رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الحادي عشر 11 بقلم الكاتبة شموسة
بعد مرور شهر
شاردان .. كل منهما في ملكوته وإن كانا يتشاركان نفس مشاعر الشوق للمحبوب.. دخلت سيارة التوأمين القرية في الصباح الباكر...
إن اللقاء الأسبوعي في يوم وسط الاسبوع بات موعدا مقدسا لهما لزيارة القرية .. وباتا يضعان له الخطط التي تتماشى مع مباشرة أعمال المطعم فيتركاه تحت اشراف والدهما في الأيام البعيدة عن الذروة ويحضرا صباحا وقد يبيتا ليلة أو ليلتين بحجج مختلفة .. كل ذلك من أجل اختلاس لحظات مسروقة مع الأحبة.
قطع شامل صمت يملأه صوت عبد الحليم الذي أصبح ملازما لرحلاتهما للقرية حينما لمحها تقف في الطريق الرئيسي عند مدخل القرية ترسم بمقدمة حذائها في الأرض ..فأعتدل في مقعده وكامل الشارد يتجاوزها بالسيارة دون أن يلاحظها ..ليهب شامل قائلا "انتظر يا كامل.. انتظر"
أوقف كامل السيارة على بعد أمتار عاقدا حاجبيه وهو ينظر في المرآة الأمامية والأخرى المجاورة لتوأمه الذي فتح باب السيارة لكنه تردد في الترجل منها يحاول السيطرة على اندفاعه ولهفته لرؤيتها عن قرب .. فلقاءاتهما وجها لوجه نادرة وبعيدة المسافة حريصان فيها على عدم إثارة انتباه أحد.
أمسك شامل بهاتفه وكتب على الواتساب "ونس ماذا تفعلين عندك في هذا الوقت المبكر من الصباح ؟!"
بارتجاف حدقت فيه ونس من بعيد تتمنى لو يقترب أو تقترب هي منه ..
لقد رضخت لضغط مشاعرها المشتاقة وقررت أن تنتظره عند مدخل القرية حينما أخبرها بأنه قادم في الصباح .. فهي غير قادرة على رؤيته وجها لوجه في أي مكان .. وتشعر بالضيق الشديد .. تشعر وكأنها في سجن كبير .. تريد أن تراه وتتحدث معه كثيرا كثيرا ..
وكأن حوارهما طوال اليوم على الواتساب لم يعد يكفيها .
كتبت بحرج "لا شيء فقط كنت أمر هنا .. فقررت أن اتوقف قليلا لأشاهد( ونظرت أمامها للحقول الخضراء ثم عادت تكتب ) اللون الاخضر في الحقول ..وسأمضي في طريقي بعد قليل"
نظر شامل في الهاتف يقرأ ثم رفع نظراته إلى حيث تقف على مسافة من السيارة قبل أن يفقد سيطرته على نفسه ويترجل منها يقطع الأمتار إليها بسرعة بينما كامل يناديه معترضا " إلى أين يا زفت .. من منا المتهور الآن!!"
قالها وأخذ يتطلع حوله بقلق بينما وقف شامل بقامته الطويلة وملابسه العصرية الأنيقة متخصرا أمام ونس يتطلع إليها بملء عينيه .
لقد اشتاق إليها بشدة ..فهذه الجنية تتسلل إلى جزيئاته بسرعة عجيبة ورهيبة.
على هدير دقات قلبها الذي تشعر به عاليا كانت ونس تتطلع فيه متقبضة إلى جانبي جسدها ولسانها يلعب في جدار خدها من الداخل ..
وكانت متلهفة لسماع صوته وهي تتساءل في سرها عما اذا كان صوته هذا الذي تلتقطه سماعتها هو صوته الحقيقي أم أن هذه السماعة تزيف لها الأصوات !.
أخيرا قطع شامل الصمت المتوتر موبخا بلهجة رقيقة" كيف تقفين بهذا الشكل يا ونس؟!"
اطبقت شفتيها ببعضهما وعيناها البنيتان اللامعتان تتجولان في قسمات وجهه الخشنة الوسيمة ثم عقدت يديها خلف ظهرها وحركت كتفيها بلا شيء .
زفرة حارة أخرجها شامل من صدره وهو يشيح بنظراته عنها للحظات يحاول السيطرة على مشاعره التي تلح عليه بأفكار مجنونة ثم عاد ينظر إليها قائلا بلهجة حازمة" إياك أن تقفي بهذا الشكل مجددا ألست في طريقك للعمل؟"
أومأت برأسها ايجابا ..فقبّل وجهها الطفولي القسمات بنظراته وأنفها الصغير الماثل أمام عينيه كأنوف الدمى الصغيرة قبل أن يضيف "كنت أود أن أدعوك لتوصيلك لكن أنت تعرفين"
هزت ونس رأسها متفهمة فأشار بيده إليها يقول بحزم" هيا قبل أن يراك أحد"
أومأت برأسها وتحركت متلكئة بشكل واضح فاتسعت ابتسامته المشرقة من فرط سعادة يشعر بها وهو يستقبل كل ما يصدر عنها ..
ابتسامة شحنتها بطاقة فجعلتها تتحرك مسرعة من أمامه تداري ضحكة محرجة بينما وقف شامل يراقب ابتعادها بقلب انفرط عقد دقاته ..
غادرت تأخذ معها رائحة الصابون المنعشة التي تفوح منها دوما كلما رآها ..
وتأخذ عينيها البنيتين الملهمتين تحت حاجبين جميلين غير مشذبين من أمام ناظريه ..
وتأخذ ضحكة كشمس مشرقة تخلب لُبه.
إن ما يحدث معه ضربا من الجنون .. أو مساً من سحر غريب ..ذكره بحالة كامل منذ ثلاث سنوات ونصف حينما رأى بسمة .
فعقد حابيه مفكرا ..
ألهذه الدرجة هما متشابهان حتى في الأقدار!!.
تجاوزت ونس سيارة التوأم بخطواتها فراقبها كامل بحاجب مرفوع قبل أن يعود شامل للسيارة وعيناه معلقتان بها قائلا لتوأمه "لننتظر قليلا حتى تبتعد"
بمشاكسة وعناد حرك كامل مقود السيارة وضغط على البنزين بسرعة ..وعند مروره من جوارها ضغط على بوق السيارة بقوة فوضعت ونس يدها على السماعة بانزعاج شديد ثم ناظرت السيارة بغيظ بينما انقض عليه شامل يحيط ذراعه برقبته ويطبق عليها في محاولة لخنقه قائلا بغيظ "ألن تكف عن سخافتك وصبيانيتك أبدا.. كم عمرك لتفعل ذلك !"
قال كامل ضاحكا وهو يحاول تخفيف قوة ذراع توأمه بيد بينما يقود باليد الأخرى "الترعة ..الترعة .. سنقع في الترعة يا زفت"
استمرت مشاكساتهما حتى وصلا لبيت الجد صالح بصعوبة لإصرار شامل على الانتقام منه .. فأوقفها كامل أخيرا أمام البوابة واشتبك معه بالأيدي مطلقا ضحكة شريرة مستمتعا بحالة شامل المغتاظة .. فضغطا أثناء عراكهما على بوق السيارة بقوة نبهت بسمة المترقبة الحواس لوصولهما فخرجت من البوابة الأخرى لتتفقد الوضع .
لمحها كامل بطارف عينه عند البوابة تمسك بكوب خزفي فتوقع أنها تشرب النيسكافيه وقال لشامل الذي سينفجر من الغيظ "كفى.. أنا اعتذر ..لا تفضحنا أمام ذات العينين الزرقاوين"
قال شامل بغيظ" بل سأريك مقامك أمامها يا ***"
تركه شامل وترجل من السيارة مسرعا بينما تبادل كامل النظرات مع بسمة التي سحبت عينيها عنه هاربة وتابعت شامل الذي استدار حول السيارة ليفتح الباب الآخر ويصارع لإخراج كامل الذي يضحك بحرج شديد ويقاوم محاولات إخراجه قائلا بصوت خافت" أجِّل انتقامك الآن يا ****"
تكلم شامل بغيظ مصرا على اخراجه "لا بل الفضيحة ستكون علنية .. اخرج"
اخذ يشده للخروج بعناد متمتما وهو يرفع قدمه على جانب السيارة ويسحب توأمه" ما هذا .. وكأنني اسحب ثور!"
ابتسامة على زاوية شفتي بسمة زادت من عمق طابع الحسن في ذقنها بينما شعور بالدفء أكثر منه استمتاعا يتسلل إليها ..
تلك العلاقات الدافئة تفتقدها بشدة ..
ذلك الشجار التافه مع من نحبهم الذي نمارسه دون رقابة ذاتية على ما نفعل .. تلقائية التصرف دون الخوف من التقويل والفهم الخاطئ..
لا تنكر بأنها قد عادت لممارسة بعضا من تلك التلقائية والعفوية مع مليكة وأم هاشم بعد فترة طويلة من الانقطاع ..
لكنها بضع لحظات مختلسة من الزمن ..
فلم يعدن متفرغات كالسابق ..ولم يعد يجمعهن مكانا واحدا كأيام الدراسة والتزاور ..
كبرن ..
وازدادت الحواجز المكانية بينهن ..
وتفنن عداد العمر في إلقاء المسئوليات على عاتقهن ..
فاضحت الضحكة النادرة تخرج متبوعة بسعلة من صدر مشبع بغبار وعوادم الحزن والخيبات .
عند تلك الخاطرة شعرت بسمة بأنها قد تقدمت في العمر كثيرا .. فإن كان الجسد له عمر فالروح قد تحمل اعمارا أكبر وكأنها قد عاشت حيوات كثيرة.. أحداث تضيف إلى أعمارنا أعمارا فلكية..
بابتسامة تساءلت بسمة وهي تراقبهما كم عمرهما ؟.. ملامحهما توحي بأنهما في منتصف الثلاثين ..
أمن المعقول أن يكونا في سن مفرح!!.. بينما تصرفاتهما مع بعضهما حينما يجتمعان وكأنهما في العشرين من العمر !.
استسلم كامل أخيرا لمحاولات توأمه في اخراجه فخرج ولا تزال تلك الضحكة الصبيانية على شفتيه ولم تدر بسمة التي تراقبهما بأنها ضحكة نادرة هي الأخرى.. ولحظة سعادة حضرت بعد سفر بعيد .. بعد غياب أكثر من عشر سنوات.
بمجرد خروجه وبحركة لئيمة استطاع كامل ليّ ذراع توأمه وهو يصدر ضحكة شريرة منتصرة لكن الآخر لم يكن ينوي الاستسلام فزمجر بقوة ونجح في الافلات منه ثم أمسك برقبته يلصقه بالسيارة ويضغط عليه حتى مال كامل للخلف عليها ليأتي دور شامل ليضحك نفس الضحكة الشريرة .
قال كامل من بين أسنانه "لمَ الفضائح في الشارع تعال ندخل البيت ونتشاجر كما تريد"
بنظرة ماكرة مغيظة قال شامل بصوت عال "لماذا يا كيمو؟ مما تتحرج يا حبيبي؟.. ألأنك تتلقى عقابا على فظاظتك على الملأ"
ضربه كامل في ساقه بمقدمة حذائه فأفلته شامل متوجعا وهو يمسك بساقه ليقول الأول محذرا "سأؤذيك وأنت تعلم"
انقض عليه شامل يحيط ذراعه بعنقه ويضغط عليه ليميل برقبته للأمام قليلا وهو يقول" بل أنا من سأنتقم للبشرية من فظاظتك .. (ونظر لبسمة صائحا بصوت عال قاصدا في احراج توأمه ) صباح الخيرات يا باشمهندسة لا تؤاخذينا أخ يؤدب توأمه الفظ "
رفع كامل أنظاره نحوها رغم انحناءة عنقه ضاحكا تلك الضحكة الخشنة التي تدغدغ أعصابها ..رغم أنها مطابقة لضحكة توأمه وقال بلهجة بريئة وهو يضع يده على صدره "اخبريه يا باشمهندسة أني شخص لطيف"
أشاحت بسمة بأنظارها بابتسامة ساخرة مستهجنة ردا على عبارته ثم عادت تنظر إليه وشامل يرد عليه مستمرا في الضغط على عنقه" بالطبع .. لطيف بشدة .. لطيف بعنف .. لطيف بفظاعة "
كانا مسليان دافئان وهما يتشاكسان كدبين ضخمين أمامها .. قبل أن يخرج أحد عمال المزرعة مستكشفا لما يحدث من جلبة .. فلمحه شامل وكف فورا عن صبيانيته وترك توأمه ..فوقفا يعدلان من هيئتهما بحرج خاصة مع ظهور عامل أخر من بوابة المزرعة حيا التوأمين اللذين تنحنحا وتصنعا الجدية بسرعة .
وقف كامل أمامها يرفع شعره بمشط يده ويصففه فعوجت بسمة شفتيها وأشاحت بوجهها للناحية أخرى قبل أن تعقد حاجبيها بمفاجأة حينما لمحت ونس آتية .. فنظرت بتعجب لساعة يدها ثم قالت لها بمجرد أن اقتربت تختلس النظرات للتوأمين الواقفين عند السيارة "أتيت مبكرة جدا اليوم!.. أنت دوما تأتين أخر واحدة"
حركت ونس لبسمة كتفيها ببراءة بينما ربت كامل على كتف أخيه يقول بلهجة ذات مغزى" اركن أنت السيارة يا وَحش"
واستدار يخرج مفاتيحه من جيبه ويفتح البوابة وهو ينظر لبسمة يحرك رأسه بتحية قائلا" صباح الخير باشمهندسة باسمة"
باقتضاب غمغمت "صباح النور "
ثم سحبت ونس ثقيلة الخطوات التي تحدق في شامل وهو يبادلها نظرة سريعة مختلسة من خلف المقود يستعد لركن السيارة.
ادخلتها بسمة بحزم وحاولت تجاهل مشاعرها المراهقة المتراقصة بسبب عبارة (صباح الخير ) عادية تسمعها مئات المرات و وقفت تسأل ونس بصوت خفيض" ماذا يحدث معك بالضبط؟"
ناظرتها الأخيرة لثوان بنظرات شاردة وتمنت لو تتحدث مع أحد بشأن شامل .. تمنت بأن تبوح .. أن تقول الكثير دون قيود .. دون خوف .. يكفي بأنها لا تستطيع أن تبوح له بما يتأجج بداخلها من مشاعر.
شعرت بسمة بأن حدسها صحيحا وبأن هذه البنت متعلقة على الأغلب بشامل فقالت تحفزها عن الافصاح" أخبريني يا ونس وأعدك بألا أخبر أحدا"
الخوف تملك من ونس .. الخوف من أن تُمنع من التواصل معه إذا ما علم أحد بأنها تحادثه.. وهي التي تعلقت به بشكل أصبح صعبا عليها التخلي عنه .. فتراجعت للخلف تشير بما يعني لا شيء متبوعة بابتسامة مرتبكة ليقطع دخول أم هاشم وبعض الفتيات خلفها على بسمة الفرصة لأن تضغط عليها ..فراقبتها وهي تبتعد بوجه أحمر لتقف في أحد الأركان وتتطلع في هاتفها.
سألتها أم هاشم بحاجبين مقطبين" صباح الخير يا بسمة هل حدث شيء؟"
تطلعت بسمة في ونس التي ابتعدت نحو الطاولة وردت شاردة" اشعر بالقلق على هذه البنت وأتمنى أن تصارحني"
نظرت أم هاشم لونس وسألتها "ماذا تقصدين؟"
تطلعت فيها بسمة بعينيها الزرقاوين القلقتين وردت "أخشى من تعلقها بشامل نظراتها له تقلقني"
عقدت أم هاشم حاجبيها ثم انتبهت لدخول نصرة مع مجموعة من الفتيات احداهن تحمل فوق رأسها قفصا خشبيا مستطيلا به وَزّ فسألتها وهي ترفع حاجبا "ما هذا إن شاء الله؟!"
ضحكت الفتاة وردت بحرج وهي تنزل القفص أرضا " ذاهبة به لأختي بعد العمل وقلت بدلا من العودة للبيت فلأختصر المسافة وأذهب من هنا ( ونظرت لبسمة تقول ) لا تؤاخذينا يا أبلة بسمة"
ابتسمت بسمة ولم تعقب ثم استدارت تشرد من جديد في ونس .
×××××
خرج مصطفى الزيني من بوابة بيته يرحب بجابر دبور قائلا "لماذا رفضت الدخول يا أبا ميس؟"
غمغم جابر مبتسما وهو يمد يده للسلام "لا أريد أن اعطلك كما أن عليّ أن أسرع للعمل.. أنا فقط أردت أن أمر عليك سريعا قاصدك في خدمة"
قال مصطفى بترحيب" خير إن شاء الله"
تكلم جابر "الحقيقة كنت أريد أن اسألك إن كانت لك علاقات قوية بصاحب مدرسة اللغات التي بها ميس ومنة"
عقد مصطفى حاجبيه ورد" أعرفه لكن علاقتنا ليست قوية لماذا؟"
قال جابر بصراحة" كنت أود أن نتوسط لإسراء بنت هلال لتعمل في مدرسة اللغات.. البنت ذكية وممتازة وخسارة أن ندفنها في مدرسة القرية بينما تخصصها مطلوب بشكل أكثر تعمقا في مدرسة كهذه.. كما أن الراتب بالتأكيد سيكون أعلى اضعافا وهي كما تعلم على وشك الزواج وتحتاج لراتب كهذا"
قال مصطفى يحرك سبحته مفكرا "فهمتك.. لا تشغل بالك سأهتم بهذا الأمر (وصمت قليلا ثم قال باستدراك) بل مفرح من سيقوم بذلك فأنا أعرف بأنه على علاقة قوية بصاحب المدرسة .. سأتحدث معه وإن شاء الله نستطيع التوسط لها يا جابر"
اتسعت ابتسامة الأخير وغمغم بامتنان "عشت يا أبا حمزة"
تطلع فيه مصطفى مدققاً ثم قال" ماذا يحدث معك يا جابر؟ "
السؤال لمس وترا حساسا بداخله بأن هناك من يشعر به ويهتم .. لكنه للاسف لن يستطيع البوح عن أمور خاصة فقال مطمئنا " لا شيء يا أبا حمزة .. الحمد لله نحن غارقين في نعم الله لكن كما تعلم الإنسان أحيانا تقيده الهموم ولا يفكر إلا فيما ينقصه"
غمغم مصطفى بلهجة صادقة " حفظك الله من الهم والحَزن ورزقك بما يرضيك .. عموما إذا احتجت لأذن صديق ( ووضع يده على صدره) مصطفى موجود .. فالله وحده يعلم كم أحترمك واقدرك "
اتسعت ابتسامة جابر ورد يداري تأثرا شديدا "عشت يا مصطفى .. الله وحده يعلم كم أحبك في الله "
ابتسم مصطفى وربت على ذراعه شاعرا بالحرج ثم قال ليبدد الموقف الذي لم يعرف لمَ أضحى ملبدا فجأة بشعور مؤثر بينهما" ومتى ستعود الحاجة أم جابر؟"
قال جابر ممتعضا" انتهت من العمرة بفضل الله .. لكن زين يرفض السماح لها بالعودة "
قال مصطفى ضاحكا " اتركه فالغربة صعبة وبالتأكيد اشتاقا لبعضهما"
تنهد جابر وقال مهموما " أجل صعبة جدا .. لهذا اتمنى أن استطيع اقناعه حينما يأتي في إجازة الصيف أن يكتفي بهذا القدر من الاغتراب .. وأن يستقر ويتزوج .. لقد أضحى في الواحدة والثلاثين من عمره .. ومن في مثل عمره متزوج ولديه أطفالا "
غمغم مصطفى " صدقت "
أسرع جابر بالقول " سأستأذن أنا "
قال مصطفى "بهذه السرعة!"
غمغم جابر متجها نحو سيارته" نعوضها مرة أخرى إن شاء الله.. لابد أن ألحق بالمعرض السلام عليكم"
ردد مصطفى خلفه " وعليكم السلام ورحمة الله "
×××××
بعد ساعة
"ونس"
"نعم"
"هل قرأت الرابط الذي أرسلته لك؟"
"أجل إنه عن صاعق كهربائي للدفاع عن النفس ما به؟"
"أريدك أن تشاهدي الفيديو الخاص به وتحفظيه جيدا لأني..."
صمت شامل قليلا وهو يجلس على الأريكة في بيت الجد صالح فكتبت ونس "لأنك ماذا؟"
أسرع بالرد "لأني أحضرت لك واحدا"
"ماذا؟؟؟؟"
"احضرت لك صاعقا يا ونس وأنا أعلم بأنك ذكية وستتعلمين من الفيديو كيفية الاستعمال والمحاذير بسهولة"
عضت ونس على شفتها السفلية بحيرة وارتباك فهي لا تشعر بالراحة في استقبال الهدايا منه واكتفت فقط بالصلصال الحراري وعلبة بسكويت ملون خبزها لها ذات مرة تحتفظ بها في البيت لتأكل منها كل يوم قطعة متمنية ألا تنتهي .
كتبت "لكن"
رفع حاجبا وكتب "لكن ماذا؟"
بحيرة ردت " لا أعرف ماذا أقول"
"لا تقولي شيئا .. سأضعه بجوار البوابة كما تعودنا أن نفعل .. اذهبي وخذيه بعد ثلاث دقائق من الآن"
"حاضر"
××××
قبيل الظهيرة
كانت منهمكة في عملها رغم طاحونة الأفكار التي تعصف برأسها .. فمنذ سفر هلال للعاصمة وحياتها كلها انقلبت رأسا على عقب .. صحيح مرت بهم أوقات سابقة كان فيها هلال عاطلا عن العمل لكن وجوده في حد ذاته كان مصدرا للطمأنينة حتى لو كان وجودا شرفيا .. بالإضافة لحِمل جهاز اسراء الذي استجد .
وبرغم ذلك ليس لديها وقت للتفكير في هلال وفيما بدر منه..
قلبها موجوع .. مجروح .. وتشتاق اليه لا تنكر..
تشتاق لقاسي القلب هذا الذي طاوعه قلبه على الابتعاد ..وتشعر بالغضب الشديد منه..
لكن كل هذا ليس وقته .. هو اختار أن يبتعد .. اختار أن يقفز من المركب بعد كل هذا العمر ويتركها وحدها .. إذن فهذا اختياره ..
لقد اتصلت بجابر دبور أمس واخبرته بأنها لا تزال على اتفاقها معه بشأن الاجهزة المنزلية .. صحيح حاولت معه كثيرا أن يخبرها بقيمة القسط بعد أن قدّرت القيمة الكلية للمبلغ حين ذهبت لمعرض آخر لكنه رفض وأخبرها بأنه سينتظر عودة هلال ..
الحقيقة أن المبلغ الإجمالي الذي قدرته كان كبير جدا ولا تعلم كيف أن الأهالي اللذين يشترون لبناتهن أكثر من جهاز من الشيء نفسه كنوع من التباهي يدفعون هذا الكم من المبالغ من أجل التباهي فقط لا غير!! ..وهي التي اختارت الاساسيات فقط وجدتها بمبلغ ليس بالهين.. لكن حمدا لله أن جابر موجود .. صحيح تشعر بالحرج الشديد منه لكن لا يوجد مفر من الاعتماد عليه .. كله يهون من أجل الغالية إسراء.
سحبت نصرة جزرة نظيفة وقامت بتقطيعها ثم انتبهت لصوت الوز في القفص فقالت للفتيات" افتحوا لهذا الوز ليتحرك يا بنات وليأكل فضلات الخضار هذا ويشبع"
نفذت إحدى الفتيات ما قالته نصرة .. فأخذت الثلاث وزات يتجولن في المكان ويتبخترن بجوار العاملات.. وقامت نصرة بإلقاء بقايا الخضار لهن وهي تعود للتفكير في همومها.
لقد مرت على بعض المحلات لتأخذ فكرة عن أسعار المفروشات والستائر وأدوات المطبخ .. وما وجدته كان بأسعار مبالغ فيها بشدة .. لكنها لن تيأس.. إن شاء الله ستدبر المبالغ المطلوبة ..
فكرت في عمل اضافي لها في المساء من المنزل .. لكنها لا تعرف بعد ما هو فهي لا تجيد الخياطة ..
تنهدت بمرارة و حزن شديدين واستمرت على وجومها وشرودها بينما الفتيات يثرثرن في نفس السيرة التي باتت حديثا للقرية مؤخرا حول تخمين هوية الجاني الذي يقوم بالحرائق الغامضة المتكررة في الحقول ..
من البوابة دخلت اسراء وتبعتها اختيها همسة ونسمة .. وبمجرد دخول الأولى لمحت أمها الواجمة الحزينة التي تتوسط الفتيات فآلمها قلبها أن ترى وجهها دائم البشاشة رغم كل المحن بهذا الحزن ..
تعرف أن سفر والدها وعدم رغبته في الحديث معهم قد كسر بقلب والدتها بشدة .. وتعلم أيضا أن والديها تربطهما علاقة حب استثنائية يندر حدوثها في الوقت الحالي..
نظرت لأختيها نظرة تعني ( سننفذ ما اتفقنا عليه )واقتربت تلقي السلام ..
تفاجأت نصرة ببناتها يقفن أمامها ..فشحب وجهها وسألتهن بجزع "هل حدث شيء؟؟!!"
اسرعت اسراء بالرد لتطمئنها "ليس هناك شيئا يا أمي لا تقلقي"
حيّت ونس اسراء بسعادة فردتها الأخرى بابتسامة دافئة قبل أن تضيف" انتهيت من حصصي اليوم ومررت على همسة ونسمة في مدرستهما وقررنا المجيء لزيارتك هنا وزيارة البنات .. أين بسمة وأم هاشم"
خرجت أم هاشم وخلفها بسمة من إحدى الغرف الداخلية لتقول الأولى" ها قد حضرنا أنرتن المكان يا بنات نصرة "
شمرت اسراء ذراعيها وكذلك فعلت اختيها فنظرت لهن نصرة بدهشة وعدم فهم لتقول اسراء لبسمة" اسمحي لنا يا بسمة بالقيام بدور أمنا اليوم .."
ابتسمت بسمة وتبادلت النظرات مع أم هاشم وقد فهمت بأن بنات نصرة جئن ليدعمنها خاصة بعد تغير الاخيرة كليا بعد تلك المشاجرة ..
صاحت نصرة تبعد يد اسراء التي اتخذت المقعد المجاور لها" ماذا تفعلين يا اسراء ..اذهبي للبيت واستريحي قليلا"
قالت اسراء ببساطة" بل أنت من يستريح قليلا وأنا والبنات سنقوم بالجزء الخاص بك اليوم "
قالت نصرة باعتراض" لا يصح يا حبيبتي أن يراك أحد تلامذتك وأنت تقشرين الخضار !.. اذهبي للبيت أنت واختيك بالتأكيد لديهما واجبا منزليا"
أمسكت إسراء بالسكين وبدأت في العمل مع اختيها وهي تقول بهدوء "ما المشكلة يا أمي.. هل الأستاذة مقطوعة اليدين ولا تستطيع أن تقطع الخضار؟!.. كما قلت لا تفعلي أنت شيئا اليوم"
زمت نصرة شفتيها تتطلع في بناتها بتأثر وغامت عيناها متمتمة" لكن"
قالت اسراء وهي تضع ما قطعته في الوعاء البلاستيكي الكبير على المنضدة "ليس هناك لكن يا نصرة .. وكفى حديثا أمام الفتيات حتى لا يعتقدن بأني فاشلة في المطبخ ويخبرن حماتي"
قالت نصرة بحمائية "قطع لسان من يقول هذا .. أنت استاذة في كل شيء بسم الله ما شاء الله عليك "
ضحكت اسراء لتقول احدى الفتيات مشاكسة" من يشهد للعروس !"
غمغمت اسراء بمثل شعبي أخر" بل قولي .. (القرد في عين أمه غزال)"
ضحكت الفتيات فقالت نصرة بانزعاج "قرد!! .. من يقول هذا هو القرد .. اللهم صل على النبي عليكِ "
قالت بسمة لأم هاشم بتأثر في وقفتهما عن بعد" احببت علاقتهما ببعض أدام الله عليهما المحبة والبر .. انظري كيف تحاول نصرة أن تخطف منها السكين لتعمل هي بدلا منها"
قالت أم هاشم وهي تتحرك لتعود للداخل لتكمل الحسابات "لا حرمهما الله من بعضهما .. ورحمك الله يا أمي"
بعد قليل بدأت فترة الاستراحة فقالت إحدى البنات لإسراء "ما دمت هنا فلتقنعي الخالة نصرة بأن تطبل لنا كما كانت تفعل .. فلم تعد تفعلها منذ يوم المشاجرة"
قالت اسراء لأمها في محاولة منها لإخراجها من حالة الاكتئاب التي احاطت بها الأيام الأخيرة" لماذا يا أمي .. لقد توقعت أن من أسباب تعلقك بهذا العمل هو الفرصة التي تتاح لك للغناء يا غالية"
بوجه غابت عنه بشاشته قالت نصرة مشيحة بوجهها " لم يعد لدي مزاجا للغناء"
قالت فتاة أخرى" ربما لا ترغب بعد تلك الشائعات التي تدور في البلدة بأننا نأتي هنا للرقص وقلة الحياء وليس للعمل .. ألا تعرفن بأن سبب انقطاع هالة عن الحضور أن منعها والدها خوفا من سمعة سيئة قد تطالها من ترددها على المكان"
رفعت اسراء حاجبيها باندهاش ومررت نظراتها بين أمها وبسمة التي كانت تتابع من بعيد والتي قالت لإسراء وهي تضرب كفا بكف " لا تعليق"
خرجت أم هاشم من الداخل تقول باندفاع "لا تلتفتن لهذا الهراء ..الناس لا يوجد لديها سوى الشائعات( واقتربت من بسمة لتريها ورقة بيدها سائلة ) من أين جاءت هذه الفاتورة أنا لم أرها من قبل ؟"
قالت نصرة وقد استفزها الحديث "ما رأيكن أني سأعود لأطبل وأغني وليضرب أصحاب الشائعات رؤوسهن في أقرب حائط ..فلتناولني إحداكن الطبلة"
صرخت الفتيات بفرحة كبيرة جعلت بسمة وأم هاشم يتبادلن الابتسام باندهاش بينما قالت اسراء مشجعة "يا لجمالك يا نصرة!..هذا هو الكلام الصحيح"
ذهبت إحدى الفتيات لإحضار الطبلة بسرعة بينما اسرعت الأخرى نحو البوابة لتغلقها .. فغمغمت أم هاشم متهكمة "دب الحماس الآن في أجسادكن !"
مالت اسراء تقول لأمها " لقد اتصل عمي وأخبرني بأنه قد أرسل حوالة بريدية باسمي بالمبلغ الشهري الذي يرسله زيادة عليه مبلغ أخر أرسله أبي .. وطمأنني عليه و أخبرني بأنه يعمل معه حاليا .. لكنه لا يزال لا يرغب في الحديث مع أحد منا"
ما قالته اسراء طمأنها عليه رغم شعورها بالحزن والخذلان.
لكنها ردت بامتعاض وعناد" ولا نحن نريد الحديث معه.. ( وأشارت للفتاة الواقفة ) هات يا بنت الطبلة"
ضحكت إسراء على أمها التي تكابر وتدعي عدم اهتمامها وتابعتها وهي تترك مقعدها وتفترش الأرض والفتيات يتحلقن حولها بسعادة شديدة .. حتى همسة ونسمة انضمتا للحلقة ..فمالت إسراء على ونس المهتمة بهاتفها منذ بداية الاستراحة وقالت لها "بم أنت مهتمة في الهاتف وشاردة عما يدور حولك؟!"
اجفلت ونس واسرعت بإخفاء الهاتف في جيبها تحرك ذراعيها بلا شيء .. فعقدت إسراء حاجبيها تدقق فيها وتقول بقلق" هل أنت بخير يا ونس؟ .. أراك منعزلة أكثر من اللازم "
مطت ونس شفتيها بلا مبالاة وحاولت الهرب من عيني اسراء المتفحصتين في الوقت الذي بدأت نصرة بالضرب على الطبلة بإيقاع راقص فقامت إحدى المراهقات بالرقص عليه بينما انتهزت اسراء الفرصة وعادت للتقطيع لانجاز ما يمكن انجازه أثناء فترة الاستراحة .
بدأت نصرة بغناء موال وهي تضع كفها بين فمها وأذنها لتسلطن النغمة:
يا حلو يا أسمر .. غرامك في الفؤاد شبابيك
لكن سَمارك بخِفّة شَغَلني ..
والعيون شبابيك.
أنا خاطري أطولك ..وأشوف طولك من الشبابيك.
ضربت نصرة على الطبلة وضربت أم هاشم على جبهتها وفي تهمس في سرها" مالك بالشبابيك يا نصرة!! .. هل أذيتك في شيء يا بنت الناس لتتفنني في تعذيبي!!"
سألتها بسمة باندهاش" بم تغمغمين يا مشمش؟!!"
ناظرتها أم هاشم تقول بعصبية " من أين جاء هذا الاسم الآن بالذات أهي مؤامرة ضدي يا بشر !"
قالت بسمة باندهاش" ما بك يا بنت؟"
ردت أم هاشم وهي تتحرك للداخل" لا شيء لا شيء سأعود للداخل عندي عمل لابد أن ينتهي اليوم "
دخلت أم هاشم إلى إحدى الغرف الداخلية الصغيرة التي تتخذها مكانا هي وبسمة للإدارة وجلست خلف المكتب الصغير تقول بامتعاض" واحدة تخصص شبابيك ونجارة ..والأخرى لا يحلو لها بأن تدللني إلا في نفس اللحظة!!"
حاولت أم هاشم السيطرة على تلك المشاعر الملحة وانكفأت على الأوراق أمامها لكن صوت نصرة الحزين يصر على التسلل إلى قلبها:
يا بو حُسْن وجَمال .. ما شوفت جَمال أوصافك.
وأنا لازم أغني وأوصف جَمال أوصافك.
ودا سبب ما أديت ..في الحي أوصافك.
تشكلت صورة جابر على الأوراق أمامها رغما عنها ..
رأته في كل مراحل حياته منذ أن وعت على الدنيا ..
تذكرته منذ أن كانت في الخامسة وهو في السابعة عشرة شابا مراهقا جميل المحيا ذو وجه مبتسم دائما ..
كان والدها يحبه جدا .. ويرعاه هو وأخوه بعد وفاة والدهما اسماعيل .. تذكرته في كل مراحل حياته بعد ذلك .. كيف سافر في عمر العشرين وكيف كانت تنتظر الصيف ليأتي شهرا كل عام حتى باتت السنة كلها هذا الشهر ..
تذكرت حينما مات والدها وهي في الخامسة عشر من عمرها فنزل جابر خصيصا ليحضر العزاء .. ولن تنس وجهه أبدا وهو يبكي على وفاته ..
تذكرت كل شيء عنه .. تواريخ ذهابه وعودته ..تفاصيل تغير شكله من عام لآخر..
وتذكرت كيف أصبح مرور السنين عليها نقمة .. فلم تعد أم هاشم الصغيرة التي تستطيع اللهو حوله ومصاحبته هنا وهناك .. لقد كبرت .. وكبرت الحواجز والحدود بينهما لتفصله عنها ..
فرضيت بنصيبها وقدرها بأن تُحرم من مصاحبته .. تحرم منه وهي في اشد الحاجة إلى صحبته ..
واكتفت بأن تراقبه من بعيد..
اكتفت بأن تلمحه صدفة في الشارع فيتبادلان التحية .
أنا قلبي حَبك ونار العشق كاوياني..
لكن رسمك جميل زين ..
رموش العين كاوياني
لكن بعدك عليّ طال
بعاد الحبايب علينا طال..
والنوم مجافيني
ومافيش كويني ..
خلاف طَلّك من الشبابيك.
كانت تعلم بأن حلما كالارتباط به في يوم من الأيام .. هو حلم وردي خرافي التمني ..
أن يراها كأنثى أو أن تنعم بصحبته في أي صورة بأي شكل إنها لأمنية مستحيلة التحقيق ..
فهو لن يلتفت أبدا ..
لعفريتة سوداء..
وهي لم تنتظر منه أن يفعل ذلك .. حتى حينما عاد وقرر الاستقرار والزواج تمنت له كل الخير مع كاميليا رغم عدم حبها للاخيرة.. لكنها تعترف بأنها جميلة .. جميلة بشدة .. جمال يستحقه جابر .. وتعلم بأنه قد تعب وكافح وضاعت سنوات شبابه ويستحق أن يتمتع بامرأة بجمال كاميليا ..
لم تحزن ..
فهي لم تتمناه لنفسها لتفقده ..
وكيف تجرؤ على تمني المُحال! .
فأمنية كهذه ليست إلا خرافة صعبة المنال..
لم تحزن ..
رغم أن قلبها ينزف دما ..
لكن جابر ليس مسئولا عما تحمله له من مشاعر .. ليس مسئولا عن أنها أحبته رغما عنها..
أحبته بشدة ..
وكانت ولا زالت تتألم بهذا الحب..
بشدة ..
جابر ليس مسئولا عن أنها قد وُلدت ببشرة سمراء وسط قرية بناتها مشتهرات بالبياض والجمال ..
جابر ليس ملاما على أي شيء ..
أرادته سعيدا .. أرادته مستقرا في حياته ..وتمنت له أن يحظى بعائلة وأطفال مع امرأة جميلة رغم تمنيها أن تكون شخصا أخر غير كاميليا .. لأنها تعرف كم هي حقودة سوداء القلب ..
لم تحزن ..
يكفيها فقط وجوده في هذه الحياة.
تمردت الدموع على تلك السيطرة الفولاذية التي تمارسها على نفسها فتساقط بعض منها من جانب عينها لتسرع بمسحها وهي تحدث نفسها "أنا متماسكة .. متماسكة .. فقط أشعر بالقلق عليه لأنه أضحى مهموما .. ترى ماذا اصابه؟ .. هل نكدت عليه الذبابة الخضراء؟"
غنت نصرة على ايقاع الطبلة:
على ورق الفل دلعني
ماحملش الذل دة يعني
أنا لا حيلتي ولا في يدي
إلا الخاتم اللي في يدي
ما قولتلك يالا نبيعه
واسهر وياك ودلعني
استمرت أم هاشم في حديثها مع نفسها وهي تسحب منديلا ورقيا من أمامها على المكتب وتمسح تلك الدموع الغبية التي أصرت على الانهمار "يبدو أني سأكرهك بعد هذا العمر بيننا يا نصرة ( وعادت للتفكير) هل اذهب لكاميليا وأطلق عليها عفاريتي الصغار لأهددها بأن تصلح من نفسها من أجل الغالي؟!.. سامحك الله يا بنت العسال .. لن أدعو عليك حتى لا يحزن الغالي .. سامحك الله وهداك ..وسامحك الله أنت الأخرى يا نصرة يا بنت .. ماذا كان اسم أمها؟"
في الخارج كانت عيني نصرة تلمعان بالدموع وصورة هلال تتسلل إليها .. لكنها عاندت نفسها وانكرت بأنها اشتاقت إليه فغنت شاردة بدون روح وهي تطبل.. وقد لاحظت إسراء ذلك ..وتنهدت مشفقة على والدتها وعلى ما أصاب عائلتها ولم تعد تعرف كيف تحل هذا الوضع.. خاصة وأن والدها يرفض التحدث مع أحد منهم لكنه حمدا لله يرد على طلال ووالده إذا ما حاولوا الاتصال به .
أنا لا حيلتي ولا في ايدي
غير الغوايش اللي في إيدي
ما قولتلك ياللا نبيعها
وأسهر أنا وياك ودلعني
من إحدى غرف النوم في الطابق الثاني لبيت الجد صالح والتي تطل على ساحة المشروع اقترب كامل من النافذة بفضول يبحث عن مصدر الطبل والغناء والتصفيق ثم اتسعت ابتسامته وهو يرى إحدى المراهقات تتوسط الساحة وترقص .. فرشف قليلا من كوب نيسكافيه في يده في الوقت الذي كانت فيه بسمة ترفع نظرها بحركة عفوية على حسب ادعائها نحو المبنى المجاور ولمحته في الشرفة .
استدار كامل يترك النافذة ويخرج من غرفته نحو إحدى شرفات الصالة التي تطل على واجهة البيت ومزارع العمدة الممتدة بينما اندفعت بسمة نحو البوابة بغيظ ولم تدر بنفسها إلا وهي تخرج منها وتدخل البوابة المجاورة .
كان كامل شاردا يفكر بم سيتحجج ليراها .. لقد قطع كل هذه المسافة فقط ليراها .. لكنه منع نفسه منذ حادثة العنب من دخول مزرعة العمدة أثناء تواجدها فيها خوفا على أي شائعات قد تطالها ..
هل يملك الجرأة ليعترف بأنه يحبها؟!
لم يتخيل أبدا أن يأتي يوم يكتشف فيه بأنه جبان!
لكنه ليس بجبان ..
بل هو في وضع صعب ..
هكذا قارع نفسه .
إن اعترافه بأنه يحبها سيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار .. فليست المشكلة في الاعتراف ولا في مواجهة الناس ..
المشكلة في أن هذا الاعتراف سيستفز جانبا ذكوريا فيه هو يعلمه ..وهذا ما يثير تخوفه وتخوف توأمه .
لو اعترف بهذا الحب ستُفتح عليه أبواب الجحيم..
جحيم الــــ....غيرة !.
انتبه من شروده حين لمح بسمة تدخل من البوابة فاتسعت عيناه واسرع يترك الشرفة مهرولا نحو السلم.
أمام بيت الجد صالح رنت بسمة الجرس فهم شامل بالذهاب لفتح الباب لكن أخاه صاح وهو يهرول على السلم "أنا سأفتح ..أنا سأفتح"
عقد شامل حاجبيه وهو يتابع أخيه المراهق الذي أسرع نحو باب البيت ووقف يتنحنح ويشد من قامته قبل أن يفتح الباب مبديا ذلك البرود على وجهه ..
لكنه لم يجد أحدا أمام البيت .
عقد كامل حاجبيه وقطع الساحة نحو البوابة التي كانت مفتوحة حتى وجد بسمة تقف في الشارع توليه ظهرها فتنحنح وقال ببرود "هل أنت من رن الجرس؟"
استدارت ترفع إليه عينين زرقاوين غاضبتين وتقول بعصبية "ما تفعله لا يصح يا استاذ"
عقد ذراعيه أمام صدره العريض في تلك الحلة الرياضية المريحة التي يرتديها وسألها بلهجة ساخرة" وما الذي أفعله بالضبط يا استاذة؟"
قالت بسمة بغيظ" أن تتلصص على الفتيات من نافذة بيتك وهن يرقصن إن هذا يعد وقاحة"
لوّن الغضب عينيه فجأة ورد بلهجة محذرة خطرة تفاجأت بها " أنا لست وقحا يا باشمهندسة ..وإياك في التمادي بالحديث معي بهذا الشكل"
( أنا لست وقحا )
عبارة أعادتها لأكثر من ثلاث سنوات ونصف فقالت بتحدٍ "يبدو أنها العبارة المفضلة لديك فقد سمعتك تقولها من أكثر من ثلاث سنوات أيضا"
اتسعت عيناه وبديتا أمامها مخيفتان ذكرتها بتلك اللحظة التي ظنته سيهجم عليها أمام بوابة فيلا غنيم.. فبلعت ريقها توبخ نفسها في سرها أن اندفعت وذكرت الماضي أمامه .. ماذا لو كان لا يذكرها .. ستبدو أمامه بلهاء وستغذي نرجسيته بأنه شخص مهم .
أما كامل فحصل أخيرا على اجابة السؤال الذي سأله لنفسه كثيرا ..
إنها تذكره.
تلك المعلومة خففت من غضبه قليلا فوضع يديه في جيبي بنطاله قائلا بحاجب مرفوع " جميل أنك تذكرين بأننا قد تقابلنا في الماضي "
لا تدري بسمة لمَ شعرت بالارتباك حين أكد لها بأنه يذكر مقابلتهما وقت المشاجرة ..
إذن هو يذكرها ويعرف هي طليقة من !..
أكمل كامل حديثه قائلا " وقبل أن أرد على ما قلتيه .. دعيني أخبرك بما قلته لك من قبل يا باشمهندسة بأنك بارعة في القاء التهم جزافا على الأخرين"
تكتفت وناظرته بتحدٍ فمال كامل بجذعه نحوها يقول أمام عينيها الرائعتين " هلا أخبرتني من أين تيقنتِ بأني أنا الفاعل وليس شامل ؟!"
ارتبكت وردت بلجلجة" أنا جئت لأتحدث عمن لمحته يقف في الشرفة أيا كان"
علق ساخرا " لمحتيه! .. مجرد لمحة من بعيد أصبح كامل هو الفاعل !.. ألم أقل لك بأنك تلقين التهم دون التأكد مما تتحدثين عنه"
حركت كتفيها تقول بمكابرة " أيا كان من وقف في الشرفة فإن هذا أمر لا يصح يا سادة"
اعتدل وهز كتفيه يرد ببرود " أولا أنا حر أين أقف في بيتي"
اندفعت ترفع سبابتها أمامه وتقول بانتصار طفولي " ها قد اعترفت بلسانك أنه أنت "
اتسعت ابتسامته التي تتسبب في انفجار دقات قلبها اللعين ثم تجاهلها يكمل" ثانيا رغم أني لست في حاجة للتبرير لكني سأثبت لك بأنك تتسرعين في الحكم على الأشخاص فأنا لم أقف سوى دقيقة واحدة .. دقيقة واحدة لأعرف ماذا يحدث عندكم .. كما أنني لست بحاجة للتلصص على فتيات صغار يرقصن يا أستاذة باسمة "
ناظرته بغيظ .. فعاد ليميل بجذعه نحوها ويقول بصوت خافت "عموما لأثبت لك بأني لست وقحا وبأنك ظلمتني بالظن السيء سأخبرك سرا .."
ضيقت عينيها باهتمام فأضاف كامل "أنا لا أرى التفاصيل بوضوح عن بعد ..واحتاج لأن أرتدي نظارتي الطبية لأرى تفاصيل الأشياء البعيدة .. أهذا دليل كاف لتقتنعي.. أم تحتاجين تقريرا طبيا لحالتي ؟ .."
شعرت بسمة بالحرج واحمرت وجنتيها لا تدري بماذا تبرر انفعالها ليقول كامل بصوت أكثر خفوتا وجاذبية "أرجوك.. أنا أمّنتك على سري فلا تخبري أحدا به حتى لا ينتقص ذلك من سحري على الفتيات"
ناظرته بغيظ شديد وتمنت لو تصرخ في وجهه وتخبره بأنه مغرور ويعطي لنفسه أهمية أكثر مما يستحق لكنها عضت على لسانها ولجمت نفسها بصعوبة أمام مقلتيه اللتين تتراقصان كقلبه فوق ملامحها ..بينما همس كامل في سره " يا ويلك يا كامل .. لقد اشتقت إليها بشكل مؤذٍ يا منحوس.. وسينتهي أمرك لا محالة لاجئاً أو صريعاً أمام شطآن عينيها "
خرجت وزة من بوابة المشروع الموارب ..ومالت بوجهها تنظر لبسمة وكامل الذي قال بلهجة متهكمة ليخرج نفسه من سيطرة مشاعر خطرة منفلتة تلح عليه "نسيت أن أسألك ..ما أخبار محصول العنب في مزرعة العمدة؟ ... أتمنى أن يكون بخير"
راقب وجهها الفاتن وهو يحتقن وهدير الموج الغاضب في عينيها يعلو ..وراقب فمها الجميل المغري إلى حد التعذيب ينفرج قليلا قبل أن تقول من بين أسنانها بغضب وهي تهم بالمغادرة" أنت...."
في لمح البصر تحركت الوزة وقررت هدفها ..فأسرعت نحوهما ومدت منقارها نحو كامل الذي ناظر اقترابها من علو بامتعاض قبل أن يطلق آهة وجع ..ويميل ليمسك بساقه التي عضتها الوزة.
توجع كامل وناظر الوزة مصدوما من أن تعض بهذا الشكل المؤلم بينما انفجرت بسمة في الضحك بشكل هستيري وهي ترى كامل مائلا يمسك ساقه وعلامات الألم والصدمة على وجهه.
ضربت كفا بكف ولم تستطع السيطرة على ضحكاتها في لحظة تخلت فيها عن حذرها وعن برودها وعن تحفظها ..
لحظة ضحكت فيها من قلبها ضحكة ربما لم تزرها بهذا الشكل النقي المنطلق منذ سنين ..
لحظة كانت فيها غير مبالية بأي شيء سوى ما يحدث مع كامل الذي هدر فيها بغيظ متألم "هل تضحكين ؟!"
انفجر المخلوق الباهر الحُسن أمامه مجددا في الضحك ..ولم يدر لحظتها إن كان الألم يأتيه من ساقه أم من قلبه الذي كان يتجرع رؤيتها أمام عينيه بشوق مؤلم ..
ولم يلحظ أي منهما خاصة بسمة التي كانت تولي جانبها للطريق تلك السيارة التي مرت من جانبهما والتي كانت تحمل بدير وأخته كاميليا.
قبل دقيقة
سألت كاميليا أخيها وهي تجلس بجواره في السيارة "وهل ستوصلني وتذهب أم ستبقى حتى تحضر مراسم الحفل في المساء؟"
قال بدير بعصبية "ما الذي سيجعلني ابقى كل هذه الساعات !..هل أنا متفرغ لهذه الأمور! ..ألا يكفي بأني اضطررت لأن أوصلك بدلا من زوجك الذي تحجج على أخر لحظة واعتذر عن توصيلك "
تذكرت كاميليا تلك الحالة من التجاهل التي لا يزال جابر ينتهجها معها رغم مرور كل هذه المدة على انتقاله للغرفة الأخرى .. لكنها صامدة ولا ترغب في التنازل ولديها أمل بأنه سيشتاق إليها قريبا وسيأتيها يطلب الوصال أو على الأقل يطلب حاجته منها كرجل ووقتها ستكون هي المنتصرة ..
قالت لأخيها بغيظ" وكيف كنت سأذهب للقرية المجاورة وحدي؟!"
رد بدير "بالمواصلات العادية مثل باقي البشر"
هتفت باستنكار " أنا كاميليا العسال اركب سيارات الأجرة !.. أتريد للناس أن تأكل وجهي أم كنت تريدني ألا أحضر حفل زفاف ابنة عمتي "
قالت ميس من المقعد الخلفي " أنا أريد أن أرى العروس يا خالي "
ناظراها بدير في المرآة الأمامية ثم مط شفتيه واشاح بوجهه نحو النافذة مغمغما "ليت جابر قال منذ الصباح أنه لن يقدر على إيصالك كنتِ ذهبتِ مع وجدان وزوجة عماد والأولاد بدلا من أن تتصلي بي وتصرخي في أذني كسرينة الاسعاف لأوصلك"
همت كاميليا بقول شيء حين لفت انتباههما معا بسمة وكامل الواقفين في الشارع بجوار بيت الجد صالح.. كانت بسمة تضحك بملء شدقيها وهي تنظر لكامل الذي كان متجهم الوجه يمسك بساقه .. وحين مرت السيارة كاد بدير أن يدهس الوزة في طريقه لولا أن الأخيرة اسرعت بالانتحاء جانبا.
ظل بدير وكاميليا يحدقان في المشهد بصدمة وظلت عينيهما متسمرة عليهما والتوى عنقيهما لثوان حتى بعد أن تجاوزتهما السيارة وابتعدت.
في الشارع بدأت بسمة في موجة ضحك أخرى حينما اقتربت الوزة من كامل مجددا لتهاجمه ولم تستطع السيطرة على حالتها وهي ترى نظرة هلع في عينيه وهو ينظر للوزة قبل أن يصيح بغيظ " ابعديها .. ابعديها وإلا سأمسكها من عنقها وأكسره بيدي صدقيني"
من وسط ضحكاتها رفعت بسمة الوشاح الذي كاد أن ينزلق تعيده إلى رأسها وتحركت تشيح بيدها لتبعد الوزة حتى أدخلتها في بوابة المشروع .. ثم بذلت مجهودا كبيرا للسيطرة على تلك الحالة الهيستيرية من الضحك التي تملكت منها خاصة وهي تسمعه يقول بمزاج عكر متألما"لم أتوقع أن تكون عضتها بهذه القوة"
على بوابة المشروع قالت بسمة من خلف ظهره دامعة العينين من كثرة الضحك "ضع عليها قليلا من الثلج"
استدار إليها يناظرها بنظرة عابسة مغتاظة .. فهمست بسمة بلهجة متشفية وابتسامة واسعة وهي تغمز بكلتا عينيها دفعة واحدة "لا تقلق .. هذا السر أيضا لن أخبر به أحد حتى لا تفقد سحرك أمام الفتيات"
وعلت ضحكتها من جديد وهي تتركه وتدخل ساحة المشروع تبذل مجهودا للسيطرة على حالة فريدة من الطفو التي تشعر بها لحظتها..
حالة من السعادة المدغدغة كفقاعات مياه غازية تسري في أعصابها ..
أما كامل فدخل بوابة بيته يعرج وهو منتشي رغم الألم الشديد في ساقه من رؤية وجهها الضاحك .. لأول مرة يراها وهي تضحك .. ويخيل إليه بأن هذا الوجه لم يضحك منذ مدة طويلة.
كانت ضحكتها فاتنة مبهرة وعيناها كانتا كسماء صافية خالية من الغيوم..
والهموم..
أما في سيارة بدير العسال كان دخان الغضب والغيرة يخرج أسود اللون من صدر صاحبها الذي تجهمت ملامحه واحتقن وجهه .. ولم تكن أخته بأقل منه غضبا و غيرة فسألت أخيها سؤالا في ظاهره برئ "هل تعتقد بأن بسمة الوديدي على علاقة بهذا الشاب الغريب؟!"
ناظرها بدير نظرة خطرة وهتف بضيق "اسكتي يا كاميليا"
قالت بصدمة وهي تفكر بصوت مسموع "أمن الممكن أن تتزوج بسمة مرة ثانية من هذا الشاب الثري !!"
هدر بدير بقوة" قلت اسكتي يا بنت *** ودعيني أفكر"
صرخت كاميليا وقد جن جنونها هي الأخرى "ألم ترى كيف كانا يقفان يتضاحكان وكأنهما صديقان قديمان"
ضرب بدير على عجلة القيادة بعصبية عدة مرات يحاول السيطرة على أعصابه فانكمشت ميس في المقعد الخلفي بينما اسرعت كاميليا تقول" أترك هذا الأمر عليّ سأنشر...."
أدار وجهه إليها صائحا بتحذير" إياك .. إياك أن تقومي بنشر إشاعات عن علاقتها بأحد التوأمين .. إن فعلتها سأقتلك بيدي هاتين"
قالت كاميليا باندهاش "أنا سأفعلها من أجل مصلحتك ..فحين تنتشر الإشاعات ستتقدم أنت للزواج منها فلا يجد أهلها بدا من اسكات الجميع إلا بالقبول"
من بين أسنانه قال وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق أمامه " يا أم الغباء ..كيف ستكون زوجتي ويشوبها سمعة سيئة مع رجل غريب .. إنها مطلقة وأي خبر يخص رجل في حياتها .. الناس ستنسج خيالات قذرة خاصة وأنه يستأجر بيتها ..فلا تفعلي شيئا سوى السكوت ودعيني أفكر .. فما عاد هناك وقتا للصبر"
قالت كاميليا بغل "أجل فكر واسرع بالزواج منها "
غمغم بدير شاردا "هذا ما سأفعله ( ثم عقد حاجبيه ونظر إليها يسألها باندهاش ) لماذا غيرت رأيك ؟.. ألم تحيكي المؤامرات الغبية مع وجدان من قبل لإفشال زواجي منها!!"
بارتباك ردت كاميليا" لأني لمست حبك الشديد لها .. ورأيت كيف تلون وجهك بالغيرة والغضب حينما مررنا عليهما يتضاحكان منذ قليل فأشفقت عليك .. ألست أخي حبيبي! .. (واضافت بلهجة تمثيلية ) أنا لن أقف أمام سعادتك يا بدير .. مادامت هي السعادة بالنسبة لك عليك باقتناصها من فم الأسد .. وهل أنت قليل !.. كيف ترفض تلك الغبية أن ترتبط ببدير العسال (ومصمصت شفتيها ) هل كانت تحلم أصلا بشخص مثلك يتقدم لها "
ناظرها بدير بشك قبل أن يضرب على عجلة القيادة قائلا "هذا الأمر لابد أن يوضع له حدا في أسرع وقت"
غمغمت كاميليا وهي تنظر أمامها شاردة "أجل لابد أن يوضع له حدا ( وأكملت في سرها ) قبل أن تتزوج بنت الوديدي للمرة الثانية من رجل ثري ووسيم بهذا الشكل ومن بلد أخرى ولم يسبق له الزواج "
واستعادت تفاصيل هيئة ذلك الشاب الذي لمحته هو و توأمه أكثر من مرة من قبل وأكملت في سرها "رجل بهذا الطول الفارع وهذه العضلات المفتولة.. لا .. لن اسمح لك بالفوز به أبدا يا بسمة"
××××
بعد يومين
"ارحمينا من بكائك رأسي تصدع"
قالها أدهم من المقعد الأمامي بجوار السائق مستديرا لمنة الله في المقعد الخلفي فانفجرت الأخيرة في البكاء .. ليناظره إياد بنظرة لائمة وهو يربت عليها جعلت الأول يعود لينظر أمامه وهو يزفر بعصبية شاعرا بالذنب.
توقفت السيارة بعد قليل أمام بيت مصطفى الزيني فنزلت منة بائسة منتفخة الوجه من أثر البكاء لتتسع عيني أخيها يامن ويسألها بقلق "ماذا حدث؟"
خرج أدهم من السيارة متوجها للبيت المجاور بيت العمدة بعد أن ألقى تحية مقتضبة بينما أجاب إياد وهو يترجل من السيارة" لقد أضاعت عروستها الصغيرة"
عقد يامن حاجبيه وسألها" تلك التي كنت تعلقينها في يد الحقيبة؟"
أومأت برأسها وقالت باكية" بحثت عنها في كل مكان.. والمعلمة سألت الجميع ولم نجدها وأدهم وإياد بحثوا عنها في المدرسة كلها"
قال إياد مواسيا" صدقيني إحدى الفتيات سرقتها فبالتأكيد لو كانت قد سقطت منك كنا وجدناها"
قال يامن لأخته " وهل أنت صغيرة لتبكين على لعبة يا منة!"
حياهما إياد وتركهما متجها نحو بوابة بيت جده العمدة بينما مسح يامن على رأسها وقال مواسيا "لا بأس سأشتري لك واحدة أخرى هيا ادخلي"
في بيت العمدة لحق إياد بأدهم يقول له بغضب" ألن تكف عن فظاظتك أبدا.. البنت كانت متأثرة بضياع عروستها "
قال أدهم بمزاج عكر" وما دخلك أنت؟"
دفعه إياد في كتفه يقول "دخلي أنها قريبتي وزميلتي بالفصل "
دفعه أدهم بدوره يقول بغضب " أتضربني!"
أمسك إياد بملابسه صائحا" هل ستمثل عليّ أنا الآخر دور الرجل الكبير"
تدخلت نحمده تصيح" ماذا يحدث علام تتشاجران؟"
كف الصبيّان عن التشابك وعاد كل منهما يحمل حقيبته قبل أن يقول أدهم وهو يتجه لصعود السلم للطابق العلوي" لا شيء"
بينما سأل إياد" أين أمي؟"
أشارت نحمده برأسها للداخل تقول " لديها عمل بالداخل "
ترك إياد حقيبته أرضا وذهب مبرطما" أنا لا أفهم لمَ تعمل أمي بيديها ولديها خدم كثيرون في سرايا الصوالحة .. هذا البيت عجيب جدا!"
ناظرت نحمده حفيدها بنظرات نارية وهو يدخل لإحدى الغرف المجاورة ولم تدر بأن حفيدها الأخر يناظرها من فوق السلم بنظرات أكثر غضبا ونارية .
×××××
في المساء
كتب شامل وهو يقف في مطعمه وآخر الزبائن على وشك المغادرة "هل تدربت على استعمال الجهاز؟"
"أجل"
"إنه صغير جدا بحجم بطارية صغيرة وستستطيعين حمله في جيبك أينما ذهبت .. عديني بأنك لن تخرجي بدونه من الآن فصاعدا"
في جلستها على جانبها على السرير تتوسد هي وشعرها المموج الوسادة كتبت ونس "حاضر"
"وهناك أمر هام"
"ما هو؟"
"ستستخدمينه في الطوارئ فقط .. هل فهمت فقط الطوارئ يا ونس ولا غير ذلك.."
رفعت مقلتيها لسقف الغرفة ثم عادت تكتب متنهدة "حاضر فهمت"
"شامل"
"نعم"
اشتعلت وجنتيها وكتبت سؤالا يزن كالنحلة في رأسها ولن تستطيع تحمله أكثر من ذلك "لماذا تفعل ذلك؟"
"افعل ماذا؟"
"كل ما تفعله معي"
شعر شامل بالارتباك ونظر حوله بشرود وكأنه يبحث عن إجابة مراوغة ثم عاد ليكتب "لأنك مختلفة"
"مختلفة !!!!"
اسرع بالكتابة "أقصد …. مميزة"
اعتدلت على السرير وكتبت "أنا مميزة؟!"
ضغط شفتيه ببعضهما شاعرا بارتجاف في عضلة قلبه وكتب "أجل يا ونس أنت مميزة في كل شيء "
تركت الهاتف وغطت وجهها بكفيها بسعادة ثم سحبت نفسا عميقا وعادت لتكتب "أنت أول شخص يخبرني بذلك"
اتسعت ابتسامة شامل وعيناه معلقتان كقلبه بالهاتف بينما اسرعت ونس بالكتابة "لا لا أقصد ثاني شخص"
عبست ملامحه بسرعة وكتب "ومن هو الأول؟؟؟؟؟"
اتسعت ابتسامتها وعادت لتستلقي على ظهرها وكتبت بمكر أنثوي " شخص"
كتب بعصبية "أجل علمت بأنه شخص وليس كائنا فضائيا ..من هو؟"
تراقص قلبها بسعادة شديدة وهي تلف خصلة من شعرها حول اصبعها وكتبت "لماذا تريد أن تعلم؟"
حدق شامل في السؤال بعبوس ثم ألقى بالهاتف بعصبية على أحد الطاولات ووقف متخصرا يناظره بغيظ .. فالتفت كامل إليه من بعيد عاقدا جبينه لكنه لم يتدخل بل عاد يعطي تعليماته للعاملين .. أما شامل فدلك مؤخرة عنقه معترفا بأنه أصبح يغار وبأن ذلك التريث الذي يتعامل به معها يضعه في مواقف غير مريحة .
حين لم يرد عقدت ونس حاجبيها بقلق واعتدلت بجلسة متشنجة على السرير وقد عادت لأرض الواقع ..
عادت للحقيقة التي تعلم بوجودها علم اليقين.. بأنها وشامل لن يجتمعا أبدا إلا في احلامها المراهقة .. حتى لو كان يحمل لها بعض المشاعر ..
شعرت بالقلق من أن تكون قد أزعجته بمراوغتها فكتبت "شامل"
"شامل"
نظر شامل للهاتف وقبل أن يمد يده نحوه رن باسم ونس فانفجرت دقات قلبه فجأة قبل أن يهدأ الهاتف ويعود لصمته فالتقطه يكتب "للحظة كنت سأفتح الخط واحدثك"
ساد صمت طويل أدرك فيه شامل أنه قد اندفع في القول .. ولولا أنه قد علم بأنها قد قرأت ما كتبه لمسح العبارة فعاد يكتب "آسف لم يجدر بي قول ذلك"
كتبت ونس بسرعة "لا لا أتمنى دوما أن تتحدث معي بدون حساسيات أو مجاملات"
"ونس"
"نعم"
حرك أصابعه في الهواء أمام لوحة المفاتيح بتردد ثم كتب "هل استطيع أن أعرف تفاصيل عن حالتك؟"
صمتت ونس تتطلع في السؤال بحزن .. فلم تتمنى يوما أن تكون مثل باقي الفتيات أكثر من هذه الأيام منذ أن قابلت شامل.. تعرف بأنهما من عالمين مختلفين لكن أكثر ما يجرحها هو إعاقتها .. تتمنى لو يراها أنثى مكتملة .
كتب شامل بضيق من نفسه " إن لم ترغبي في الحديث عن هذا الامر فلا بأس يا ونس كانت مجرد دردشة عادية "
كتبت ونس بملامح جادة "أنا ولدت طبيعية .. توفيت أمي أثناء ولادتي وتربيت في العام الأول عند الخالة نصرة"
"من الخالة نصرة؟"
"قريبة لنا من بعيد نحن.. أنا وأبي.. ليس لدينا أقارب من الدرجة الأولى أو حتى الثانية ( وجه ضاحك) المهم في عمر عام أخذني أبي لأعيش معه وكنت طفلة عادية واسمع جيدا لكني لم أكن أتحدث عند سن الكلام سوى بضع كلمات لا أعرف لماذا لكن هذا ما قيل لي .. مرضت في عمر أربع سنوات تقريبا وارتفعت درجة حرارتي ويبدو أنني بعدها قد أصبت بما أنا عليه الآن .. في البداية لم يلحظ أبي الأمر ..من لاحظ بعد فترة كانت الخالة نصرة خاصة حينما تأخرت في النطق فأصرت بأن تأخذني لطبيب وبعد رحلة طويلة مع الأطباء تم تشخيص حالتي بضعف في السمع"
"ضعف لأي درجة؟"
"لدرجة متوسطة أو أقل قليلا أي أنني أستطيع أن اسمع الاصوات العالية جدا ..ارتديت سماعات لتحسين مستوى سمعي لكن بكل أسف معظم الوقت هذه السماعات تشعرني بالإحباط كونها لا تلتقط الأصوات بشكل جيد لا أعرف لماذا ..بالرغم من أني لست ضعيفة السمع بشدة "
"ولماذا لم تتابعي مع طبيب سمعيات جيد؟"
رفعت ونس شعرها في عقدة مهلهلة فوق رأسها وكتبت "كما تعلم نحن في قرية صغيرة ..وهذا الأمر غير شائع في المحافظة كلها .. ربما حالة أو اثنين أخرى وبالتالي علينا الذهاب للعاصمة والتردد على طبيب السمعيات أكثر من مرة ..كما أنه على حسب ما علمت من خلال البحث على الانترنت مؤخرا أن السماعات أنواع وماركات ..وغالية الثمن جدا .. أنا سماعاتي احصل عليها من مستشفيات التأمين الصحي بالمجان وأنت تعلم بأن الاشياء المجانية ليست بمستوى تلك الأنواع الاخرى غالية الثمن .. المهم أنه لم يكن في الامكان أفضل مما كان .."
جلس شامل على أحد الطاولات منفصلا عن العالم حوله وكتب "والكلام؟"
تنهدت ونس وكتبت " لا أعرف .. تأخرت كثيرا في الكلام ربما حتى سن المدرسة وحين حاولت أن اتحدث بعد تركيب السماعات لم استطع .. النطق صعب ومجهد وحروف كثيرة لم أقدر على نطقها ..كما أن السماعات لا تسعفني غالبية الوقت في التقاط الحديث وأحيانا تخذلني حتى أنني ألجأ لقراءة الشفاه أحيانا لأتأكد مما سمعت"
كتب شامل مستوضحا " ولكني على حسب ما قرأت في الفترة الماضية عن هذا الموضوع أن قراءة الشفاه يستخدمها فقط الصم وضعيفي السمع بالدرجة الشديدة بينما أنت تقولين بأن درجة سمعك أقرب للمتوسطة"
"لا اعرف صدقني"
"اعتقد بأنك كنت بحاجة لدروس تخاطب في السن الصغيرة"
ردت ونس معترفة "ربما لكن هذا التخصص نادر في المحافظة كلها واشفق على أبي من مجهود السفر للعاصمة والتكاليف العالية يكفي مصاريف البطاريات شهريا"
"أية بطاريات؟"
ابتسمت بحزن وردت " السماعات تعمل ببطاريات تبدل كل يوم تقريبا "
رفع شامل حاجبيه متفاجئاً وكتب " لم أكن أعلم بهذه المعلومة ( وصمت قليلا ثم كتب) ما استشعرته من تعاملي معك يا ونس أنك ذكية جدا وسريعة التعلم فكيف لم تحاولي مع نفسك للنطق ؟"
كتبت بحرج " حاولت وفشلت ( وجه مغطى بكفين حرجا ) أو بمعنى أصح تم التنمر عليّ من الأولاد وقالوا لي كلمات موجعة جدا .. فقررت أن أكف على المحاولة و…."
باغتتها دمعة حارة سقطت على خدها فضغطت على زر ارسال ورفعت أصابعها لتمسحها ليكتب شامل "وماذا؟"
سحبت نفسا عميها ثم زفرته وردت "لا شيء تذكرت آخر مرة تهكموا على نطقي الأبله .. كنت أنطق كالخرساء تقريبا حين تحاول الحديث وبديت كخرقاء .. بعدها قررت الكف عن المحاولة والاستعاضة عنها بالكتابة حتى لا أبدو بلهاء بنصف لسان"
تألم قلبه بشدة .. وتملكته الحمية متمنيا لو كان موجودا وقتها حتى لا يسمح لأحد بالتنمر عليها .. فقال بعد فترة صمت "أهذا يعني أنك قد التحقت بمدرسة عادية؟"
ردت ونس " أجل .. في الحقيقة لقد رفضوني أول الأمر كوني مختلفة ..لكن مصطفى الزيني تدخل وسعى في الموضوع حتى أحضر تأشيرة من المحافظ وقتها بالموافقة على أن التحق بالدراسة مادامت المحافظة ليست بها مدرسة لضعاف السمع .. حاولت كثيرا أن اعوض ما فشلت فيه وهو النطق .. فقررت أن أولي اهتمامي لتعلم الكتابة وساعدتني بعض الفتيات منهن إسراء بنت الخالة نصرة فأجدت الكتابة والقراءة .. وكان مستواي الدراسي في المرحلة الابتدائية جيدا لكن بعد ذلك صارت المواد الدراسية أصعب للتعلم الذاتي"
عقد شامل حاجبيه وكتب "التعلم الذاتي!!"
"أجل .. فشرح المعلم كانت سماعاتي لا تلتقطه كله فكنت اعتمد على التعلم الذاتي من الكتب وشرح إسراء .."
أسرع بالكتابة بانفعال وهو يشعر بغصة قوية تعصر قلبه "اعتقد بأن سماعاتك بحاجة لإعادة فحص يا ونس.. سأستشير أنا طبيب سمعيات"
عادت الابتسامة لوجهها وكتبت "المهم أني انتهيت من المرحلة الإعدادية ..ورغم التعب والمجهود المضاعف الذي كنت أبذله حصلت على مجموع أدني بدرجات قليلة من قبول الثانوية العامة الذي سيؤهلني لدخول الجامعة .. صدقا أردت دخول الجامعة يا شامل ..(عينان مغرغرتان بالدموع ) كنت أشعر بأن تخرجي من الجامعة هو فوزي على إعاقتي .. المهم أني شعرت بالإحباط الشديد وكدت بعدها أن استسلم ولا أكمل التعليم لكنهم أشاروا عليّ بأن ادخل الثانوية الفنية الصناعية نظام الخمس سنوات وذلك لأن ميولي الفنية كانت واضحة منذ الصغر .. أذكر أن المعلمين كانوا يعتمدون عليّ في تصميم ورسم ما يخص الاحتفاليات الخاصة في المدرسة .. ليتني كنت امتلك كاميرا وقتها لاحتفظت بصور كل هذه التصميمات (قلب أحمر ) .. المهم أني التحقت بالمدرسة وتخصصت في الزخرفة والباقي اخبرتك عنه من قبل .."
زفر شامل وكتب "لا أعرف ماذا أقول .. أنا أرفع لك القبعة على كفاحك يا ونس رغم قلة امكانياتك .. وبالنسبة لحالة أذنيك اتوقع أن العلم قد تقدم كثيرا فيما يخص حالتك وبالتأكيد هناك حلولا لجعل حياتك أفضل"
كتبت وابتسامة حزينة على شفتيها "كما قلت لك ليس في الإمكان أفضل مما كان .. لا أحب التفكير في هذا الأمر ما دمت لا أملك إمكانية تغييره"
اسند شامل رأسه للخلف على الحائط مفكرا بينما انتابت ونس حالة من الإحباط الشديد وكتبت " إذن أنت قلت أنك تفعل كل هذا لأني مميزة .. حالة انسانية تقصد"
أنزل شامل وجهه ينظر في الهاتف واتسعت ابتسامته ثم كتب" أشم رائحة مكر واحتيال ( وجه متحفز بحاجب مرفوع )"
اتسعت ابتسامة ونس وأرسلت "(وجها مغطى بكفين حرجا)"
ضحك شامل وكتب بصبيانية " حسنا اخبريني أولا ثم سأخبرك"
"أخبرك بماذا؟"
"اخبريني من هو أول شخص قال لك بأنك مميزة .. وسأخبرك بعدها إن كنتِ حالة إنسانية بالنسبة لي أم لا"
اعتدلت ونس على السرير وقد دب فيها الحماس من جديد وكتبت "حسنا اتفقنا"
وبابتسامة متسعة أضافت "أول شخص أخبرني بأني مميزة هي مليكة"
عقد شامل حاجبيه وسألها "مليكة من؟ .. مليكة زوجة مفرح الزيني أم أن هناك مليكة أخرى في قريتكم؟"
ردت ببساطة "أجل مليكة زوجة مفرح .. دورك أنت( وجه مغطى بكفين )"
كتب شامل بحنق طفولي " دوري في ماذا؟.. ألم أقل لك بأنك ماكرة ..أوحيتِ لي بأنك ستخبرينني سرا خطيرا وفي النهاية أجد معلومة عادية"
أرسلت له وجها يضحك فاتسعت ابتسامته وكتب بغيظ "سأسميك الثعلبة الماكرة "
انفجرت في الضحك وكتبت بسرعة " هاهاها .. أتعرف .. أنا أحب أن أشاهد دراما مترجمة حتى أقرأ الترجمة بدلا من السمع لأن سماعتي تخذلني كما قلت لك سابقا .. وانتهيت للتو من مشاهدة مسلسل كوري البطلة فيه ثعلبة بتسعة ذيول .. اقسم لك .. إنها اسطورة كورية .. المهم أن البطلة فتاة مسحورة وتحب البطل فتتحول من ثعلبة بتسعة ذيول لفتاة بشرية .. فتذكرت المسلسل الآن وأنت تقول ثعلبة ماكرة"
"تحبين الدراما إذا"
"احبها جدا ..والشهر الماضي هو أفضل أيام حياتي لأن مليكة أهدتني هاتفا ذكيا وعندما أذهب إليها أحمل من الانترنت دراما وأشاهدها بعد أن كنت انتظر المسلسلات المترجمة على التلفاز الصغير لدينا "
كتب بسرعة "أخبريني عن نوعية الدراما التي تفضلينها وسأحملها لك على (فلاشة) لتشاهديها على الهاتف بسهولة"
اتسعت ابتسامتها .. لكن ما قاله لم تهتم به بقدر اهتمامها بالإجابة على السؤال الذي يحيرها .. إنها ليست ونس المراهقة الآن ..بل ونس الأنثى التي تتمنى لو تكون أنثى في عينيه .. كتبت بإلحاح "لم تخبرني .. هذا دورك"
تعرق جسده دفعة واحدة وهو يشعر بأنه على وشك الإفصاح عما يشعر به فدلك مؤخرة عنقه مبتسما ثم كتب بمراوغة " ماذا كان السؤال نسيت (وجه يخرج لسانه مغيظا)"
جزت ونس على أسنانها واسرعت بالكتابة "هل تساعدني لأني مميزة أم لأني حالة إنسانية يا شامل ؟"
قلبه كان يعزف مارشات عسكرية في صدره حين كتب "لأنك حالة خاصة جدا ولا تشبهين أية فتاة أخرى قابلتها في حياتي"
أظلم وجهها وكتبت باندفاع " وبالطبع قابلت الكثيرات (وجه ممتعض)"
قهقه شامل بصوت عال ولم يجبها إلا بإرسال"( وجه كبير يضحك بملء شدقيه ).
التفت كامل يتطلع فيه من بعيد وهو يرفع حاجبا فسأله ديمتري رئيس النُدل الروسي الجنسية بعربية ركيكة "ماذا يحدث معه ؟"
أجابه كامل " لا تشغل بالك يبدو أنه قد بلع قطعة حشيش "
اتسعت عيني ديمتري وسأله متفاجئاً "هل تتعاطيان هذه الأشياء؟! "
ابتسم كامل ورد بامتعاض "إنه من نوع خاص .. نوع ناعم ورقيق يتسلل تحت الجلد فيُتلف خلايا الدماغ ويحتل شغاف القلب"
رد دميتري وقد فهم ما يعنيه " أووووه .. هنيئا له "
في بيت عيد عقدت ونس حاجبيها وهي تتطلع في رده المستفز الصامت الضاحك وكتبت بغيظ " ما هذا الرد لم أفهم ( وجه يرفع حاجبا متحفزا )"
كتم شامل المزيد من الضحك ثم رد بمراوغة " هل تريدين الاجابة على السؤال الأساسي أم سندخل في أسئلة فرعية آنسة ونس!"
ضيقت ونس عينيها ومطت شفتيها تقول في سرها" إنه يراوغ ( ثم كتبت) تفضل أكمل كلامك"
أكمل شامل بجدية " قلت أنك لا تشبهين أي فتاة أخرى قابلتها .. وكوني أكبر منك عمراً.. وسافرت كثيراً واختلطت بأناس كثيرة .. أخبرك بكل صدق أنك يا ونس لا تشبهين أحدا.. تحملين في شخصيتك تميزا وتفردا واستثنائية لم اقابلها مع فتاة أخرى"
غامت عيناها بتأثر وكتبت " أنا كل هذا؟! (وجه محرج مغطى بكفين)"
ارتسمت ابتسامة حانية على وجهه وكتب بحنان " أجل ..أنتِ.. كل هذا "
عضت على شفتها وكتبت بمكر "ولأني مميزة أحضرت لي الصاعق الكهربائي؟"
قهقه شامل وغمغم لنفسه" إنها ماكرة ومصرة على محاصرتك يا شامو ..(و كتب بسرعة ) لا يا محتالة ..لأن هذا سيطمئنني عليك"
وضعت ونس يدها على فمها تحاول تحجيم ذلك الاندفاع القوي بداخلها لمصارحته بمشاعرها ..رغم توقعها بأنها غالبا بالنسبة له مجرد شخص مميز يعرفه .. لكنها تشعر بأنه سيتفهم .. لديها إيمان قوي لا تعلم متى اعتقدت فيه بأنه سيستوعب مشاعرها حتى لو لم يبادلها تلك المشاعر .. سيتفهم ..ولن يعتقدها جريئة أو منحلة ..
أضاء الهاتف أمامها فأسرعت بالتقاطه لتجد شامل يقول "ونس .. افهمي ما سأقوله .. ما تريدين معرفته .. أنا افهمه جيدا.."
انفجرت دقات قلبها تدق بعنف فأرسل شامل رسالة ثانية "لكني أتريث في التصريح بما أشعر به تجاهك .. ليس لأني غير متأكد من مشاعري .. فهذا ليس صحيحا .. فأنا لست صغيرا أو مراهقا حتى لا أدرك ما أشعر به .. لكني لا أريد أن اتحدث عن مشاعري هذه دون أن أكون قادرا على اتخاذ خطوة جادة متبوعة بهذا التصريح .. وهذه الخطوة لا تخص ونس وشامل وحدهما ستخص عائلتي ووالدك"
زفر شامل براحة بعد ما كتب لكنه ظل يحدق في الهاتف بترقب وساد صمت طويل لم يدر خلاله أن ونس كانت تقف على ركبتيها فوق السرير ويديها تمسك برأسها وهي تحدق بذهول في الهاتف الموضوع أمامها .
تطلعت في كلماته التي للحظة ظنت بأنها تهذي ...وتسارعت أنفاسها تحاول الاستيعاب .
على هدير قلبها الذي لا يريد أن يهدأ التقطت الهاتف بعد قليل وكتبت وهي تعود للجلوس "شامل أنت تقصدني أنا بهذا الحديث؟؟!!!!!!.. أنا ونس بنت عيد القللي!"
ابتسامة حانية زينت شفتيه وهو يكتب "أجل يا ونس أنتِ.. ألم أقل لك بأنك جنّية"
"كيف؟"
عقد حاجبيه وكتب "كيف ماذا؟"
انسابت دموع كثيرة .. دموع فرح .. دموع ذهول .. دموع لحظة تحقيق أمنية كبيرة وكتبت بأصابع مرتعشة "كيف أكون أنا؟ .. أقصد .. "
رسالة ثانية " أقصد من المنطقي أن أشعر أنا بهذا لأنك .. "
رسالة ثالثة "لأنك شخص من خارج هذا الكون .. ولأنك شخص خُلِقت ليحبك الجميع لكن أنا …"
شعر شامل بالتأثر الشديد وتمنى لحظتها لو أن تكون أمامه ليأخذها إلى حضنه .. فكتب "الاجابة على سؤالك هي (سبحانه من يملك القلوب ويؤلفها كما يريد يا ونس)"
انهمرت الدموع الساخنة من عينيها أكثر وهي تتطلع في الشاشة .. ربما ألحت عليها رغبة في أن تحصل على إجابة صادمة منه لتتوقف عن التفكير به ..لكن أن يبادلها المشاعر هذا شيئا خياليا.
كتب شامل " وكما قلت لك عليّ أن أنتظر حتى امهد لوالدي الموضوع"
أسرعت بالكتابة وهي تمسح دموعها " لأني معاقة وفقيرة ومن الريف؟!"
آلمه قلبه لكنه كتب موضحا " لأننا مختلفان في الطبقة الاجتماعية .. ولأن لديكِ ظروفا خاصة ولأنك من بلد غير بلدي فأمي كانت ترغب في أن نتزوج أنا وأخي من نفس بلدنا .. ولهذا عليّ أن أمهد الأمر لهما ..واعدك ألا يطول.. المعضلة التي أواجهها هي أني لا اعرف كيف سأتصرف لو رفضا .. ماذا سأفعل .. لا أريد اغضابهما فيكفي ما عانوه بسبب الحرب قبل أن يتخذ أبي القرار بأن نغادر بلادنا .. والآن كامل على وشك السفر والوضع في البيت حساس ومعقد لهذا أنا لم أرغب في الافصاح عن مشاعري قبل أن أكون مستعدا لاتخاذ خطوة جدية تجاه علاقتنا"
"شامل"
"شامل"
"نعم"
"أنا أعي كل ما تقوله تماما .. ولا اتوقع أن يقبل والديك.. وبصراحة اعذرهما .. فلسنا في مسلسل رومانسي وإنما في الواقع .. كل ما أريد أن أقوله لك.. "
رسالة ثانية " يكفيني ما قلته منذ دقائق .. صدقا يكفيني ( وانهمرت دموعها أكثر فأضافت ) أنا أبكي في هذه اللحظة"
كتب بقلق "لمَ البكاء؟!!"
مسحت دموعها وكتبت" لأني أشعر بأني قد دعكت المصباح .. ونس بنت عيد دعكت المصباح فخرج لها الجني الأمير يخبرها بأنها مميزة وبأنه …"
رسالة ثانية" يا الهي لا أصدق!"
اتسعت ابتسامته وشعر بأنه يحلق فوق السحاب فكتب "حسنا ما دمت أنا الجني فأنت الجنية هكذا اطلقت عليك منذ أول يوم"
"شامل"
"نعم"
"هل أطلب منك طلبا؟"
"شبيك لبيك "
ضحكت من بين دموعها وكتبت" لا ترحل "
عقد شامل حاجبيه وهو يقرأ فأرسلت له تقول "إن كنتَ خيالاً أو حقيقة أرجوك لا ترحل .. أعلم بأننا قد لا يجمعنا مكانا واحدا أمام الناس يوما .. وأن ما نتمناه أو على الاقل ما أتمناه أنا لن يقبل به والديك وسيظل محض خيال .. لكن لا ترحل يا شامل .. ابق حولي ولا تبتعد .. ألست الجني؟!.. ابق في المحيط بأي صورة .. ودع هذا الخط من التواصل مفتوحا بيننا ولا تغلقه في وجهي أبدا.. فرغم شعوري بالذنب تجاه والدي لكني لست بقادرة على التوقف عن التحدث معك .. أنا أحب الحديث معك .. أحب كل ما يصدر عنك لي .. توجيه ..توبيخ ..مزاح.. جدية.. نقاش .. كل شيء ..كل شيء .. وأتمنى ألا احرم من الحديث معك أيها الجني الذي خرجت لونس من المصباح "
قرصت الدموع عينيه وتأثر بشدة فكتب يقول " اعدك بأني سأفعل المستحيل لأكون جني المصباح خاصتك يا جِنّية الجِنّي (وتطلع حوله حين اطفئت الأنوار الخارجية للمطعم فوجده خال تماما ليسرع بالكتابة ) هيا اذهبي للنوم فقد تأخر الوقت ولديك عمل في الصباح .."
وابتسم وهو يكتب "تصبحين على خير يا جِنّية"
ألقت ونس نفسها على السرير وهي تحضن الهاتف وتمسح دموعا مصرة على التدفق وغمغمت في سرها بابتسامة " على الأقل يحمل إليك مشاعر يا ونس .. يراك أنثى .. حتى لو كان اجتماعكما صعبا فيكفي أن قلبه قد أحس بك يا بنت عيد "
وعادت لتغمغم بعد قليل من وسط دموعها " أنا أحلم .. بالتأكيد هذا حلم .. ليته يطول"
في المطعم قال شامل وهو يرى توأمه مقبلا عليه "هل اغلقت كل شيء؟"
رد كامل بلهجة متهكمة " أجل يا حبيبي حين كنت أنت غارقا في الدردشة"
هز شامل رأسه والسعادة تتراقص على وجهه فشعر توأمه بأنه في حالة من حالات الطفو وسأله "هل من جديد؟"
عبر شامل الباب الداخلي الموصل بين المطعم وفيلا غنيم وهو يقول" أنا وونس تصارحنا"
رفع كامل حاجبيه وقال ساخرا وهو يعبر من الباب خلفه "تصارحتما !.. وهل فهمت تلك الهبلاء ماذا تعنيه أصلا !"
هدر شامل بتحذير "كامل!!"
أطلق كامل ضحكة شريرة ثم قال وهو يضع يديه في جيبي بنطاله "حسنا ثم ماذا؟"
أجاب شامل وهو يغلق الباب الداخلي بعد أن أصبحا في الفيلا "شرحت لها الوضع وأن عليّ أن أمهد لوالديّ الموضوع "
سأله كامل عاقدا حاجبيه "شامل ..أأنت متأكد؟.. أقصد لقد قابلت العديد الفتيات طوال عمرك .. لماذا هي؟"
وضع شامل يديه في جيبي بنطاله ووقف أمام توأمه يجيب بهدوء " لو كان الأمر اختيارا يا كيمو ..لما كنت أنت الآن في صراع قاسٍ بين عقلك وقلبك "
اطرق كامل برأسه ثم زفر بحيرة ليضيف شامل " عموما أنا لم أضع وصفا معينا لمن أريدها أن تشاركني حياتي.. لا وصفا شكليا ولا جوهريا .. لكني كان لدي يقين بأني حين أقابلها سأدرك بأنها هي ..هكذا ببساطة .. الموضوع أشبه بترس ماكينة يحتاج لترس أخر ليكمل حركته .. ولكنه ترس من نوع فريد ليس له شبيه ولن يتناسب إلا مع ترسك أنت فقط… "
ناظره كامل شاردا فيما يقول ليضيف الأخر "أنا أعرف بأن الأمر لن يكون سهلا .. لكني ببساطة وبدون تعقيد أو تقويل أو بحث عن أسباب أشعر بأنها هي.. هي الجزء المكمل لشامل نخلة (وشرد قليلا ينظر أمامه يحاول أن يجعل كلامه يبدو منطقيا لكنه عاد وقال لتوأمه ) لا أريد أن أبدو مبالغا .. لكني أشعر بأني كنت أعرفها من سنين طويلة ( وصمت لبرهة أخرى ثم أضاف وقد نفذت حججه) وصف الأمر أشبه بالسهل الممتنع "
اتسعت ابتسامة كامل شاعرا بسعادة جمة لهذه الثقة التي تشع من عيني توأمه ..فربت على كتفه وقال مشجعا" هيا أريني همتك في اقناع والدينا لأفرح بك قبل سفري"
على سيرة السفر وجم شامل وتحرك ليخرج إلى بهو الفيلا فوجد والديه يجلسان في غرفة المعيشة المفتوحة على البهو فبادرتهما سوسو بالقول بحماس "تعال يا شامل تعال يا حبي.. سأريك دفعة جديدة من الفتيات لعل واحدة منهن تفك عقدتك"
تطلع التوأمان في بعضهما ..ليكتم كامل الضحك ويربت على كتف توأمه يقول مشجعا بلهجة متهكمة "تفضل يا شامل يا حبي أريني كيف ستحل هذه المعضلة"
اقترب شامل هو وأخاه وجلسا على الأريكة ليقول الأول" لا أريد أن أرى المزيد من الصور يا سوسو"
قالت سوسو تمد بهاتفها نحوه لتحاول إقناعه" الفتيات رائعات ومن عائلات كبيرة من بلدنا"
خطف كامل الهاتف منها يقول بفضول "أريني"
ناظره شامل باستنكار .. فقال كامل مراوغا "ماذا .. عندي فضول لأرى لربما وجدت من تحل معضلتي"
مط شامل شفتيه وغمغم بقرف" شفاك الله"
قالت سوسو" ليتك تسعدني أنت أيضا يا كامل وتختار (ونظرت لزوجها الصامت ثم عادت تنظر لابنها قائلة) ربما تزوجت وأخذت زوجتك معك لأمريكا"
رفع كامل انظاره عن الهاتف يتطلع فيها بنظرة شاردة بينما تكلم شامل قائلا "الحقيقة يا أمي أنا قررت أن أعود لقراري السابق بالعزوف عن الزواج "
تكلم غنيم بعبوس" لماذا إن شاء الله ! لقد عشمت نفسي بأنك قد تعقلت حين قلت بأنك ستفكر في أمر الزواج"
رد شامل بمراوغة " لأني أعلم بأن من أريدها لن توافقان عليها فقررت عدم الدخول في جدال والعزوف عن الزواج تماما"
نظرت سوسو لغنيم ثم عادت لشامل تقول "من تريدها؟؟؟؟.. أفهم من ذلك أن هناك فتاة اخترتها؟!!"
قال شامل مصححا "اختارها قلبي يا أمي والقلب ليس عليه سلطان"
اطرقت سوسو برأسها تقول "فهمت ..هي ليست من بلدنا أليس كذلك؟!"
تابع غنيم نظرات توأميه لبعضهما بتلك الملامح التي توحي بأنهما يخفيان شيئا ..بينما تكلم شامل قائلا "لهذا لم أرغب في إخبارك حتى لا تحزني"
قالت سوسو تداري احباطها" لا بأس لقد كانت مجرد أمنية لكن لو هناك من ستسعدك فلن أقف في طريقك يا شامو"
تنحنح شامل وقال " السبب ليس فقط لكونها ليست من بلدنا كما ترغبين .. ولكن هناك بعض العقبات في ارتباطنا"
عقدت سوسو حاجبيها وسألته" ماذا تعني بعقبات؟"
تبادل النظرات مع كامل من جديد ثم أجاب " أقصد .. أن لها ظروفا خاصة وقد لا تتقبلونها"
استقام غنيم فجأة واقفا يستند على عصاه مغمغما "فهمت .. يبدو أنها من تلك الفتيات المستهترات اللاتي تتسامر معهن وتسافر"
بعدم فهم قالت سوسو "لنسمعه أولا يا غنيم"
قال غنيم مبتعدا "مادام يخشى أن يقدمها لنا ويبدأ بكل هذه المقدمات إذن هو يعلم بأننا لن نقبلها"
صاح شامل معترضا" أبي هذا ليس عدلا أنت لم تسمعني!"
قال غنيم وهو يبتعد نحو غرفته بالطابق الأرضي " أنا تعبت .. وغير مستعد لأن يرتفع ضغطي"
استقامت سوسو لتلحق بزوجها بعد أن قالت لتوأميها "سنتحدث فيما بعد لأعرف تلك الظروف الخاصة (وتحركت خلف زوجها تقول) يا غنيم"
تقبض شامل وأطرق برأسه فاشفق عليه كامل وقال وهو يضربه على ذراعه "محاولة جيدة للتمهيد ..لا تيأس يا وحش"
×××××
في صباح اليوم التالي
قالت مليكة وهي ترتدي عباءة على ملابس البيت" هيا.. عم طه ينتظر بالأسفل"
تحرك أدهم بتردد ثم لحق به إياد وتجاوزه مسرعا وهو يصيح بلهجة منغمة "أنا قااااادم"
من عند باب الشقة عاد أدهم لمليكة التي دققت فيه وفي ارتباكه ووجنتيه الحمراوين بحاجبين معقودين ليقول بعد لحظة " هل استطيع أن أخذ إحدى العرائس الصغيرة التي تصنعينها؟"
سألته مليكة باندهاش" لماذا؟؟"
اشاح بنظره عنها بحرج لثوان ثم عاد يهرش بسبابته في رأسه قائلا" سأخبرك فيما بعد"
قالت مليكة متعجلة تنظر في ساعتها" تعال معي واختر ما تريده بسرعة"
في غرفة النوم دخلت بهدوء وأشارت لأدهم أن يلتزم الصمت حتى لا يوقظ مفرح .. وأشارت له على العرائس المختلفة الأحجام فاختار واحدة بحجم الكف ثم اسرع يخرج هو ومليكة بهدوء.
في الصالة غمغم أدهم في سره وهو يقلب العروس في يده "اعتقد بأن هذه ستعجبها.."
عقدت مليكة حاجبيها بتساؤل ثم قالت بطفولية" علام سأحصل في المقابل أدهومي؟"
عبس أدهم وسألها بدوره" ماذا تعنين؟"
فتحت مليكة ذراعيها تقول بلهجة طفلة صغيرة " أريد حضنا"
احمرت وجنتيه وقال باعتراض" أمي لم أعد صغيرا !"
اتسعت عيناها تقول باستنكار" أمنيتي أن اعرف ما علاقة هذا بأن تمنحني حضناً !! (ثم مالت بدلال وطفولية تمنحه خدها وتقول) قُبلة إذن أدهومي "
مال أدهم يطبع قبلة رقيقة على خدها قبل أن يتنحنح ويسرع نحو الباب .. فضحكت مليكة تضرب كفا بكف ثم اسرعت باللحاق به وهي تثبت وشاحها جيدا فوق رأسها.
في البيت المجاور قالت صفاء" اسرعي يا منة السيارة تنتظرك منذ مدة"
بوجه مقلوب غمغمت الأخرى "حاضر ..حاضر"
نزل مصطفى من الطابق العلوي يقول "صباح الخير"
بوجنتين مخضبتين بالحمرة غمغمت منة الله" صباح النور يا أبي"
ثم تجاوزته مسرعة على السلم تضيف "نسيت أن أحضر سترتي"
راقبها مصطفى وهي تصعد ثم تحرك ليجلس على الأريكة في صالة البيت عاقدا حاجبيه وهو يقول لزوجته" ماذا حدث ..ما بها ؟"
كتمت صفاء ضحكتها ثم اسرعت لتجلس بجانبه وتهمس له في أذنه فاتسعت عيناه وهو يتطلع نحو السلم وقال متفاجئا "ما شاء الله هل كبرت بهذه السرعة !.. إنها لا تزال في الحادية عشرة من عمرها"
لكزته صفاء تقول بدلال" أنا كنت في سنها أيضا أول مرة"
ضحك مصطفى وقال" ولماذا تبدو هكذا ألم تهيئيها لهذا الأمر؟"
أجابت صفاء مبتسمة "بل تعرف كل شيء لكن أنت تعلم أول مرة والوضع جديد ومربك وتشعر بالحرج ..وكانت تفكر في ألا تذهب للمدرسة اليوم"
غمغم مصطفى بابتسامة" لا اصدق أنها أضحت آنسة صغيرة لقد كانت تبكي أمس على ضياع إحدى عرائسها .. ولماذا ضغطت عليها للذهاب يا صفاء؟"
قالت صفاء موضحة "أبدا والله لم اضغط عليها ..قلت لها افعلي ما تريدين.. فحمزة شدد عليّ في أن أتعامل مع الأمر بشكل طبيعي "
اتسعت عينا مصطفى وهتف باستنكار "حمزة؟؟!!!.. هل اخبرت حمزة يا صفاء بأمر حساس كهذا"
اسرعت بالقول مبررة "اضطررت للاتصال به حتى يسيطر على أولادك الشباب بعد أن أخبرهم عبد الله"
بذهول سألها مصطفى "عبد الله أيضا يعرف؟!!!"
قالت تضع يدها على فمها بحرج" لقد سمعني في الهاتف وأنا أخبر خالتها .. تعرفه يتسلل من خلفي دوما ليفزعني فسمع ما كنت اقوله .. وبدأ المزح والتهريج وأخبر محمد ويامن وياسر ولم اسلم من مزاحهم"
باستنكار وغضب سألها "أمام منة ؟؟!!"
قالت بسرعة " لا لا منة كانت بغرفتها .. لكني خشيت أن يتطور مزاحهم لأخبارها بأنهم يعرفون فأسرعت بالاتصال بحمزة ليوقفهم عند حدهم وكنت في أشد الحرج لم اعرف كيف أخبره فتبرع ابنك محمد بخطف الهاتف من يدي وأخباره"
بعدم استيعاب سألها مصطفى" وماذا فعل حمزة؟!!"
ناظرته زوجته بملامح ممتعضة وردت "اكتمل الحفل"
قهقه مصطفى .. لتكمل صفاء بهمس ضاحكة "لكن حمزة حذرهم في النهاية من اشعارها بأنهم يعرفون"
ضرب مصطفى كفيه ببعض ضاحكا وهو يغمغم "الملاعين"
نزلت منة مسرعة تحمل حقيبتها وسترتها وغمغمت بوجوم ووجنتين محمرتين" أنا ذاهبة"
استقامت صفاء تقول" سأوصلك للخارج يا حبيبتي "
أمسك مصطفى بذراع زوجته وقال" بل أنا من سيخرج معها(وهمس ) ولا تشعرينها بأن أحد منا يعرف"
في الخارج وقفت مليكة تنظر لظهر أدهم الواقف أمام بوابة مصطفى الزيني تعقد جبينها بعدم فهم .. وهمت بسؤاله لكن خروج منة الله من البوابة والتي تفاجأت بوقفته جعل مليكة تراقب في صمت بينما مد أدهم بالعروسة يقول لمنة بخشونة يداري شعوره بالحرج" هذي عروسة أخرى لك علّنا نتخلص من بكائك ونستريح "
امسكت منة الله بالعروسة تطالعها بعينين مبهورتين في الوقت الذيرفعت مليكة حاجبيها باندهاش قبل أن يفتح مصطفى البوابة على مصرعيها ويخرج خلف ابنته عاقد الحاجبين وهو يراقب المشهد .
رفع أدهم أنظاره المتسعة لمصطفى متفاجئا وتحول وجهه لحبة طماطم قبل أن يسرع إلى السيارة بحرج شديد ورهبة ليركب بجوار العم طه بينما قال مصطفى لمليكة "صباح الخير يا أم أدهم"
ردت مليكة تحية الصباح محرجة بشدة وتمنت لحظتها أن تنشق الأرض وتبتلعها بينما قال مصطفى لابنته ببعض الجدية "هيا اسرعي يا منة السيارة تنتظر"
اسرعت منة بالتحرك وهي تحضن العروسة بفرحة.. فدخلت لتجلس بجوار إياد في المقعد الخلفي وهي لا تزال تتطلع في العروسة بابتسامة سعيدة .. بينما وقفت مليكة تنظر لأدهم الذي دفن وجهه في حقيبته يبحث عن لا شيء وبمجرد أن تحركت السيارة نظرت لمصطفى الزيني وتمتمت بالاستئذان هاربة إلى داخل البوابة.
أما مصطفى فوقف يحدق في السيارة المبتعدة ويضرب كفا بكف مبتسما.
في بيت العمدة هرولت مليكة تصعد للطابق العلوي بسرعة فغمغمت نحمده وهي تحرك فمها يمينا ويسارا" علام هي مسرعة بهذا الشكل؟ .. بالتأكيد على قلة الحياء .. وهل تسيطر عليه إلا بهذه الطريقة "
بعد دقيقة دخلت مليكة إلى غرفة النوم تهز مفرح قائلة" مفرح .. مفرح استيقظ "
فتح مفرح عينيه مفزوعا وسألها بصوت هارب منه " ماذا حدث يا مليكة "
ضغطت شفتيها ببعضهما للحظة بحرج ثم قالت بملامح طفولية بائسة " ابنك المتهور احرجني أمام مصطفى الزيني .. وأخشى أن يظن بأني من حرضته لفعل ما فعل لأني كنت أقف من بعيد "
غمغم مفرح يحاول الاستيعاب " من منهما؟.. وماذا فعل لأبي حمزة؟"
××××
"صباح الخير ( وجه مختفي خلف كفين)"
ارسلتها ونس ثم وضعت الهاتف على المنضدة بجوار سماعتيها واستدارت لتحضر ملابسها لتغتسل ولم تدر بأنها قد ضغطت على زر إلغاء الوضع الصامت ليرتفع بعدها صفير قصير ينذر لوصول رسالة .. لكنها لم تسمعها ولم تكتشف الرسالة إلا بعد أن اقتربت من الهاتف تنظر فيه لتجد شامل قد كتب" صباح الخيرات على أميرة الجنيات "
احمرت وجنتيها وسألته "هل استيقظت؟"
رد شامل "ليس بعد .. مازلت في السرير فقد نمت بعد الفجر"
"لماذا؟"
مهموما كتب شامل "لا شيء لا تشغلي بالك"
بابتسامة متسعة كتبت "أنا أيضا نمت بعد الفجر"
"لماذا؟"
عضت على شفتها وكتبت بحرج " كنت أعد لك الهدية التي وعدتك بها"
كتب شامل متهكما " يااااااااه ألا زلت تذكرين!.. حسبتك قد نسيت والله ( وجه ممتعض )"
ضحكت وردت " لا أبدا .. كنت فقط انتظر أن يأتيني تصور للميدالية التي أريد أن اصنعها لك ( وجه مغطى بكفين ) "
تقلب شامل على جانبه وكتب "هل ستصنعين لي ميدالية؟"
ردت ونس "( وجه محرج مغطى بكفين) أجل ..حتى لا تنساني أبدا .. وكلما رأيتها تتذكر ونس حتى لو لم يعد هناك ونس "
آلمه قلبه ولم يدر بم يرد .. يشعر بضغط شديد ويتمنى أن يستطيع الفوز برضا والديه..
كتبت ونس بحماس" متى ستأتي؟ ..أنا متحمسة لأعطيها لك"
" في موعدي ككل أسبوع إن شاء الله .. ما رأيك أن ترسلي لي صورة الميدالية على الواتساب لأراها"
بشقاوة كتبت " لا لا سأتركك متشوقا حتى تراها على الطبيعة .. وأتمنى أن تعجبك (وجه محرج مغطى بكفين )"
اتسعت ابتسامته ورد "إن شاء الله ستعجبني يا ونس ..أنا أكيد من ذلك"
كتبت ونس" سأتركك الآن ..ولنتحدث فيما بعد ..هل ستعاود النوم؟"
"أجل ..سأنام قليلا "
"شامل"
"شبيك لبيك"
قهقهت ونس وكتبت بسرعة "هذه العبارة تضحكني جدا ( وجه ضاحك )"
بابتسامة وعينين مرهقتين من قلة النوم كتب شامل "ألستُ الجني خاصتك ؟"
وسجل لها رسالة صوتية بصوت غليظ "شبيك لبيك الجني شامل بين يديك"
ضغطت ونس على الرسالة الصوتية واعادتها عدة مرات .. وهي تلصق الهاتف بأذنها وتضغط عليه بقوة .. وبرغم ضعف الصوت وخفوته .. وبرغم تمنيها أن تضع الهاتف بجوار مكبر صوت لتسمع شامل .. وبالرغم من تلك الأمنية التي باتت تكبر في أحشائها يوما بعد يوم أن تسمع صوته بنفس النبرة التي يسمعه بها الناس ... إلا أنها سمعته أخيرا .. ربما سمعته بقلبها .. فترقرقت عينيها بالدموع تشعر بأن عضلة قلبها ستنفجر من السعادة التي عاشتها خلال الساعات الماضية ..
سعادة لم تحظى يوما بمثلها ولا بنصفها ولا بشعرة منها ..
سعادة من النوع المربك الذي يحذرك من أن تصدقه ..
سعادة سريعة العطب قصيرة كعمر الفراشات ..
بابتسامة متسعة تناقض لمعة العيون بالدموع كتبت ونس " شامل .. كن بخير دائما"
بعد قليل رفع شامل الوسادة عن رأسه وقد طار النوم من فوق جفنيه .. فهو لم يعد يطيق الانتظار عليه بالتحدث مع أهله ومحاولة اقناعهما ويتمنى من الله أن ييسر له المهمة .
أمسك بالهاتف وكتب لها " أتعرفين يا بنت يا جنية ..لقد تحمست للميدالية وقد تجدينني قد جئت لقريتكم بسرعة .. سأجد أي حجة لآتي إليك بسرعة"
صفر الهاتف فوق المنضدة ..فانتبه عيد الذي كان يمر بصالة البيت وبحث حوله عن مصدر الصفير.
كتب شامل "هل ذهبت؟"
" طمئنيني بأنك قد وصلت للعمل"
تحرك عيد نحو مصدر الصوت في غرفة ونس ليجد الهاتف فتساءل أهذا اتصالا يا ترى فيصدر هذا الصفير؟!
أمسك بالهاتف فوجد كلاما مكتوبا .. فقلب الهاتف في يده بينماكتب شامل "لماذا لا تأخذين اليوم عطلة .. أبلغيهم بأنك مريضة ونامي قليلا .. ألم تخبريني بأنك قد نمت في ساعة متأخرة"
بعينين متسعتين راقب عيد الرسالة الجديدة تظهر أمام عينيه .. ولم يفهم كيف يتعامل مع الهاتف الذكي فهو لا يملك إلا هاتفا صغيرا قديم الطراز بأزرار ..لكن الكلمات المعروضة على الشاشة فجرت الدم في رأسه ..واسم (الجني الأمير شامل) المكتوب أعلى الشاشة جعل أنفاسه تتسارع بقوة وهو يمرر نظراته بين الهاتف وباب الغرفة.
أخذ عيد يضغط بسبابته بشكل عشوائي على شاشة الهاتف فاختفت الرسالة من أمامه لكن قائمة من الأسماء المسجلة على الواتساب وعلى رأسها اسم ذلك الذي يدعى (شامل) ظهرت أمامه .
لم يعرف كيف يتصل من هذا الهاتف ليعرف من شامل هذا .. فضغط بعشوائية على الاسم عدة مرات لتكبر الصورة الرمزية أمامه وتظهر صورة شامل فتعرف عليه ..
إنه واحد من التوأمين الغريبين الساكنين في بيت الجد صالح ..
حين دخلت ونس الغرفة تفاجأت بوجود والدها فأصابها الهلع وهو يمسك بالهاتف بيد ترتعش بشكل ملحوظ ..في الوقت الذي رفع عيد عينين ناريتين مخيفتين لونس التي توقفت عن التنفس وسقط قلبها بين قدميها..
وفي نفس اللحظة ..
في فيلا غنيم ..
كان شامل يعيد قراءة جملتها الأخيرة للمرة العاشرة بقلب يرتجف بغرابة..
"شامل.. كن بخير دائما "
