رواية عديل الروح الفصل الثاني عشر 12 بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الثاني عشر - عديل الروح - بقلمي \ ام حمدة
**********************
احذر من امرأة ترى نهاية سقوطها قد اقتربت, ترى عالمها الواهي يندثر بسبب نكرة, ستتحول وتتغير كأفعى سامة تسلخ جلدها فيظهر عريها الحقيقي لمن تغافل تحت ألوانها الزاهية.
وقف محمد ومريم ينظرون لذلك الصاروخ المبهرج الذي اقتحم خلوتهم الهادئة في صباح يوم جميل, تصرخ وتلعن وتدعوا لأحب الناس لقلوبهم بالموت.
تشير ناحيتها وتنعتها بأبشع الصفات التي خدشت حياء فتاة لم تعرف بوجود تلك المصطلحات بحياتها.
دارت عيناها لشقيقها وهمست له نظراتها:
" أهذه هي الحياة التي أردتموها لي؟!.... أن أعيش معه بشقاء وبحروب لن تنتهي مع زوجته...هل أنا رخيصة بنظركم لترموني إليه؟!... هل....".
لم تستطع إكمال جملتها فأغمضت عيناها تحبس دموعها الخائنة التي تندب حبا لن يرى النور أبدا, بكت قلبا وقع أسير رجل لن يكون لها سوى ابن العم، خفق قلبها, فصرخت تسترجيه أن يرحم روحا تكاد تلفظ أنفاسها, هدر فيها يعاتبها:
وماذا عن حبك؟؟...
أجابته:
وأين هو حبي؟! لقد فقدته ورحل.....
لا لم يرحل هو يطالب بك.....
لا هو يشفق.....
تكذبين...
لا...لا أكذب...اسأل نفسك أين كان؟؟...ولما تلك...ولست أنا؟!
ولما الآن؟!
سكت واحتار إجابتها...ماذا يقول؟؟... وماذا يبرر؟؟... هل يسترسل بالدفاع أم يخضع لحكم العقل ويخمد ناره؟!...
دقة تتلوها دقة, كأنه الوداع الأخير, نزف وتألم, فما كان منه سوى السكون والخضوع.
فتحت عيناها على اثر وخزات أصابع قوية تغرس بلحمها, ونظرت إليها عن قرب, وشاهدت لبؤة تدافع عما لها و يا للسخرية " عذرتها " فلو كانت بمكانها لفعلت بالمثل.
لكن أبدا لن ترضى بالإهانة!!
استعرت النيران بمقلتيها, وزفرت أنفاسا ساخنة, إن كانت تلك غاضبة, فهي كبركان انبثقت حممه اللاهبة.
أمسكت بإصبعها الملكوز بجسدها وعصرته بقبضة من حديد, جعلت أنين ألم يخرج من سلمى, ثم دفعتها لتتراجع عدة خطوات للخلف وهمست تجز على أسنانها بأعصاب مشدودة:
" اياك وأن تجرئي على فعلها مرة أخرى!! ".
" أنت...أنت فتاة سمينة منحطة, سرقت زوجي!! ".
رفعت حاجبها بتعجب ثم وضعت كفيها على خاصرتها ووضعت على وجهها قناع السخرية:
" حقا فعلت!!... إذا انتظري دعيني أنظر ".
تجولت يداها على ملابسها تبحث عن شيء ما...ثم فتشت بجيب جلابيتها ثم ما لبثت أن رفعت كتفيها ولوت شفتيها بحسرة وقالت:
" للأسف لم أجد زوجك عندي!!... فلتبحثي عنه في مكان آخر!! ".
" أيتها الحقيرة!!... أتسخرين مني؟!".
تقدم شقيقها وصرخ بها:
" اخرسي!!... أنت من هي الحقيرة، وإن أردت أن ترمي بغضبك على أحد ما، اذهبي إلى زوجك فهو السبب!! ".
" لا... هي السبب!! ".
أشارت ناحيتها
" هي من كانت ترمي بنفسها على زوجي ".
قهقه بصوت عالي خلت ضحكته من الفكاهة ثم قال بتهكم:
" أرجوك!!... أنت تكذبين نفسك, فأنت تعلمين من هي التي ترمي بنفسها أمام الرجال, وبالطبع شقيقتي ليست منهم ".
أدرك أنه وصل لهدفه بجحوظ عينيها، وشحوب وجهها فتداركت نفسها وتحدثت وتلعثمت:
" أنت...أنت...لا شأن لك... فهذا الحديث بيني وبين شقيقتك ".
التفتت ناحيتها ووجهت حديثها إليها :
" أم أن شقيقتك ضعيفة وتحتاج محاميا ليدافع عنها؟! ".
" شقيقتي....".
أسكتته مريم من الاسترسال بالدفاع عنها برفع يدها.
" في الحقيقة لا أحتاج لمحامي, وأيضا لا أحتاج لأن أبرر موقفي ناحيتك, عليك بالحديث مع زوجك وليس معي, فهو الرجل وهو من تقدم للزواج مني وبالمناسبة قد " رفضت " ".
نظرت ناحيتها باشمئزاز وأكملت تبث كلامها المسموم تقذفه ناحيتها:
" من تظنين نفسك؟!... لتقفي وتتبجحي برفضك له؟!... ألا تنظرين لنفسك بالمرآة؟!.. أنت فتاة سمينة ضخمة وعادية، لا تملكين أي مقومات للجمال ".
سكتت ثم ابتسمت بمكر تريد كسر هيبتها التي لم تتزعزع مهما حاولت الحط من قدرها:
" بالمناسبة...طلب سلطان للزواج منك شهامة منه كما تعرفين, هو يحبني أنا بل يعشقني, أنظري إليّ أنا جميلة هو يحب جمالي وما أقدمه له أما أنت...".
تركت الباقي من جملتها معلقة كي تفهمها, واقتربت أكثر ونظرت إلى مريم والشرر يقطر من عينيها وحقد وكره دفين يظهر بمقلتيها، فهمست بفحيح تنكأ جروحها وتفجر لغمها:
" هل تعرفين ماذا قال لي عندما سألته لما يريد الزواج منك؟!".
" اخرسي وأخرجي من المنزل في الحال ".
هدر فيها محمد, نظرت إليه بلا مبالاة وأشاحت بوجهها ناحية الفتاة الواقفة كجذع شجرة لم تتزحزح من مكانها، سكتت ثم بزقتها بوجهها:
" قال.... زواجي منها مجرد شفقة, وسأتزوجها فقط من أجل جدتي وسيكون زواجنا فقط أمام الناس فأنا لا أستطيع التطلع لشكلها القبيح ".
التفتت على عقبيها وغادرت بعد أن وصلت لغايتها.
عيون شاخصة للمكان الفارغ, غادرت و خلفت خلفها سكين باردة صدئة غرستها بقلبها بقوة دون أن تأخذ بها أية رحمة أو شفقة, لتتركها هكذا كشاهد قبر حبها, لتتوقف نبضات خافقها يعلن عن وفاته.
صقيع تغلغل لأعماق روحها لكلمة كانت تعلم بها لكن أن تسمعها فهذا مختلف!!
تقدم شقيقها ينوي احتواءها فأوقفته رافضة مساندته، وتحركت دون أن تشعر بجسدها متجه ناحية غرفتها وأغلقت الباب بوجهه كأنها تغلق قلبها على حديث لا طائل منه.
****************************
تتعاقب الأيام, وينجلي البدر يزيحه قرص الشمس, تسري بهم الساعات وتأخذهم مشاغل الحياة بروتينها وصعوباتها, تنسل منا بين الحينة والفينة دمعات الحنين, تبكي مرارة الحياة وأحكام القدر, لكن أن تسعى, وتحاول, وتثابر, وتتمسك بالأمل, والنظر للأفق البعيد لرؤية المستقبل الذي ينتظرك فهذا هو
" الأهم ".
فمهما كثرت أعداد سقوطنا.. فأن تنهض فذلك هو النجاح...وأن تصبوا لحياة أفضل فأنت الكاسب.
تسير بممر الجامعة بأنف شامخ وعيون شاخصة للأمام, فتلك هي مهمتها بالحياة, فقد اختارت النسيان, والنظر لمستقبلها فهي مريم ابنة أبيها أخذت صلابته وحكمته، وأخذت من والدتها هدوءها ورقتها، تمازجت الشخصيتان لتظهر تركيبة متفردة, قوية, صلبة, حنونة, ثائرة, لا ترضى بالإهانة, ورأسها دائما بالعالي كما تقول جدتها " ابنة الغالي رأسها دائما مرفوع ".
كان روتينها يسير بشكل سلس, تذهب للجامعة ثم تعود تتغدى مع جدتها وشقيقها لتحل فترة العصر, ليستقلوا سيارتهم بقيادة شقيقها محمد، فبعد حصوله على رخصة قيادته نصب نفسه سائقهم الخاص بكل مكان يريدون الذهاب إليه ( لحظة... التسوق غير شامل التوصيل ) فهذا شرطه الوحيد.
انطلقوا ناحية المزرعة وكلها شوق لامتطاء حصانها, نعم فهي الآن قادرة على امتطاء حصانها والعدو فيه بكل مكان, فالطريقة التي اتبعتها مع الطبيبة كانت ناجحة فخلال عدة شهور استطاعت بإصرارها وعزيمتها أن تصل بوزنها لـ 68 واستطاعت خسارة الكثير من الكيلو غرامات...
لا تنكر الصعوبة بانقاص الوزن, ولا كمية الصبر التي تحلت بها كي تظل على الجدول الغذائي, والفضل لوجود شقيقها وجدتها اللذان لم يتخليا عنها بل سانداها وساعداها، وحثاها على الاستمرار كلما شاهدا علامات الاستسلام تظهر على محياها فيبثا بداخلها القوة والعزم فتنبثق منها طاقة هائلة كأنها ولدت من جديد.
كان شقيقها يقدم لها الدعم المعنوي ويقوم معها بممارسة رياضة المشي يوميا كلما حضروا للمزرعة.
تهرول بحصانها بسعادة والرياح تداعب وجهها الباسم, وحجابها مربوط بإحكام على رأسها, إحساس جميل بالتحليق كلما أسرع بها حصانها وشعور بالحرية يطغى على روحها, وسكون يتغلغل بكيانها, وابتسامة مشرقة طبعت على شفتيها الكرزيتين, شعت عيونها البندقية بالبهجة وسعادة طفقت تحوم حولها, هزت لجام حصانها تحثه على الإسراع ليستمع ويصهل مجيبا طلبها لينطلق مخترقا نسمات الهواء العليلة, تلكزه لينطلق مسابقا الريح وصوت قهقهاتها يتردد صداها بالمكان.
عادت تتمخطر وابتسامتها لم تفارق مبسمها وهدوء طغى على ملامحها, ترجلت بعد أن وصلت للإسطبل وكفها يربت على حصانها وهمست عند أذنيه بشكر لتلك الرحلة الجميلة والتقطت حبات من السكر لتطعمه إياه.
" مريم.... ".
شاهد تصلب جسدها, وتجمد كفها بالهواء, نظرت عيناه إليها تتشرب رؤيتها، وتتنفس رئتيه شذاها وأريج عطرها الذي دوخ مركز عقله, لقد اشتاق....
ولم يتوقع كمية تلك المشاعر التي بداخله من أجلها, اعتقد أن بسفره سينساها, و أن ما يشعر به ناحيتها ربما مجرد إعجاب أو افتتان ما شاهده بعيون رجال آخرون، لكن اعتقاده كان خاطئا, بعده عنها جعله يدخل بدهاليز من الأحاسيس الجديدة التي طفقت تغزوا روحه, وشوق كبير اعتمل كيانه، وقلبه ذلك حالة أخرى لم يعرف ما أصابه!!... فكلما تراءت له صورتها أو تذكر موقف لهما ينتفض قلبه بقوة يكاد يحطم قضبان سجنه، فيهمس للفراغ المحيط به حمل صوته الشجن والوله:
" ماذا فعلتِ بي يا ابنة عمي؟!... قلبتي حياتي وأدخلتني بمتاهات ودروب كنت أسخر منها بالسابق, فعبارات الحب تلك موجودة فقط في الكتب والأفلام والواقع مختلف!! "
تنهد ومسد على صدره واضعا كفه على موضع قلبه.
" والآن ها أنا أجربها وأتذوقها على يديك يا صغيرة!! ".
فيضحك بصوت زلزل السكون حوله واتكأ على مسند الكرسي:
" آه يا سلطان لو سمعتك وأنت تناديها بالصغيرة...ستغضب وتثور وتسكتك بكلماتها اللاسعة ".
ليعود ويضحك وهو يتخيل صورتها...عينيها الغاضبة, بشرتها تشربت حمرة الغضب, شفتيها الممتلئتين مكورة تزيد من ضخامتها تناديه ليقتص منها بقبلة جامحة تسرق أنفاسها وكلماتها اللاذعة, وآه كم يطوق لتجربة وتذوق لهيب شفتيها الطاهرتين التي لم يمسها مخلوق.
لمعت عيناه بتصميم كبير بالفوز بفرسه الجامحة, وغريزة الصياد بداخله تحثه على الانتهاء من عمله بسرعة قبل أن تشطح فرسه وتطير عنه وتقع بشباك صياد آخر غيره .
حاول العمل بسرعة فواجهته عراقيل منعته من العودة, كان يتصل كل يوم يتحدث مع جدته يطمئن عليها وبطريقة غير مباشرة يسألها عن أحوال مريم، لتنهره الجدة بأن لا شأن له بها، فيخبرها بأنها ابنة عمه ويريد أن يطمئن عليها فقط، فتتنهد الجدة بحيرة ولكن بداخلها قلب يزغرد بالفرح بأنه لم يستسلم وأنه ما زال متمسكا بها .
انتهت فترة عمله والتي أخذت منه أيام طويلة كما هو متوقع منه، فمهما حاول أن يتحايل على الزمن إلا أن وقته كان مجدولا ومختوما!!
عاد يحمل شغفا وعواطف وأشواق لم يعرف بوجودها قط بحياته, أصبح كمراهق يتوق للقاء حبيبته.
هبط من الطيارة وأنهى إجراءات سفره ثم انطلق مباشرة إلى منزل الجدة فهو بتوق لرؤياها, يريد أن يروي عطش سنين من الحرمان وينبوعه العذب متواجد في ذلك المنزل, فرسه هناك يشتاق لشقاوتها, يشتاق لمكرها يشتاق...ويشتاق...
تشاجر مع سائق الأجرة لبطئه الشديد بالقيادة فطالبه بالإسراع، رفض السائق ما أمره به, " فسلطان يأمر ولا يطلب ".
أمره بالتوقف فاعتقد صاحب السيارة أنه يريد النزول واستقلال سيارة أخرى لكن و يا للعجب شاهده يلتف حول السيارة ويتقدم باتجاهه يفتح الباب ويسحبه من مكانه ويجبره على الجلوس بمكان الراكب وجلس هو بمكانه, وانطلق بالسيارة كالصاروخ والعجوز المسكين يتشبث بالمقعد ويرغي ويزبد ويتوعده بإبلاغ الشرطة ليزج بالسجن, لم يهتم سلطان ولم يبالي بتهديده فهمه الوحيد هو رؤيتها.
وصل للمنزل وترجل من السيارة ونقد صاحب السيارة وأعطاه من النقود ما يكفيه ويسكته عن تهديده، وهذا ما حدث ما أن شاهد الرجل المال بيده حتى لمعت عيناه فقد أعطاه سلطان 1000 درهم.
أنزل حقيبته وفتح الباب وكله لهفه للقياها وأخذ ينادي بأصحاب المنزل، فأجابه السكون ليعقد حاجبيه بعدم فهم, ثواني ليضرب جبهته كمن تذكر شيء ما غفل عنه " فهم في مثل هذا الوقت يكونون بالمزرعة ".
تنهد بضيق فهو عاجز عن الذهاب إليهم, ولعن غباءه من أنه لم يطلب من أحد أشقائه أن يستقبله بالمطار.
تجولت عيناه بالمكان بسأم إلى أن التقطت أنظاره سيارتها متوقفة عند الباب, صرخ بنصر فقد وجد ضالته.
أخرج سلسلة من المفاتيح وانتقى واحدا من بين المفاتيح الأخرى وطبع قبلة عليه فهذه نسخة من مفتاح سيارتها, وتذكر ذلك اليوم الذي أعطته جدته هذا المفتاح ليأخذ السيارة للكاراج وهتف بفرح:
" شكرا لك يا جدتي، فأنت منقذتي ".
فتح السيارة وجلس لتنبثق روائح عطره من البخور والعود فهو يعلم بأنها من محبي هذا النوع من العطور والبخور كانت أصيلة كما هي صاحبته.
تسللت تلك الروائح لأنفه وداعبت مشاعره، جلس عدة دقائق يتنفس رائحتها ويعبق رئته بأريجها الفواح ثم
أدار السيارة وانطلق بها بعد أن لمعت عيناه بتصميم لا يخطئه شخص,
" الفوز وليس هناك سبيل للخسارة ".
ففوزه يعني حياته, وخسارته يعني النهاية.
انعكس الذهب الأصفر المترامي على الطرقات بعينيه فاستل نظارته الشمسية من جيبه ووضعها فوق أنفه, وطفق ينخر عباب الطريق يناشده الإسراع والوصول لامرأته، فهي هناك تناجيه الإسراع.
شاهد المزرعة من بعيد وسيارة موستبيشي تتوقف عند باب المزرعة, أوقف سيارته بجانب سيارتهم وخرج منها ليقف ويعب رئتيه من هواء أرض الوطن, تجولت عيناه تبحث عنها فوجد جدته تقف وتتحدث مع أحد العامل, ومحمد يقف على بعد منها يقطف من ثمرات الرطب لكن من يتوق إليها ليست على مرمى بصره!!
توجه ناحية الجدة لتصرخ ببهجة لرؤية حفيدها فقد اشتاقت إليه.
" سلطان... ".
اقترب منها بسرعة بعد أن سمع نداءها والتفت ذراعيه القويتين عليها يحتضنها بالقرب من صدره، وأخذ يطبع قبلات على رأسها ثم ابتعد عنها ينظر إليها فشاهد دمعة تنسل من تحت جفونها.
" لما الدموع الآن يا جدتي لقد عدت؟! ".
" أنا لا أبكي...فقط حبات من الرمال دخلت بعيني ".
" آه يا جدتي!!... كم اشتقت إليك ".
" وأنا أيضا يا بني, أنت لن تسافر من جديد؟! ".
" أممممم في الحقيقة... بلى سأسافر ".
شاهدت التجهم على وجهها، فأسرع يطمئنها...
" ستكون سفرتي التالية لشهر العسل مع حفيدتك ".
نظرت إليه الجدة وابتعدت عنه وهي تحادثه:
" أما زلت مصرا على طلبك؟؟ ".
" وهل توقعت أن أغير رأي؟! ".
رفعت كتفيها بعلامة عدم المعرفة وقالت:
" في الحقيقة اعتقدت أن السفر والبعد سيغير من رأيك!! ".
" أبدا يا جدتي، أبدا لن يغير أي شيء من رأي، حتى هي لن أسمح لها!! ".
التفتت تنظر لعينيه والإصرار والعزيمة يبرق منها يعلن عن استعداده لخوض المعركة بكامل أسلحته الفتاكة.
" لن يكون الأمر بالسهولة التي تتوقعها يا بني، فقد تغير الوضع ".
سكتت قليلا ثم أردفت:
" لقد تأخرت بالقدوم يا بني... فمريم.... "
سكتت
استشعرت حواسه الخطر وانفلتت نبضات قلبه بوتيرة سريعة وهمس بدون فهم:
" تأخرت بالقدوم!! ".
رفع عيناه إليها فأشاحت بوجهها عنه، فنادها بصوت خرج مهزوزا وخائفا:
" جدتي!!! ".
" تقدم إليها رجل من عائلة طيبة ونسب جيد ".
شاهدت عيناه تظلم بوحشية, ووجهه اسود من شدة غضبه, وأصابعه تفرقعت مصدرة صوتا من قبضته القوية, واصلت الجدة حديثها تصب فوق النار زيتا وهي تدرك هذا:
" هي لم توافق بعد، لكن يبدوا أنها مرتاحة له والموافقة بادية على وجهها ".
سكون حل بالمكان.
بعكس ما بداخله من بركان ثائر قد انفجرت حممه اللاهبة وسرت بشرايينه تعلن عن تمردها, وقلبه صرخ مناديا بما يخصه يستصرخ صاحبه بأخذ ما هو حق عليه فهمس ببرود:
" أين هي؟؟ ".
" سلطان بني، انساها لقد انتهى الأمر ".
" جدتي!!... سألتك أين هي؟! ".
تنهدت الجدة بيأس من حالهما، وقالت مستسلمة:
" في إسطبل الخيول ".
اتجه ناحيتها تحركه عواصفه, و بداخله نار حارقة تصهر جوفه, وعقله يردد أنت لي يا مريم ولن تكوني لغيري.
توقف عند عتبة الباب وبحثت عيناه عنها ووجدها...تقف تربت على حصانها، جرت نظراته عليها ووله شع بعينيه, ودون إرادة شقت شفتيه ابتسامة اشتياق ونسي للحظات ما كان يريد أن يقوم به ما أن شاهدها, ونطق بحب ونشوة باسمها متلذذا بنغمته:
" مريم ".
تجمدت بمكانها ما أن سمعت همسه، تعرف هذا الصوت، قلبها وأذناها لن تخطئانه بين جموع الرجال, نغمته محمله بخشونة وبحة صوت متفردة, تقافزت دقات خافقها, وتبعثرت مشاعرها, وتسللت قشعريرة لكامل جسدها وشعرت بالهواء يختفي من حولها, وهناك بمكان قد أخفته أو اعتقدت أنها انتهت منه هلل مسرورا بعودته, فهدر به عقلها ينهر فرحته الناقصة وحادثه بعتاب:
" أنسيت ما حدث بهذه السرعة؟!... أنسيت ما قالته زوجته عنها؟!.. أنسيت كلماتها أم أعيدها لك؟!.. فأنا لم أنسها أبدا ولن أنساها!!
لكن أنا...أنا....
اخرس!!... لا كلمة لك بعد اليوم, فالآن جاء دوري لأصلح ما أفسدته أنت بتهورك المجنون, بعشق رجل لم ينظر إليك أبدا ".
استجمعت قواها المنسلة, وتسلحت بصلابتها وعزة نفسها التي أبدا لن تسمح لأي شخص أيا كان أن يسحقها.
التفتت ناحيته وحيته بجمود:
" حمد الله على سلامتك يا...ابن العم ".
فتح فمه ليجيبها فتجمدت حروفه على أعتاب لسانه, وعيناه توسعت, ووقف ينظر بذهول وبلاهة لتلك الحورية الواقفة أمامه, وهمس بخفوت ودون تصديق لما تراه عيناه:
" مريم!! ".
تجولت أنظاره عليها تفصلها تفصيلا كاملا من رأسها لأخمص قدميها...
ثم أعاد نظراته لوجهها وهمس من جديد يؤكد لنفسه:
" نعم... هي مريم ابنة عمي ".
لقد أصبحت جميلة بل مبهرة, تحركت تفاحة آدم تزدري ريقها بصعوبة, وبرقت عيناه بإثارة ورغبة عامرة بأخذ تلك الفرس الجميلة وإخفائها عن أعين البشر, لقد تحولت وأصبحت مذهلة.
شاهدته يتأملها والصدمة بادية على ملامحه, استغلت الفرصة لتشبع نفسها المريضة به...كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وكسر حدة سواد حلته قميص أبيض اللون، وقد أحل زرين من قميصه ليظهر صدره الأسمر، كان غاية بالوسامة.
تطلعت لعينيه وقد تحولت وتغيرت لشيء آخر خفقت نبضاتها من أجلها, فابتلعت لعابها وشعرت بأحاسيسها تعود إليها من جديد كأنها لم تتوعدها بعدم الرجعة, وهناك شيء قبع بأعماق قلبها شيء طاقت له وتمنته دائما " الرضا ".
صهيل حصانها أخرجها من دوامة عواطفها, لتلعن نفسها الضعيفة وسقوطها لدى رؤيته أمامها, نادت على قواها الخارقة وتحدثت تخفي ما بداخلها وقد نجحت، ألم يقل لها أنها المرأة الحديدية؟!... إذا فليتحمل:
" ماذا يا ابن العم، هل أكل القط لسانك؟؟ ".
" أنت...أنت..."
همس بخفوت :
" مثيرة!! ".
" ماذا قلت؟؟.... لم أسمعك؟! ".
" قلت... "
تقدم ناحيتها ورفع صوته عاليا
" جميلة!! ".
حدق بها يكاد يخترق دواخلها, وتشابكت نظراتهم, وتوهجت حرارة أجسادهم بالمكان, وهمس بشجن نطقت به عيناه قبل لسانه:
" لقد تغيرت ".
ارتبكت من نظراته, وتاهت في بحور عشق عشعش بين ثنايا أضلاعها.. تحبه وتعترف, وعشق ليس من السهل التخلص منه, فقد اختاره القدر ليكون سبب تعاستها.
أشاحت بوجهها بعيدا تكسر حدة تلك العواطف التي تملكتهم، وهمست بحزن ظهر جليا على صوتها:
" ماذا تريد يا ابن العم؟!... ألم ننتهي!!".
اقترب لتصفعه قوة المشاعر التي عصفت بجسده لحد الهلاك، وبصوته الأجش أجابها:
" من قال أننا انتهينا؟!... فنحن لم نبدأ بعد لننتهي ".
" لكن.....".
" هششششش ".
وضع سبابته على شفتيها الطريتين...فسرت كهرباء قوية رجت جسده الصلب وثارت أنفاسه ليخرج لهيب رغباته, وارتفع صدره وانخفض بسرعة, فلفحتها أنفاسه الساخنة وارتعش جسمها هي الأخرى لتلك اللمسة التي أشعلت كيانها, وألهبت روحها, فتاهت به واختفى كل ما حولها, وتوقف الزمن...هي وهو ورغباتهم الدفينة خرجت تعلن عن نفسها.
جرت عيناه على صفحة وجهها, وإصبعه يتلمس شفتيها ويشعر بأنفاسها الحارة تضرب كفه من سرعة انفعالها فزادت من هيجان رغبته بالحصول عليها ونسي أين هو؟!... وأن عائلتهما بالقرب منهما.
توقف عقله عن العمل, وقلبه أصدر حكمه فتركزت نظراته عليها, طاق لارتشاف شهد عسلها و لم يستطع أن يزود عنها أو يبتعد، فكأنما انفصل عن الواقع ودخل لعالم آخر عرف نكهته على يديها
انخفض واقترب...
وثار ورغب...
لمس وجن...
هاج وانسحق...
تاه وانتهى, فقد كانت القاضية.
**********************
احذر من امرأة ترى نهاية سقوطها قد اقتربت, ترى عالمها الواهي يندثر بسبب نكرة, ستتحول وتتغير كأفعى سامة تسلخ جلدها فيظهر عريها الحقيقي لمن تغافل تحت ألوانها الزاهية.
وقف محمد ومريم ينظرون لذلك الصاروخ المبهرج الذي اقتحم خلوتهم الهادئة في صباح يوم جميل, تصرخ وتلعن وتدعوا لأحب الناس لقلوبهم بالموت.
تشير ناحيتها وتنعتها بأبشع الصفات التي خدشت حياء فتاة لم تعرف بوجود تلك المصطلحات بحياتها.
دارت عيناها لشقيقها وهمست له نظراتها:
" أهذه هي الحياة التي أردتموها لي؟!.... أن أعيش معه بشقاء وبحروب لن تنتهي مع زوجته...هل أنا رخيصة بنظركم لترموني إليه؟!... هل....".
لم تستطع إكمال جملتها فأغمضت عيناها تحبس دموعها الخائنة التي تندب حبا لن يرى النور أبدا, بكت قلبا وقع أسير رجل لن يكون لها سوى ابن العم، خفق قلبها, فصرخت تسترجيه أن يرحم روحا تكاد تلفظ أنفاسها, هدر فيها يعاتبها:
وماذا عن حبك؟؟...
أجابته:
وأين هو حبي؟! لقد فقدته ورحل.....
لا لم يرحل هو يطالب بك.....
لا هو يشفق.....
تكذبين...
لا...لا أكذب...اسأل نفسك أين كان؟؟...ولما تلك...ولست أنا؟!
ولما الآن؟!
سكت واحتار إجابتها...ماذا يقول؟؟... وماذا يبرر؟؟... هل يسترسل بالدفاع أم يخضع لحكم العقل ويخمد ناره؟!...
دقة تتلوها دقة, كأنه الوداع الأخير, نزف وتألم, فما كان منه سوى السكون والخضوع.
فتحت عيناها على اثر وخزات أصابع قوية تغرس بلحمها, ونظرت إليها عن قرب, وشاهدت لبؤة تدافع عما لها و يا للسخرية " عذرتها " فلو كانت بمكانها لفعلت بالمثل.
لكن أبدا لن ترضى بالإهانة!!
استعرت النيران بمقلتيها, وزفرت أنفاسا ساخنة, إن كانت تلك غاضبة, فهي كبركان انبثقت حممه اللاهبة.
أمسكت بإصبعها الملكوز بجسدها وعصرته بقبضة من حديد, جعلت أنين ألم يخرج من سلمى, ثم دفعتها لتتراجع عدة خطوات للخلف وهمست تجز على أسنانها بأعصاب مشدودة:
" اياك وأن تجرئي على فعلها مرة أخرى!! ".
" أنت...أنت فتاة سمينة منحطة, سرقت زوجي!! ".
رفعت حاجبها بتعجب ثم وضعت كفيها على خاصرتها ووضعت على وجهها قناع السخرية:
" حقا فعلت!!... إذا انتظري دعيني أنظر ".
تجولت يداها على ملابسها تبحث عن شيء ما...ثم فتشت بجيب جلابيتها ثم ما لبثت أن رفعت كتفيها ولوت شفتيها بحسرة وقالت:
" للأسف لم أجد زوجك عندي!!... فلتبحثي عنه في مكان آخر!! ".
" أيتها الحقيرة!!... أتسخرين مني؟!".
تقدم شقيقها وصرخ بها:
" اخرسي!!... أنت من هي الحقيرة، وإن أردت أن ترمي بغضبك على أحد ما، اذهبي إلى زوجك فهو السبب!! ".
" لا... هي السبب!! ".
أشارت ناحيتها
" هي من كانت ترمي بنفسها على زوجي ".
قهقه بصوت عالي خلت ضحكته من الفكاهة ثم قال بتهكم:
" أرجوك!!... أنت تكذبين نفسك, فأنت تعلمين من هي التي ترمي بنفسها أمام الرجال, وبالطبع شقيقتي ليست منهم ".
أدرك أنه وصل لهدفه بجحوظ عينيها، وشحوب وجهها فتداركت نفسها وتحدثت وتلعثمت:
" أنت...أنت...لا شأن لك... فهذا الحديث بيني وبين شقيقتك ".
التفتت ناحيتها ووجهت حديثها إليها :
" أم أن شقيقتك ضعيفة وتحتاج محاميا ليدافع عنها؟! ".
" شقيقتي....".
أسكتته مريم من الاسترسال بالدفاع عنها برفع يدها.
" في الحقيقة لا أحتاج لمحامي, وأيضا لا أحتاج لأن أبرر موقفي ناحيتك, عليك بالحديث مع زوجك وليس معي, فهو الرجل وهو من تقدم للزواج مني وبالمناسبة قد " رفضت " ".
نظرت ناحيتها باشمئزاز وأكملت تبث كلامها المسموم تقذفه ناحيتها:
" من تظنين نفسك؟!... لتقفي وتتبجحي برفضك له؟!... ألا تنظرين لنفسك بالمرآة؟!.. أنت فتاة سمينة ضخمة وعادية، لا تملكين أي مقومات للجمال ".
سكتت ثم ابتسمت بمكر تريد كسر هيبتها التي لم تتزعزع مهما حاولت الحط من قدرها:
" بالمناسبة...طلب سلطان للزواج منك شهامة منه كما تعرفين, هو يحبني أنا بل يعشقني, أنظري إليّ أنا جميلة هو يحب جمالي وما أقدمه له أما أنت...".
تركت الباقي من جملتها معلقة كي تفهمها, واقتربت أكثر ونظرت إلى مريم والشرر يقطر من عينيها وحقد وكره دفين يظهر بمقلتيها، فهمست بفحيح تنكأ جروحها وتفجر لغمها:
" هل تعرفين ماذا قال لي عندما سألته لما يريد الزواج منك؟!".
" اخرسي وأخرجي من المنزل في الحال ".
هدر فيها محمد, نظرت إليه بلا مبالاة وأشاحت بوجهها ناحية الفتاة الواقفة كجذع شجرة لم تتزحزح من مكانها، سكتت ثم بزقتها بوجهها:
" قال.... زواجي منها مجرد شفقة, وسأتزوجها فقط من أجل جدتي وسيكون زواجنا فقط أمام الناس فأنا لا أستطيع التطلع لشكلها القبيح ".
التفتت على عقبيها وغادرت بعد أن وصلت لغايتها.
عيون شاخصة للمكان الفارغ, غادرت و خلفت خلفها سكين باردة صدئة غرستها بقلبها بقوة دون أن تأخذ بها أية رحمة أو شفقة, لتتركها هكذا كشاهد قبر حبها, لتتوقف نبضات خافقها يعلن عن وفاته.
صقيع تغلغل لأعماق روحها لكلمة كانت تعلم بها لكن أن تسمعها فهذا مختلف!!
تقدم شقيقها ينوي احتواءها فأوقفته رافضة مساندته، وتحركت دون أن تشعر بجسدها متجه ناحية غرفتها وأغلقت الباب بوجهه كأنها تغلق قلبها على حديث لا طائل منه.
****************************
تتعاقب الأيام, وينجلي البدر يزيحه قرص الشمس, تسري بهم الساعات وتأخذهم مشاغل الحياة بروتينها وصعوباتها, تنسل منا بين الحينة والفينة دمعات الحنين, تبكي مرارة الحياة وأحكام القدر, لكن أن تسعى, وتحاول, وتثابر, وتتمسك بالأمل, والنظر للأفق البعيد لرؤية المستقبل الذي ينتظرك فهذا هو
" الأهم ".
فمهما كثرت أعداد سقوطنا.. فأن تنهض فذلك هو النجاح...وأن تصبوا لحياة أفضل فأنت الكاسب.
تسير بممر الجامعة بأنف شامخ وعيون شاخصة للأمام, فتلك هي مهمتها بالحياة, فقد اختارت النسيان, والنظر لمستقبلها فهي مريم ابنة أبيها أخذت صلابته وحكمته، وأخذت من والدتها هدوءها ورقتها، تمازجت الشخصيتان لتظهر تركيبة متفردة, قوية, صلبة, حنونة, ثائرة, لا ترضى بالإهانة, ورأسها دائما بالعالي كما تقول جدتها " ابنة الغالي رأسها دائما مرفوع ".
كان روتينها يسير بشكل سلس, تذهب للجامعة ثم تعود تتغدى مع جدتها وشقيقها لتحل فترة العصر, ليستقلوا سيارتهم بقيادة شقيقها محمد، فبعد حصوله على رخصة قيادته نصب نفسه سائقهم الخاص بكل مكان يريدون الذهاب إليه ( لحظة... التسوق غير شامل التوصيل ) فهذا شرطه الوحيد.
انطلقوا ناحية المزرعة وكلها شوق لامتطاء حصانها, نعم فهي الآن قادرة على امتطاء حصانها والعدو فيه بكل مكان, فالطريقة التي اتبعتها مع الطبيبة كانت ناجحة فخلال عدة شهور استطاعت بإصرارها وعزيمتها أن تصل بوزنها لـ 68 واستطاعت خسارة الكثير من الكيلو غرامات...
لا تنكر الصعوبة بانقاص الوزن, ولا كمية الصبر التي تحلت بها كي تظل على الجدول الغذائي, والفضل لوجود شقيقها وجدتها اللذان لم يتخليا عنها بل سانداها وساعداها، وحثاها على الاستمرار كلما شاهدا علامات الاستسلام تظهر على محياها فيبثا بداخلها القوة والعزم فتنبثق منها طاقة هائلة كأنها ولدت من جديد.
كان شقيقها يقدم لها الدعم المعنوي ويقوم معها بممارسة رياضة المشي يوميا كلما حضروا للمزرعة.
تهرول بحصانها بسعادة والرياح تداعب وجهها الباسم, وحجابها مربوط بإحكام على رأسها, إحساس جميل بالتحليق كلما أسرع بها حصانها وشعور بالحرية يطغى على روحها, وسكون يتغلغل بكيانها, وابتسامة مشرقة طبعت على شفتيها الكرزيتين, شعت عيونها البندقية بالبهجة وسعادة طفقت تحوم حولها, هزت لجام حصانها تحثه على الإسراع ليستمع ويصهل مجيبا طلبها لينطلق مخترقا نسمات الهواء العليلة, تلكزه لينطلق مسابقا الريح وصوت قهقهاتها يتردد صداها بالمكان.
عادت تتمخطر وابتسامتها لم تفارق مبسمها وهدوء طغى على ملامحها, ترجلت بعد أن وصلت للإسطبل وكفها يربت على حصانها وهمست عند أذنيه بشكر لتلك الرحلة الجميلة والتقطت حبات من السكر لتطعمه إياه.
" مريم.... ".
شاهد تصلب جسدها, وتجمد كفها بالهواء, نظرت عيناه إليها تتشرب رؤيتها، وتتنفس رئتيه شذاها وأريج عطرها الذي دوخ مركز عقله, لقد اشتاق....
ولم يتوقع كمية تلك المشاعر التي بداخله من أجلها, اعتقد أن بسفره سينساها, و أن ما يشعر به ناحيتها ربما مجرد إعجاب أو افتتان ما شاهده بعيون رجال آخرون، لكن اعتقاده كان خاطئا, بعده عنها جعله يدخل بدهاليز من الأحاسيس الجديدة التي طفقت تغزوا روحه, وشوق كبير اعتمل كيانه، وقلبه ذلك حالة أخرى لم يعرف ما أصابه!!... فكلما تراءت له صورتها أو تذكر موقف لهما ينتفض قلبه بقوة يكاد يحطم قضبان سجنه، فيهمس للفراغ المحيط به حمل صوته الشجن والوله:
" ماذا فعلتِ بي يا ابنة عمي؟!... قلبتي حياتي وأدخلتني بمتاهات ودروب كنت أسخر منها بالسابق, فعبارات الحب تلك موجودة فقط في الكتب والأفلام والواقع مختلف!! "
تنهد ومسد على صدره واضعا كفه على موضع قلبه.
" والآن ها أنا أجربها وأتذوقها على يديك يا صغيرة!! ".
فيضحك بصوت زلزل السكون حوله واتكأ على مسند الكرسي:
" آه يا سلطان لو سمعتك وأنت تناديها بالصغيرة...ستغضب وتثور وتسكتك بكلماتها اللاسعة ".
ليعود ويضحك وهو يتخيل صورتها...عينيها الغاضبة, بشرتها تشربت حمرة الغضب, شفتيها الممتلئتين مكورة تزيد من ضخامتها تناديه ليقتص منها بقبلة جامحة تسرق أنفاسها وكلماتها اللاذعة, وآه كم يطوق لتجربة وتذوق لهيب شفتيها الطاهرتين التي لم يمسها مخلوق.
لمعت عيناه بتصميم كبير بالفوز بفرسه الجامحة, وغريزة الصياد بداخله تحثه على الانتهاء من عمله بسرعة قبل أن تشطح فرسه وتطير عنه وتقع بشباك صياد آخر غيره .
حاول العمل بسرعة فواجهته عراقيل منعته من العودة, كان يتصل كل يوم يتحدث مع جدته يطمئن عليها وبطريقة غير مباشرة يسألها عن أحوال مريم، لتنهره الجدة بأن لا شأن له بها، فيخبرها بأنها ابنة عمه ويريد أن يطمئن عليها فقط، فتتنهد الجدة بحيرة ولكن بداخلها قلب يزغرد بالفرح بأنه لم يستسلم وأنه ما زال متمسكا بها .
انتهت فترة عمله والتي أخذت منه أيام طويلة كما هو متوقع منه، فمهما حاول أن يتحايل على الزمن إلا أن وقته كان مجدولا ومختوما!!
عاد يحمل شغفا وعواطف وأشواق لم يعرف بوجودها قط بحياته, أصبح كمراهق يتوق للقاء حبيبته.
هبط من الطيارة وأنهى إجراءات سفره ثم انطلق مباشرة إلى منزل الجدة فهو بتوق لرؤياها, يريد أن يروي عطش سنين من الحرمان وينبوعه العذب متواجد في ذلك المنزل, فرسه هناك يشتاق لشقاوتها, يشتاق لمكرها يشتاق...ويشتاق...
تشاجر مع سائق الأجرة لبطئه الشديد بالقيادة فطالبه بالإسراع، رفض السائق ما أمره به, " فسلطان يأمر ولا يطلب ".
أمره بالتوقف فاعتقد صاحب السيارة أنه يريد النزول واستقلال سيارة أخرى لكن و يا للعجب شاهده يلتف حول السيارة ويتقدم باتجاهه يفتح الباب ويسحبه من مكانه ويجبره على الجلوس بمكان الراكب وجلس هو بمكانه, وانطلق بالسيارة كالصاروخ والعجوز المسكين يتشبث بالمقعد ويرغي ويزبد ويتوعده بإبلاغ الشرطة ليزج بالسجن, لم يهتم سلطان ولم يبالي بتهديده فهمه الوحيد هو رؤيتها.
وصل للمنزل وترجل من السيارة ونقد صاحب السيارة وأعطاه من النقود ما يكفيه ويسكته عن تهديده، وهذا ما حدث ما أن شاهد الرجل المال بيده حتى لمعت عيناه فقد أعطاه سلطان 1000 درهم.
أنزل حقيبته وفتح الباب وكله لهفه للقياها وأخذ ينادي بأصحاب المنزل، فأجابه السكون ليعقد حاجبيه بعدم فهم, ثواني ليضرب جبهته كمن تذكر شيء ما غفل عنه " فهم في مثل هذا الوقت يكونون بالمزرعة ".
تنهد بضيق فهو عاجز عن الذهاب إليهم, ولعن غباءه من أنه لم يطلب من أحد أشقائه أن يستقبله بالمطار.
تجولت عيناه بالمكان بسأم إلى أن التقطت أنظاره سيارتها متوقفة عند الباب, صرخ بنصر فقد وجد ضالته.
أخرج سلسلة من المفاتيح وانتقى واحدا من بين المفاتيح الأخرى وطبع قبلة عليه فهذه نسخة من مفتاح سيارتها, وتذكر ذلك اليوم الذي أعطته جدته هذا المفتاح ليأخذ السيارة للكاراج وهتف بفرح:
" شكرا لك يا جدتي، فأنت منقذتي ".
فتح السيارة وجلس لتنبثق روائح عطره من البخور والعود فهو يعلم بأنها من محبي هذا النوع من العطور والبخور كانت أصيلة كما هي صاحبته.
تسللت تلك الروائح لأنفه وداعبت مشاعره، جلس عدة دقائق يتنفس رائحتها ويعبق رئته بأريجها الفواح ثم
أدار السيارة وانطلق بها بعد أن لمعت عيناه بتصميم لا يخطئه شخص,
" الفوز وليس هناك سبيل للخسارة ".
ففوزه يعني حياته, وخسارته يعني النهاية.
انعكس الذهب الأصفر المترامي على الطرقات بعينيه فاستل نظارته الشمسية من جيبه ووضعها فوق أنفه, وطفق ينخر عباب الطريق يناشده الإسراع والوصول لامرأته، فهي هناك تناجيه الإسراع.
شاهد المزرعة من بعيد وسيارة موستبيشي تتوقف عند باب المزرعة, أوقف سيارته بجانب سيارتهم وخرج منها ليقف ويعب رئتيه من هواء أرض الوطن, تجولت عيناه تبحث عنها فوجد جدته تقف وتتحدث مع أحد العامل, ومحمد يقف على بعد منها يقطف من ثمرات الرطب لكن من يتوق إليها ليست على مرمى بصره!!
توجه ناحية الجدة لتصرخ ببهجة لرؤية حفيدها فقد اشتاقت إليه.
" سلطان... ".
اقترب منها بسرعة بعد أن سمع نداءها والتفت ذراعيه القويتين عليها يحتضنها بالقرب من صدره، وأخذ يطبع قبلات على رأسها ثم ابتعد عنها ينظر إليها فشاهد دمعة تنسل من تحت جفونها.
" لما الدموع الآن يا جدتي لقد عدت؟! ".
" أنا لا أبكي...فقط حبات من الرمال دخلت بعيني ".
" آه يا جدتي!!... كم اشتقت إليك ".
" وأنا أيضا يا بني, أنت لن تسافر من جديد؟! ".
" أممممم في الحقيقة... بلى سأسافر ".
شاهدت التجهم على وجهها، فأسرع يطمئنها...
" ستكون سفرتي التالية لشهر العسل مع حفيدتك ".
نظرت إليه الجدة وابتعدت عنه وهي تحادثه:
" أما زلت مصرا على طلبك؟؟ ".
" وهل توقعت أن أغير رأي؟! ".
رفعت كتفيها بعلامة عدم المعرفة وقالت:
" في الحقيقة اعتقدت أن السفر والبعد سيغير من رأيك!! ".
" أبدا يا جدتي، أبدا لن يغير أي شيء من رأي، حتى هي لن أسمح لها!! ".
التفتت تنظر لعينيه والإصرار والعزيمة يبرق منها يعلن عن استعداده لخوض المعركة بكامل أسلحته الفتاكة.
" لن يكون الأمر بالسهولة التي تتوقعها يا بني، فقد تغير الوضع ".
سكتت قليلا ثم أردفت:
" لقد تأخرت بالقدوم يا بني... فمريم.... "
سكتت
استشعرت حواسه الخطر وانفلتت نبضات قلبه بوتيرة سريعة وهمس بدون فهم:
" تأخرت بالقدوم!! ".
رفع عيناه إليها فأشاحت بوجهها عنه، فنادها بصوت خرج مهزوزا وخائفا:
" جدتي!!! ".
" تقدم إليها رجل من عائلة طيبة ونسب جيد ".
شاهدت عيناه تظلم بوحشية, ووجهه اسود من شدة غضبه, وأصابعه تفرقعت مصدرة صوتا من قبضته القوية, واصلت الجدة حديثها تصب فوق النار زيتا وهي تدرك هذا:
" هي لم توافق بعد، لكن يبدوا أنها مرتاحة له والموافقة بادية على وجهها ".
سكون حل بالمكان.
بعكس ما بداخله من بركان ثائر قد انفجرت حممه اللاهبة وسرت بشرايينه تعلن عن تمردها, وقلبه صرخ مناديا بما يخصه يستصرخ صاحبه بأخذ ما هو حق عليه فهمس ببرود:
" أين هي؟؟ ".
" سلطان بني، انساها لقد انتهى الأمر ".
" جدتي!!... سألتك أين هي؟! ".
تنهدت الجدة بيأس من حالهما، وقالت مستسلمة:
" في إسطبل الخيول ".
اتجه ناحيتها تحركه عواصفه, و بداخله نار حارقة تصهر جوفه, وعقله يردد أنت لي يا مريم ولن تكوني لغيري.
توقف عند عتبة الباب وبحثت عيناه عنها ووجدها...تقف تربت على حصانها، جرت نظراته عليها ووله شع بعينيه, ودون إرادة شقت شفتيه ابتسامة اشتياق ونسي للحظات ما كان يريد أن يقوم به ما أن شاهدها, ونطق بحب ونشوة باسمها متلذذا بنغمته:
" مريم ".
تجمدت بمكانها ما أن سمعت همسه، تعرف هذا الصوت، قلبها وأذناها لن تخطئانه بين جموع الرجال, نغمته محمله بخشونة وبحة صوت متفردة, تقافزت دقات خافقها, وتبعثرت مشاعرها, وتسللت قشعريرة لكامل جسدها وشعرت بالهواء يختفي من حولها, وهناك بمكان قد أخفته أو اعتقدت أنها انتهت منه هلل مسرورا بعودته, فهدر به عقلها ينهر فرحته الناقصة وحادثه بعتاب:
" أنسيت ما حدث بهذه السرعة؟!... أنسيت ما قالته زوجته عنها؟!.. أنسيت كلماتها أم أعيدها لك؟!.. فأنا لم أنسها أبدا ولن أنساها!!
لكن أنا...أنا....
اخرس!!... لا كلمة لك بعد اليوم, فالآن جاء دوري لأصلح ما أفسدته أنت بتهورك المجنون, بعشق رجل لم ينظر إليك أبدا ".
استجمعت قواها المنسلة, وتسلحت بصلابتها وعزة نفسها التي أبدا لن تسمح لأي شخص أيا كان أن يسحقها.
التفتت ناحيته وحيته بجمود:
" حمد الله على سلامتك يا...ابن العم ".
فتح فمه ليجيبها فتجمدت حروفه على أعتاب لسانه, وعيناه توسعت, ووقف ينظر بذهول وبلاهة لتلك الحورية الواقفة أمامه, وهمس بخفوت ودون تصديق لما تراه عيناه:
" مريم!! ".
تجولت أنظاره عليها تفصلها تفصيلا كاملا من رأسها لأخمص قدميها...
ثم أعاد نظراته لوجهها وهمس من جديد يؤكد لنفسه:
" نعم... هي مريم ابنة عمي ".
لقد أصبحت جميلة بل مبهرة, تحركت تفاحة آدم تزدري ريقها بصعوبة, وبرقت عيناه بإثارة ورغبة عامرة بأخذ تلك الفرس الجميلة وإخفائها عن أعين البشر, لقد تحولت وأصبحت مذهلة.
شاهدته يتأملها والصدمة بادية على ملامحه, استغلت الفرصة لتشبع نفسها المريضة به...كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وكسر حدة سواد حلته قميص أبيض اللون، وقد أحل زرين من قميصه ليظهر صدره الأسمر، كان غاية بالوسامة.
تطلعت لعينيه وقد تحولت وتغيرت لشيء آخر خفقت نبضاتها من أجلها, فابتلعت لعابها وشعرت بأحاسيسها تعود إليها من جديد كأنها لم تتوعدها بعدم الرجعة, وهناك شيء قبع بأعماق قلبها شيء طاقت له وتمنته دائما " الرضا ".
صهيل حصانها أخرجها من دوامة عواطفها, لتلعن نفسها الضعيفة وسقوطها لدى رؤيته أمامها, نادت على قواها الخارقة وتحدثت تخفي ما بداخلها وقد نجحت، ألم يقل لها أنها المرأة الحديدية؟!... إذا فليتحمل:
" ماذا يا ابن العم، هل أكل القط لسانك؟؟ ".
" أنت...أنت..."
همس بخفوت :
" مثيرة!! ".
" ماذا قلت؟؟.... لم أسمعك؟! ".
" قلت... "
تقدم ناحيتها ورفع صوته عاليا
" جميلة!! ".
حدق بها يكاد يخترق دواخلها, وتشابكت نظراتهم, وتوهجت حرارة أجسادهم بالمكان, وهمس بشجن نطقت به عيناه قبل لسانه:
" لقد تغيرت ".
ارتبكت من نظراته, وتاهت في بحور عشق عشعش بين ثنايا أضلاعها.. تحبه وتعترف, وعشق ليس من السهل التخلص منه, فقد اختاره القدر ليكون سبب تعاستها.
أشاحت بوجهها بعيدا تكسر حدة تلك العواطف التي تملكتهم، وهمست بحزن ظهر جليا على صوتها:
" ماذا تريد يا ابن العم؟!... ألم ننتهي!!".
اقترب لتصفعه قوة المشاعر التي عصفت بجسده لحد الهلاك، وبصوته الأجش أجابها:
" من قال أننا انتهينا؟!... فنحن لم نبدأ بعد لننتهي ".
" لكن.....".
" هششششش ".
وضع سبابته على شفتيها الطريتين...فسرت كهرباء قوية رجت جسده الصلب وثارت أنفاسه ليخرج لهيب رغباته, وارتفع صدره وانخفض بسرعة, فلفحتها أنفاسه الساخنة وارتعش جسمها هي الأخرى لتلك اللمسة التي أشعلت كيانها, وألهبت روحها, فتاهت به واختفى كل ما حولها, وتوقف الزمن...هي وهو ورغباتهم الدفينة خرجت تعلن عن نفسها.
جرت عيناه على صفحة وجهها, وإصبعه يتلمس شفتيها ويشعر بأنفاسها الحارة تضرب كفه من سرعة انفعالها فزادت من هيجان رغبته بالحصول عليها ونسي أين هو؟!... وأن عائلتهما بالقرب منهما.
توقف عقله عن العمل, وقلبه أصدر حكمه فتركزت نظراته عليها, طاق لارتشاف شهد عسلها و لم يستطع أن يزود عنها أو يبتعد، فكأنما انفصل عن الواقع ودخل لعالم آخر عرف نكهته على يديها
انخفض واقترب...
وثار ورغب...
لمس وجن...
هاج وانسحق...
تاه وانتهى, فقد كانت القاضية.
