رواية ميراث الحنايا الفصل الحادي عشر 11 بقلم 𝓳𝓶𝓻𝓪
."الأيام تكشف لنا الناس أكثر من الكلام." Part 11
مرّت أيامٍ ثقيله، بس الله سلَّم،
وانكسر خوفٍ بقلوبٍ دعاها الرجوع.
عادوا بثوب السلامة، وبسمة مكلّمة،
وشمس بيت الجد، بعد الغياب، تضوع."
+
مرّت ثلاثة أيّام منذ رجوع هايف ومطلق وعلي من المستشفى...
ثلاثة أيام ما زال فيها أثر الخوف باين في عيون الكل، حتى لو حاولوا يبتسمون.
كل واحد فيهم يحمد ربّه على السلامة، لكن داخله خوف خفي ما راح بسهولة.
+
كان الوقت قرابة الثامنة ليلاً، يوم دخلت سيارات العائلة بيت الجد هيثم.
القمر واقف فوق رؤوسهم، يضرب نوره على بلاط الفناء، والجو بارد بس فيه نَفَس حياة... نَفَس رجعة بعد تعب طويل.
+
هايف كان جالس بالكراسي الأمامية مع سلطان، هادي وما يتكلم كثير، نظراته شاردة في الطريق، كل ما التفت أحد عليه يبتسم ابتسامة صغيرة يخفي وراها وجع كثير.
رجوله مغطاة ببطانية خفيفة، والعكاز حاطينه عنده.
أما مطلق وعلي، كانوا ورا بالسيارة الثانية، يحاولون يضحكون على أشياء تافهة بس أصواتهم باهتة، والضحك ما يوصل لعيونهم.
+
لما وصلوا، الكل كان ينتظرهم...
الرجال مجتمعين في المربّع الكبير، وأصواتهم تتداخل مع رائحة الأكل، ناصر يسأل عن حالهم، وسلمان يرد وهو يحمد الله، وسلطان يحاول يخفف جوّ التوتر بكلمة مزاح، بس الجو ما زال ثقيل شوي.
+
أما داخل البيت، فكان الوضع مختلف.
الحريم في المجلس، ووجوههم فيها مزيج بين راحة وقلق.
منيرة قاعدة على طرف الكنبة، عيونها تدور بين الباب كل شوي، كأنها تتأكد أن ولدها فعلاً قدامها مو حلم.
نور تحاول تبتسم وهي تتكلم مع موضي، وهدى تقول دعابة خفيفة تحاول تكسر الصمت اللي يتمشى بينهم.
غزيل تمدح في طبخ المطبخ، ونجلاء تساعد الشغالة توزع القهوة.
+
وفي المطبخ...
كانت رزان واقفة عند المجلى، ترتب السفرة وتجهز العصيرات.
رائحة الكبسة تملأ المكان، والقدر الكبير يغلي على النار، والحرارة تلف وجهها بخفة.
كل شوي تمسح جبينها بطرف كُمها، وعيونها تتنقل بين الصحون كأنها تبي تنسى شيء أكبر من مجرد طبخ.
+
دخلت الجدة سارة بخطاها الثابتة، تمسك طرف الباب وتقول بصوتها المليان وقار:
_ "رزان يا بنتي، يلا خلّي الشغالة تكمل، تعالي السفرة لا تتأخرين."
+
رفعت رزان راسها بسرعة وقالت بابتسامة صغيرة:
_ "خلاص يمّه، دقايق وأجي بس أرتّب الحار قبل يبرد."
+
الجدة سارة ابتسمت لها وقالت وهي تعدّل طرف طرحتها:
_ "يكفي اللي سويتيه، وجودك معنا يكفي، الله يرضى عليك يا بنت منيرة."
+
رزان نزلت عيونها بخجل وردّت بهدوء:
_ "الله يرضى عليك يا جدتي."
+
خرجت الجدة تمشي للمجلس، وراها صوت خطواتها يختفي بهدوء.
رزان تنهدت وهي تطالع الصحون الجاهزة وقالت بصوت واطي:
_ "حتى المطبخ صاير ساكت... يمكن البيت مشتاق للضحك بعد."
+
بعد شوي، دخل مطلق ومعه علي متكئين على بعض، متعبين بس ملامحهم فيها حياة.
ابتسمت رزان يوم شافتهم وقالت:
_ "الحمدلله على سلامتكم يا مجانين."
+
ضحك علي بخفة وقال وهو يحاول يمشي عدل:
_ "الله يسلمك، لو تشوفين كيف نطلعنا من السيارة تقولين فيلم أكشن!"
+
ضحكت رزان، ورد مطلق بنبرة هادئة:
_ "المهم إننا طلعنا أحياء، الباقي ما يهم."
+
نظرت له رزان بنظرة سريعة قبل ما تلتفت تكمل ترتيبها.
كلهم كانوا يحاولون يعيشون لحظة عادية، بس بين ضحكاتهم ظلال خوف باقي، وجدران البيت كأنها تحفظ الدعوات اللي انقالت في ليالي المرض
+
كانت رزان خارجة من المطبخ، تمسح يديها بمنديل وهي متجهة نحو المجلس تتعشى.
لكن قبل أن تخطو خارج الباب، دخل تميم فجأة، ودف باب لداخل بشويش ودخل معها، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء.
ارتبكت رزان، وتراجعت بخطواتها للوراء وهي تقول بتوتر:
_ "شفيك أنت؟ وش تبغى؟ م تستحي؟"
+
اقترب منها تميم بخطوات بطيئة وصوت هادئ:
_ "ليه أستحي؟ انتي زوجتي، ولا أنا غلطان؟ و بعدين وراك ما أكلتي؟"
+
نزلت عيونها للأرض وهي تهمس:
_ "لو كنت تهتم كان عرفت السبب، بعدين وش لك شغل إذا أكلت أو لا؟"
+
ابتسم تميم بخفة وقال وهو يمد يده يحرك الخصلة الي طايحه على وجهها:
_ "كيف مالي دخل؟ انتي لي، ومن حقي أعرف وش مضايقك."
+
في تلك اللحظة، التفت تميم فجأة، كأنه شعر بشيء.
خفض صوته وقال لها بابتسامة جانبية:
_ "ترى أحس في أحد يسمعنا..."
+
رفعت رزان نظرها له بارتباك، وقبل أن ترد،
انفتح الباب فجأة، ودخلت غرام أم تميم وهي تضحك وتقول بغمزة:
_ "يووه، شكلّي دخلت المكان الغلط."
+
توجهت للثلاجة، أخذت قارورة ماء، ثم التفتت عليهم بابتسامة خفيفة وقالت:
_ "اجل شدو حيلكم نبي حفيد."
+
احمر وجه رزان من الخجل، تميم تنحنح وهو يطالع الأرض بابتسامة صغيرة تخونه.
غرام أخذت قارورة موية من الثلاجة، وضحكت وهي تطلع من الباب قائلة:
_ "كملوا كلامكم، بس لا تنسون العشا برد!"
+
غرام خرجت وهي تضحك، تاركة وراءها جو مليان حرج ومشاعر متشابكة.
+
التفت تميم نحو رزان، ابتسم وقال بخفة:
_ "الله يعين، ما في لحظة نرتاح فيها إلا لازم أحد يدخل!"
+
مشى تميم، ورا امه و قفل الباب وراه و فجأة تنهد و هو يقول:
_ ياليل على ذي البيبان مافي مفاتيح شذي الحاله؟"
+
لف تميم على زوجته و تقدم صوبها، و مسكها من خصرها و شدها لحضنه بقوة و قال لها بصوت واطي و شتوي:
+
_ أعطيني بوسه.......وقبل يكمل جملته، انفتح الباب مرة ثانية، ودخلت حصّة وهي تقول بصوت عالي تمزح فيه:
_ "احم احم، رورو بالله تعالي كُلي قبل يخلص الأكل، م بقى إلا شوي!"
+
تميم رفع يده بحركة يائسة وقال وهو يضحك بعصبية خفيفة:
_ "وجع! أنتو ما تخلون الواحد يرتاح مع زوجته؟ وش فيه داخلين طالعين؟!"
+
ضحكت رزان واغتنمت الفرصة تهرب من الموقف، خرجت بسرعة وهي تضحك ووجهها أحمر من الخجل،
بينما تميم وقف عند باب المطبخ، يناظرها تبتعد بنظرة فيها ابتسامة صغيرة وشيء يشبه الرضا
+
وترك وراه صمت ثقيل، كأنه وعد ما انقال، لكن الكل حس فيه. ابتسم بخفة، ابتسامة تخفي وجع أكثر مما تُظهر فرح. خطواتها كانت تبعد... لكن أثرها يقرّب أكثر لوسط قلبه. ما كان يدري إن اللحظة اللي فاتت... بتكون شرارة تغيّر عمره كله.
+
المكان مجلس الرجال
الزمن الساعه ٩:١٠ ليلاً
+
دخل الجد هيثم، المجلس و عينه طاحت على طول على هايف الي جالس في زاوية المجلس يهوجس، بينه و بين نفسه و يطالع رجوله كأن في شي و مو مع الجلسه
تقدم الجد هيثم صوب هايف و قال بصوت حازم:
_ وليدي هايف الدنيا ذي....... و قبل يكمل جملته دق جوال هايف هايف رفع رأسه و طالع فالجد هيثم و طالع فالجوال، الي يرن رقم ثابت، رفع الجوال بتوتر، جاه صوت مو غريب عليه :
_ السلام عليكم انت استاذ هايف؟"
+
_ ايه أنا هلا؟ شصاير في شي؟"
+
_ الله يسعدك ي طويل العمر انت مقدم على طلب، قُرابة الساعه ٢:٥ ضهراً علاج طبيعي، ممكن تباشر عندنا بكراً الساعه ٨:٣٠ صباحاً؟
+
_ ايه ايه توي تذكرت ابشر حبيبي م طلبت شي بس اسمع ممكن ترسلي لوكيشن المكان شكلي ناسيه إذا معليك امر؟"
+
_ حاظر دقايق و هو عندك، تأمر بي اي شيء ثاني او اي شي ودك نخدمك فيه، حنا تحت الخدمه،"
+
_ ابد لا ولله سلامتك ي الحبيب فمان الله، مع السلامه."
+
قفل هايف الجوال، ولف على الجد هيثم، طالع هايف فالجد هيثم و هو يضحك و قال بصوته الغائص المعروف : شفيك ي جدي كذا فوقي كنك مراقب في اختبار عسى ماشر؟."
+
الجد هيثم لف وراه، و سحب الكرسي المتحرك الي جالس عليه هايف لنص المجلس و جلس قدامه و قال بصوت مكسور:
+
_ ي وليدي عسى ماشر جالس لوحدك فالزاوية حبيبي، يمين بالله الدنيا ذي م تستأهل تراني شايفك من اول و ماشلت عيني من عليك، شايفك تهوجس، أنا طلعت من هنا و أنا يمين بالله ضايق صدري عليك."
+
لف الجد هيثم على علي، الي متمدد فالكنب يحرك رقبته بصعوبه من الألم، شال الجد هيثم عينه من علي كأنه يدور شي بس محد يعرف الجد هيثم وش يفكر فيه، طالع الجد هيثم على هزاع ولد متعب و غزيل. و لوح بيده بتعال. جاه هزاع و الجد هيثم طالع فيه و قال:
_صب لي قهوه ي وليدي إذا م عليك امر الله."
+
_ ابشر ي جد م طلبت شي."
+
_ يعطيك العافية." حراك رأسه الجد هيثم و طالع في هايف و هو يطبطب على فخد هايف برقة و قال بصوت حازم:
+
_ هايف ي ولدي الدنيا دي محد جاه فيها على ما تمنى و حط ذا الشي قاعده فعقلك، و ذا الشي قدر مقدور ي ولدي و كلنا ماشين من ذي الدنيا محد بيبقى لا تطالع بنفسك بنظرة يأس و كأنك غير قادر على فعل شيء انت تقدر، تذكر ان بعد موت ابوك انت الي اهتميت في امك و بنفسك و في حياتكم و تحملت أشياء محد بعمرك يتحملها و ذا الشي الي صار فيك اليوم قدر مقدور ربي كاتبه، و محد يقدر يهرب من القدر."
+
تنهد هايف كأن في شي ثقيل و كبير في قلبه مو قادر يطلعه او يوصفه بي اي شكل من الأشكال و قال بصوت مكسور:
_ ادري ي جدي بس يمين بالله تعبت و أنا أتحمل كل الي يصير معاي حتى البنت الي تمنيتها ام عيال......."
ماكمل هايف جملته و اكتفى بسكوت كأن حس ان..."
+
رفع رأسه الجد هيثم يوم سمع الكلمه الأخير من هايف و قال بإستغراب:
+
_ هايف ولدي بسألك انت ليه إلا الان ماتزوجت و انت رجال بن رجال و مو ناقصك شي؟"
+
تلعثم هايف بالكلام، وقال بصوت متقطع بدون ما يرتب كلامه:
+
_ يا اااا جججدي!" بلع ريقه هايف كأنه حاس ان ما يقدر يخطو هالخطوة و قبل يكمل تدخل تميم بضحكه كأنه حاس ان لازم ينقض هايف من هالموقف لأنه عارف وش السبب الي خلاها ما يكمل نص دينه إلا الان و يقال و هو يسحب هايف:
+
— ااا اسمع ي جدي ودي هايف شوي برا بقوله شي مهم بيني و بينه."
+
الجد هيثم حس ان في شي بس ماركز على الموضوع لأنه يعرف قلب هايف زين و لوح براسه بتمام."
+
في الجهة الثانية من البيت، كانت الأجواء مختلفة تمامًا...
غرفة البنات كانت مليانة ضحك وخفة دم.
جوري جالسة قدام التسريحة، تمشط شعرها بعناية وكأنها بطلة في مشهد فيلم.
رزان متمددة على السرير، تتابعهم بعين فيها كسل وضحكة خفيفة،
ودانه واقفة عند جوري، تسوي لها شعرها وهي تهمس بين وقتٍ والثاني بنكتة أو تعليق ساخر.
هدى مستلقية على الكرسي المقابل، تغوص في مكالمتها مع صحبتها وضحكتها تطلع بين الحين والآخر.
أما حصّة، فكانت غارقة بسوالفها مع رزان، تتكلم بعفوية وكأن العالم كله ملكهم.
+
وفجأة، جوري قامت من عند التسريحة بخفة، راحت تفتح الدولاب وهي تدندن بشيء ما بين همس وضحك،
وفجأة، عيونها وقعت على فستانٍ قديم.
ضحكت بصوت عالي وهي تسحبه من الدولاب، رفعت الفستان على صدرها وتلف حول نفسها بخفة طفولية،
تدور كأنها في عالمها الوردي البعيد عن كل الواقع.
+
رزان ما قدرت تمسك نفسها من الضحك، تنحنحت وهي تحاول تتماسك،
لكن صوتها خرج ضاحك وهي تقول:
_ "يا بنت شفيك انت؟ شو وضعك اليوم؟ فعالم وردي من الصباح! شصاير معاك؟ لا يكون طحتي ومحد سمى عليك؟"
+
جوري لفت بسرعة على رزان، ملامحها ارتبكت، وتغير وجهها لما التقت عيونها بعيون دانه.
صارت لحظة صمت ثقيلة شوي، دانه كشرت، قامت، وطلعت من الغرفة وهي تقفل الباب بقوة وراها.
+
رزان ظلت واقفة بمكانها، مستغربة من الجو اللي تغيّر فجأة،
حاولت تهدي الوضع وهي تقول بنعومة:
_ "هااا وش فيها ذي؟ وش صاير؟"
+
لكن جوري لفت، تنفست بعصبية وقالت وهي ترفع حاجبها:
_ "بعض الناس ما يعجبهم العجب ولا صيام برجب، أوووف بس!"
وبعد لحظة، ابتسمت بخبث وهي ترفع صوتها:
_ "بس اسمعوا بنات... تخيّلوا! وانتي تسوين سكين كير مع زوجك وكذا، يا الله الصراحة يا بختك يا رزاان!"
+
رزان فتحت عيونها باستغراب وهي تقول:
_ "على وش ي بختي؟"
+
ضحكت حصة بصوت عالي وهي تطالع رزان وتقول بغمزة:
_ "إنتي فاهمة وش قصدها! لا تسوين لي فيها غبية هااه، احم احم بس خلني ساكتة!"
+
رزان عضّت شفتها وهي تضحك، مدت يدها وضربت حصة على فخذها وقالت وهي تحمر من الخجل:
_ "يمين بالله إن ما تسكتين، ي ويلك يا حيوانة!"
+
وانفجر المكان كله بالضحك،
ضحك بناتٍ من القلب،
ضحك رجّ البيت،
ضحك كسر ثقل الأيام اللي راحت.
وما انتهت الليلة... إلا وقد تغيّر معنى "الميراث".
+
وفي الجهة الثانية، عند البير،
كان الليل ساكت إلا من همسات الهوى وخرير الماء.
هايف متسند رأسه على كتف تميم،
وتميم ماسك كوب الشاي، عيونه تسرح بالبعيد كأنها تفتّش عن شي ضايع.
+
التفت له تميم وسأله بصوت جاد، يقطر رجولة واهتمام:
_ "هايف، يا رجال وش بلاك؟ تلعثمت يوم جدي سألك، انت مرة ارتبكت، علّمني وأنا أخوك وش فيك؟ ترى عارف البير وغطاه..."
+
هايف تنهد، حرّك نفسه بخفة، وعيونه راحت للبعيد:
_ "آه بس... ساعدني، ودي أرجع أجلس بالكرسي حقي،
يمين بالله في حمل كبير بقلبي، ودي أفضفض، أعبّر،
بس ما باليد حيلة وأنا أخوك... خله على الله،
من بعد موت أبوي عسّاف، انقلب حالي وحال أمي رأس على عقب."
+
سكت تميم شوي، نظر له بنظرة فيها حنية وقال:
_ "طب علّمني، فضفض لي، سامعك أنا، أنا أخوك اللي ما جابته جدتي موضي،
اعتبرني أخوك، ما لك أحد غيري،
بس بسألك سؤال..."
+
_ "إيه أسمعك، تفضل اسأل؟"
+
تميم ارتبك شوي، صوته صار واطي:
_ "انت قد حبيت؟"
+
هايف ابتسم ابتسامة فيها وجع وقال بصوت متكسر:
_ "إيه... الصراحة، إيه، وكثير بعد، مو شوي، بس ليه تسأل؟"
+
تميم هز رأسه وقال بخفة:
_ "لا بس سؤال، على العموم، بدخل داخل بجيب لنا فنجالين قهوة،
وإذا لقيت حب بجيبه معي، وبرجع تمام؟"
+
ضحك هايف بخفة وقال:
_ "تمام، عبال ما تجي، أنا بروح دورة المياه، أقضي حاجتي وانت بكرامة."
+
لكن تميم ما إن وقف عند الممر...
حتى وقف قلبه لوهلة.
شاف ناصر، واقف يكلم في الجوال، صوته عالي جداً،
غاضب بطريقة ما قد شافها منه من قبل.
وقف تميم مكانه، يسمع بعينه قبل أذنه،
وبعدها تقدم بخطوات بطيئة متجهًا للمجلس كأنه ما شاف شيء.
+
دخل، ولقى الجد هيثم جالس، يطالع الراديو اللي بيده،
يعدل نغمة، ويتنفس بهدوء العجايز اللي تعبوا من الدنيا.
رفع الجد عيونه على تميم وقال بصوت متعب وهو يمد الراديو على فخذه:
_ "تميم يا ولدي وينكم؟
وش صاير فجأة طلعتوا كلكم؟ حتى عمامك ناصر وسلمان، وأبوك، وانت أصلاً خذت هايف وطلعت،
ومشعل كان جالس معي وفجأة خرج؟!"
+
ابتسم تميم وهو يصب له قهوة وقال بهدوء:
_ "أبد يا جدي، عمي سلمان مدري وينه،
وعمي ناصر يكلم بالجوال برا عند الممر،
وأنا وهايف كنا عند البير نسولف،
ودوبي داخل أجيب لنا قهوة، وإذا فيه فصفص عند مجلس الحريم بجيبه تمام يا جدي؟"
+
الجد هيثم هز راسه وقال وهو يتنفس ببطء:
_ "خذ راحتك يا ولدي... أنا بقوم أدخل داخل، بأخذ غفوة،
غفوة أبو ساعتين ثلاث،
حوالي الفجر، صحّيني... أربع، أربع ونص كذا."
+
_ "أبد تم يا جدي، نوم العوافي."
+
نهض الجد هيثم ببطء، تعدّل في وقفته،
وقال وهو يفتح الباب:
_ "الله يعافيك يا ولدي."
وخرج بخطواتٍ بطيئة،
تارِك خلفه بيت الحنايا،
واللي بداخله ألف حكاية... ما انتهت بعد.
+
في الجهة الثانية، حصه جالسه عند الطاقه تتأملها و فجاءه صرخت، رزان طالعت فيها و قالت بعصبيه:
+
_ ياحيوانه انتي شفيك انتي!! تصارخين كذا شصاير!؟"
+
حصه طالعت فيها و هي مبتسمه و تقول:
+
_ بنات في مطر!"
+
رزان ابتسمت و طالعت في حصه و قالت: الله من زمان عنه عاد أنا بطلع السطح احس فله."
+
حصه ضبطت جلستها و التفت لرزان و هي تحط رجل على رجل، و مدت يدها عشان تأخذ الحاف الي جنبها و تتغطى فيه و تنهدت و مددت ضهرها بخفه و قالت:
+
_ ي غبيه برد اقولك مرة، برد منتي صاحيه وربي!
+
رزان اتجهت عند الباب و خرجت و ابتسامتها شاقه وجهها، و شعرها يتطاير من خلفها،"
حصه قعدت تتأملها بصمت و ضحكت بخفه و قالت بصوت واطي: اه! بس من ذي الغبيه، اعشقها، هههه."
+
وقبل لحظات تميم تنهد و هو يرفع رأسه و يطالع السماء و لف على هايف و هو يتمتم بكلمات غير مفهومه، و فجاءه قام و طالع بهايف و قال: اسمع شكله بينزل مطر و الجو بداء يصير برد خل ندخل داخل ي رجال"
+
_ ايه أصلا بدخل داخل بروح بأخذ لي اكل جعت فجاءه و بروح بعدها انام تبي معاي؟"
+
_ لا ابد بروح بأخذ لي كتاب او رواية و بطلع السطح انت بالعافية عليك"
+
هايف بداء يحرك الكرسي المتحرك حقه و يتجه صوب الباب: ابد تم"
دخل هايف داخل البيت و اتجه لجناح الحريم و دق الباب محد رد و دخل.... دخل و هو يتلفت يمين يسار كنه يدور حد فجاءه بدون مايحس شاف ظل وراه و يوم لف طلعت في وجهه هدى، تنحنح و قال بصوت مكسور ه... ه.. هدى؟"
+
ردت هدى و هي تحس ان كل كلمة و كل حرف ترجعها عشره سنين ورا و كل شوي تلتفت لورا كنها منتظره حد او خايفه حد يشوفهم: ايه امرني وش بغيت؟"
+
هايف قرب منه، و ارتعشت هدى و حست بقشعريرة و اتراجعت خطوتين للخلف و هو يقرب خطوتين زياده ، هدى بدت تتراعد و تسمع صوت خطوات حد جاي في الطريق و دفته بأقوى ما أعطاها الله من قوة و صرخت في وجهه و الدمعة نزلت من عينها و كأن الثانية مستحية تنزل:
_ صاحي انت؟ فعقلك تقرب مني كذا، و أنا لا أُحل لك؟، و ماني من محارمك" و خفضت صوتها و همست بإذنه بأخر كلمه و قالت و هي تلتفت لورا:
_ هايف أبعد حرام!! إذا حد شافنا كذا بتصير مصيبة ابببعد الله يهديك!!"
+
لفت و ركضت و الدموعها تنزل و كل شوية تلتفت للخلف كأنها تنادي بإسمه و قلبها كل يوم و الثاني يمر يتقطع الف قطعه
+
هايف نزل رأسه للأرض و هو يطالع فيها تركض و ناداها بصوت متقطع:
+
_ هدى!!"
التفت قبل تخطوه خطوتها الاخيره و تخرج من المكان، و جت عينها بعينه.. قالها هايف و الغصه بصوته: إذا ماعليك امر جوعان الله يسعدك ممكن تسويلي اكل من بعد إذنك؟."
+
ماجاوبت و بغت تخرج و لفت و كإن خانتها العبرة و لوحت رأسها بتمام و رجعت و دخلت و لفت من جنبه و هو يشم و يستنشق ريحتها و يسمع صوتها كنه صوت النسيم الي نادرة ما يسمعه و يتأملها و هي ماشيه من جنبه بحذر."
+
"وتركها تمشي، وهو يبتسم غصب."
"و كل ما حاول ينسى، يرجع يذكرها بغير قصد."
"انطفأت الأضواء، وبقيت الهمسات عالقة في الجدران...
كأنها ميراث لا يزول."
+
طلع تميم للسطح، ماسك بيده رواية قديمة، من النوع اللي ريحتها تختلط مع صوت المطر. الجو بارد، والمطر خفيف، يرسم خطوط على الأرض كأنه يغسل تعب اليوم. لابس فروته الثقيلة، وبيده الثانية ماسك بطانيته الصغيرة، ناوي يقرا شوي قبل ما ينزل.
+
لكن أول ما رفع عيونه، طاحت نظرته على "رزان".
كانت جالسة عند طرف السور، متكمّلة في عبايتها، تضّم نفسها بيدينها الصغيرة من شدّة البرد. قطرات المطر تتساقط على خصل شعرها اللي تفلّتت من طرف الغطاء، وهمست بصوت خافت بالكاد يُسمع:
"ليتني سمعت كلام حصّة وقعدت عندها... بدل ما أتجمّد هنا."
+
ابتسم تميم لا إراديًّا، تنهد بخفّة ومشى باتجاهها بدون ما تحس. وقف قريب منها، ومد فروته عليها بهدوء. ارتجفت يوم حسّت بالدفء المفاجئ، والتفتت له بسرعة وعيونها متوسّعة من المفاجأة.
+
قال بهدوء:
"برد، صح؟ ما ينفع تجلسين كذا."
+
جلست ساكتة، نظراتها متوترة، لكنه جلس جنبها، ومد بطانيته عليه وعليها معًا. ساد الصمت، إلا من صوت المطر ونبض اللحظة.
+
رفع تميم عيونه للسماء، يتأمل القمر والنجوم اللي تطالعهم الغيوم بين لحظة ولحظة، وقال بابتسامة خفيفة:
"شوفي... شفيه القمر اليوم يشبهك."
+
ضحكت بخجل، نزلت راسها وقالت بصوت خافت:
"هذي مجاملة بعد ولا جد؟"
+
ابتسم وهو يطالعها بهدوء:
"ما أجامل القمر."
+
ضحكت بخفّة وهي تتأمل المطر، ونسيت نفسها انه في حضنه لأكن في لحظة. مد تميم يده، و بداء يلمس شعرها الأسود الطويل بخفة و أمسك يدها الصغيرة كأنه يطمنها، وقال:
"ترى البرد ما يخوّف دام في دفء حواليك."
+
رفعت نظرها له، عيونهم التقت، وصار المطر وقتها أهدى من قبل، كأنه يعرف إن في لحظة ما تنعاد.
+
رفعت رزان رأسها تطالع تميم بابتسامة صغيرة، المطر كان يهطل بخفة، والجو بارد لكن بينهم دفء مختلف.
قالت بصوت هادي متردد:
+
"هممم.. شرايك ننام هنا؟ قصدي بالسله، بيت جدي هيثم؟ وبكرا نمشي؟"
+
طالعها تميم للحظة، كأنه يقرأ في ملامحها أكثر من مجرد سؤال بسيط.
مال راسه بخفة وقال:
+
"انتي كذا تبين؟"
+
هزّت رأسها بنعومة، وبصوت خجول قالت:
+
"أي."
+
ابتسم، نبرة صوته صارت دافيه وهو يقول:
+
"ابشري غاليه، والطلب رخيص."
+
ضحكت بخفه، وبحركة طفولية قامت من مكانها، تمسك طرف الفروة اللي كان يغطيها وتنزل بخطوات سريعة.
ركضت تنزل الدرج، وضحكتها تسبقها، والهواء البارد يلعب بأطراف شعرها.
وقف تميم مكانه، يتابعها بعينه، يشوفها وهي تختفي شوي شوي عن نظره، والابتسامة ما فارقت وجهه.
+
تنهد، قام وهو يسحب بطانيته بيده، نزل بخطوات هادية للساحه، وبعدها دخل القصر.
الهدوء كان يغطي المكان، إلا من صوت المطر اللي يتناثر على النوافذ.
+
مشى تميم على مهل لين وصل لغرفة الجد هيثم، وطرق الباب بخفة، ثم قال بصوت هادي:
+
"ي جدي، صار الليل، قم صل الوتر."
+
تحرك الجد بهدوء، قام من سريره متثاقل الخطا، وقال وهو يتثاءب:
+
"الله يجزاك خير يا وليدي."
+
راح للحمام توضأ، ورجع وصلّى بخشوع، وصوته وهو يقرأ القرآن خافت لكنه مطمّن.
تميم ابتسم وهو يسمع صوته، ثم خرج من الغرفة، ومشى لممر طويل يوصله لغرفته.
+
دخل غرفته، تمدد على السرير، وعيونه تتأمل سقف الغرفة.
كانت ملامحه ساكنة، بس الابتسامة لسه ما راحت.
تذكر صوت رزان وهي تقول "ننام هنا"، تذكر ارتباكها، وضحكتها وهي تركض، وتنهيدة البرد اللي جمعتهم تحت الفروة.
رفع يده فوق راسه وهو يبتسم، ثم ضحك بخفه كأنه يلوم نفسه على ابتسامة ما يبغى يخفيها.
+
لكن فجأة تذكر لحظة غريبة، لما كان يمر قبل شوي عند الممر وسمع صوت ناصر.
صوته كان عالي، معصب، وكأنه يهاوش أحد بالجوال.
وقف وقتها بس ما ركز كثير، والآن الصوت رجع يرن في أذنه، فيه نبرة حزن مو معتادها منه.
تمتم بهمس:
+
" عمي ناصر وش فيه..."
+
وفي الجهة الثانية، كانت رزان توها داخله غرفة حصه. و رزان توها متروشة، شعرها مبلول، وريحة البخّور ماليه المكان.
الغرفة شبه مظلمة إلا من النور الخافت اللي جنب السرير.
رزان سلمت عليها وجلست على الفرشة، تسحب البطانية على نفسها وتقول:
+
"برددد."
+
ضحكت حصه وهي تلبس جواربها وتقول:
+
"ي بنت لا تكذبين، انتي جايه من فوق، أكيد بردك لسه ما راح."
+
ضحكت رزان بخفه وقالت:
+
"هممم يمكن."
+
جلست حصه على طرف السرير وقالت بابتسامة:
+
"شرايك دام الكل نايم، أنا وانتي نسولف شوي و نفضفض لبعض."
+
ردت رزان بابتسامة فيها دفء:
+
"تم... بس جيبي سناكات."
+
ضحكت حصه وقالت وهي تضربها بخفة:
+
"كذا نظامك انتي؟ ما تبين تسولفين إلا مع أكل!"
+
رزان ضحكت وقالت:
+
"يلا جيبي فصفص على الأقل."
+
قامت حصه وهي تضحك وتمشي للمطبخ، لكن قبل تفتح الباب، دخلت جوري فجأة.
كانت عيونها منتفخة من البكاء، ملامحها تعبانه كأنها شايلة الدنيا فوق راسها.
تجمدت رزان وحصه مكانهم، تبادلوا نظرات صدمة وسكوت طويل.
+
سألتها حصه بخفوت وقلق:
+
"جوري؟ اش فيك؟"
+
بس جوري ما ردت، مشت على فرشتها وجلست، كأنها تحاول تتظاهر إن كل شي طبيعي.
قالت بصوت مبحوح:
+
"مابي أتكلم دحين... بكرا يصير خير."
+
رزان وحصه سكتوا، نظرتهم لبعض كانت تقول كل شي بدون كلام.
قالت حصه بخفوت:
+
"تم..."
+
بعدها طلعوا سوا للمطبخ،
رزان جلست فوق الرخام، تحط الشبس بالصحن، وحصه واقفه عند الإبريق تنتظر الشاي يغلي، البخار طالع، ورائحة النعناع ماليه الجو.
+
قالت رزان وهي ترفع عيونها:
+
"وش فيها جوري؟ من اليوم وهي مو طبيعيه! و حتى دانه كأن في حدد قالها موضوع مضايقها او شي مو عاجبها من اليوم هي و جوري وجههم مو عاجبيني!"
+
ردت حصه وهي تتنهد:
+
"والله مدري... عاد علمي علمك، بس ان شاء الله بكرا خير."
+
قالت رزان وهي تحرك الشبس بالصحن:
+
"إن شاء الله..."
+
وفي نفس اللحظة، الجد هيثم كان توه مسلم من صلاته، يجلس على سجاده، ويديه ترتجف من كبر السن، لما سمع طرق خفيف على الباب.
التفت وقال بصوت متعب:
+
"من؟ منو صاحي بذا الوقت؟"
+
رد الصوت من ورا الباب:
+
"أنا ناصر، يا جدي."
+
قال الجد:
+
"تفضل يا ولدي."
+
دخل ناصر، وجهه شاحب، العروق في يده بارزه من التوتر.
جلس بهدوء وقال:
+
"ي جدي... عندي موضوع ضروري أستشيرك فيه، لأني ناوي أطبقه."
+
رفع الجد حاجبه وقال باستغراب:
+
"خير إن شاء الله؟ تكلم يا ناصر، اللهم اجعله خير."
+
ناصر لف نظره عن الجد للحظة، تنهد وقال بصوت واطي لكنه ثابت:
+
"ودي أطلق أم جوري... ما عاد أقدر أستمر معها أكثر من كذا."
+
شهق الجد، ووقف من مكانه بخطوة سريعة رغم كبر سنه، وقال بانفعال هادي:
+
"افا يا ناصر؟! وش ذا الكلام؟! حالكم كان تمام، وش اللي صار فجأة؟! تعوذ من إبليس يا ولدي واذكر الله!"
+
ناصر عض شفايفه وقال بنبرة فيها تعب:
+
"أذكر الله يا جدي، بس... حالنا مو مثل ما الناس تشوفه."
+
جلس الجد على الكرسي، نظر له بنظرة مليانة حكمة وقال:
+
"قول لي الحقيقة، لا تخبي علي. أمك ولا وحدة من خواتك معبّين راسك؟ علّمني، تراي أعرفهم من قبل لا تولد، وأدري إن علاقتهم بزوجتك مو ذاك الزود..."
+
سكت الجد لحظة، تنهد، ثم قال بنبرة فيها رجاء:
+
"تكلم يا ناصر، تراني جدك... لا تخبي علي."
+
كان الجو ساكن في غرفة الجد هيثم، إلا من صوت السبحه اللي تدور بهدوء بين أصابعه. رفع ناصر عيونه وقال بنبرة فيها ثقل وتردد:
"الصراحة يا جدي... ما أكذب عليك، مو عاجبني الوضع، ولا حتى البعد البسيط اللي بين زوجتي وأمي. يعني أنا أشوف الفرق بين تعامل أمي مع زوجتي وزوجة سلمان، ومو مرتاح له. وأمي بعد ما تخفي كرهها لها من يوم مات أبوي فهد، الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته. قبل موته ما كانوا يطيقون بعض، بس وقتها كنت مغرور بحبي لها، خذيتها حب، لكن خلاص... ذاك الحب انزاح من قلبي، وودي أطلقها وأرتاح."
+
الجد هيثم طالع فيه، ملامحه تشددت وقال بصوت هادي لكنه مليان حكمة:
"وبنتك؟ ما فكرتوا فيها؟ تفكرون بس بأنفسكم انت وياها؟ فكّر شوي يا ناصر، بعقل. الدنيا ما تمشي على مزاجنا، بنتكم مالها لا أخ ولا أخت، بتتشرد. لا تخلون العناد يعميكم. الحياة مو دايم سهله يا ولدي."
+
ناصر بلع ريقه وقال بثبات:
"لا والله يا جدي، أنا متحمل كل شي، ومصمم على الطلاق، والي يصير يصير."
+
تنهد الجد هيثم بعمق، وصوته نزل هادي كأنه طالع من القلب:
"طب، استخرت؟"
رد ناصر بثقة:
"إيه، استخرت."
قال الجد وهو يهز راسه:
"إيه، أحلّك بالتوفيق. سو اللي تشوفه مناسب، أنت ما مشيت على نصيحة أبوك، فخل تمشي على كلامي بعد، وشوف حياتك. لكن أوصيك... لا تضيعون البنت بينكم، جوري مالها ذنب، أوصيك عليها ثم أوصيك عليها."
+
وقف ناصر، وقبّل راس جده وقال:
"أبد، لا توصي حريص يا جدي. مع السلامة."
+
جلس الجد على الأريكة، ممدد جسده، وعيونه تطالع السقف بصمت، والسبحة تدور بين أصابعه، يفكر، يقلب الأمر بعقله اللي تعب من الهموم.
+
أما في الجهة الثانية من البيت، عند غرف العيال، كان علي يتقلب في فراشه، ما جاه نوم. تنهد ورفع راسه، راح صوب سرير تميم وهمس له:
"تميم، نايم؟"
+
رفع تميم رأسه بعصبية وقال وهو يدفه بخفة:
"انت حمار؟ ما تشوف أني نايم؟"
+
ضحك علي وقال:
"اقول، خل عنك النوم، ودي أفضفض، في شي بقلبي، وأحس إنك الوحيد اللي ممكن تفهمني، شرايك؟"
+
جلس تميم يفرك عيونه وقال وهو يتثاءب:
"طيب طيب، دامها فضفضة، أسمعك."
+
التفت علي حوله وقال بخوف:
"لاا، مو هنا، الكل بيسمعنا. نطلع الصالة."
+
قاموا بهدوء، وراحوا لصالة العيال الفاضية. جلس علي قدام تميم وتنهد بعمق، وقال بصوت واطي:
"تراني بدخل بالموضوع بدون لف ودوران... أنا ما أحس براحة مع دانه، قلبي مع غيرها و احس ودي.. هممم اطلقها و في وحدة حاطاها براسي من اول، ومو قادر أنساها، كنت أبيها تكون أم عيالي، ولا ودي أنساها و إذا قلبي فكر بيوم ينساها اسقي عروقه دم و انهي حياتي لأن الحياة بدون الي بقلبي الصراحة مالها طعم و و ماودي أنساها حتى لو كلفني حياتي."
+
فتح تميم عيونه وقال بصوت مصدوم:
"ول ول ول!! هدي ي رجال، وش اللي سم وطلاق؟ وش وضعك أنت؟"
+
قال علي وهو يطالع الأرض:
"ما أكذب عليك، ما قدرت أرتاح معاها، والطلاق أهون من إن أعيش مع وحدة قلبي ما يبيها. ما أبي أظلم بنت الناس معاي."
+
سكت لحظة، رفع عيونه وقال:
"بس ترى جاي أقولك بعد ما سويتها فعلاً... طلقت دانه، بدون ما أحد يدري، لا أبوي ولا حد من أعمامي حتى جدي. ما أدري هي استوعبت ولا باقي، بس والله ما قدرت أكمل، و الوجه من الوجه ابيضّ وش بيكون شعورها إذا عرفت إن زوجها قلبه متعلق بـ..."
+
توقف، ارتبك، تلعثم، وسكت فجأة، كأنه خاف من الكلمة اللي على طرف لسانه.
تنفس بعمق وقال وهو يوقف:
"عشان كذا جيت أقولك، أشوف رايك."
+
تميم انصدم وقال بصوت عالي شوي:
"مجنون انت؟! كلمت أبوك؟ كلمت عمي سلمان؟ علمتهم باللي سويته يا أهبل؟!"
+
بعدين هز راسه وقال بهدوء:
"بس الصراحة؟ دامك مو مرتاح لها، فالطلاق أهون من إنك تسجن نفسك بزواج مافيه حب. يمكن تصرفك غلط، بس إحساسك واضح، وصدقني ما أحد يعيش بالإجبار. و على قولتك الوجه من الوجه ابيضّ عاد!"
+
تنفس علي بارتياح بسيط وقال وهو يبتسم بخفة:
"أخيراً فهمتني يا تميم..."
+
كان الليل ساكن، والهواء البارد يدور في زوايا القصر، كأنه يحمل هموم البيت كلها.
تميم تنهد، وقف من مكانه، وخرج من الصالة بخطوات ثقيلة، رجع لغرفته وسحب الغطا فوقه وهو يحاول يطرد الأفكار اللي مزاحمته في راسه.
+
في الوقت نفسه، كان علي جالس على طرف السرير، ماسك جواله، عيونه متسمّرة على الشاشة، تفكيره بعيد جدًا، لين لمح ظل خفيف مرّ من جنبه. رفع راسه بسرعة، وشاف جوري تمر قدامه، تمسح دموعها وهي تحاول تكتم بكاها.
تجهت للسطح بخطوات سريعة، ودموعها تنزل على خدها بدون صوت.
+
وقف علي، إحساس غريب شدّه، ركض وراها بدون ما يفكر.
+
وقبلها بلحظات، كانت دانه في غرفة البنات، حاسة إن فيه شي مو طبيعي في تصرفات جوري. التفتت يمين ويسار، وما شافتها، قامت من مكانها وطلعت، خطواتها مترددة، تحس إن قلبها مقبوض.
شافت باب السطح مفتوح، وطلعت بخوف.
+
ولما وصلت فوق...
المشهد اللي قدامها كسرها.
كأن الدنيا وقفت للحظة، والهواء اختفى.
+
علي كان واقف قريب من جوري، يحاول يهدّيها، يواسيها، يمسك كتفها بخفة. لكنها ما شافت غير مشهد واحد... حضن ودموع وقرب.
وهي اللي قبل ساعات كانت زوجته.
+
دموعها نزلت بصمت، ثم بانكسار، ثم بصوت مختنق:
"بذي السرعة نسيتني؟ بذي السرعة بعت العشرة؟ أصلاً أي عشرة؟ أنت يوم ما حبيتني من الأساس..."
+
صوتها ارتجف، ودموعها انسكبت أكثر.
جوري كانت تحاول تتكلم، تشرح، لكن الموقف انفجر.
+
دانه تراجعت كم خطوة، وصوت شهقتها خنق المكان، ثم ركضت و طلعت فوق السور و مافي إلا خطوتين بينها و بين الموت ثم صرخت:
"قسم بالله يا علي... لو ما رجعت لي أو ما تجرأت تخطبني بعد اليوم، لأنتحر، وأخليها بذمتك ليوم الدين!"
+
البيت كله صحى على صوتها.
السطح امتلأ بالناس، و أولهم سلمان الي اول ما دخل السطح طاحت عيونه على يد علي و هي ماسكه يد جوري، و هزاع اخو دانه، و تميم و هايف و حصه و رزان، والجد هيثم طالع المشهد بعكازته، صدمته باينة في عيونه، ويده ترتجف. و الكل طلع السطح.
+
ناصر كان واقف، مصدوم، ما يصدق اللي يصير، والكل في لحظة تجمع فوق.
+
صرخت دانه من بين دموعها:
"والله شفتهم! شفتهم بعيني يحضنون بعض، وأنا وهو ما كملنا يوم من طلاقنا! ما احترمتني؟ يا علي، ما احترمت مشاعري؟!"
+
علي حاول يقرب منها، صوته مبحوح:
"دانه اسمعيني، مو مثل ما فهمتِ، أقسم بالله..."
+
مد يده يمسكها، لكنها سحبت يدها بسرعة، وطاحت و شهقت آخر شهقة بحياتها...وهي تبكي، والكل صرخ باسمها.: داااااانه!! و طاحت من السطح.....
+
ارتفع الصراخ، الجو اشتعل بالغضب، وكأن السطح ضاق بأهله.
هزاع اخو دانه خريج السجون اندفع على علي بعصبية ما تعرف حدود، وكل اللي حولهم حاولوا يوقفونه.
سلمان كان يصرخ باسمه، وتميم وآسر ومتعب يمدّون أيديهم يحاولون يبعدونه، لكن الغضب كان أعمى.
+
العراك صار فوضى...
أنفاس متسارعة، أصوات ارتطام، وعيون متسعة من الصدمة.
الهواء في السطح تغيّر، صار ثقيل، يختنق منه الواحد.
+
وفجأة — في لحظة ما أحد فهم وش صار — انقلب المشهد.
صرخة قوية شقت السكون، والكل تجمّد في مكانه.
+
علي تراجع بخطوة، عيونه متسعة، وصوته اختفى، وارتبك الكل.
جوري صاحت باسمه، وتميم هرع له، وسلمان ركض بخطوات مرتجفة. و هو يصرخ:
ولديييي!
+
وطاح علي على الأرض و هو ماسك بطنه و الدم معبي يده
الوقت وقف، والدنيا صارت مثل الصورة الباهتة.
العيون تلاحق بعضها، والخوف لفّ المكان كله، والجد هيثم ماسك عكازته ويردد بصوت مبحوح:
"استغفر الله... استغفر الله العظيم... وش اللي صاير؟"
و هزاع يصرخ بقوة و يقول:
+
" إيه أنا طعنته!! يستاهل اختي انتحرت بسببه "
+
السطح امتلأ بصراخ، نداءات، وارتباك.
كل شيء صار بسرعة، بسرعة ما تسمح للعقل يفهم وش اللي صار بالضبط.
+
الليلة انقلبت من لحظة غضب إلى كارثة،
ومن خلاف عائلي إلى وجع، ما راح ينسى أحد تفاصيله أبد.
+
وسط الجو المشحون بالصدمة والهلع،
الأنفاس متقطّعة، والكل بين باكي ومذهول،
وفجأة —
انقلب هدوء الليل إلى ضجيج مرعب.
+
أصوات الإنذارات دوّت في أرجاء القصر،
أنوار الإسعاف و الشرطة تلون جدران البيت بالأحمر والأزرق،
وصوت السيارات الأمنية وهي توقف قدام البوابة كأنها تعلن بداية فوضى ما لها نهاية.
+
البوابة انفتحت بعنف، واندفعوا رجال الأمن والعساكر يركضون للسطح،
أسلحتهم بأيديهم، وأوامرهم تتطاير بين بعض:
+
"خلّوا الممر فاضي!"
+
"أحد يجيب نقالة بسرعة!"
+
"لا أحد يلمس شي الحين!"
+
غبار الأحذية العسكرية اختلط بدموع الحريم،
وأنوار الإسعاف تلمع على وجيه البنات اللي متجمعة حول دانه،
كل وحدة ترتجف، ما تدري تصيح ولا تصمت.
+
الإسعاف رفع دانه بحذر، والدمعة تنزل من عين المسعف وهو يقول بصوت مبحوح:
+
"نبض ضعيف... بس لسه تتنفس!"
+
غزيل صرخت بصوت مخنوق وهي تمد يدها:
+
"خلوني أروح معاها، خلّوني معها تكفون!!"
+
رجال الأمن يحاولون يهدّونها، والجد هيثم واقف عند الباب، ماسك عكازته،
وجهه مصفر، ويده ترتجف وهو يقول بصوت مبحوح:
+
"وش اللي صار؟! من اللي سوا كذا؟!"
+
صوت أحد العساكر يرد من بعيد:
+
"تم القبض على المتسبب يا طويل العمر."
+
الكل التف، والعيون اتجهت صوب هزاع،
واقف بين رجال الأمن، مقيد اليدين، ووجهه ملوث بدم علي، وماسك السكين بيده..."
وعيون العائلة كلها تقول كلمة وحدة:
"ليش؟!"
+
والجو كله ما عاد فيه إلا صوت المطر،
ينزل بهدوء... كأنه يرثي البيت اللي فقد طمأنينته للأبد.
+
هل هاذي هيا نهاية ميراث الحنايا ام هاذي بداية لطريق ماله رجعة...
حينها عرفت ان الميراث لعنة لا تنسى ولا تُغتفر...
+
يتبع...!
+
