يبحث فقط عن ملذاته, لقد انسلت من بين أصابعه بغبائه.
نهض متثاقلا يجر أذيال الخيبة لكن ما أن وصل إليها ووقف بجانبها ووقعت عيناه على ملامح وجهها الجميلة حتى عادت تلك السيمفونية التي أشاعت الفساد بحياته، فطفق يلتهم ويتشرب قوتها وبراءتها, جمالها وذكاءها, فشعر بقوة غريبة تسري بداخله والضعف قد اختفى وحل مكانه جبروت رجل لم يعرف الخسارة بحياته سوى أمامها, ورغبة قوية بتذوق طعم الفوز عليها, وكيف يكون؟!
فرد عضلات جسده, وانزوت ابتسامة متألقة على شفتيه, وانحنى ناحيتها لتتراجع من هذا القرب الذي بعثر خلايا جسدها وشعرت بسخونة تسري على كامل أوصالها، ولا بد بأن وجهها قد خذلها باحمراره!!
تطلع لبشرتها البيضاء المحمرة بخجل قربه منها، فسرت نشوة فخر بأنه قادر على العبث بمشاعرها
" لم ينتهي الأمر يا....مريم وسأعود... صدقيني سأعود, وفي لقائنا التالي سيكون الفاصل، وسأظفر بك، وهذا وعد مني ".
وخرج ليتركها فاغرة فاهها وعيونها متسعة من قوة كلماته ووعده المحمل بالغرور بأنه في المرة القادمة سيكون هو الفائز, عاد إحساسها إليها واستعر الغضب بداخلها من إصراره بما يريد, لتغلق الباب بقوة خلفه فتحركت واضجعت فوق فراشها لتتسرب إليها رائحة عطره القوية التي نفذت لأعماق كيانها وكادت تضيع من قوتها الطاغية عليها, لتنهض من مكانها بسرعة كمن لدغته أفعى وسحبت الفراش وألقته على الأرض وهي تلهث بغيظ وحرقة لهذا القلب الذي اختاره هو دون باقي الرجال.
************
" كيف تفعلين بي هذا يا جدتي؟! ".
" جاسم... توقف عن النواح كامرأة, وكن رجلا!! ".
" أتحاسبينني على دموعي يا جدتي؟؟.. وأنا أراك تبعدين حبيبتي عني, كيف سمحت له ولم تسمحي لي؟؟... كيف... كيف؟!! ".
" اهدأ يا جاسم وتمالك نفسك يا رجل!! ".
هدر به محمد يخرجه من الحالة التي هو فيها, فهو ما أن دخل لمنزلهم حتى جثا عند جدته يبكي ويعاتب, تفاجأ من فعلته واستنكر بكاءه.
" وأنت يا محمد، كيف وافقت على سلطان وقمتم برفضي أنا؟!! ".
" جاسم يا بني.... ".
التفت للجدة بعد أن كان ينظر لمحمد والدموع تقطر من عينيه.
" ألم تقولي أنك لن تزوجيها لرجل متزوج؟!... وها أنت تزوجينها لآخر لديه امرأة والتي هي شقيقتي!! ".
قالها بحرقة بقهر رجل أحب وعشق فتاة لم يستطع الحصول عليها, فابتعد ينظر إليها من بعيد وقلبه مطمئن من أنها لن تكون لغيره، وشكر غباء الرجال وعماهم عن رؤية الذهب النفيس بداخلها، وغرتهم القشرة الخارجية ولم يتطلعوا للداخل.
كان يبحث عن حل لمشكلته بشخص يسانده ويقنع جدتها بالموافقة على زواجه من مريم، لكن كل من لجأ إليه يخبره بصعوبة الأمر وهذا أصابه بالإحباط، لكنه لم ييأس وآثر الصبر للوقت المناسب الذي سيظهر لجدتها كفارس همام ينقذ الأميرة من شبح العنوسة الذي يهدد حياتها وستزوجها له الجدة بدون أي صبر، ولكن ظهور سلطان غير من خططه وجعله يشعر بالجنون والرغبة بالقتل، فأسرع ينطلق بسيارته ناحيتها قبل أن يخطفها عدوه ويبتعد بها عنه .
" اهدأ يا جاسم وسيطر على نفسك!! ".
نهرته الجدة بشدة .
فسحب أنفاسا عميقة, ومسح دموعه بأطراف غترته, واعتدل بجلسته وتحدث يجبر صوته على الخروج بصلابة ولكنه لم يستطع فخرج مهزوزا:
" أنت غير عادلة يا جدتي!!... لقد طلبتها منك من قبل لتكون لي زوجة وكنت سأصونها وأحفظها, فأنا أحبها بل أعشقها والكل يعلم بمدى حبي لها منذ الصغر، لكنكم تغافلتم عن هذا وأبعدتموني عنها ".
" هل نحن من أبعدناك عنها يا جاسم أم والدتك ؟!! ".
" أعرف أن والدتي قد رفضتها وزوجتني بأخرى، وأنا طلبتها منك لأتزوجها دون علمهم وبعدها كنت سأخبرهم بالوقت المناسب وأضعهم تحت الأمر الواقع, وكانوا سيوافقون آجلا أم عاجلا ".
" جاسم... هل أنت بوعيك لتقول هذا الكلام!! ".
قالها محمد مذهولا مما يسمعه وتساءل.. متى حدث هذا؟!... وكيف لم يعلم بحب جاسم لشقيقته وطلبها للزواج؟!... والعجب أنه كان يريدها بالسر!!....
التفت لجدته بعيون جاحظة مستفسرة إن ما كان يقوله هذا الرجل الجالس أمامه صحيحا؟!
ليراها تجلس دون أي حركة لكن عيناها خلف ( برقعها ) كانت تفضي بالرغبة بالقتل لمن يجلس ويسترسل بحديثه دون أي إدراك...وهذا إن دل على شيء واحد ألا وهو صدق ما قاله.
فتحدثت بهدوء مخيف حمل صوتها القوة والشكيمة لم تمحه السنين:
" أبدا لن أرضى لابنتي بالذل يا جاسم، وزواجك منها كان سيسحقها ويقتلها, فوالدتك لن تقبلها أبدا ".
فتح فمه ليخالفها الرأي لكنها رفعت كفها تمنعه الاسترسال بحديث لا طائل منه.
" نعم أعرف، بل الكل يعلم أن والدتك تستحقر ابنتي ولن تتقبلها أبدا، وثانيا لن أزوج ابنتي بالخفاء, كأنها تخفي سرا عظيما خلف زواجها بهذه الطريقة...ألم تفكر ماذا سيقول الناس عنها؟!.... ألم تفكر بمشاعرها وبماذا سينصب فوق رأسها من اتهامات وهمسات وغمزات؟!.... وأخيرا من قال لك أني موافقة على زواجها من سلطان؟! الأمر متروك بيدها إن وافقت عليه كان بها، وإن لم توافق فهذا رأيها هي ولن أجبرها على شيء ".
صمت رهيب طغى على المكان, وسمع فقط أزيز الحشرات, فقد حل المساء وغرقت الشمس خلف الأفق مخلفة خلفها توهجا مائلا للاحمرار كأنها تغرق وسط نار ملتهبة.
جلس مطأطئ الرأس وقد خذله لسانه عن الرد على كلامها فما قالته صحيح، هو لم يفكر بتبعات رغباته, فكل ما أراده هو أن يتزوجها وبعدها سيحل المشاكل التي ستطرأ على زواجهما.
تجمد بمكانه, وجحظت عيناه تكاد تخرج من محجريها, وكفيلم سينمائي وبالحركة البطيئة, رفع رأسه ليرى إن ما سمعه ليس من نسج خياله.
أغلق عيناه ثم فتحهما وصورته لم تتزحزح قيد أنمله من مكانها, هذا سلطان بشحمه ولحمه أمامه هنا بمنزل الجدة, ويعني هذا أنه كان مع مريم, وهنا جاء دور شيطانه ليوسوس له ويريه صورة لحبيبته مع غريمه يداعبها ويمطرها بكلمات العشق والغزل ثم تأتي تلك القبلة الجامحة ومريم تطالبه بالمزيد, وهنا لم يستطع كبح غضبه وخوفه على خسران مريم, فسلطان ليس ذلك الرجل الذي يُرفض, فالنساء تتهافت عليه وتترامين عند قدميه طلبا لقربه.
استشاطت شياطينه وثارت براكينه, وتحولت عيناه للون الأحمر المنذر بالخطر, كأنه ثور هائج يرى علامته الحمراء تلوح أمام ناظريه
فز من جلسته وتقدم ناحيته وأشهر سبابته بوجه ذلك العملاق الذي توقف متصلبا لدى رؤيته ابن خالته:
" كيف تجرؤ على طلب الزواج من مريم؟!!... بل كيف تجرأت وفكرت بالزواج على شقيقتي؟!! ".
ناظره سلطان ثم التفت ناحية جدته ومحمد اللذان وقفا على عويل جاسم ثم أعاد أنظاره لشقيق زوجته:
" لا شأن لك بحياتي, وإن أردت إجابة على سؤالك, اذهب واسأل شقيقتك عن أسبابي فهي تعلم!! ".
سكت للحظات وابتسم بتهكم واستطرد مكملا:
" كما أنها باركت على زواجي من أخرى ".
وتحرك متجاوزا إياه لكن جاسم لم يمرر الأمر عليه بسلام, فبداخله نار أراد إطفاءها, فأمسك ذراع سلطان مانعا إياه من الحركة وباغته بلكمة قوية على وجهه وهو يصرخ:
" إلا مريم يا سلطان... إلا مريم!! ".
تراجع سلطان خطوة للخلف فالضربة لم تكن شديدة, فمسح الدم من شفتيه بقبضته وما تزال عيناه مصوبة على ذلك الرجل الذي يقف أمامه ويلهث بقوة, وصدره يرتفع وينخفض بسرعة كبيرة كاد أن يترك الأمر يمر بسلام فجاسم ليس ندا لسلطان فأحجامهما متفاوتة وقوتهما غير عادلة، لكن هذيان جاسم باسمها جعلت دماءه تفور.
" مريم لي وحدي وستكون لي, أنا الذي يحبها وسيعتني بها أنا أريدها, هي لي, لي ".
قفز سلطان يمسك بتلابيب ملابسه بقبضة من حديد وصرخ به:
" اخرس... اخرس ".
فبادره بلكمة على وجهه أطاحت بجاسم على الأرض و أخذ يتلوى من الألم، لكن هذا لم يمنعه من إكمال كلماته بالتملك ناحية مريم.
هل شاهدت إعصارا يتشكل أمام ناظريك؟!!
زوابع تستمد قوتها مما حولها وتشكل محيطا عملاقا يدمر بلدة بأكملها, قفزت عينا جاسم برعب للأمام وهو يرى سلطان بذلك الثوران والجنون يتشكل أمام ناظريه، دب الفزع جسده واستسلمت روحه لموت محقق ما أن أدرك أن سلطان يتحرك باتجاهه.
شعر بحمم ساخنة تخرج من أنفه وفمه والصورة بخياله تقتله وتتركه جثة هامدة، فهمس دون أن يدرك وصيغة الأنانية والتملك تنطق بكل حرف يخرج من شفاهه, كان بغير وعيه كأنه انفصل عن عالم الواقع:
" مريم لي وحدي أنا ولن تكون لغيري أبدا ".
فسار ناحيته وأصابعه تطوق لعنقه ليدقه ويزهق روحه وما كاد يمسك به حتى خرجت صرخة توقف الدماء التي تكاد تنسكب على أرضية منزلها الطاهر:
" توقفا كلاكما!!.... وأخرجا من منزلي بالحال!! ".
التفت الاثنان ناحية محدثتهما, هناك تقف باعتزاز كملكة متوجه بالرغم من ظهور علامات كبر السن عليها إلا أن جبروتها لم يختفي.
تراجع سلطان للخلف ومسح على وجهه يستغفر الله على ما كاد يفعله، فالشيطان قد غلبه وتملكه وقاده لفعل شيء عظيم, كاد أن يقتل من أجل امرأة!!...
أبدا لم يتخيل بكل حياته بأنه سيفعل ذلك, لطالما سمع بتلك الأفعال وكان يشمئز منهم لكن الآن!!
أغمض عينيه بإرهاق استبد بجسده وهمس:
"ماذا فعلت بي؟!!... ما الذي يحصل لي؟!!... يا الهي ارحمني ".
أما جاسم فقد ظل على الأرض يندب حظه بعشق لن يطاله, فما حدث دليل على أن سلطان لن يتنازل عنها، ومن أجلها كاد أن يقتله.
انقلب على جنبه واتكأ بذراعه على الأرض ونهض بصعوبة وتحرك مبتعدا خارجا من هذا المنزل, وقف عند الباب ونظر للمكان نظرة أخيرة لكن بداخل عينيه كان يقبع (وعد وعهد ) .
زفر أنفاسا ثقيلة مشبعة بالتعب والضيق مما حدث، ثم التفت ناحية جدته
" جدتي.......".
" ولا كلمة واحدة يا سلطان, اذهب بالحال!! ".
هز رأسه للأعلى والأسفل ثم انخفض ملتقطا حمدانيته وتحرك ناحية الباب، وما كاد يخرج حتى حادثته جدته بجفاف ليقف متصلبا:
" رفضتك صحيح ؟؟ ".
كانت تقول حقيقة مؤكدة فهي تعرف حفيدتها, وتعرف ما تحب وما تكره, وتعرف أنها ستكابر على قلبها وترفض.
" أخبرتك دائما أن لا تتسرع ".
لم يستدر إليها بل تطلع للظلام الدامس ونطق بحروف وصَمَ بها تسلطه وغروره:
" لم ينتهي الأمر يا جدتي. وليس سلطان من يستسلم بسهوله, وتلك الفرس أنا صيادها!! ".
وغادر....
لم تعرف مريم بالمعركة الطاحنة التي دارت بعقر دارها, فقد دخلت حمامها لتستحم وتزيل تلك الرائحة الرجولية التي توهمت بأنها علقت على جسدها، وأدارت بمسجلها لحن موسيقى لفرقة الجاز, فهي من عشاق تلك المعزوفات التي تتغلغل لأعماق عقلها وتجعلها تشعر بأنها تطفوا فوق السحاب.
**************
سافر سلطان برحلة عمل ودع الجميع واستثنى زوجته التي ما تزال تعتصم عند والدتها.
خرجت مريم من المطبخ وهي تحمل فنجان من الشاي الأخضر فالطبيبة أمرتها بالابتعاد عن السكريات من أجل التخفيف من وزنها, واتجهت ناحية جدتها وشقيقها وكانا يتحدثان عن شيء ما تجهله, فعندما استيقظت بالصباح شعرت بأن شيء ما قد حدث، فملامح جدتها وشقيقها مكفهرة وعندما سألتهم لم يجيبوها بل بادرا بتغيير الحديث ونهضت الجدة متعللة بصداع برأسها وأرادت الراحة بغرفتها.
فخمنت مريم أن غضبهم هو نتيجة رفضها الزواج من سلطان, لكنها لم تهتم فالزمن كفيل بالنسيان
فتحت فمها لتحادث شقيقها ليقاطعها فتح باب المنزل بقوة والتفت مريم وشقيقها ناحية الصوت الزاعق:
" أيتها البقرة السمينة, سارقة للرجال ".
*****************
ها.... شو رايكم بالأكشن؟؟... هههههههههه
**************
الكبرياء هو الزهو, والهيبة، والاحترام، والاعتزاز بالنفس، وإن اختفى تختفي كرامة الشخص ويسحق تحت الأقدام، حتى لو كان بالمقابل خسارة الحب، فعزة النفس لا ترخص أبدا.
جبهتين من أقوى الجبهات تقفان ضد بعضهما، وحولهما تثار زوابع وأعاصير تتطاير من أعينهم، نظرات التحدي لم تنخفض وإصرار يشع من كليهما بعدم الخسارة.
وقف بتصميم وعزم لم يفتها لكن عزيمتها لن تضمحل أبدا أمامه فما طلبه شيء لا يغتفر أبدا.
رمته بسهام حارقة من عينيها، ترمقه بقوة وغضب من اقتحامه الغير مرغوب لغرفتها وحياتها، فقرارها قد قيل وانتهى الأمر, فلما إصراره على المثابرة؟!... هل يعتزم إذلالها؟!.... أم يريد الظهور أمام عائلته بمظهر الشهم؟!!
قاطعت ذراعيها وقالت بتهكم وضح من نبرة صوتها:
" ما الأمر يا ابن العم؟!... ما هو الموضوع المهم الذي يجعلك تقتحم غرفتي وتطالب بالسرية؟! ".
" ما أعرفه يا ابنة العم أنك صاحبة واجب وتكرمين الضيف!! ".
انتظر ترحيبها، فقابله ارتفاع حاجبها الكثيف المقوس بشكل جميل، فقال مقتحما غرفتها:
" حسنا!!.... بما أنك قبلتي محادثتي فهذا يعني أنني يمكنني الدخول والجلوس ".
تطلع لما حوله بانبهار...جدران طليت بلون أزرق سماوي يماثل زرقة السماء المائلة بين الفاتح والغامق يأخذك برحلة استرخاء كأنك تحلق بين السحاب, والسقف بلون أبيض يماثل لون الغيوم بكثافتها تشبه غزل البنات, سرير بلون أبيض يتوسط الغرفة وفراشه يضاهي لون القشطة بجماله ونقط سوداء توزعت عليه, وطاولة الزينة تشابه لون السرير، وفوق رخام الغرفة تربع فراش بلون السقف كأن الغيوم تحتضنك بحميمية, كانت الغرفة تشابه شخصيتها المزاجية بين الرزانة والطفولة وبين الدلال والحكمة.
اتجه ناحية السرير وجلس عليه لتنبثق منه رائحة عطرية مبخرة بالعود والمسك, واختلط معه شذى عطرها الفواح الذي أسكره, ليغمض عينيه منتشيا بتلك الرائحة وتخيل نفسه معها على هذا الفراش الناعم تناغيه فيلبي نداءها.
شعر بإحساس جميل يتسلل إليه، ودفئ فراشها سرى بداخله ليرغب بإلقاء جسده والتمرغ بدفئه وعدم الخروج منه, قطع تخيلاته صوتها المحتقن بغضب لم يكتمل بعد فالمواجهة لم تبدأ والحرب على وشك الاندلاع:
" تحدث بسرعة يا ابن العم، فليس لدي وقت للجلوس والرغي معك على شيء لا طائل منه!! ".
انفرج جفنيه ليظهر العسل المصفى بداخله متوهجا لجموح أحلامه، ونظر إليها بنظرة عاصفة, قاتلة, مشتاقة وراغبة لأنثى طاقت أحضانه للشعور بها.
اقشعرت شعيراتها الصغيرة على أثر تلك النظرة التي غامت بها عيناه لتتحول لبحر هائج تتلاطم أمواجه بشدة, لم تستطع أن تحد بنظراتها عنه، لم تقدر على الهرب تجذبها عيناه، تسحبها ناحيته، تناديها لتقترب وتغرق في بحور الهوى، شاهدت نفسها هناك يحتويها بنظراته، تحتويها ذراعيه القويتين وعيناه تنظر إليها بنهم وشوق ولهفة ليغرقا بعدها بقبلة ساحقة لروحها وكيانها.....
أسدلت أهدابها تقاطع تلك الرؤيا المخيفة لبراءتها، تهرب من مشاعر مجنونة تطيح بروحها، لا تعرف لما تستحضرها فقط بوجوده, تعلم بأنها تكن له كل الحب لكن لا تعرف كيف تصوغ وتترجم أحاسيسها أو ما الذي يجب أن تشعر به ناحيته؟؟؟
هذه العواطف التي تصيبها بحضوره تخيفها بل ترعبها لحد الصراخ، تطالب بها بالرحمة من جسد لم يختبر تلك المشاعر قط، ولكن ذلك الذي يخفق بين أضلاعها يثور و يصرخ مطالبا بتلك النظرات.
" لدي سؤال وأريدك أن تجيبيني عليه بكل صراحة...لما تناديني بابن العم وليس باسمي؟!.... هل هو صعب نطقه؟! ".
حدقت به متعجبة سؤاله وعين شابها الحزن وقلبها يصرخ ويبكي سؤاله:
" أتأتي وتعاتب اسما عاش بين ثنايا الفؤاد أمدا طويلا؟!...
اسما تربع على عرش تملكه من أول نظرة اهتمام.
أتأتي وتبحث هجري لنطق اسم أستصرخه طوال سنين حياتي...
ماذا أقول؟!....
أأنطق اسما همست به أنثى غيري؟!...
أأقول حروفك تبعثرت على لسان تذوق عسل شهدك؟!...
أأناديك بحب خرج بفم غير فمي؟!....
لا والله!!!...
اخترت أنت البعد, فاخترت أنا الهجر.
فلا تأتي وتعاتب وتطالب، فليس لديك أي حق بالمطالبة!! ".
هزت كتفيها بلا مبالاة وتحركت ناحية كرسي الزينة وجلست عليه بشموخ، يخالف ما بداخلها من حمم ونظرت باتجاهه ونطقت:
" سؤالك غريب يا ابن العم!!... ولا أعرف أين الخطأ بعدم مناداتك باسمك، وأنت بالسابق لم تعترض لعدم مناداتي لك, ولا أعرف ما الذي اختلف الآن وجئت تسألني هذا السؤال!! ".
" ربما بالسابق لم أهتم، لكن الآن الوضع تغير ويهمني الأمر!! ".
" لا!! "
صرختها بقوة.
" الوضع لم يتغير، وهو على ما هو عليه ولن يتغير أبدا!! ".
هدوء سكن الغرفة بعد كلماتها, ونظراتهما لم تحد عن الآخر ترسل إشارات التحدي والرفض من كلاهما...
" حسنا سأترك الأمر بشكل مؤقت و لكن بعدها سيكون لكل حادث حديث...والآن لنعد لموضوعنا المهم ".
تأهبت بجلستها وقلبها يطرق بشدة مما سيقوله فكان عقلها لقلبها بالمرصاد, فهو أبدا لن يسير خلف أهواءه التي سترمي بهم بالهاوية.
" لما ترفضين الزواج بي؟!... هل هناك عيب أو مانع أو اعتراض لشخصي ؟! ".
ثوان هي فقط....لتطلق صوتها الرنان بضحكة زلزلت كيانه, وبعثرت مشاعره, فأشاعت التمرد بين خلاياه, فلضحكتها نغمة شجية لطالما أحب سماعها دائما منذ أن كانت طفلة صغيرة, فصوتها يشبه العندليب بغنائه, لها نغمات موسيقية يطرب قلبه ما أن يسمعها, وأحيانا أخرى يقف بالخارج عندما تكون بزيارة لعائلته فيسمع ضحكاتها وقهقهاتها وما أن يدخل حتى تبخل عليه بصوتها فيكتفي فقط بالبقاء بعيدا ليسمعها.
لم يكن يعلم لما كان يتوق لسماع صوتها أو الرغبة برؤيتها أو أن يشاكسها لتغضب منه!!.... لم يكن يعرف، وإلى الآن لا يعرف؟!....
هو فقط يريدها, يحتاجها, يتوق إليها, قلبه يشدو لنظرة واحدة من مقلتيها, أرادها بقربه وبين ذراعيه, وإلا سيموت حسرة على عدم امتلاكها.
هدأت ضحكتها قليلا ومسحت دموع تكومت عند أطراف أجفانها وقالت:
" يا إلهي يا ابن العم!!... إن غرورك ليس له حدود ".
ابتسم لنعتها بالمغرور لتظهر أسنانه البيضاء وما هي إلا لحظات حتى بدأت ابتسامته تضمحل رويدا رويدا ما أن بدأت بالتحدث بجدية:
" أتقول أن لا عيب فيك وأكبر عيوبك هو زواجك من أخرى!! ".
فتح فمه ليرد عليها لكنها قاطعته رافعه كفها تمنعه الحديث.....
" إذا سمحت!!... أنت سألتني وأنا أجيبك, فاتركني أتحدث واسمعني للنهاية ".
أخذت أنفاسا طويلة ثم زفرتها بهدوء وبندقيتاها اشتعلتا بصهير حارق:
" أنا لا أحب المشاركة أبدا, وأحب دائما أن أكون متفردة بكل شيء يخصني، فكيف تريدني أن أشارك أخرى بزوجها وأنا لا أريد أن أشارك بزوجي مع أخرى, فأنا أريده لي وحدي!! ".
سكتت لتمهله الوقت الكافي لتترسخ كلماتها بعقله ثم أكملت:
" أحد عيوبي يا ابن العم والتي لا أنكرها أبدا أني إنسانة متملكة بشدة لمن أحبه، فأريده لنفسي وأحارب من أجل الاحتفاظ به ".
نظرت إليه بقوة وعيونها تشتعل بتصميم:
" وأنت إنسان لك حياة أخرى مع زوجة, وأنا كما قلت أكره المشاركة ولا أريد الدخول بحروب النساء من أجل رجل وهو يجلس ويستمتع بتلك المعركة من أجل الفوز به أم أن هذا ما تريده؟!... أن تتقاتل النساء من أجل الظفر بك!! ".
قالت كلماتها الأخيرة بتفكه وسكتت, كان كلما تحدثت ازدادت ابتسامته اتساعا وأعجبته صيغة التملك بصوتها، وبغرور رجل انتفخ صدره لتلك الصورة، وخيالاته أخذته لأرض المعركة، امرأتين ترتديان دروع وبيدهما سيوف وتتقاتلان من أجله وهو يجلس على كرسي مزخرف بالذهب وينتظر ويشاهد من ستفوز به وتعلن الأحقية بأخذه، فضحك بخفوت لتصوراته تلك وهمس دون أن يشعر:
" بالطبع الغلبة ستكون من نصيبك ".
تنحنح يجلي حنجرته عندما تطلع إليها وشاهد إمارات القتل تتشكل على ملامحها من ابتسامته البلهاء وما تفوه به من حماقة:
" هل هذا فقط سبب رفضك لي؟؟ ".
رفعت حاجبها بتعجب وقالت بذهول:
" وهل ترى أن هذا ليس بسبب يستحق به الرفض؟! ".
رفع كتفيه للأعلى.
" في الحقيقة انه سبب غير مقنع، فالشرع حلل للرجل الزواج من أربع نساء إذا كان قادرا على إعالتهم!! ".
" أنت تمزح بالتأكيد!! ".
" في الحقيقة.... لا مزاح بهذا وأنا أتكلم بكل جدية، فأنا قادر على فتح بيتين أو أكثر, وبالطبع كل منكما ستأخذ كامل حقوقها ".
برودة سرت بداخلها, وهاجت معدتها وكادت أن تتقيأ كل ما بجوفها لكنها قاومت واستكانت بمكانها, وتصلب اكتسح جسدها, ورفض ظهر على صفحة وجهها, فقال يحاول إقناعها:
" فكري بالموضوع وأمامك وقت طويل للتفكير، فأنا سأسافر برحلة عمل وبعدها تكونين قد فكرت جيدا ".
" لماذا؟! ".
عقد حاجبيه وسأل:
" لماذا ماذا... لم أفهم؟!".
" لما تتزوج من أخرى؟... ما هي أسبابك؟.. أظن يحق لي المعرفة!! ".
أرادت أن تصرخ به وتسأله لما جئت الآن ولم تحضر بالسابق؟؟... لما اخترتها هي بدلا عني؟؟.. لما...ولما... لكن لم تستطع التفوه بتلك الكلمات، لم ترد أن تكشف عن مشاعرها ويستغل ما تكنه ناحيته..
" أسبابي تخصني...وثانيا يحق لي الزواج من أخرى إن أردت دون أي سبب ".
رفعت حاجبيها بذهول.
" هل تقصد أنك ربما تتزوج ثالثة ورابعة دون سبب فقط لمزاجك؟! ".
سكت ولم يستطع الرد فما سيقوله سيتوقف عليه ردها، فكر وفكر ثم فتح فمه ليجيبها.....
" في الحقيقة أمممم....هذا يعتمد على الزوجة....بيدها، تستطيع أن تملئ حياة زوجها فيكتفي بها ويطمس عيونه عن الباقيات، لكن عندما يكون هناك نقص بالمرأة فيضطر الرجل البحث عن هذا النقص بامرأة أخرى!! ".
كانت تنظر إليه فاغرة فاهها فما تسمعه شيء مقزز وكلماته محملة بأنانية ذكورية بحتة, ونطقت بكل حرقة أنثى تشاهد حبيبها يبحث فقط عن راحته:
" لكل امرأة عيوب, يا ترى كم امرأة ستتزوج لتكمل هذا النقص الذي تريده ؟! ".
لعن نفسه على ما تفوه به، فيبدوا أنه أخطأ بما قاله فشعر بقوته تنسل منه والتوتر يكتسحه وخوف...نعم شعر بالخوف
" في الحقيقة أنا......".
" أخشى يا ابن العم أنني منبع كل العيوب, كما ترى أنني سمينة, ولا أملك جمال ملكات الجمال, ولدي أيضا عيوب أخرى لا أستطيع أن أعددها لهذا أنا لا أنفعك, لهذا أنا أختصر الطريق لك وأفتح لك المجال لتبحث عن المرأة المثالية لك ".
لوت شفتيها بحسرة وقامت من كرسيها باتجاه الباب المفتوح كما تركه شقيقها، ووقفت متكئة على أكرة الباب وأشارت إليه بيدها الأخرى بالخروج.
" سأعطيك نصيحة يا ابن العم, وأرجوا أن تستفيد منها وتساعدك بالبحث عن فتاة أحلامك....لكل شخص عيوب, حتى أنت لديك عيوب، لكن يبدوا أنك معميا عنها وترى نفسك رجل مثالي ولا ينقصك شيء, نصيحتي هي إن أردت الزواج أنظر لحسنات المرأة ولا تنظر لزلاتها، فحسناتها ستخفي سيئاتها وبهذا ستكون لك المرأة التي أردت, لكن إن ظللت ترى عيوبها فأنت لن تجد الزوجة التي تريدها، والآن إذا سمحت لقد انتهى الكلام بيننا وأنا متعبة وأحتاج للراحة ".
شد على قبضته يعتصر أصابعه بقوة, واختلجت عضلة خده تعلن عن عصبيته التي يحاول كتمها من الخروج والإمساك بتلك الصغيرة وإخراسها بقبلة ينسيها فيها اسمها.
كيف خذله ذكاءه الذي يتغنى به الجميع؟!... كيف لم يسعفه ليفوز على هذه الصغيرة التي أخرسته؟!.... لقد جردته من أسلحته!!... ومن غروره وشموخه ومسحت بهم الأرض, جعلته يشعر كم هو صغير وأناني يبحث فقط عن ملذاته, لقد انسلت من بين أصابعه بغبائه.
نهض متثاقلا يجر أذيال الخيبة لكن ما أن وصل إليها ووقف بجانبها ووقعت عيناه على ملامح وجهها الجميلة حتى عادت تلك السيمفونية التي أشاعت الفساد بحياته، فطفق يلتهم ويتشرب قوتها وبراءتها, جمالها وذكاءها, فشعر بقوة غريبة تسري بداخله والضعف قد اختفى وحل مكانه جبروت رجل لم يعرف الخسارة بحياته سوى أمامها, ورغبة قوية بتذوق طعم الفوز عليها, وكيف يكون؟!
فرد عضلات جسده, وانزوت ابتسامة متألقة على شفتيه, وانحنى ناحيتها لتتراجع من هذا القرب الذي بعثر خلايا جسدها وشعرت بسخونة تسري على كامل أوصالها، ولا بد بأن وجهها قد خذلها باحمراره!!
تطلع لبشرتها البيضاء المحمرة بخجل قربه منها، فسرت نشوة فخر بأنه قادر على العبث بمشاعرها
" لم ينتهي الأمر يا....مريم وسأعود... صدقيني سأعود, وفي لقائنا التالي سيكون الفاصل، وسأظفر بك، وهذا وعد مني ".
وخرج ليتركها فاغرة فاهها وعيونها متسعة من قوة كلماته ووعده المحمل بالغرور بأنه في المرة القادمة سيكون هو الفائز, عاد إحساسها إليها واستعر الغضب بداخلها من إصراره بما يريد, لتغلق الباب بقوة خلفه فتحركت واضجعت فوق فراشها لتتسرب إليها رائحة عطره القوية التي نفذت لأعماق كيانها وكادت تضيع من قوتها الطاغية عليها, لتنهض من مكانها بسرعة كمن لدغته أفعى وسحبت الفراش وألقته على الأرض وهي تلهث بغيظ وحرقة لهذا القلب الذي اختاره هو دون باقي الرجال.
************
" كيف تفعلين بي هذا يا جدتي؟! ".
" جاسم... توقف عن النواح كامرأة, وكن رجلا!! ".
" أتحاسبينني على دموعي يا جدتي؟؟.. وأنا أراك تبعدين حبيبتي عني, كيف سمحت له ولم تسمحي لي؟؟... كيف... كيف؟!! ".
" اهدأ يا جاسم وتمالك نفسك يا رجل!! ".
هدر به محمد يخرجه من الحالة التي هو فيها, فهو ما أن دخل لمنزلهم حتى جثا عند جدته يبكي ويعاتب, تفاجأ من فعلته واستنكر بكاءه.
" وأنت يا محمد، كيف وافقت على سلطان وقمتم برفضي أنا؟!! ".
" جاسم يا بني.... ".
التفت للجدة بعد أن كان ينظر لمحمد والدموع تقطر من عينيه.
" ألم تقولي أنك لن تزوجيها لرجل متزوج؟!... وها أنت تزوجينها لآخر لديه امرأة والتي هي شقيقتي!! ".
قالها بحرقة بقهر رجل أحب وعشق فتاة لم يستطع الحصول عليها, فابتعد ينظر إليها من بعيد وقلبه مطمئن من أنها لن تكون لغيره، وشكر غباء الرجال وعماهم عن رؤية الذهب النفيس بداخلها، وغرتهم القشرة الخارجية ولم يتطلعوا للداخل.
كان يبحث عن حل لمشكلته بشخص يسانده ويقنع جدتها بالموافقة على زواجه من مريم، لكن كل من لجأ إليه يخبره بصعوبة الأمر وهذا أصابه بالإحباط، لكنه لم ييأس وآثر الصبر للوقت المناسب الذي سيظهر لجدتها كفارس همام ينقذ الأميرة من شبح العنوسة الذي يهدد حياتها وستزوجها له الجدة بدون أي صبر، ولكن ظهور سلطان غير من خططه وجعله يشعر بالجنون والرغبة بالقتل، فأسرع ينطلق بسيارته ناحيتها قبل أن يخطفها عدوه ويبتعد بها عنه .
" اهدأ يا جاسم وسيطر على نفسك!! ".
نهرته الجدة بشدة .
فسحب أنفاسا عميقة, ومسح دموعه بأطراف غترته, واعتدل بجلسته وتحدث يجبر صوته على الخروج بصلابة ولكنه لم يستطع فخرج مهزوزا:
" أنت غير عادلة يا جدتي!!... لقد طلبتها منك من قبل لتكون لي زوجة وكنت سأصونها وأحفظها, فأنا أحبها بل أعشقها والكل يعلم بمدى حبي لها منذ الصغر، لكنكم تغافلتم عن هذا وأبعدتموني عنها ".
" هل نحن من أبعدناك عنها يا جاسم أم والدتك ؟!! ".
" أعرف أن والدتي قد رفضتها وزوجتني بأخرى، وأنا طلبتها منك لأتزوجها دون علمهم وبعدها كنت سأخبرهم بالوقت المناسب وأضعهم تحت الأمر الواقع, وكانوا سيوافقون آجلا أم عاجلا ".
" جاسم... هل أنت بوعيك لتقول هذا الكلام!! ".
قالها محمد مذهولا مما يسمعه وتساءل.. متى حدث هذا؟!... وكيف لم يعلم بحب جاسم لشقيقته وطلبها للزواج؟!... والعجب أنه كان يريدها بالسر!!....
التفت لجدته بعيون جاحظة مستفسرة إن ما كان يقوله هذا الرجل الجالس أمامه صحيحا؟!
ليراها تجلس دون أي حركة لكن عيناها خلف ( برقعها ) كانت تفضي بالرغبة بالقتل لمن يجلس ويسترسل بحديثه دون أي إدراك...وهذا إن دل على شيء واحد ألا وهو صدق ما قاله.
فتحدثت بهدوء مخيف حمل صوتها القوة والشكيمة لم تمحه السنين:
" أبدا لن أرضى لابنتي بالذل يا جاسم، وزواجك منها كان سيسحقها ويقتلها, فوالدتك لن تقبلها أبدا ".
فتح فمه ليخالفها الرأي لكنها رفعت كفها تمنعه الاسترسال بحديث لا طائل منه.
" نعم أعرف، بل الكل يعلم أن والدتك تستحقر ابنتي ولن تتقبلها أبدا، وثانيا لن أزوج ابنتي بالخفاء, كأنها تخفي سرا عظيما خلف زواجها بهذه الطريقة...ألم تفكر ماذا سيقول الناس عنها؟!.... ألم تفكر بمشاعرها وبماذا سينصب فوق رأسها من اتهامات وهمسات وغمزات؟!.... وأخيرا من قال لك أني موافقة على زواجها من سلطان؟! الأمر متروك بيدها إن وافقت عليه كان بها، وإن لم توافق فهذا رأيها هي ولن أجبرها على شيء ".
صمت رهيب طغى على المكان, وسمع فقط أزيز الحشرات, فقد حل المساء وغرقت الشمس خلف الأفق مخلفة خلفها توهجا مائلا للاحمرار كأنها تغرق وسط نار ملتهبة.
جلس مطأطئ الرأس وقد خذله لسانه عن الرد على كلامها فما قالته صحيح، هو لم يفكر بتبعات رغباته, فكل ما أراده هو أن يتزوجها وبعدها سيحل المشاكل التي ستطرأ على زواجهما.
تجمد بمكانه, وجحظت عيناه تكاد تخرج من محجريها, وكفيلم سينمائي وبالحركة البطيئة, رفع رأسه ليرى إن ما سمعه ليس من نسج خياله.
أغلق عيناه ثم فتحهما وصورته لم تتزحزح قيد أنمله من مكانها, هذا سلطان بشحمه ولحمه أمامه هنا بمنزل الجدة, ويعني هذا أنه كان مع مريم, وهنا جاء دور شيطانه ليوسوس له ويريه صورة لحبيبته مع غريمه يداعبها ويمطرها بكلمات العشق والغزل ثم تأتي تلك القبلة الجامحة ومريم تطالبه بالمزيد, وهنا لم يستطع كبح غضبه وخوفه على خسران مريم, فسلطان ليس ذلك الرجل الذي يُرفض, فالنساء تتهافت عليه وتترامين عند قدميه طلبا لقربه.
استشاطت شياطينه وثارت براكينه, وتحولت عيناه للون الأحمر المنذر بالخطر, كأنه ثور هائج يرى علامته الحمراء تلوح أمام ناظريه
فز من جلسته وتقدم ناحيته وأشهر سبابته بوجه ذلك العملاق الذي توقف متصلبا لدى رؤيته ابن خالته:
" كيف تجرؤ على طلب الزواج من مريم؟!!... بل كيف تجرأت وفكرت بالزواج على شقيقتي؟!! ".
ناظره سلطان ثم التفت ناحية جدته ومحمد اللذان وقفا على عويل جاسم ثم أعاد أنظاره لشقيق زوجته:
" لا شأن لك بحياتي, وإن أردت إجابة على سؤالك, اذهب واسأل شقيقتك عن أسبابي فهي تعلم!! ".
سكت للحظات وابتسم بتهكم واستطرد مكملا:
" كما أنها باركت على زواجي من أخرى ".
وتحرك متجاوزا إياه لكن جاسم لم يمرر الأمر عليه بسلام, فبداخله نار أراد إطفاءها, فأمسك ذراع سلطان مانعا إياه من الحركة وباغته بلكمة قوية على وجهه وهو يصرخ:
" إلا مريم يا سلطان... إلا مريم!! ".
تراجع سلطان خطوة للخلف فالضربة لم تكن شديدة, فمسح الدم من شفتيه بقبضته وما تزال عيناه مصوبة على ذلك الرجل الذي يقف أمامه ويلهث بقوة, وصدره يرتفع وينخفض بسرعة كبيرة كاد أن يترك الأمر يمر بسلام فجاسم ليس ندا لسلطان فأحجامهما متفاوتة وقوتهما غير عادلة، لكن هذيان جاسم باسمها جعلت دماءه تفور.
" مريم لي وحدي وستكون لي, أنا الذي يحبها وسيعتني بها أنا أريدها, هي لي, لي ".
قفز سلطان يمسك بتلابيب ملابسه بقبضة من حديد وصرخ به:
" اخرس... اخرس ".
فبادره بلكمة على وجهه أطاحت بجاسم على الأرض و أخذ يتلوى من الألم، لكن هذا لم يمنعه من إكمال كلماته بالتملك ناحية مريم.
هل شاهدت إعصارا يتشكل أمام ناظريك؟!!
زوابع تستمد قوتها مما حولها وتشكل محيطا عملاقا يدمر بلدة بأكملها, قفزت عينا جاسم برعب للأمام وهو يرى سلطان بذلك الثوران والجنون يتشكل أمام ناظريه، دب الفزع جسده واستسلمت روحه لموت محقق ما أن أدرك أن سلطان يتحرك باتجاهه.
شعر بحمم ساخنة تخرج من أنفه وفمه والصورة بخياله تقتله وتتركه جثة هامدة، فهمس دون أن يدرك وصيغة الأنانية والتملك تنطق بكل حرف يخرج من شفاهه, كان بغير وعيه كأنه انفصل عن عالم الواقع:
" مريم لي وحدي أنا ولن تكون لغيري أبدا ".
فسار ناحيته وأصابعه تطوق لعنقه ليدقه ويزهق روحه وما كاد يمسك به حتى خرجت صرخة توقف الدماء التي تكاد تنسكب على أرضية منزلها الطاهر:
" توقفا كلاكما!!.... وأخرجا من منزلي بالحال!! ".
التفت الاثنان ناحية محدثتهما, هناك تقف باعتزاز كملكة متوجه بالرغم من ظهور علامات كبر السن عليها إلا أن جبروتها لم يختفي.
تراجع سلطان للخلف ومسح على وجهه يستغفر الله على ما كاد يفعله، فالشيطان قد غلبه وتملكه وقاده لفعل شيء عظيم, كاد أن يقتل من أجل امرأة!!...
أبدا لم يتخيل بكل حياته بأنه سيفعل ذلك, لطالما سمع بتلك الأفعال وكان يشمئز منهم لكن الآن!!
أغمض عينيه بإرهاق استبد بجسده وهمس:
"ماذا فعلت بي؟!!... ما الذي يحصل لي؟!!... يا الهي ارحمني ".
أما جاسم فقد ظل على الأرض يندب حظه بعشق لن يطاله, فما حدث دليل على أن سلطان لن يتنازل عنها، ومن أجلها كاد أن يقتله.
انقلب على جنبه واتكأ بذراعه على الأرض ونهض بصعوبة وتحرك مبتعدا خارجا من هذا المنزل, وقف عند الباب ونظر للمكان نظرة أخيرة لكن بداخل عينيه كان يقبع (وعد وعهد ) .
زفر أنفاسا ثقيلة مشبعة بالتعب والضيق مما حدث، ثم التفت ناحية جدته
" جدتي.......".
" ولا كلمة واحدة يا سلطان, اذهب بالحال!! ".
هز رأسه للأعلى والأسفل ثم انخفض ملتقطا حمدانيته وتحرك ناحية الباب، وما كاد يخرج حتى حادثته جدته بجفاف ليقف متصلبا:
" رفضتك صحيح ؟؟ ".
كانت تقول حقيقة مؤكدة فهي تعرف حفيدتها, وتعرف ما تحب وما تكره, وتعرف أنها ستكابر على قلبها وترفض.
" أخبرتك دائما أن لا تتسرع ".
لم يستدر إليها بل تطلع للظلام الدامس ونطق بحروف وصَمَ بها تسلطه وغروره:
" لم ينتهي الأمر يا جدتي. وليس سلطان من يستسلم بسهوله, وتلك الفرس أنا صيادها!! ".
وغادر....
لم تعرف مريم بالمعركة الطاحنة التي دارت بعقر دارها, فقد دخلت حمامها لتستحم وتزيل تلك الرائحة الرجولية التي توهمت بأنها علقت على جسدها، وأدارت بمسجلها لحن موسيقى لفرقة الجاز, فهي من عشاق تلك المعزوفات التي تتغلغل لأعماق عقلها وتجعلها تشعر بأنها تطفوا فوق السحاب.
**************
سافر سلطان برحلة عمل ودع الجميع واستثنى زوجته التي ما تزال تعتصم عند والدتها.
خرجت مريم من المطبخ وهي تحمل فنجان من الشاي الأخضر فالطبيبة أمرتها بالابتعاد عن السكريات من أجل التخفيف من وزنها, واتجهت ناحية جدتها وشقيقها وكانا يتحدثان عن شيء ما تجهله, فعندما استيقظت بالصباح شعرت بأن شيء ما قد حدث، فملامح جدتها وشقيقها مكفهرة وعندما سألتهم لم يجيبوها بل بادرا بتغيير الحديث ونهضت الجدة متعللة بصداع برأسها وأرادت الراحة بغرفتها.
فخمنت مريم أن غضبهم هو نتيجة رفضها الزواج من سلطان, لكنها لم تهتم فالزمن كفيل بالنسيان
فتحت فمها لتحادث شقيقها ليقاطعها فتح باب المنزل بقوة والتفت مريم وشقيقها ناحية الصوت الزاعق:
" أيتها البقرة السمينة, سارقة للرجال ".
*****************
ها.... شو رايكم بالأكشن؟؟... هههههههههه
