رواية دوبلير الفصل الحادي عشر 11 بقلم فاطمة علي
الفصل الحادي عشر.
ولجت "داليد" إلى المقهى الذي رافقت به "أمجد" من قبل، كي تنضم إلى زملائها بالعمل الذين قرروا الإحتفال بذكرى مولد "إياد" في مفاجأة أعدوها مسبقًا له أو هكذا أوهموها. توقفت بمدخل المقهى تطوف كامل المكان بأحداقها التي استقرت أخيرًا نحو ركنًا بعيدًا كان يضم بعض من زملائها الذين يجلسون حول طاولة مستطيلة كبيرة يتبادلون المشاكسات المرحة مُطلقين بعض الضحكات المدوية. انفرجت ابتسامتها وهي تخطو نحوهم بسعادة بالغة محتضنة بيدها صندوق صغير يحوى بين جنباته ساعة أصلية تُهادي بها "إياد" الذي وما أن رمقها حتى نهض من مقعده مُشيرًا بيده نحو أحدهم للتعالى أغنية عيد الميلاد الشهيرة وتتطاير قُصاصات الورق البراقة حول "داليدا" التي تسمرت بأرضها بصدمة للحظات طويلة تحاول استيعاب ما يحدث ريثما إلتف حولها الجميع هاتفين باسمها بسعادة كبرى تضاعفت حينما أحضر النادل كعكة عيد الميلاد المزينة بصورة ملونة لها.
طوفت وجوه الجميع بأعين زائغة وقلبٍ كاد صوت خلجاته يطغى على أصواتهم المرحة، لتجد جسدها يُطيع يد صديقتها المحتضنة لكفها جاذبة إياها نحو منتصف الطاولة. التف الجميع حولها للحظات متقافزين بسعادة، مهللين بفرح قبل أن يرددوا بسعادة:
- إتمني أمنية الأول،أينعم عيد ميلادك فات بقاله كام يوم بس هي دي الخطة.
كانت كالمغيبة تتبع ارشاداتهم وهي تطوف وجوههم بخدر تام دانية بجذعها نحو الشموع المتقدة تنفث بها بهدوء وأعينها مُعلقة بمن ولج لتوه.
تعالت تهليلات الجميع ما أن تبخرت أدخنة الشموع مُعلنة إخمادها، لتستقيم بجسدها متلقية التهنئات منهم جميعًا خاصة "إياد" الذي توقف أمامها تمامًا وهو يحرك يده يمينًا ويسارًا أمام وجهها مغمغمًا بدهشة :
- "داليدا".. هاي.. نحن هنا.
استفاقت من خدرها هذا على صوته، لتستنفر جميع حواسها مُطلقين صافرات الإعتراض وهي تغمغم غاضبة :
- إنت عارف إني بطلت أحتفل بعيد ميلادي ولا لأ؟
حرك "إياد" رأسه بتأكيد مرددًا بتأييد لعلمه :
- أيوه عارف، بس حبينا نعملك مفاجأة السنة دي، وبعدين هاتيلي بنت واحدة في المجرة ما بتحبش الهدايا وأعياد الميلاد.. الناس مكلفة جامد والله، ويا ستي لو ما عجبتكيش أخدهم أنا أديهم لخطيبتي، وربنا هتدعيلي طول العمر.
ضيقت "داليدا" أحداقها بغيظ وهي تردد بتهكم ساخر:- تدعيلك طول العمر!
حرك "إياد" رأسه مرددًا بتأكيد :
- أه وربنا، دي بتحب الهدايا جدًا.. ما تعرفش إني محرر حوادث غلبان، لا صديق المشاهير ولا حتى أعرف مشهور واحد أتصور معاه.
سحبت "داليدا" نفسًا عميقًا للحظات ثم زفرته بقوة قبل أن تستدير نحو زملائها مرددة بعرفان وشكر :
- أنا مش عارفة أشكركم إزاي على المفاجأة دي، حقيقي فرحتوني وأسعدتوني، شكرًا.
بادلها الجميع السعادة مقدمين إليها الهدايا مع تمنيات بعام سعيد محمل بالحب والنجاح. بحثت أحداقها عنه بلا وعي أو تخطيط منها لتجده يحتل طاولته الخاصة يحتسي قهوته المعتادة، رغم سخطها عليه إلا أنها تناولت من النادل أحد الأطباق المحملة بالحلوى واستدارت بكامل جسدها متجهة صوبه بخطى واثقة، وأنفاس هادئة.
كان يرتشف قهوته بتركيز مزعوم، وحواس متأهبة نحو تلك التي تخطو نحوه بخطى راوغت دقاته ونافستها، ليُطلق تنهيدة هادئة مرتشفًا رشفة أخرى من فنجانه فيجدها أمامه مباشرة بصوتها الهادر :
- حبيت أضايفك من حلويات عيد ميلادي.
رفع أنظاره الثابتة إليها وهو يكشف عن ابتسامة خفيفة مرددًا قبل أن يُشير بيده نحو المقعد المقابل له:
- كل سنة وانتي طيبة، اتفضلي.
حملت الطبق بإحدى يديها وبالأخرى سحبت المقعد إلى الخلف، وجلست أعلاه مُقدمة الطبق نحوه بإبتسامة خفيفة :
- إتفضل.
نحى قهوته جانبًا وهو يتناول منها الحلوى مرددًا بترحيب:
- شكرًا.. هاكل حاجة بسيطة عشان خاطرك، لأني فعلًا ماليش في الحلويات.
اشتعلت نيران الحنق بقلبها وأعينها وهي تجذب منه الطبق ثانية هاتفةً :
- لأ بلاش منها أفضل.. هات الطبق.
تجهمت ملامح "أمجد" بصدمة وهو يجذب منها الطبق ثانية مرددًا بإستنكار :
- إنتي جايباه وعينك فيه؟!.. أظن ده طبقي وأنا حر أكله ولا لأ.
تركت الطبق وهي تزفر بقوة هاتفة به بإستياء شديد :
- هو إنت عايز تمشي الدنيا على مزاجك ولا إيه؟، وبعدين أعتقد إن كان فيه شغل بينا ما كملش، بس أنا كملته بمزاجي، ومش عايزة أعرف عنك حاجة.
ونهضت من مقعدها دانية منه بجذعها وهي تشير نحوه بسبابتها هاتفة :
- ودي كانت أول وآخر مرة "داليدا الشهاوي" تعمل معاك حوار.. تمام؟
واستدارت مغادرة بثورة غضبها تاركة خلفها قلبًا استعاد نبضه ثانية.
*************
جسد موصول بأنابيب بلاستيكية رفيعة، ومجسات صغيرة مبعثرة أعلى صدرها لقياس نبضات القلب ودقاته، جسد ذو بشرة شاحبة مترهلة، عضلات مرخية متهدلة، أنفاس تصارع للبقاء، وأجفان مسدلة بلا أشفار، كان يتابعها من خلف ذلك الحاجز الزجاجي لغرفة الرعاية الفائقة بأحداقٍ جامدة كالثلج تمامًا، كانت أمامه هي والفراش سواء، هي والموت سواء، ربما الفاصل بينهما لحظات، أو نظرات، وربما كان يصارعها لخطف النفس الأخير.
صراعات تعصف برأسه هل يتشفى بها لجُرمها الذي لا يُغتفر معه ومع شقيقته وأبيهما، أم يشفق عليها ويطلب لها الرحمة والمغفرة من بارئها؟
طالت نظراته الجليدية للحظات أخرى حتى حسم أمره أخيرًا وزفر زفرة قوية استدار بعدها مغادرًا الردهة بخطوات واسعة.
**********
طرق الباب قويًا بدقات متواصلة حتى أتاه صوتها المستنكر لهذا الضجيج فأدار مفتاحه الخاص بعدما وضعه بمكانه المخصص ودفع الباب والجًا بثورته التي لم تُخمد بعد، كاد الباب أن يرتطم بها بقوة دفعه هذه، إلا أن تلك الخطوة التي أخدتها للوراء كانت طوق النجاة لها، لتهتف به بغضب جامح وهي تلوح بيدها في الهواء :
- إنت مجنون!.. إزاي تدخل عليا بالشكل ده؟! وإزاي أصلًا لسه معاك مفتاح الشقة، أنا لازم أغير الكالون.
اختزل المسافة بينهما إلى بضع سنتيمترات وهو يقبض على ذراعها بقوة صافعًا وجهها بأنفاسه المُتقدة بينما يصك أسنانه بقوة محررًا بعض الكلمات من بينها :
- الشقة دي شقتي وأنا سايبها لعيالي يعيشوا فيها بدل ما يتمرمطوا في بيت اللي يسوى واللي ما يسواش، يعني انتي قاعدة هنا بس بسبب عيالي ، وبعدين لازم تحمدي ربنا صبح وليل إني وافقت إن واحدة زيك أصلًا تربيهم.
بلكمات قوية منها وهنت أعلى كتلته العضلية الصلدة صرخت به بتعالٍ وغرور :
- إبعد عني.. إنت مش عارف أنا بابي مين.
تعالت ضحكاته الساخرة ودوى صداها بأرجاء الشقة وهو يقطعها بكلماته المتهكمة :
- بابي!.. دا أنا بالأخص اللي عارف بابي مين.
تجمدت الضحكات بحلقه وهو يرفع طرف فاهه بإمتعاض شديد مرددًا :
- حرامي، مزور، مرتشي، سُكري، قمارتي، ده بابي يا روح بابي ما سابش عمل واحد قذر يعتب عليه الشيطان فيه.
اشتعل غضبها وفارت الدماء بعروقها لتستجمع كامل قوتها وتدفعه بكامل جسدها بعيدًا عنها وهي تصرخ به بعدما أصبحت بمواجهته تمامًا :
- عشان كده سيبتني وطلقتني!.. وأنا اللي كنت فاكراك ابن أصول وهتقف جنب مراتك وحماك.
أشهر سبابته بوجهها بصرامة وهو يهتف بها بتحذير :
- إوعي.. أنا ابن أصول غصب عن أي حد في عيلتك كلها، وكنت شاريكي، وقولت لنفسي البنت مالهاش ذنب باللي بيعمله أبوها، هو هياخد اللي يستحقه، وهي تعيش معاك وتربوا الأولاد سوا، إنما انتي اللي يومها خيرتيني بينك وبين وظيفتي وضميري، خيرتيني بين ورقة طلاقك وورق إدانة أبوكي.
هتفت به بحدة أكبر وهي تصفق بكلتا يديها بسخرية وتهكم :
- وإنت سعادة الظابط الأمين اللي حافظ على شغله وخسر بيته ومراته وعياله.
ابتسم ابتسامة جانبية متهكة وهو يعقد ساعديه أعلى صدره مغمغمًا :
-يا بنتي انتي خسارتك مكسب، وأنا ربنا نجاني منك ومن عمايلك السودا اللي أخبارها مالية النوادي والحفلات، أما عيالي فدول عمري ما هخسرهم لأنهم حتة مني.
تعالت ضحكاتها المتهكمة وهي تطوف المكان حولها بأحداقها المتشفية مغمغمة بإستنكار :
- مين قال كده؟!.. ده بابي راجل ظالم ومفتري وبيقتل الناس الطيبة، وبيحبس الناس اللي معندهاش فلوس، ولو انتوا غلطوا أو عملتوا أي حاجة تزعله هيعمل فيكوا كده بالظبط.
واحتدت نبرتها كثيرًا وهي تغمغم بشر :
- ده اللي بحفظه لعيالك كل يوم قبل النوم.
ليث كاسر حُررت أصفاده، وثار منقضًا عليها بقوة يحاوط عنقها بيديه ضاغطًا بكامل قوته وهو يصرخ بها ذاهلًا:
- انتي مستحيل تكوني أم.. وأنا مستحيل أخليكي تربي عيالي.
حمحمت بحشرجة وهي تلوح بيدها في الهواء متوسلة الحرية، إلا أن قبضته كانت تزداد إحكامًا ساخطًا حتى أشكت أن تلفظ آخر أنفاسها ليكون صوت صغيرها هو قبلة الحياة لها.
ولجت "داليد" إلى المقهى الذي رافقت به "أمجد" من قبل، كي تنضم إلى زملائها بالعمل الذين قرروا الإحتفال بذكرى مولد "إياد" في مفاجأة أعدوها مسبقًا له أو هكذا أوهموها. توقفت بمدخل المقهى تطوف كامل المكان بأحداقها التي استقرت أخيرًا نحو ركنًا بعيدًا كان يضم بعض من زملائها الذين يجلسون حول طاولة مستطيلة كبيرة يتبادلون المشاكسات المرحة مُطلقين بعض الضحكات المدوية. انفرجت ابتسامتها وهي تخطو نحوهم بسعادة بالغة محتضنة بيدها صندوق صغير يحوى بين جنباته ساعة أصلية تُهادي بها "إياد" الذي وما أن رمقها حتى نهض من مقعده مُشيرًا بيده نحو أحدهم للتعالى أغنية عيد الميلاد الشهيرة وتتطاير قُصاصات الورق البراقة حول "داليدا" التي تسمرت بأرضها بصدمة للحظات طويلة تحاول استيعاب ما يحدث ريثما إلتف حولها الجميع هاتفين باسمها بسعادة كبرى تضاعفت حينما أحضر النادل كعكة عيد الميلاد المزينة بصورة ملونة لها.
طوفت وجوه الجميع بأعين زائغة وقلبٍ كاد صوت خلجاته يطغى على أصواتهم المرحة، لتجد جسدها يُطيع يد صديقتها المحتضنة لكفها جاذبة إياها نحو منتصف الطاولة. التف الجميع حولها للحظات متقافزين بسعادة، مهللين بفرح قبل أن يرددوا بسعادة:
- إتمني أمنية الأول،أينعم عيد ميلادك فات بقاله كام يوم بس هي دي الخطة.
كانت كالمغيبة تتبع ارشاداتهم وهي تطوف وجوههم بخدر تام دانية بجذعها نحو الشموع المتقدة تنفث بها بهدوء وأعينها مُعلقة بمن ولج لتوه.
تعالت تهليلات الجميع ما أن تبخرت أدخنة الشموع مُعلنة إخمادها، لتستقيم بجسدها متلقية التهنئات منهم جميعًا خاصة "إياد" الذي توقف أمامها تمامًا وهو يحرك يده يمينًا ويسارًا أمام وجهها مغمغمًا بدهشة :
- "داليدا".. هاي.. نحن هنا.
استفاقت من خدرها هذا على صوته، لتستنفر جميع حواسها مُطلقين صافرات الإعتراض وهي تغمغم غاضبة :
- إنت عارف إني بطلت أحتفل بعيد ميلادي ولا لأ؟
حرك "إياد" رأسه بتأكيد مرددًا بتأييد لعلمه :
- أيوه عارف، بس حبينا نعملك مفاجأة السنة دي، وبعدين هاتيلي بنت واحدة في المجرة ما بتحبش الهدايا وأعياد الميلاد.. الناس مكلفة جامد والله، ويا ستي لو ما عجبتكيش أخدهم أنا أديهم لخطيبتي، وربنا هتدعيلي طول العمر.
ضيقت "داليدا" أحداقها بغيظ وهي تردد بتهكم ساخر:- تدعيلك طول العمر!
حرك "إياد" رأسه مرددًا بتأكيد :
- أه وربنا، دي بتحب الهدايا جدًا.. ما تعرفش إني محرر حوادث غلبان، لا صديق المشاهير ولا حتى أعرف مشهور واحد أتصور معاه.
سحبت "داليدا" نفسًا عميقًا للحظات ثم زفرته بقوة قبل أن تستدير نحو زملائها مرددة بعرفان وشكر :
- أنا مش عارفة أشكركم إزاي على المفاجأة دي، حقيقي فرحتوني وأسعدتوني، شكرًا.
بادلها الجميع السعادة مقدمين إليها الهدايا مع تمنيات بعام سعيد محمل بالحب والنجاح. بحثت أحداقها عنه بلا وعي أو تخطيط منها لتجده يحتل طاولته الخاصة يحتسي قهوته المعتادة، رغم سخطها عليه إلا أنها تناولت من النادل أحد الأطباق المحملة بالحلوى واستدارت بكامل جسدها متجهة صوبه بخطى واثقة، وأنفاس هادئة.
كان يرتشف قهوته بتركيز مزعوم، وحواس متأهبة نحو تلك التي تخطو نحوه بخطى راوغت دقاته ونافستها، ليُطلق تنهيدة هادئة مرتشفًا رشفة أخرى من فنجانه فيجدها أمامه مباشرة بصوتها الهادر :
- حبيت أضايفك من حلويات عيد ميلادي.
رفع أنظاره الثابتة إليها وهو يكشف عن ابتسامة خفيفة مرددًا قبل أن يُشير بيده نحو المقعد المقابل له:
- كل سنة وانتي طيبة، اتفضلي.
حملت الطبق بإحدى يديها وبالأخرى سحبت المقعد إلى الخلف، وجلست أعلاه مُقدمة الطبق نحوه بإبتسامة خفيفة :
- إتفضل.
نحى قهوته جانبًا وهو يتناول منها الحلوى مرددًا بترحيب:
- شكرًا.. هاكل حاجة بسيطة عشان خاطرك، لأني فعلًا ماليش في الحلويات.
اشتعلت نيران الحنق بقلبها وأعينها وهي تجذب منه الطبق ثانية هاتفةً :
- لأ بلاش منها أفضل.. هات الطبق.
تجهمت ملامح "أمجد" بصدمة وهو يجذب منها الطبق ثانية مرددًا بإستنكار :
- إنتي جايباه وعينك فيه؟!.. أظن ده طبقي وأنا حر أكله ولا لأ.
تركت الطبق وهي تزفر بقوة هاتفة به بإستياء شديد :
- هو إنت عايز تمشي الدنيا على مزاجك ولا إيه؟، وبعدين أعتقد إن كان فيه شغل بينا ما كملش، بس أنا كملته بمزاجي، ومش عايزة أعرف عنك حاجة.
ونهضت من مقعدها دانية منه بجذعها وهي تشير نحوه بسبابتها هاتفة :
- ودي كانت أول وآخر مرة "داليدا الشهاوي" تعمل معاك حوار.. تمام؟
واستدارت مغادرة بثورة غضبها تاركة خلفها قلبًا استعاد نبضه ثانية.
*************
جسد موصول بأنابيب بلاستيكية رفيعة، ومجسات صغيرة مبعثرة أعلى صدرها لقياس نبضات القلب ودقاته، جسد ذو بشرة شاحبة مترهلة، عضلات مرخية متهدلة، أنفاس تصارع للبقاء، وأجفان مسدلة بلا أشفار، كان يتابعها من خلف ذلك الحاجز الزجاجي لغرفة الرعاية الفائقة بأحداقٍ جامدة كالثلج تمامًا، كانت أمامه هي والفراش سواء، هي والموت سواء، ربما الفاصل بينهما لحظات، أو نظرات، وربما كان يصارعها لخطف النفس الأخير.
صراعات تعصف برأسه هل يتشفى بها لجُرمها الذي لا يُغتفر معه ومع شقيقته وأبيهما، أم يشفق عليها ويطلب لها الرحمة والمغفرة من بارئها؟
طالت نظراته الجليدية للحظات أخرى حتى حسم أمره أخيرًا وزفر زفرة قوية استدار بعدها مغادرًا الردهة بخطوات واسعة.
**********
طرق الباب قويًا بدقات متواصلة حتى أتاه صوتها المستنكر لهذا الضجيج فأدار مفتاحه الخاص بعدما وضعه بمكانه المخصص ودفع الباب والجًا بثورته التي لم تُخمد بعد، كاد الباب أن يرتطم بها بقوة دفعه هذه، إلا أن تلك الخطوة التي أخدتها للوراء كانت طوق النجاة لها، لتهتف به بغضب جامح وهي تلوح بيدها في الهواء :
- إنت مجنون!.. إزاي تدخل عليا بالشكل ده؟! وإزاي أصلًا لسه معاك مفتاح الشقة، أنا لازم أغير الكالون.
اختزل المسافة بينهما إلى بضع سنتيمترات وهو يقبض على ذراعها بقوة صافعًا وجهها بأنفاسه المُتقدة بينما يصك أسنانه بقوة محررًا بعض الكلمات من بينها :
- الشقة دي شقتي وأنا سايبها لعيالي يعيشوا فيها بدل ما يتمرمطوا في بيت اللي يسوى واللي ما يسواش، يعني انتي قاعدة هنا بس بسبب عيالي ، وبعدين لازم تحمدي ربنا صبح وليل إني وافقت إن واحدة زيك أصلًا تربيهم.
بلكمات قوية منها وهنت أعلى كتلته العضلية الصلدة صرخت به بتعالٍ وغرور :
- إبعد عني.. إنت مش عارف أنا بابي مين.
تعالت ضحكاته الساخرة ودوى صداها بأرجاء الشقة وهو يقطعها بكلماته المتهكمة :
- بابي!.. دا أنا بالأخص اللي عارف بابي مين.
تجمدت الضحكات بحلقه وهو يرفع طرف فاهه بإمتعاض شديد مرددًا :
- حرامي، مزور، مرتشي، سُكري، قمارتي، ده بابي يا روح بابي ما سابش عمل واحد قذر يعتب عليه الشيطان فيه.
اشتعل غضبها وفارت الدماء بعروقها لتستجمع كامل قوتها وتدفعه بكامل جسدها بعيدًا عنها وهي تصرخ به بعدما أصبحت بمواجهته تمامًا :
- عشان كده سيبتني وطلقتني!.. وأنا اللي كنت فاكراك ابن أصول وهتقف جنب مراتك وحماك.
أشهر سبابته بوجهها بصرامة وهو يهتف بها بتحذير :
- إوعي.. أنا ابن أصول غصب عن أي حد في عيلتك كلها، وكنت شاريكي، وقولت لنفسي البنت مالهاش ذنب باللي بيعمله أبوها، هو هياخد اللي يستحقه، وهي تعيش معاك وتربوا الأولاد سوا، إنما انتي اللي يومها خيرتيني بينك وبين وظيفتي وضميري، خيرتيني بين ورقة طلاقك وورق إدانة أبوكي.
هتفت به بحدة أكبر وهي تصفق بكلتا يديها بسخرية وتهكم :
- وإنت سعادة الظابط الأمين اللي حافظ على شغله وخسر بيته ومراته وعياله.
ابتسم ابتسامة جانبية متهكة وهو يعقد ساعديه أعلى صدره مغمغمًا :
-يا بنتي انتي خسارتك مكسب، وأنا ربنا نجاني منك ومن عمايلك السودا اللي أخبارها مالية النوادي والحفلات، أما عيالي فدول عمري ما هخسرهم لأنهم حتة مني.
تعالت ضحكاتها المتهكمة وهي تطوف المكان حولها بأحداقها المتشفية مغمغمة بإستنكار :
- مين قال كده؟!.. ده بابي راجل ظالم ومفتري وبيقتل الناس الطيبة، وبيحبس الناس اللي معندهاش فلوس، ولو انتوا غلطوا أو عملتوا أي حاجة تزعله هيعمل فيكوا كده بالظبط.
واحتدت نبرتها كثيرًا وهي تغمغم بشر :
- ده اللي بحفظه لعيالك كل يوم قبل النوم.
ليث كاسر حُررت أصفاده، وثار منقضًا عليها بقوة يحاوط عنقها بيديه ضاغطًا بكامل قوته وهو يصرخ بها ذاهلًا:
- انتي مستحيل تكوني أم.. وأنا مستحيل أخليكي تربي عيالي.
حمحمت بحشرجة وهي تلوح بيدها في الهواء متوسلة الحرية، إلا أن قبضته كانت تزداد إحكامًا ساخطًا حتى أشكت أن تلفظ آخر أنفاسها ليكون صوت صغيرها هو قبلة الحياة لها.
