اخر الروايات

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الحادي عشر 11 بقلم صابرين

رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الحادي عشر 11 بقلم صابرين

11- لم يكن كابوسًا
صلي على من قال أمتي أمتي ❤️
هبطت من سيارة الأجرة وهي تقبض على حقيبتها وتعدل الكاب الذي وضعته فوق رأسها رغم أن الجو بارد وممتلئ بالغيوم لكنه وضعته حتى تمر من أمن الجامعة دون أن يهتموا وهذا بسبب ضياع بطاقة التعريف الجامعية منها
ولكن الأمر أتى معها بشكل عكسي إذ اوقفها الحراس شاكين في أمرها ليقول أحدهم :
-الكارنية بتاعك يا آنسة
حمحمت شروق مبتسمة بتوتر لتعدل من وضعية نظارتها الطبية قائلة :
-الكارنية ضاع مني بصراحة بس انا طالبة في كلية علم النفس اسمي شروق حسين صفوان
-طب هاتي بطاقتك
زادت ابتسامتها ارتباكًا وتوترًا ثم قالت :
-ما هي بصراحة الشنطة اتسرقت وكان فيها الكارنية والبطاقة
رفع الآخر حاجبه قائلًا :
-يعني لا كارنية ولا بطاقة ولا حاجة تثبت شخصيتك، انا آسف بس مش هتقدرى تدخلي
اتسعت شروق مصدومة لتقول بنبرة مرتبكة لم تصب في مصلحتها بل زادت من شك الحارس بها لكن الأخرى كانت مرتبكة وخائفة لأن هناك اختبار ينتظرها الآن وعلى وشك البدأ بعد دقائق :
-لا بالله عليك انا عليا امتحان بعد خمس دقايق كده هيروح عليا
-والله مش بايدي هاتي ما يثبت إنك طالبة هنا ادخلك غير كده لأ
زفرت شروق بحيرة لتظل واقفة ما يقارب العشر دقائق لا تدري كيف تدخل، لتظل خمس دقائق أخرى ثم رأتهم يفتحون البوابة بسبب قدوم سيارة على الأرجح تخص أحد الطلاب المعروفين
تراجعت للخلف قليلًا لكن وللعجب توقفت السيارة أمامها ثم هبط زجاج السيارة وأطل من خلفها المعيد عاصم في أبهى اناقته، نزع عنه النظارة الشمسية يحدق بها بعينين خضراوتين يملأهما التعجب :
-بتعملي ايه هنا المفروض عليكي إمتحان بدأ من ربع ساعة
أشارت شروق ناحية الحرس هاتفة بتهكم :
-الكارنية مش معايا فمرضيوش يدخلوني رغم اني انا طالبة هنا لكن ازاي، اللي زيي يبقى عايزين إثبات واللي زيك باشا ابو عربيات MBW يدخل عادي حتى لو العربية فيها مخدرات
ضحك عاصم بشدة ليخرج من سيارته الفارهة مستندًا على الباب وهو لا يزال يضحك :
-مخدرات ايه هتلبسيني مصيبة
نظر إلى الحرس ثم قال متنحنحًا :
-مش عايزين تدخولها ليه دي طالبة في علم نفس وانا بدرس ليها
نظر إليه الحرس متنهدًا ثم قال :
-يعني على ضمانتك يا دكتور عاصم
-آه طبعًا على ضمانتي بقولك طالبة عندي دخلوها حالًا
ابتسمت له شروق ممتنة فحقًا هذا المعيد يوفر عليها الكثير في الجامعة :
-شكرًا قوي يا دكتور انت ابن حلال والله
هرولت سريعًا إلى الداخل حتى تلحق بالإختبار تلحقها نظرات عاصم والتي اخفاها أسفل نظارته السوداء سريعًا، أما شروق كانت تركض على الدرج بسرعة لعلها تصل فقد مر بالفعل ربع ساعة على الإختبار وما إن وصلت هناك حتى احتل الرعب اوصالها
توقفت على باب المدرج وأنفاسها سريعة وغير منتظمة تبصر أسوء معيد في الكلية ولا يوجد أحد لا يكرهه وهو على الأرجح من سيقف ملاحظ عليهم، ألم يكن معيد آخر هو من سيقف عليهم فماذا يفعل هذا هنا؟
طرقت الباب بخفوت ودلفت إلى الداخل وقبل أن تصل إلى أول المدرج حتى استمعت إلى صوته الغليظ وهو يقول :
-عندك يلا لفي وارجعي تاني
نظرت إليه شروق بإستعطاف فممنوع منعًا باتًا أن يدخل أحد خلف هذا المعيد سواءً كانت محاضرة أو إختبار فلا يهتم لأحد مهما كانت مكانته :
-يا دكتور انا اتأخرت علشان أمن الكلـ
قاطعها الآخر هاتفًا بصرامة احرجتها وسط زملائها الذين طالعوها حقًا بشفقة :
-مش عايز أعذار مش عارفة اني عندك امتحان هيبدأ الساعة تسعة متأخرة تلت ساعة ليه يلا اتفضلي مفيش دخول
ضغطت شروق على ملابسها بإحراج وخجل فهي الآن في موقف لا تتمناه لألد أعدائها :
-دكتور الإمتحان عليه درجات كتير مينفعش محضرش
-اسمك ايه انتي؟؟
-شروق حسين صفوان
نظر الآخر إلى كشف الطلاب ليقول بعدم إهتمام إليها :
-اتكتبتي غياب يلا يا آنسة اتفضلي على برا، تاني مرة تحترمي المواعيد
علمت أن لا حياة لمن تنادي معه لذا عادت ادراجها تجر خيبات الأمل لتجلس على الدرج تمنع دموعها من الإنهمار، نظرت إلى يديها تحسب في عقلها عدد الدرجات التي ستنقصها في هذا الاختبار الذي ضاع عليها وإذ بها تنفجر باكية من هذا الظلم
نزعت نظارتها وهي تجهش في البكاء تتذكر صراخه عليها في وسط المدرج أمام الجميع، ذلك الوغد النتن ألم يراعي أنها فتاة حتى
سمعت أحدهم يصعد الدرج ولكنها لم تبالي فأي موقف لن يكون محرجًا أكثر مما تعرضت إليه منذ قليل، اخفضت نظرها لا تريد أن ترى أحدًا لتستمع إلى صوته الأجش وهو يقول :
-بتعملي ايه يا شروق هنا مدخلتيش ليه المدرج؟
رفعت الأخرى نظرها تبصره يقف أمامها وعينيه معلقة عليها وما إن رأي عاصم أنها تبكي حتى انعقدا حاجبيه ثم هتف مستنكرًا :
-انتي بتعيطي ليه!؟
ترقرقت عينيها مرة أخرى بالدموع قائلة بصوت مختنق :
-الدكتور اللي جوا مرضيش يدخلني
نظر عاصم ناحية المدرج قائلًا :
-دكتور مدحت؟؟
-لا مش هو دكتور غيره مش عارف ليه واقف علينا بس هو دكتور رخم طردني وزعقلي علشان اتأخرت
كانت تتحدث بقهر شديد وانفاسها تكاد تسلب بسبب بكائها فهي منذ أسبوع تدرس لأجل هذا الإختبار وفي النهاية تُطرد منه لسبب ليس بيديها، تحدث عاصم وقد ضاق لبكائها هذا فقال بجدية شديدة :
-قومي انا هدخلك الإمتحان
-بس ده كتبني غياب؟
-كتبك غياب يشطبه ويعملك حضور قومي يلا
وقفت شروق تسمح وجهها بالمنديل وهي تسير خلفه إلى أن وصلا إلى المدرج وما إن رأي عاصم مَن المعيد الذي كانت تتحدث عنه حتى تنهد متأفئفًا فسوف يعاني قليلًا مع هذا الرجل ذو الرأس اليابس :
-دكتور صالح صباح الخير
نظر إليه صالح من خلف نظارته ثم إلى التي تقف خلفه باكية الوجه فقال بجمود :
-صباح النور يا دكتور عاصم
نظر عاصم إلى شروق من خلف كتفه ثم قال :
-دخلها معلش الإمتحان ده مهم وعليه درجات كتير
-والله هي متأخرة واتكتبت غياب من عملها هي مش عملي انا
تحدث الآخر بنبرة جادة وهو ينظر إليه مباشرةً :
-هي جات بدري بس الأمن وقفها على الباب علشان نسيت الكارنية علشان كده اتاخرت لحد ما دخلوها، تحب اجيبلك حد من الأمن لو مش مصدق
مسح الآخر على ذقنه الطويل ثم قال بنبرة تحذيرية :
-لو كانت محاضرتي فعلًا مكنتش دخلتها بس انا واقف ملاحظ مكان دكتور مدحت علشان عنده ظروف، خدي ورقة وادخلي
ابتسمت شروق من بين وجهها المطلخ بالدموع لتدخل سريعًا وهي ترتدي نظارتها ثم سحبت ورقة أختبار وجلست في أحد الأماكن تبدأ بسرعة فقد مضى ثلث الوقت
نظر عاصم إلى المعيد الآخر ثم قال مقترحًا فلا يثق به إن ذهب قد يقوم بإستعنادها أثناء الأختبار :
-دكتور صالح لو عندك حاجة مهمة تقدر تتفضل انت وانا هكمل ملاحظة عليهم انا عندي محاضرة بعد الإمتحان ده وفاضل ساعة تقريبًا
ودون أن يقول الآخر كلمة سحب ما يخصه من على المكتب قائلًا :
-ريحتني انا أصلًا عندي محاضرة بعد نص ساعة هاروح أفطر فيها
رحل وترك عاصم الذي جلس على المكتب هاتفًا بصوت ساخر :
-راجل كله كلاكيع أعوذ بالله استحملتوه إزاي ده
ضحك جميع الموجدين في المدرج بينما هو لم يلقي بالًا لأحد سواها يراها لم تنتبه حتى لما قال بل صاببة كلها تركيزها في ورقة الإختبار أمامها فقال في مكبر الصوت :
-يا عم القطر يا اللي بتحل براحة لتغلطي هديكي وقت زيادة بدال اللي ضاع ده إكرامية من عندي
نكزت إحدى زميلات شروق في ذراعها حتى تنتبه أن الكلام عليها فنظرت الأخرى حولها ولم تستمع لما قيل لكنها قالت متسائلة :
-حد معاه قلم؟ انا قلمي قرب يشطب
ضحك الجميع عليها حتى عاصم كذلك لكن ما ان رأي أنها خجلت بشدة حتى ضرب المكتب بكفه مدعيًا الجدية :
-بس يا شباب بس عادي يعني بتحصل انا مرة دخلت الإمتحان ومش معايا قلم أساسًا
عاد وضحك الجميع ليقول عاصم مخرجًا قلمه الخاص :
-تعالي انا معايا قلم ومش أي قلم ده البركة كلها هتقفلي الإمتحان من وراه
تحدث أحد الطلاب من الخلف قائلًا :
-طب ما تجيبوا انا يا دكتور ده انا محلتش حاجة
-ما امثالك اللي بيقعدوا وراه مش بيحلوا حاجة ايه الجديد يعني، تعالي يا آنسة شروق دي فرصة مش بياخدها كتير
وقفت شروق واتجهت له حتى تأخذ القلم مضطرة للأسف فلتوها فقط لاحظت ان قلمها على وشك النفاذ وها موقف محرج آخر تمر به في هذا اليوم الذي على الأرجح لن يمر مرور الكرام
أما عن عاصم فنظر إليها وهي تتقدم نحوه سارحًا في بعض تفاصيلها وجهها انقلب بعضه أحمر كأنفها وحاجبيها بسبب بكائها، تسير ببطء قابضة على جيبها الواسع الطويل حتى لا تسقط على وجهها وتتعرض لموقف محرج آخر
هي عادية بشدة لأي رجل لكن ما باله هو يشعر وكأن لا امرأة تفوقها جمالًا وجاذبة، مدت شروق يدها حتى تأخذ القلم شاكرة إياه بابتسامة ممتنة بشدة فهذا الرجل حقًا ساعدها كثيرًا اليوم ولولاه لكانت لا تزال تقف خارج الجامعة الآن :
-شكرًا يا دكتور عاصم
حسنًا لم يرها تبتسم له مثل هذه البسمة منذ أن رآها أول مرة منذ عام وبضعة أشهر، لم يكن يدرك أنها تمتلك بسمة جميلة كهذا أو ربما الإبتسامة الصادقة هذه جعلتها في عينيه أكثر جمالًا
ترك لها القلم بعد بضعة ثواني من التحديق بها تعجبته هي وأصيبت بإرتباك فأخفضت نظرها، وما إن ترك القلم حتى عادت بسرعة مكانها حتى تكمل الإختبار فتنهد عاصم تنهيدة تملأها الحيرة
هو ساقط في حب فتاة تصغره بخمسة عشر عامًا على الأقل، هذه مشكلة كبيرة
رن هاتفه فزفر ضائقًا يبصر رقم طليقته التي لم يكتمل شهران على طلاقهما، لما تتصل الآن وتفسد مزاجه الجميل ألا يكفي ما تسببته هذه المرأة في حياته من مشاكل بسبب زواجهما الفاشل هذا
رد عليها حتى يعلم ماذا تريد فلربما هناك شئ مهم هذه المرة فلما تزعجه بمكالمتها منذ أن تطلقا :
-نعم يا عايدة خير
-عايزة أأقابلك ضروري
-مش فاضي فيه امتحان واقف عليه سلام
أغلق في وجهها دون إهتمام ينظر أمامه بملامح مقلوبة ليصدح هاتفه برسالة وصلته منها تقول
"مش هدخل في جو صعبنيات محتاجة أأقابلك علشان بنتك عايزة تشوفك يا عاصم ولا علشان اطلقنا هتنساها"
رد عليها برسالة مختصرة فحقًا لا يريد أن يجعلها تعكر مزاجه أكثر من هذا يكفي الخمس سنوات الذين ضاعوا من حياته معها في تفكك أسري ومشاكل يومية ولولا ابنته صاحبة الثلاث سنوات لكان نفاها تمامًا من حياته
"ابعتيها عند أمي يا عايدة وانا ساعتين وهارجع "
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى مكتب المحاماة الذي يعمل به بخطى هادئة يعدل كل حينٍ من خصلات شعره السوداء وهو يلقي تحية الصباح على زملائه، هو ليس لديه مكتب محاماة خاص ولم يفضل الأمر كثيرًا فهو مقتنع أن المحامي يحتاج لاسم وشهرة حتى يصبح محامي متميز ومتألق لذا فضّل العمل في مكتب كمحامي تحت التدريب
يتلقى القضايا كما زملائه المتواجدين هنا معه ويعملون عليها، أحيانًا يذهبون للمرافعة وأحيانًا أخرى لا
جلس على مكتبه في إحدى الغرف التي يشاركها مع اثنين آخرين ليلاحظ أن الجميع في المكتب في جميع الغرف يتحدثون عن أمر ما لذا سأل بشكل مباشر قائلًا :
-هو فيه ايه النهاردة؟!
أجابه أحد الزملاء هاتفًا بنبرة ذات معنى :
-سها سكرتيرة الأستاذ رمضان اتكتب كتابها إمبارح وبتوزع بيبسي وكولا
هز حمزة رأسه متفهمًا :
-طب كويس عقبالك
امسك بحقيبته الجلدية يخرج بعض الأوراق التي تخص قضية كان يعمل عليها بينما قال زميله ذاك بفضول :
-مش مضايق يعني؟؟
عقد الآخر حاجبيه وفهم ماذا يقصد من خلف هذه الجملة فقال بصوت جاد :
-وهضايق ليه سها بني آدمة كويسة تستحق كل خير مش معنى أننا كنا مختلفين لما كنا مخطوبين إني هنتقدها وهنسى إننا زملاء
ما ان أنهى حديثه حتى دلفت فتاة ببشرة حنطية ورغم هذا تمتلك ملامح جميلة وأعين بندقية جذابة، توالت عليها المباركات من الجميع ما إن دلفت لتوزع عليهم علب المشروبات الغازية كنوع من أنواع مشاركة الفرحة وهي تبتسم وتجامل الجميع
وقفت أمام حمزة فقال الآخر مبتسمًا بمجاملة :
-مبارك يا آنسة سها ربنا يتمم بخير
ابتسمت له سها نفس الابتسامة المجاملة تعيد طرف حجابها الذي سقط للوراء في شكل هي تحبه رغم أن هذا لا يعتبر حجابها :
-الله يبارك فيك يا حمزة علفكرة انت مُرشح تبقى السكرتير مكاني لما اتجوز أصل انا مش هرجع اشتغل تاني
ذوى حمزة ما بين حاجبيه معترضًا الأمر :
-لا اعفوني انا من شغل السكرتير ده خلوني ما بين القضايا والورق أحسن
-انت شاطر أوي يا حمزة إن شاء الله هتكون حاجة كبيرة في عالم المحاماة
ما ان أنهت حديثها حتى وضعت أمامه علبة مشروب فأخذها منها حمزة مهمهمًا :
-شكرًا
خرجت سها متجهة إلى غرفة أخرى فوضع هو العلبة أمام مكتب زميله قائلًا :
-بقولك ايه خد دي مش عايزها ومش علشان حاجة في دماغك اللي بتلف شمال دي بس انا مش بحب النوع ده بقرف منه
نظر الآخر إلى العلبة هاتفًا بذهول :
-حد يقرف من البييسي
-انا يا عم بقرف منه مش بحبه، أشرب سيفين أو سبرايت ماشي بس بيبسي لأ وشوفلي الولد الجديد بتاع المشروبات ده يعملي النسكافيه بتاعي وقولوا بمياه بس مش بلبن
قلب الآخر عينيه هاتفًا بسخرية :
-لا مانجا بتحب ولا بيبسي بتحب ولا حتى الشاي والقهوة انتي بني آدم معقد علفكرة
ابتسم الآخر دون إجابة وبعد دقائق أتاه كوب النسكافيه الذي يحبه، شكر الفتى ثم نظر إلى الكوب وسرح قليلًا في يوم أمس عندما طلب نفس الشيء وسمع نفس الشيء أيضًا لكن اتضح أن هناك معقد آخر لا يفضّل ما يفضّله الآخرون مثله
حدث هذا عندما مدت له رحاب ابنة عمه المشروبات حتى يختار شيئًا لكنه لم يجد ما يفضّله فقال معتذرًا :
-انا عايز نسكافية يا رحاب مش بحب الشاي ولا القهوة
تحدثت رحاب بصوت مرتفع حتى تسمعها غادة من المطبخ :
-غادة اعملي اتنين نسكافية بمياه بس مش بلبن
حدق حمزة بها ضاحكًا ثم قال :
-وانا هشرب ليه اتنين هاتي واحد بس
-لأ ما التانية لنور اسكت مش طلعت زيك مش بتشرب أي حاجة والسلام، قدمتلها شاي مش بتحبه ولا قهوة طب اجيبلك مانجا لا مش عايزة طب عصير فراولة لأ مش بتحبه فين وفين لحد ما قالت عايزة نسكافية ومن غير لبن علشان مبتحبوش بلبن
ضحك كريم وهو يشرب القهوة الخاصة بها مستمتعًا بها :
-ابسط يا حمزة لقينا كائن معقد زيك
-انا مش مقعد علفكرة انا بس ذوقي مختلف عن أذواقكم
هتف بها حمزة مصححًا له هذا فقالت رحاب موافقة إياه الأمر :
-نفس الجملة اللي قالتها نور برضو
تركتهم وعاد للمطبخ لتظهر لحمزة نور وهي جالسة على الجانب الآخر وما جعل وجهه ينقلب هو رؤيته لكتابها معه، وقف متجهًا إلى رحمة في الإتجاه الآخر حيث تجلس النساء والفتيات معًا يحدقن في التلفاز بإنتباه شديد
كاد أن يسحب رحمة من ملابسها حتى يجعلها تعيد له كتابه لكن استوقفته جملة جعلته يصاب بتشنج إذ قالت والدته وهي تنظر إلى التلفاز حيث كان يعرض تتر نهاية مسلسل شهير يدعي "لن أعيش في جلباب أبي" وما إن قرأت اسم الكاتب حتى قالت :
-والله شاطرة إحسان عبدالقدوس دي، المسلسل ده ناجح أوي
تحدث حمزة مصدومًا ولم يدرك أنه تحدث في نفس الوقت الذي سمع صدى لصوته لكن بنبرة لينة ضاحكة :
-إحسان عبدالقدوس ده راجل مش ست
نظر حمزة في إتجاه صدى الصوت هذا ليجد أن نور هي من تحدثت فقالت ناهد مستنكرة :
-راجل واسمه إحسان!؟
اجابتها نور وهي تغلق الكتاب الذي في يديها :
-بس شاطر فعلًا زي ما قولتي يمكن ده أكتر كاتب كتبه ورواياته اتعملت مسلسلات وأفلام زي لن أعيش في جلباب أبي، حتى لا يطير الدخان، إمبراطورية ميم، وأفلام أبيض وأسود كتيرة مشهورة، الوسادة الخالية، انا حرة، العذراء والشعر الأبيض، في بيتنا رجل، النظارة السوداء
-ده كله هو اللي كتبه؟؟
هتفت بها أسماء مذهولة فقال حمزة مجيبًا إياها هذه المرة فهذا الكاتب واحد من كتّابه المفضلين :
-وأكتر من كده بكتير يمكن ألف رواية وكتاب ومنهم كتير فعلًا اتعمل أفلام ومسلسلات انا محضرتش أي حاجة اتعملت بس قرأتها ككتب
تحدثت نور وهي تنظر إلى تتر المسلسل :
-بس الكتب مختلفة اختلاف كبير عن الأفلام والمسلسلات خاصةً مسلسل لن مسلسل لن أعيش في جلباب أبي المفروض الكتاب بيتكلم عن نظيرة واخوها والبنت الأنريكية.... الأمريكية دي بس المسلسل عامل تفاصيل مش موجود في الكتاب خالص، علشان كده مرتش... مرضتش أحضر سلسلة هاري بوتر قرأت السلسة كلها من غير ما أحضر الأفلام
ابتسم حمزة متعجبًا شيئًا آخر عوضًا عن أنها فضّلت قراءة سلسلة هاري بوتر عن مشاهدتها كأفلام لكن لاحظ أنها تتلعثم كثيرًا في حديثها، لاحظ هذا من أول مقابلتين لها وفي المرتين كانت متوترة مرتبكة والتلعثم بالطبع متوقع
لكن الآن ورغم أنها تتحدث بتركيز وشغف إلىٰ أنها تتلعثم في بعض الحروف والكلمات وتعود وتنطقها مجددًا وكأنها تعاني رهاب إجتماعي أو مشاكل في التحاور مع الآخرين
تغاطى عن هذا الأمر متسائلًا وقد أُعجب بتفضيلها للقراءة على مشاهدتها كأفلام :
-قرأتي السلسلة كاملة!؟
آماءت نور مكملة معه في هذا النقاش الشيق من وجهة نظرها فما يجعلها تتحدث بطلاقة هي الكتب، وما شجعها أنها لا تجلس معه بمفرده بل أمام مرأي ومسمع من الجميع :
-قرأتها بس مترجمة وقرأت تحقيقات شارلوك هولمز بس مش السلسلة كلها وقرأت
صمتت قليلًا تحاول تذكر أسماء أخرى فقال حمزة وهو يدفع رحمة جانبًا حتى يجلس هو :
-قرأتي لمين تاني غير إحسان؟؟
-قرأت الحرافيش لنجيب محفوظ ودعاء الكروان لطه حسين، قرأت الكتاب وحضرت الفيلم الاتنين حويين.... حلوين رغم الإختلاف اللي بينهم، قرأت لعمر عبد الحميد بس بطلت علشان بيموت الناس وانا مش ناقصة كند... قصدي نكد
ضحك حمزة وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا ليس فقط على ما قالت بل على تلعثمها الواضح هذا لكنه لم يعلق حتى لا يحرجها بل قال :
-بيموت الناس!؟ يبقى مقرأتيش لأسامة المسلم
-قرأتله هو كمان وندمانة بصراحة مفيش كتاب يعدي مقتلش فيه حد يا لهوي على كمية الشخصيات اللي ماتت في سلسلة بساتين عربستان.... عربستان عربستان
-آه والله كتير، كرهني فيه البنى آدم ده رغم اني قرأت كتبه كلها، فيها حاجة تشد
نكزته والدته من خلف ظهر رحمة فنظر إليها الآخر متعجبًا بينما هي همست بنبرة ذات مغزى :
-ايه يا حمزة متعمق أوي في الحوار؟!
قطب الآخر جبينه مجيبًا إياها بما في خاطره :
-يمكن علشان هي بتتكلم في حاجة انا بحبها؟
تحدثت رحمة بحماس شديد وهي تمسك بكفيه :
-نحطبهالك
-بس يا بنت انتي اقعدي على جنب
هتف بها ساخرًا وهو يدفعها جنبًا فهو لن يخطئ نفس الخطأ الذي فعله مع سها وهو أنه أسرع في الارتباط بها بشكل رسمي فقط لأنه انبهر بذكائها في العمل، هو لا يشجع الارتباط الغير رسمي بالطبع لكن على الأقل لا يتسرع
تحدثت رحمة بسرعة موجهة حديثها إلى نور التي كانت تتحدث حديث سري بينها وبين براءة :
-مس نور هو كل قراءاتك كتب مش بتقرأي لحد على الفيس
نظرت إليها نور بإنتباه بعدما كانت تحدثها براءة عن انجرافها في الحديث بهذه الطريقة الغريبة مع رجلٍ غريب :
-على الفيس؟ ايوه بقرأ بس كُتاب مش معروفين قوي مش ليهم أسماء كبيرة يعني
-بتقرأي قصص قصيرة بتحبي النوع ده يعني
نظر حمزة إلى شقيقته متعجبًا هو ود لو يسألها هذا السؤال لكن لم يفعل، إذًا فلما تفعل رحمة هذا، إنتبه إلى نور التي اجابت إجابة جعلت عينيه تلتمع والابتسامة ارتسمت على وجهه :
-مش بميل ليها قوي بصراحة بس بتابع شخص بينزل قصص قصيرة حلوة اسمه كاتب الظل بحب طريقة الكتابة بتاعته وكل قصة ليها عظة كأن الكاتب عاش كل قصة كتبها بيتكلم بواقعية شديدة بس.... بيبقى رخم في بعض الأحيان بسبب الواقعية دي مش كل نهاية كل قصة سعيدة حتى كتبه اللي بينزلها مفيش نقطة وردية كله سواد السواد
كان حمزة يستمع إليها بتمعن شديد وكل كلمة تنطق بها يزداد لمعان عينيه وكأن هذه أول مرة يستمع لأحدهم يمدح كتاباته، لكن ما ان استمع إلى نهاية حديثها حتى قال :
-ما هو ده الواقع مش انتي قولتي كتاباته واقعية جدًا
اعتدلت في جلستها هاتفة بقنوط :
-ماشي بس هو احنا هربانين من الواقع للكتب فنلاقيه مستنينا بمراره جوا
ضحك حمزة بشدة مصيبًا إياه بحرج وقد ازداد حرجها عندما نادي عثمان على ابنه قائلًا :
-ايه يا حمزة بتضحك على ايه عندك؟ ايه اللي مقعدك هناك أساسًا
ألتزمت نور الصمت بعد هذا الإحراج فقال حمزة تزامنًا مع وقوفه :
-انا برضو بفضّل الكتب الواقعية وسمعي الست الوالدة اللي جنبك دي فهميها إننا فعلًا بنقرأ الكتب هروبًا من الواقع علشان بنلاقي فيها شغف وحماس مش حكاية إدمان ولا حاجة
أمسك حمزة بكوب النسكافية وشرب منه القليل منَحِيًا نور عن أفكاره فكما قال حتى ولو انبهر بها لن يستعجل، أمسك بأوراق القضية مكملًا عمله عليها فيشعر كثيرًا بالمتعة وكأنه يكتب أو يقرأ فتذكره أحداث القضايا بكتب التحقيقات والجريمة وحينها يجد طرف الخيط بخياله الواسع...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
نفخت بتعب وهي تعيد بعض الخصلات المتمردة من شعرها خلف أذنها ليس وكأن شعرها شديد النعومة لكن خصلات شعرها من الأمام قصيرة تصل إلى ما بعد غرتها حالها كحال جميع الفتيات اللواتي يعانين من هذا الأمر
وضعت يدها أسفل وجنتها تكمل دراسة المحاضرات وقد شعرت بملل وفتور شديد وأنها تود فعل شئ آخر غير الدراسة
تمددت على الفراش تطالع السقف بضجر وهي تأرجح قدميها في الهواء على الجهة الأخرى من الفراش لتنادي بصوت مرتفع على شقيقتها التي تقوم بتنظيف المنزل اليوم فالدور عليها بما إنها عطلة اليوم من عملها :
-نــــور بتعملي ايه
اجابتها الأخرى وهي تعصر عصا المسح حتى تمسح الأرضية ويبدو الإنهاك باديًا عليها :
-رايحة أمسح الأرض عايزة ايه؟؟
-طب ما تسيبي الشرشوبة وتنزلي تشتريلي حاجة حلوة وتيجي
تحدثت نور بصوت ساخر طغى عليه الغضب فألا يكفي أنها تنظف منذ الصباح بمفردها والأخرى تجلس على الفراش أمام كتبها فكم هو أمر مستفز أن تعمل بمفردك في المنزل وشقيقتك لا، ومَن منا لم يعاني من هذا الأمر :
-واتعب نفسي ليه وأنزل، ما أرميكي من فوق أسرع
-لا ما انا كده مش هنزل قطعة واحدة
-وانا لو دخلت مش هخلي فيكي قطع أصلًا فلمي نفسك على الضهرية علشان انا بشتغل من تمانية الصبح وانتي قاعدة عاملة نفسك بتذاكري
اعتدلت عائشة سريعًا في جلستها تمسك بكتبها قائلة :
-لا علفكرة بذاكرك كفاية ظلم
نظرت إلى كتابها تحاول أن تستعيد شغفها قليلًا فلا وقت للعب، هي في كلية لن ينفع معها اللعب أبدًا ولن تقبل بدرجات هينة، عقدت حاجبيها عندما استمعت إلى أصوات مرتفعة وبالطبع تعلم مصدرها ووالله لن تصمت عليه هذه المرة
هي تريد شخصًا تتشاجر معه حتى يذهب عنها الضجر وهو أفضل من يستحق هذا
سحبت حجاب وغطت به شعرها ثم خرجت من الشرفة تنظر إلى الشرفة المقابلة التي تعود لذلك الوطواط الذي لا يكف عن مضايقتها بصوت تلفازه المرتفع
هي لم تفتح فمها طوال الفترة الماضية مراعاةً لأنه ابن صاحب البناية وستكون وقاحة منها أن والده يسكنها هي وبنات عمها بينما هي تتواقح على ابنه
لكن كفى كما قالت السيدة أم كلثوم للصبر حدود وهي صبرها نفد منذ زمن، نادت بصوت شبه مرتفع حتى يسمع من الداخل :
-انت يا بني آدم انت يا اللي جوا
لم تتلقى أي إجابة فنادت عليه بأسمه بصوت أكثر عصبية :
-انت يا اللي اسمك كـــريـــم
خرج كريم إلى الشرفة متعجبًا أن هناك أحدًا ينادي عليه من الشرفة التي بجانبهم، ففي العادة لا يتحدثن الفتيات معه بل وإن علمن أنه موجود أو حمزة في الغرفة لا يجلسن في الشرفة
رفع حاجبه متعجبًا يبصر عائشة تقف ويبدو الغضب مليًا على وجهها وما إن رأته حتى هتفت قائلة :
-هو انت اطرم؟؟
أشار الآخر إلى نفسه متعجبًا بينما هي أكملت :
-صوت التلفزيون وصل للدور العاشر فوق ده كله مش سامع
-انتي عايزة ايه دلوقتي؟
نطق بها لا يفهم ماذا تريد فقالت الأخرى وهي تضغط على كل كلمة تنطق بها :
-وطي التلفزيون شوية يا إما تروح تقعد على قهوة قرفتنا يا عم، شهرين وانا ساكتة قولت يمكن يكون عنده دم أو إحساس بس شرد من عندك
حدق بها كريم ضاغطًا على شفتيه يمنع نفسه من سحبها من كتفيها وألقائها من الشرفة، وما انقذها هو قدوم شقيقتها التي حضرت على صوتها المرتفع وهي لا تدري مع من تتشاجر :
-بتتكلمي مع مين عائشة بصوتك العالي ده!؟
خرجت إلى الشرفة وهي تحكم خمار الصلاة على رأسها لتتسع عينيها مذهولة، ترى واحد من ابنيّ الأستاذ عثمان ويظهر الضيق على ملامحه، نظرت إلى شقيقتها ودارت عينيها بينهما هاتفة :
-فيه ايه؟؟ هو ايه اللي حصل!؟
نظرت إليها عائشة صائحة :
-بقوله وطي تلفزيونه اللي طرمنا بيه ده لا عارفين نذاكر ولا عارفين ننام
سحبتها نور من عضدها للداخل عاضضة على شفتيها بتحذير حتى تصمت :
-طب ادخلي ووطي صوتك ده عيب
نظرت إلى كريم ثم أكملت بهدوء ورزانة :
-معلش لو توطي صوت التلفزيون شوية علشان هي عايزة تذاكري
هز كريم رأسه مندهشًا من فرق التعامل بين نور وعائشة رغم كونهما شقيقتين :
-فيها ايه لو كانت اتكلمت بهدوء زيك كده؟!
تحدثت عائشة وهي تمد رأسها من الداخل قائلة :
-وانت اللي زيك يعرف الهدوء مشغل ماتشات ليل نهار متقولش حتى فيه ناس حواليا وبلاش إزعاج ولا علشان انت ابن صاحب العمارة، معندكش كلية معندكش نوم معندكش إحسا
دفعتها نور بسرعة قبل أن تكمل صائحة بذهول :
-اسكتي يخربيتك اسكتي
نظرت إلى كريم المصدوم متأسفة له إذ قالت :
-معلش مفيش والله انا آسفة حقك عليا هي عصبية مش بتفكر في اللي بتقوله
تحدثت عائشة بغضب وهي تحاول الدخول إلى الشرفة لكن ذراعي نور تحول بينها :
-انتي بتتأسفي ليه ده هو اللي المفروض يتأسف ويقول معملش كده تاني ووالله لو سمعت صوت صرصار ليل جاي من عنده حتى لأقدم فيه محضر عدم إزعاج
وهذه المرة دفعتها نور بعنف مسقطة إياها على الفراش متحدثة بغضب :
-بس بقى ايه قلة الذوق دي، عيب كده لمي لسانك
عادت إلى كريم مبتسمة بحرج مبدية بإعتذار آخر فهذه هي شخصيتها تقدم إعتذارات حتى ولو لم ترتكب هي المشكلة، هي شخص محايد سلمي لا يحب المشاكل ولو حدثت مشكلة مع شخص يخصها تحاول حلها حتى لا تتأزم الأمور :
-امسحها فيا انا بس فعلًا صوت تلفزيونك عالي وطيه شوية انا بفضل سامعاه لحد ما أنام وهي مش بتعرف تنام وفيه صوت عالي حواليها
اجابها الآخر مذهولة إذ قال :
-سبحان الله شتات بينكم في التعامل والشخصية حتى نبرة الصوت
هز رأسه متفهمًا منها هي ثم أكمل :
-علشانك انتي هوطي الصوت رغم اني اتعودت على صوته عالي بس علشان انتي محترمة واتكلمتي بذوق
استدار حتى يدخل لكنه عاد واستدار نصف استدارة قائلًا بالتزامن مع امساكها لمقبض باب الشرفة حتى تدلف :
-انتي قولتي آسفة وحقك عليا تلات أربع مرات تقريبًا، هو انتى متعودة تعتذري بسببها كده كتير
قلبت الأخرى عينيها متمتمة بسخرية :
-كتير ومش بسببها هي بس تقريبًا نص العيلة بتحب المشاكل
-سيبها المرة الجاية خلي اللي بتتخانق معاه يأكلها علقة
ضحكت نور بنبرة أشد سخرية ثم قالت :
-يأكلها عقلة!؟ مين عائشة؟ ده انت طيب
أغلقت الشرفة ودلفت باحثة عن عائشة لتسمع صوتها قادم من الصالة مختلط مع صوت براءة، خرجت حتى تلقن تلك القصيرة ذات اللسان الطويل درسًا في الأخلاق لكن عوضًا عن هذا وجدت بقع طين لحذاء تلطخ الأرضية التي مسحتها للتو
اتبعت خطوات الحذاء لتجد أنها تعود لتلك السمراء الطويلة التي تجلس القرفصاء على الاريكة ملقية بالحذاء بطريقة عشوائية بينما هي منشغلة بالحديث مع عائشة عن ما فعلته مع كريم، لينتفض كلاهما على صراخ نور وهي تقول :
-طب أقسم بالله العظيم لو ما قومتي يا براءة مسحتي السراميك اللي بوظتيه ده لأمسحه بوشك مش انا أكنس وامسح وارتب وانتوا تبوظوا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قلبت كوب القهوة في يدها ببطء وهي تسير في أرجاء الشقة تتذكر أحداث كابوس ليلة أمس، لا تدري متى تذهب هذه الكوابيس وتكف عن ملاحقتها ففي الآونة الأخيرة أصبحت تراودها الكوابيس كل ليلة حتى أنها تستيقظ ليلًا تبكي بسببها
ظنت أنه عندما تنتهي من كابوسها الحقيقي ألا وهو حاتم وعائلته ستكف الكوابيس في نومها عن ملاحقتها لكن لم تفعل فظلت تراودها حتى الآن يبدو أنها تحتاج لزيارة طبيب نفسي
جلست في شرفتها تحدق في السماء الغائمة مُخفية نجوم الليل، تتذكر كابوس ليلة الأمس الغريب والذي لم يراودها من قبل، ففي العادة تحلم بوالديها أو بسعاد وعذابها، أو بكاظم ومحاولاته المقززة في التقرب منها، أو بحاتم وتلك الليلة المشؤومة الذي جعلها فيه زوجته بشكل رسمي
لكن أمس حلمت بشخص غريب لم تره من قبل، كان قاتل ويود قتلها، غريب هذا الكابوس ولا تفهم له معنى
ارتشفت بعض القهوة وهي تلقي بنظرة عابرة ناحية الشرفة التي بجانبها عندما تذكرت أن ذلك القاتل من الحلم كان جارها، أطلقت صرخة فزعة وقد سقط الكوب من بين يديها تبصره خرج من خيالها وتجسد أمامها في الشرفة مستندًا عليها بذراعيه، محدقًا بها ببسمة غامضة
لكن ما إن صرخت عقد حاجبيه وهو ينظر حوله :
-بس يا ولية اكتمي هتفضحينا
وضعت هاجر كفيها على فمها بسرعة تحدق به بأعين مصدومة فقال الآخر مبتسمًا ابتسامة ساخرة :
-مكنتش اعرف اني قلبك خفيف كده يا لوزة، أقولك إمبارح اعمليلي كبدة مغاوري فيغمى عليكي
زادت الصدمة في عينيها وجحظت بشكل مضحك له لتنزع كفيها من على فمها قائلة :
-هو انت مكنتش كابوس وعدى
ذم الآخر شفتيه بإمتعاض مصطنع وهو يحاول ألا يضحك عليها خاصةً على ملامحها المصدومة هذه :
-لأ كده ازعل، بقى انا في نظرك كابوس لأ انا مش هقبل من اني أكون أقل من حلم جميل ومن اللي مش بيتكرروا غير مرة في العمر، ثم كابوس ايه؟ هو انتي مش بتعرفي تفرقي ما بين الحلم والحقيقة؟!
تنفست الأخرى بصوت مرتفع ولا تزال الصدمة بادية على ملامحها :
-انت... انت قتلت.... واحد في... في بيتك؟ انت قتال قتلة!؟
آماء لها الآخر مبتسمًا بإتساع رغم أن هذا ليس حقيقي لكن تعجبه هذه اللعبة الظريفة، زادت ابتسامته عاضضًا على شفتيه حتى لا يضحك يراها عادت للخلف مرتعبة حتى اصطدم ظهرها في باب الشرفة :
-لا تأذيني ولا أأذيك بيني وبينك حد الله
-هو انتي شايفة قدامك تعبان ولا عفريت؟ ايه بيني وبينك حد الله دي!؟
حمحم وهو يعتدل في وقفته مكملًا :
-المهم الكبدة اللي
لم يكمل حديثه إلا وجدها تختطف هاتفها من على الطاولة الصغيرة الموضوعة في الشرفة ثم ركضت للداخل، زفر بضجر وهو ينظر حوله ليقول بصوت شبه مرتفع حتى تسمعه :
-لوزة لو بلغتي البوليس هقتلك واحطك في البانيو واحط عليكي بِطاس علشان جلدك وعضمك يدوبوا
توقفت يد هاجر قبل أن تضغط على زر الرنين فهى بالفعل كانت ستتصل على الشرطة، نظرت إلى الشرفة مزدرقة لعابها بتوتر لتقترب منها ماددة رأسها إلى الخارج قليلًا تحدق به بخوف من ثم قالت :
-انت عايز ايه بالظبط؟؟
-عايز كبدة تعرفي تعملي كبدة
هزت رأسها بتردد فضرب الآخر كفيه بقوة افزعتها ثم قال :
-حلو عندك كبدة بقى ولا اجيبلك
-عندي بس مش هعمل كبدة مغاوري
كانت نبرتها مهزوزة خائفة جعلته يود الضحك بملئ صوته لكنه كتمها بداخله ثم قال :
-هسامح المرة دي وآكل كبدة عادية بس لو مطلعش أكلك حلو يا لوزة
استمع إلى رنين الهاتف آتي من الداخل في شقته فنظر إليه لبرهة ثم عاد بنظره إلى هاجر فوجدها تبخرت من أمامه، ضحك بخفوت ثم دلف يرى الرسائل التي وصلت على هاتفه وبها معلومات عن سكان هذه المنطقة فظل يقرأ بها بإهتمام
وقد ظل على هذا الحال لوقت لا بأس به إلىٰ أن سمع صوت الشرفة يغلق بعنف وبالطبع لم تكن شرفته، مد رأسه للخارج وقد أبصر على السور طبق بها طعام وعندما اقترب تبين له أنه الطعام الذي طلبه من هاجر
أرتسمت على وجهه ابتسامة متعجبة هل طهت ما طلبه بالفعل؟!
أمسك بالطبق والتقط قطعة يتذوقها فهمهم بتلذذ شديد قائلًا :
-هبلة وعيوطة بس أكلها حلو
نظر إلى باب شرفتها مضيقًا عينيه بتفكير يتذكر ما وصله عنها من معلومات فلم يكن هناك الكثير غير أنها تعيش وحيدة في هذه الشقة منذ أسبوعين تقريبًا ولا يوجد أي معلومة أخرى وهذا أمر مريب قليلًا
أمسك هاتفه متصلًا على مساعده وهو يأكل من الطبق بجوع وتلذذ فهو يعيش تقريبًا على الأكلات الجاهزة ومعدته تنسى معنى الطعام المعد في المنزل :
-ايوه يا ابني هاجر حاكم اللي ساكنة في شقة سبعة في الدور الرابع ليه مش موجود عنها ولا معلومة
-ثواني يا باشا دقيقة
بحث الآخر في الأوراق التي بعثها لرئيسه منذ قليل ليجد ملف هاجر هذه الشبه فارغ تقريبًا فقال :
-مفيش ولا معلومة عنها يا باشا ولا حتى إذا كانت وارثة الشقة دي ولا مأجراها ولا أي حاجة
اعتدل الآخر في جلسته هاتفًا بتركيز :
-يعني ايه مفيش ولا معلومة عنها هي من الجن ولا ايه؟!
-والله يا باشا ظاهر قدامي اني اسمها هاجر وسكنت في الشقة من ١٥ يوم بالظبط ومش ظاهر اي حاجة تاني عنها حتى اسمها محدش يعرفه علشان هي متعاملتش مع أي حد من وقت ما سكنت
-طب اسمها كامل ايه أنزل السجل المدني وهاتلي معلومات عنها اتصرف يا ابني
-ما هو يا باشا البنت دي قولتلك ساكنة من غير إيجار يعني مفيش عقد بالتالي مفيش اسم اعرف اوصلها بيه
رفع الآخر حاجبيه متعجبًا كم الغموض الذي يحيط بتلك الفتاة رغم أنها تبدو أبسط من كل هذا التعقيد، مسح وجهه ينفي بالطبع شكه من أن تكون هي السفاح فأي سفاح هذا يفقد الوعي في دقائق خوفًا من سكين لم يفرق حتى ان كانت ملطخة بالدماء أم بعصير البنجر :
-لو بعتلك صورة البنت دي تعرف تجيبلي معلومات عنها
-آه طبعًا اينعم هياخد وقت بس هعرف
-تمام هقفل انا وهبعتلك صورتها
أغلق الهاتف ثم وقف متجهًا إلى الحائط الذي يعلق عليه صور سكان البناية فالجميع في دائرة الشك بدون استثناء حتى هاجر هذه فبالتفكير في الأمر، معلوماته تقول أن السفاح دلف هذه البناية منذ خمسة عشر يومًا وهي سكنت هنا منذ خمسة عشر يومًا
السفاح لم يظهر أنه قتل أحدًا منذ أسبوعين وهذه الفتاة وفقًا لمراقبته لها كما يراقب الجميع هنا لم يظهر عليها شيئًا غير أنها تخرج صباحًا وتعود في الثانية ظهرًا
السفاح لم يُعلم حتى الآن إن كان رجلًا أو امرأة وإن تحدثنا عن ذلك الفيديو الذي نشره وظهر صوت رجولي به كما أن الشاب عندما كان يتوسل كان يتوسل بصيغة محادثة ذكر
كل هذا لا ينفي أنه قد يكون أنثى متخفية خلف لثام لذا ظنه رجلًا، أرسل الصورة إلى مساعده ثم ظل يحدق في صورتها التي ألتقطها لها أثناء خروجها من البناية
ربما تظهر هاجر أنها خرقاء ساذجة تخاف من ظلها لكن كم من سفاحين ومجرمين ظهروا من الخارج أنهم ألطف المخلوقات بينما هم ينافسون إبليس في الخبث والدموية، وهو هنا ليعلم من البرئ من المجرم...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close