اخر الروايات

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثاني عشر 12 بقلم الكاتبة شموسة

رواية واشرقت في القلب بسمة الفصل الثاني عشر 12 بقلم الكاتبة شموسة


الفصل الثاني عشر



حين عادت ونس لغرفتها وقفت ذاهلة وهي ترى والدها يرفع إليها وجها مخيفا يناظرها بعينين تقذفان نيرانا وشررا فسقط قلبها بين قدميها وللحظات شلت اطرافها وتعرق جسدها كله دفعة واحدة .. فظلت تحدق فيه وكأنها في كابوس حالك السواد..

كانت يد عيد ترتعش وهو يمسك بالهاتف ويعيد النظر فيه وكأنه يحاول الاستيعاب ..قبل أن يرفعه بيده المرتعشة قائلا" من هذا الذي تحدثينه؟؟( وعاد ينظر للهاتف من جديد ثم عاد إليها يقول) أليس هذا واحد من التوأمين الغريبين؟؟؟! .. (وهدر بقوة متسع العينينحين لم تبد أي رد فعل سوى التجمد ) انطقي يا ونس"

لم تجد ونس ما تقوله .. فهي لا تملك حجة أو مبررا.. وتعترف بأن ما فعلته غير مقبول .. لكنه شيء لم تستطع التحكم فيه ..

اقترب عيد منها ببطء .. وقسمات وجهه تتوحش أمام عينيها ..وبمجرد أن وقف أمامها كانت يده تهوي بعنف على وجهها لتخرجها من حالة الشلل التي أصابتها.. فرفعت يدها تلمس خدها وبكت في صمت .. وعقلها لا يزال فارغا لا يجد ما يقوله.

قبض على شعرها المبلل بقوة يدني رأسها إليه ويهدر بقوة بجوار أذنها وعروقه قد قاربت على الانفجار "اخبريني ما يحدث يا ونس.. هل تتحدثين مع رجل بهذا الهاتف يا بنت ***"

خرجت من صدمتها أخيرا وأخذت تشير له بهستيريا بإشارات مبهمة جعلته يتركها صائحا بجنون بجانب أذنها وهو يلقى بالهاتف بقوة فارتطم بالحائط "اخبريني بما يحدث يا بنت عيد قبل أن اقتلك وادفنك في هذه الغرفة"

ما يحدث كان شديد الصعوبة عليها.. حالة والدها المصدومة الغاضبة .. والهاتف الملقى في الأرض لا تعرف إن كان لا يزال يعمل أم لا .. كادا أن يصيباها بأزمة قلبية.. فأسرعت إلى سماعتيها ترتديهما لعلها تستطيع التواصل معه بشكل أوضح ثم التقطت دفترها وقلمها من فوق السرير وكتبت بيد مرتعشة "إنه مجرد شخص اتحدث معه ..إنه شاب محترم جدا جدا"

خطف عيد الدفتر من يدها وقربه من عينيه بزاوية مائلة يقرأ قبل أن يلقي به على السرير ويلطمها على وجهها بقوة.. فوقعت ونس بجوار الدفتر والقلم بينما صاح عيد " هل وعدك بالحب والزواج يا بنت عيد؟... يا منحلة يا قليلة الحياء .."

أخذت ونس تنتحب فرفعها من شعرها يقول" هل كنتما تتقابلان اخبريني"

حركت رأسها بقوة نافية ثم اغمضت عينيها تبكي ليقول عيد "وكيف سأصدقك الآن بعد أن خنت ثقتي بك! .. بعد أن أثبتِ لي بأنني قد فشلت في تربيتك !(وصرخ بقوة شديدة وهو لا يزال ممسكا بشعرها ) قولي يا ونس ولا تتركيني للظنون ..سأموت الآن وعقلي يظن ألف ظن وظن.. أخبريني الأمر بالتفصيل"

ناظرته بعتاب نظرة مجروحة لشكه فيها .. وأشارت على نفسها بما يعني( هل تشك في سلوكي).

هدر فيها عيد بجنون" أجل .. فأنا لا آمن لتصرفاتك.. ولا لاندفاعك ..أشعر بالعجز أمام اختلافك عن بقية البنات .. وأشعر بالخوف من سذاجتك .. انطقي يا ونس"

أمسكت بالدفتر تكتب ودموعها تتساقط فوق حروفها المرتعشة فترك عيد شعرها وانتظر ما ستكتبه " أقسم بالله لم أقابله إلا بضع لحظات سريعة في الشارع .. وكل ما نفعله أننا نتحدث على الهاتف .. وهو أخبرني بأني مميزة وبأنه يحمل لي مشاعر .. لكنه يحاول أن يقنع أهله بعلاقتنا لأنه (ومسحت سيل الدموع من وجهها وأكملت كتابة ) لأنه لا يرغب في أن يحزنهما .. صدقني شامل شخص محترم جدا"



كان عيد فاقدا للصبر فخطف الدفتر منها يقربه من عينيه وصدره لا يزال يعلوا ويهبط .. لكن ما قرأه كان صعبا عليه فهمه ..

ما قرأه لا يتماشى مع عقليته البسيطة ..

ما قرأه زاد من جنونه وانفعاله فضربها على وجهها بالدفتر لتسرع ونس بالاحتماء بذراعيها من موجة غضبه وهي تبكي بحرقة بينما صاح عيد بجنون" وهل تصدقين هذا الهراء!!. هل تصدقين أنه سيحب فتاة قروية فقيرة والدها صانعا للقلل؟!!"

أخذت تنتحب بصوت مسموع فوقف عيد يتطلع فيها بعينين جاحظتين و الغضب بداخله يزين له ارتكاب جرائم .. ليس فقط لأن كرامة الرجل والأب والفلاح قد أهدرت .. ولكن أيضا لصوت بكائها المعذب هذا الذي لم يرها عليه من قبل.



البنت كبرت وأحبت يا عيد ..

لكنها أحبت شاباً من طبقة أخرى ومن عالم أخر ومن بلد أخرى.

البنت كبرت وأحبت يا عيد .. وستفضحك فتهورها غير مأمون الجانب.

البنت كبرت وأحبت يا عيد وستجلب لك العار..

البنت كبرت وأحبت يا عيد ..

لكنها ساذجة لا تعرف أن الحياة أقسى مما قد تتصور .. وبأن رجلا مثله لن يرتبط بمثل ظروفها أبدا.

البنت كبرت وأحبت يا عيد وسينكسر قلبها ويشيخ حينما تصطدم بالواقع.

البنت كبرت وأحبت يا عيد وأنت عاجز أمام فقرك وقلة حيلتك.



رجع للخلف خطوتين يضع يده على رأسه ويحاول تنظيم أنفاسه المتسارعة والسيطرة على غضبه ..لكنه لم يستطع كبت انفعالاته لوقت أطول ولم يتحمل نحيبها المؤلم لقلبه فانفجر يقول بعروق نفرت من رقبته "ستظلين هبلاء كما أنت .. ساذجة .. تصدقين كل شيء .. "

رفعت إليه ونس وجهها الغارق في الدموع فأكمل عيد كلامه الجارح" البنات في مثل عمرك زوجات وأمهات لطفل أو اثنين .. وأنت لازلت هبلاء تظنين بأن شخصا مثله سيحمل لمعاقة مثلك مشاعر حقيقية .. مشاعر غير الشفقة أو التسلي "

صمت قليلا ثم تطلع حوله وكأنه يبحث عن شيء.. و تحرك يخرج من الغرفة مسرعا أمام مقلتيها المختبئتين خلف غمامتين من الدموع .. فنظرت ونس للهاتف الملقى على الأرض وهمت بالذهاب إليه لكن والدها عاد للغرفة مسرعا وبيده يد الهون المعدنية الثقيلة.

بذهول تطلعت فيه ونس باتساع عينيها تحاول فهم ما سيفعله ..قبل أن تطلق صرخة قوية ..صرخة خشنة معذبة من حنجرتها وهي تراه يلتقط هاتفها ويجلس على عقبيه يضعه أرضا وينزل بيد الهون فوقه .

اسرعت ونس نحوه تصيح بأصوات غير مفهومة تحاول منعه فدفعها عيد بيده بعيدا .. لتقع جالسة على الأرض قبل أن يعود ليجهز على الهاتف الذي تحطم تماما.



يضرب لينفث فيه كل غله .

يضرب لينفث فيه عصبيته.

يضرب لينفث فيه غضبه .

يضرب ويضرب ويضرب.



بعد دقيقة استقام واقفا وهو ينهت .. قابضا بقوة على يد الهون و الغضب يزين له جرائم بشعة .. لكن ذرة من عقله كانت لا تزال باقية جعلته يسرع بالمغادرة تاركا ونس التي تفترش الأرض تحدق بذهول في الهاتف الذي تهشم ..

كقلبها.

لحظتها أدركت بأن مِصباحها قد كُسر ولم يعد هناك جِنّي ..

لم يعد هناك الأمير الوسيم ..

ولم يعد هناك...

شامل.

أما عيد فاسرع بالخروج من البيت .. ولم يكتف بإغلاق بابه الحديد بالمفتاح فقط ..بل أخرج السلسلة الحديدية وأغلق بها الباب بالقفل ..قبل أن يتحرك مبتعدا ليقضي على هذا الأمر من جذوره.

×××××



خرج مفرح من باب الدار يمسد على لحيته السوداء ببعض الحرج وهو يستقبل مصطفى الزيني.. وسلم عليه قائلا" كنت قادما إليك والله يا أبا حمزة "

قال مصطفى باهتمام "خير إن شاء الله؟"

رد مفرح "خير طبعا بإذن الله "

دعاه ليدخل إلى إحدى غرف مجلس العمدة المجاور لباب البيت لكن الأخير رفض ..فقال مفرح وهو يدعوه إلى الناحية الأخرى حيث الشرفة المرتفعة قليلا عن الأرض "تفضل لنجلس هنا إذا"

صعد مصطفى أمام مفرح الدرجات القليلة ثم اتخذ لنفسه مقعدا ..ليبادره مفرح بالقول" كنت أريد أن أوضح شيئا بشأن ما حدث منذ قليل أن مليكة ليس لها دخل فيما بدر من أدهم وأنها تفاجأت بما فعله مع منة"

عقد مصطفى حاجبيه قليلا يحاول الاستيعاب ثم رفعهما قائلا "استغفر الله ..لم يرد هذا أبدا على ذهني .. اعلم بأنه سلوك مراهقين "

تنحنح مفرح يضيف بحرج "وفيما يخص سلوك المراهقين (وتحكم في ابتسامة ملحة ) فإن كان ما حدث قد أثار حفيظتك فلا تؤاخذنا ..وسأتحدث مع أدهم حين يعود"



دارى مصطفى ابتسامة وناظر مفرح بنظرة خطرة يقول ممازحا وهو يحرك سبحته "اتمنى فعلا أن تتحدث مع ابنك يا باشمهندس.. وإلا الدماء ستكون حتى الرُكَبْ في المرة القادمة "

قهقه مفرح وشاركه مصطفى الابتسام ليقول الأول واضعا يده على صدره " لا تتحدث بهذا الشكل يا أبا حمزة فنحن غرضنا شريف والله .. وأنا من الغد سأبدأ في تشطيب إحدى شقق الدور العلوي على أعلى مستوى لتليق بنسبكم"

علت قهقهة مصطفى وضرب كفه بكف مفرح الذي شاركه الضحك ثم قال الأول "الله وحده يعلم الغيب .. وجيل هذه الأيام غير جيلك وغير جيلي يا أبا أدهم"

قال مفرح بصدق " لكن نسبكم يشرفنا يا أبا حمزة صدقا أقول"

ربت مصطفى على ركبة مفرح باعتزاز قبل أن يعود لجديته قائلا " لنتحدث إذن فيما جئت من أجله "

اسرع مفرح بالقول " إن كان بشأن مدير المدرسة وابنة هلال فلا تقلق لقد تحدثت معه بالفعل وسيحدد لها موعدا بعد عودته من الخارج خلال هذا الأسبوع إن شاء الله"

غمغم مصطفى" بارك الله فيك يا أبا أدهم .. لكني جئتك في موضوع آخر "

ناظره مفرح باهتمام ليقول مصطفى" علينا أن نتخذ إجراءات أكثر جدية للكشف عن مسببي الحرائق يا مفرح هذه المرة الخامسة تقريبا التي تحدث فيها هذه الحرائق ..ولا أريد أن ندخل الشرطة بيننا "

سحب مفرح نفسا عميقا وغمغم شاردا "الحقيقة الامر محير جدا فلا توجد أي علاقة بين الخمس عائلات التي تعرضت أراضيها لذلك الحريق .. كما أن الحرائق تبدو بفعل شخص غير محترف أو ربما صغير السن ..وحمداً لله أنه يتم السيطرة عليها قبل أن تتوسع في المحصول كله ..لكنني غير قادر على تفسير هذا الامر الغامض"

قال مصطفى بحيرة شديدة" إنه غريب بالفعل ولا أجد أن له صلة منطقية بزهير عبد النبي كما يعتقد أهل البلدة "

قال مفرح مفكرا " المشكلة أننا لن نستطيع وضع حراسة على كل حقل .. للامساك بالجاني خاصة وأن أفعاله هذه في أوقات غير منتظمة "



جلبة وصلت إلى مسامعهما فالتفتا ينظران من الشرفة إلى بوابة البيت ليجدا عيد القللي يتشاجر مع الغفراء مصرا على الدخول وعدم انتظارهم لإبلاغ مفرح..فرفع مفرح ومصطفى حاجبيهما باندهاش قبل أن يصيح الأول بلهجة آمرة وهو يستقيم واقفا " دعوه يدخل "

اقترب عيد في حالة غضب شديد في الوقت الذي تحرك مفرح ينزل إليه قائلا "ماذا هناك يا عم عيد؟"

قال عيد وهو يتطلع في مصطفى الواقف في الشرفة "من الجيد أن يكون أبو حمزة هنا ليشهد على حديثنا"

التفت مفرح متخصرا يرفع نظرات خاطفة متعجبة لمصطفى قبل أن يعود للعم عيد الذي قال" اسمع يا باشمهندس .. نحن أناس لا نملك إلا كرامتنا وشرفنا في هذه الحياة .. وأي مساس بها .. نُطَيِّر الرقاب دون تفاهم ..حتى لو كانت رقاب صاحبيك الثريين الآتيين من العاصمة .. وحتى لو كانا في حِماك أنت شخصيا"

عقد مفرح حاجبيه بعبوس وسأل عيد بلهجة مستهجنة " لا افهم"

قال عيد بعصبية "ما الذي لا تفهمه يا باشمهندس !!.. (وأضافبحرقة قلب يضرب على صدره ) ربما نحن فقراء لكن الشرف عندنا غالي .. وصاحبك بكل استهتار دعس على كرامتي ووصل لابنتي "

جحظت عينا مفرح بينما أكمل عيد" لكني أعترف بأن الخطأ من عندنا أيضا ..فأنا من لم أربها كما يجب"

بملامح خطرة أسرع مصطفى بالنزول قائلا بينما مفرح يمرر نظراته الذاهلة بينه وبين عيد بعدم فهم "ماذا تقول يا حاج عيد أفهمنا ماذا فعل صاحبيّ مفرح لابنتك؟"

رد عيد بغضب شديد "أحدهما يراسل ابنتي على الهاتف ويتحدث معها ويخبرها بأنه يحبها وقلة حياء من هذا النوع .. والحمد لله أني اكتشفت هذه المسخرة قبل أن يغرر بها.. وبنت الكلب هذه هبلاء ساذجة قليلة الخبرة وتصدقه"

اتسعت عينا مفرح ذاهلا بينما سأله مصطفى باندهاش "هل أنت متأكد؟؟؟"

أجاب عيد" طبعا متأكد ..لقد رأيت صورته على هاتفها وهي اعترفت لي بأنهما يتحدثان"

اشتعل الغضب في عيني مفرح الخضراوين وسأله بحشرجة "من منهما؟"

أجاب عيد بقرف "ذلك الذي يدعى شامل.. أنا ذهبت إلى بيت الجد صالح فوجدت البوابة مغلقة وأحد عمال المزرعة أخبرني بأنه في العاصمة حاليا "

ناظره مفرح مذهولا بينما سأله مصطفى بلهجة خطرة" سأسألك مرة أخرى يا حاج عيد ..هل أنت متأكد ؟.. هذا الأمر حساس ولا يبنى على تخمينات"

قال عيد لمصطفى منفعلا " قلت لك البنت اعترفت ..وأنا رأيت صورة أحد التوأمين والاسم المكتوب كان (شامل) ولولا أني قد كسرت الهاتف لكنت أريتكما الدليل"

قال مفرح وهو لا يزال مصدوماً" أنا لا أعرف ماذا أقول.. ولكن لابد أن أواجه شامل بنفسي .. عموما أنا أشعر بالخزي أمامك يا عم عيد .. وما حدث هذا لن أمرره على خير أبدا ..وأعدك أن أحقق في الأمر"

قال عيد وهو يتحرك للمغادرة" اخبره بأنني لو رأيت أحدهما أمامي سأقتله"

بعينين مغمضتين وشعور بالغضب والحرج أومأ مفرح برأسه .. فتحرك عيد مغادرا دون حتى أن يلقي السلام .. بينما وقف مصطفى يحرك سبحته بين يديه وهو ينظر لمفرح الذي كان يتمنى لحظتها أن تنشق الارض وتبتلعه وهو يخرج هاتفه ليتصل بشامل ..



بعد دقائق هدر مفرح في الهاتف "لا تراوغ يا شامل وأجبني.. هل تتواصل مع ونس على الهاتف؟"

صاح شامل بعصبية" أنا لا أراوغ يا مفرح ..أنا كنت أوضح لك الأمر .. ولست عديم الشرف لأراوغك في أمر كهذا ..أجل ..أنا أتواصل مع ونس ..ونيتي شريفة"

هدر مفرح بعدم تصديق وكأنه على وشك الإصابة بأزمة قلبية "أي نية تلك يا شامل ..أي نية.. لقد خذلتني "

شعر مصطفى الواقف خلفه بالشفقة عليه بينما قال شامل منهيا الحديث" لا تنفعل يا مفرح .. أنا قادم حالا"

قالها وأغلق الخط يلتقط مفاتيح السيارة .. فاسرع كامل خلفه قائلا" انتظر يا شامل أنا آت معك"

××××







عند الظهيرة

دخل عليها الغرفة فالتفتت بوجهها نحوه ترفع إليه نظراتها من خلف سحابات من الدموع ..

تطلع فيها عيد تجلس مكانها كما تركها منذ قليل تفترش الأرض وأمامها الهاتف المحطم ..كأحلامها وأمانيها التي تحطمت معه .. فآلمه قلبه .. وازداد غضبه من نفسه ومنها ومن الدنيا بكل ما فيها ..

هدر بعنف يقاوم شفقة قلبه على قلبها المكسور "كما قلت لك لقد كان يتسلى معك"

اتسعت عيني ونس واستقامت واقفة يعلو وجهها المبلل ملامح متسائلة.. فقال عيد برغبة منه لقطع الأمر من جذوره في رأسها "لقد تحدثت مع مفرح وأخبرته ..ومفرح اتصل به واعطاني إياه فهددته بأني لو رأيته في البلد سأؤذيه .. ومفرح كذلك عنفه بشدة ..فخاف شامل هذا وارتعب واعتذر لي .. معترفا بأنه كان يتسلى معك لأنه قد أشفق عليك .. ووعدني بأنه لن يحضر إلى البلدة مجددا"

( لن يحضر للبلدة مجددا )

بنظرات ذاهلة تبللها بقايا دموع حركت ونس رأسها غير مصدقة لما يقوله والدها.. فأضاف عيد مؤكدا " قلت لك أنت هبلاء وصدقتِ ما قاله .. هل هناك عاقل يصدق بأن شاباً مثله قد يتزوج من فقيرة معاقة أبوها صانع فخار!!"

(كان يتسلى معك لأنه قد أشفق عليك)

ازدادت حركة رأسها غير مصدقة بأن شامل مخادع.. ربما تكون متيقنة من أنهما لن يكونا أبدا معا ..فوالداه لن يوافقا على ارتباطهما .. لكنها لا تستطيع التصديق بأن شامل لم يكن صادقا معها ..

كان يكذب عليها !!..

يتسلى بها !!..

هذا كذب .. كذب.

اقتربت من والدها أكثر فاستمر عيد في كلامه الموجع معتقدا بأنه يعالج الجرح عن طريق الكي" كان يتسلى بك وأنت خنت ثقتي فيك وصدقت كالغبية كلاما معسولا ووعودا مزيفة من ثري مخادع"

أمسكت ونس بجلباب والدها تتشبث به.

( مخادع )

(شامل مخادع)

صرخة قوية رافضة خرجت من حنجرتها كطائر مذبوح ثم سقطت على ركبتيها أمامه .. تبكي بحرقة..

تبكي بصوت معذب مبحوح ..

كمن يلفظ قلبه انفاسه الأخيرة.

××××

بعد ساعتين

وقف مفرح أمام التوأمين غاضبا متخصرا في ساحة بيت الجد صالح.. ليقول شامل موضحاً " أنا لا ألعب يا مفرح ولست شابا عابثا إن كانت هذه نظرتك لي .. وإن كنت ألهو أنا وكامل أحيانا فنفعل ذلك مع فتيات يرغبن في التسلية مثلنا ولنا حدود لا نتخطاها بشكل عام .."

تدخل كامل يقول باستهجان " وهل سيتعرف علينا مفرح الآن يا شامل !!"

ناظرهما مفرح بنظرات غاضبة فقال له شامل مؤكدا " كما قلت لك وكررت علاقتي بونس علاقة جدية ..فرضتها مشاعرنا .. حاولت أن اتجنب التورط فيها خاصة وأنا أعلم بأن ارتباطي بها سيقف أمامه عقبات كثيرة ..لكني لم استطع ..ووعدتها بأن أفاتح والداي وبالفعل مهدت لهما الطريق واسأل كامل"

تطلع فيه مفرح باندهاش لكنه توقع أن يكون شامل يحفظ ماء وجهه بهذا الكلام رغم تصديقه لسلامة نيته وخمن أنه قد تعامل مع ونس بحسن نية فقال رغم أن الغضب لايزال يسيطر عليه "أنا لا اتهمك بشيء يا شامل .. ولولا أنك اعترفت بنفسك لما كنت صدقت هذا عنك .. لكن ضع نفسك مكاني هذه الأمور هنا حساسة جدا.. ووالدها رجل عصبي وحساس جدا لكرامته "

قال شامل وهو يتحرك مغادرا" لا تقلق أنا سأحل هذا الأمر فورا"

نظر مفرح لكامل الذي اتسعت عيناه ثم تحركا مسرعا للحاق به.

حين خرج من البوابة كان شامل يحرك السيارة.. متجاهلا إشارة أخيه له بالتوقف .. فخرجت بسمة التي كانت تقف بالقرب من البوابة تشعر بالقلق من شيء ما لا تفهمه وخاصة مع عودة التوأمين بشكل مفاجئ في غير موعدهما ووجود مفرح بعد وصولهما بدقائق ..لذا لم تستطع التحكم في فضولها وخرجت لتجد سيارة التوأمين تبتعد بينما كامل المتجهم الوجه يتجه هو ومفرح لسيارة الأخير فسألت بقلق وهي تختلس النظر نحو كامل" مفرح هل حدث شيء؟"

قال مفرح قبل أن يدخل ليجلس خلف عجلة القيادة "لا شيء يا بسمة لا تقلقي"

قالها وحرك السيارة .. فراقبتها وهي تمر من أمامها مغادرة وقد شعرت بأن كامل جاد وشارد في شيء هام .. وازداد القلق بداخلها.

××××××

بعد قليل أوقف شامل السيارة أمام بيت عيد القللي .. فتفاجأ به الأخير يترجل منها .. واشتعل غضبه وجنونه في الوقت الذي أوقف مفرح سيارته هو الأخر وترجل منها هو وكامل.

قال شامل بجدية وهو يقترب من عيد ويمد يده للسلام" السلام عليكم يا حاج"

لم يمد عيد يده للسلام .. بل رفع إليه عينين صغيرتين محفورتين وسط تجاعيد العمر يناظره بغضب قائلا" هل أنت شامل؟؟"

رد شامل بجدية وهو يسحب يده "أجل أنا شامل غنيم نخلة وأريد التحدث معك من فضلك"

استدار عيد وتحرك إلى باب البيت يغلقه جيدا بالمفتاح من الخارج وهو يحمد الله أن ونس قد خلعت السماعات منذ أن انتابتها تلك الحالة المفجعة من البكاء وحين تفقدها منذ قليل وجدها تفترش الأرض بجوار السرير وتحدق في الهاتف المكسور وهي تبكي في صمت ..

استدار عيد على صوت مفرح يلقي عليه السلام وهو ينظر لشامل بنظرات عدم فهم .. فاقترب عيد يسلم على مفرح وحده ..بينما احجم كامل عن مد يده وقد فهم بأن الرجل غاضب ولا يرغب بالسلام.



قال عيد لشامل بحدة "ماذا تريد؟ .. ولمَ أتيت؟ ..ألا تستحي على وجهك !.. (ورفع سبابته يقول بعصبية ) والله لولا وجود ابن العمدة وكرامته عندي لاستقبلتك بسكين المطبخ اغرزه في بطنك ولن يهمني شيء "



قال شامل يتحكم في أعصابه" ارجوك اهدأ يا عم عيد ودعني أتحدث ...ألن تدعونا لنجلس؟"

وقف عيد بقامته القصيرة يطالعه بعناد فتدخل مفرح قائلا "اعطه فرصة يا راجل يا طيب"

انفعل عيد ولم يستطع التحكم في أعصابه أكثر فصرخ وهو يمسك بصدر جلبابه البسيط شاعرا بالقهر " ولأنني طيب ..ولأن ابنتي هبلاء ..يفعل صاحبك ما فعل يا ابن الأصول!!"

كلماته كانت مؤلمة موجعة لثلاثتهما ..لكنها كانت أكثر شدة على مفرح ..

كانت تضرببقوة على قفل صندوق أسود منفي في أعمق اعماقه لينكسر ويخرج ما فيه..

كانت تستفز عُقدا يحاول جاهدا أن ينساها.. لكنه بلع غصة مُرة وتمسك بتلك الثقة التي نشأت بينه وبين التوأمين.

الثقة التي كان يتسلل إليها لحظتها وسواس خبيث يريد أن يهدمها وقال" اعطنا فرصة للتفسير من أجل خاطري"

حاول عيد السيطرة على أعصابه وتحرك بنفس الملامح الغاضبة يدعوهم بغير ترحيب للجلوس على أريكة حجرية أمام البيت قائلا" تفضل يا باشمهندس مفرح"



تحرك مفرح مع التوأمين نحو الأريكة بينما سحب عيد كرسيا خشبيا وجلس أمامهم بعروق منتفخة من الضغط العالي ليبادره شامل قائلا" أنا لم أكن اتسلى مع ونس وكلامي لها كان صادقا .. لقد كنت فقط أعطي لنفسي فرصة للتعرف عليها أكثر "



قبل أن ينطق عيد معترضا أسرع شامل بالقول" أعرف بأن هذا يتعارض مع عاداتكم .. لكني كنت بحاجة للتعرف عليها بنية طيبة اقسم لك "

اسرع مفرح بالقول ليمتص غضب الرجل العجوز الذي كان يناظر شامل شذرا " لكنك اخطأت يا شامل حتى لو كانت نيتك صادقة"

غمغم شامل بالقول معترفا "اعترف بذلك لكني كنت اتعامل معها بكل احترام ونيتي صادقة في الارتباط بها كما قلت "

رفع مفرح حاجبيه متفاجئا .. فقد تصور بأنه جاء للاعتذار ليرفع عنه الحرج بينما لم يبد على كامل أي ردة فعل فقد قرأ ما عزم عليه توأمه مسبقا ..

قال عيد باستهجان" لم افهم"

رد شامل بلهجة جادة واضحة "أنا اتقدم لطلب ونس منك يا عم عيد لتكون زوجتي على سنة الله ورسوله"

ناظره عيد صامتا لثوان ثم قال باستنكار "أجئت لتسخر مني يا أستاذ!"

تدخل مفرح قائلا" حاشا لله يا عم عيد"

نظر إليه عيد يقول بعصبية" ألم تر ماذا يقول صاحبك.. أيحسبني رجلا عبيطا سأصدق مزحة كهذه !"

تكلم شامل ببعض العصبية وعيناه تختلسان النظر للباب المغلق خلف عيد " أي مزحة يا عم عيد و أنا أريد ابنتك على سنة الله ورسوله!!"

رد عيد باستخفاف " هل تريد بأن تخبرني بأنك تركت كل البنات حولك وأتيت لتتزوج من ابنتي أنا الفقيرة المعاقة!"

صاح شامل بحمائية تلقائية "لا تقل معاقة .. قل محاربة .. قل لديها وضعا خاصا"

رفع عيد زاوية شفته العليا بامتعاض بينما أضاف شامل بلهجة أكثر هدوءً" أنا أريد أن أتزوج من ابنتك .. أريدها زوجة لي .. وأراها مميزة عن كل البنات اللاتي قابلتهن"

ما قاله كان صعب الفهم بالنسبة لعيد .. كان كلاما غير منطقيا .. عقليته البسيطة تعرف أن شيئا كهذا محض تخريف ..فبدأ عقله يبحث عن سبب منطقي يستوعبه ثم قال "هل تريد أن تتزوج ابنتي لتجعلها خادمة في بيتكم؟"

رفع شامل حاجبيه وتبادل النظرات مع أخيه وصاحبه ثم عاد ليقول لعيد بلهجة مستنكرة "وهل احتاج للزواج حتى أحصل على خادمة !.. إن أردت سأوظف عشرة دون أن اعطي اسمي لفتاة كي تخدمني يا حاج"



تدخل مفرح يقول رغم عدم استيعابه لما يحدث "يا عم عيد صديقي هذا كان عازفا عن الزواج ولم يتجرأ ويطلب يد فتاة إلا ونس"

قارعه عيد قائلا "وهذا يدعو للتعجب ويثبت بأن هناك أمرا مريبا في طلبه يا باشمهندس "

وناظر شامل بطوله وعرضه بشك فضرب الأخير كفيه ببعضهما قائلا بعدم تصديق "لا حول ولا قوة إلا بالله !..أي أمر مريب في طلب زواج لا أفهم ..أهذا ردك على عريس يأتيك طالبا الزواج من ابنتك يا حاج!!"

قال عيد باستهجان "وهل كنت تتوقع بأني سأطير من الفرح وسأنحني لأقبل يدك لأنك تطلب ابنتي للزواج"

حك مفرح جبينه بأنامله يشعر بتأزم الموقف ..فالعم عيد يعرفه ذو عقلية عنيدة ومعقدة وخوفه الشديد على ابنته يجعله متعنتا في أمور كثيرة بينما تبادل التوأمين النظرات المندهشة ليقول شامل بعد لحظات حاول فيها التحلي بالهدوء "حاشا لله يا حاج .. أنت مقامك من مقام والدي .. لم تخبرني بردك على طلبي أنا كما قلت اسمي شامل نخلة و…"

"لا اوافق "

قالها عيد مقاطعا لينهي هذا الحديث الغريب الذي لا يدخل عقله فسأله شامل وقد شحب وجهه "لماذا؟!"

قال عيد وهو يستقيم واقفا "هذا هو ردي بدون أسباب (ومرر نظراته بينه وبين توأمه بعبوس ثم قال) كما أنك تبدو في ضعف عمرها"

رد شامل باستهجان "أنا .. أتعني أني أبدو امامك فوق الأربعين ؟؟!!!"

ضحكة مكتومة جاءته من أخيه وصاحبه ..فناظرهما شامل بغيظ قبل أن يعود لعيد قائلا" أنا أصغر عمرا من مفرح بالمناسبة وأكبر من ونس بإحدى عشر سنة "

ناظره عيد يديه في جيبي جلبابه البسيط ممتعضا بينما تدخل مفرح يقول "إنه بالفعل أصغر مني بعام يا حاج عيد فهو في الرابعة والثلاثين من عمره لكنه طويل وضخم ما شاء الله كما ترى.."

تجاهل عيد ما قاله وتمتم بعبوس" أنرتنا يا باشمهندس ومرحب بك في أي وقت.. وحدك .. وأرجو أن تُفهم صاحبك أني صحيح فقير ..لكني لست أبلها ..ولا أصدق التخاريف .. وأبلغه أيضا بأني إن لمحته هو أو توأمه باعتباري لن استطيع التفرقة بينهما بالقرب من ونس فصدقني لا اعرف بمَ سيقودني جنوني"

تكلم كامل أخيرا وقد استشعر حزن توأمه الشديد "لكنك يا عم لم تخبرنا بسبب منطقي لرفضك .. لابد أن هناك سببا"



تطلع فيه عيد قائلا" الأمر واضح .. أخوك اعجبته فتاة ووجد بأنه لن يحصل عليها إلا بالزواج فلم يجد بدا من التقدم لطلب يدها متوقعا بأن والدها البسيط سيطير من الفرح .. وبمجرد أن يتزوجها ويحصل على غرضه ومزاجه منها سيعيدها لي مطلقة"

بدا الانفعال على شامل واستقام واقفا يقول باعتراض" أنا لا اسمح لك بأن تتهمني باللهو ببنات الناس"

أمسك كامل بذراعه وكأنه ينبهه بألا ينفعل في الوقت الذي تدخل مفرح يقول بلهجة لائمة" حسبت بأن وجودي معه وعلاقته بي ستثبت لك حسن نوايا صديقي وجديته يا عم عيد .. أنا اضمنه برقبتي فوالله لا أعلم عنه ولا عن أسرته إلا كل خير .."

شعر عيد بأنه قد تمادى في شكوكه وبأنه قد اخطأ في حق مفرح كونه صديقه فغمغم بعبوس" لا تؤاخذني يا باشمهندس فأنا لازلت مصدوما مما حدث عموما حتى لو فرضت صدق نية صاحبك بالزواج من ابنتي فلا تحسبني سأنبهر .. ربما أكون رجلا بسيطا لكن الحياة علمتني الكثير .. إنهما من بيئتين مختلفتين بل وبلدين مختلفين وعالمين مختلفين .. ولو تخطينا كل هذه الفروق لن نستطيع تخطي فروقا أخرى فهي كثيرة خاصة وأن ابنتي ليست فتاة عادية"

هم شامل بالحديث فقاطعه عيد يرفع يده قائلا بلهجة حاسمة "طلبك مرفوض يا أستاذ وإياك أن تحاول التواصل مع ابنتي (ونظر لمفرح قائلا ) أنت مرحب بك دائما يا باشمهندس في أي وقت وحدك .. أنرتنا"

قال مفرح وهو يستقيم واقفا "هيا يا شامل دعنا نغادر الآن"

تلكأ شامل وتحركت عيناه نحو الباب المغلق بقلق وقلب مقبوض .. فأمسك به كامل يسحبه نحو سيارتهما بحزم بينما عينا الأول معلقتان بباب الدار وهو يتساءل في سره (لماذا لم تخرج حتى إليهم؟!!).

عند السيارة سأل شامل مفرح بقلق "هل من الممكن أن يكون قد أذى ونس؟"

قال مفرح مطمئنا رغم عدم تأكده" لا تقلق بشأنها .. هل ستعودان للعاصمة أم ستبقيان؟"

رد كامل نيابة عن أخيه الشارد" سنذهب لبيت الجد صالح ونقرر"

قال مفرح وهو ينظر في ساعته" وأنا سأذهب لموعد هام فاخبراني بخطتكما حينما تقرران"

قال شامل لمفرح "لا تغضب مني يا مفرح لم أقصد أن اضعك في موقف محرج"

على الرغم من شعوره بعدم الراحة .. وبغضب داخلي ينكأ جرح قديم حاول مفرح مقاومة تلك المشاعر وقال" عليّ أن أذهب أخبراني علام تنويان حينما تقرران ..سلام"

قالها ووضع النظارة الشمسية على عينيه يخفي شعورا بالضيق والصدمة .. فآخر ما كان يتوقعه أن يعجب شامل بونس بنت عيد القللي .

××××

بعد العصر

قالت بسمة لأم هاشم التي تجلس في الغرفة الداخلية الصغيرة التابعة للمشروع "ألم تنتهي بعد يا أم هاشم؟"

قالت الأخيرة وهي تدون الحسابات في دفتر وأمامها كومة من الفواتير" قاربت على الانتهاء .. إن أردت أن تذهبي أنت للبيت وأنا أغلق البوابة فلا بأس"

قالت بسمة " لا أبدا أنا فقط اشفقت عليك من التأخير"

ضحكت أم هاشم وغمغمت ساخرة دون أن ترفع رأسها" وعلام سأتأخر يا أختاه .. على الوحدة؟ .. أم على ابنتيّ عمي اللتين تشاركاني النَفَس في الغرفة .. على الأقل هنا أحظى ببعض الهدوء والخصوصية (ثم رفعت عينيها إلى بسمة تقول ) أَجِّري لي هذه الغرفة يا بسمة لتكون غرفتي الخاصة فلطالما أردت أن أحظى بغرفة خاصة بي"

ابتسمت بسمة وردت بشفقة "أليس لك نصيبا في البيت تركه لك والدك ؟.."

ردت أم هاشم وهي تعود للآلة الحاسبة تحسب حسبة "لي ربع البيت .. فكما تعلمين أنه كان مناصفة بين والدي رحمه الله وعمي يحيى ..وبعد وفاة أمي ثم أبي ورث معي عمي في نصيبي من أبي .. فأصبحت أملك ربع البيت .. لكن البيت كله ثلاث غرف اتشارك أنا فيه غرفة منهم مع أصغر بنتين.."

غمغمت بسمة متنهدة" كلنا نعيش في مساحة ضيقة صدقيني .. حتى من يملكون بيوتا واسعة (ثم أضافت بصدق ) لو سيتركونكِ لتعيشي وحدك دون اعتراض والله لتركت لك بيت الجد صالح لتسكني فيه"

رفعت أم هاشم رأسها تناظرها بعينين لامعتين وردت بابتسامة شقية" بيت الجد صالح !.. ستتركينني أسكن في بيت الجد صالح بمن فيه من حلويات!"

قهقهت بسمة واقتربت تضربها على ذراعها قائلة" أقصد حينما يخلو من ساكنيه بعد نهاية مدة العقد يا وقحة"

ضربت أم هاشم ظاهر كفها في باطن الأخرى تقول" لا لا سأقترح عليك حلا جميلا .. ابني لي غرفة صغيرة في ساحة البيت هناك وأجّريها لي .. وبهذا سأكون جارتهما"

ضحكت بسمة فأضافت أم هاشم ضاحكة بغمازتيها "صدقيني سأتطلع فيهما من بعيد فقط .. نوعا من الاستشفاء عن بعد"

قهقهت بسمة وغمغمت وهي تضع الوشاح على رأسها" ليس بك إلا لسان يا أم هاشم .. من يسمعك دون أن يعرفك سيتخيل بأنك لعوب ..لا يعرف بأنك تمزحين وأن أقصى ما عندك نظرة من بعيد تخفضين بعدها نظرك"

قالت أم هاشم وهي تراقبها تهم بالخروج من الغرفة" لأنني لو تركت الفرصة لناظراي سيكون مصيري جهنم وبئس المصير يا أختاه (وعقدت حاجبيها تسألها )هل سترحلين؟"

ردت بسمة "لا .. سأذهب للمزرعة لأطل على أمر ما سريعا حتى تنتهين أنت مما تفعلين ونغادر سويا "

قالت أم هاشم وهي تعود لما تفعله" وأنا سأنتهي مما أفعل وأصلي العصر قبل أن يفوتني حتى تعودين"

خرجت بسمة تعدل الوشاح على نصف رأسها وترفع عينيها بنظرة مختلسة للبيت المجاور لربما لمحته .. فقد عاد منذ بضع ساعات بعد أن خرج هو وتوأمه مع مفرح .. عاد ولم تره بعدها وتشعر بأن هناك شيئا ما مريبا يحدث لا تفهمه.

××××

في نفس الوقت كان كامل يجلس مستندا بمرفقيه على فخذيه يراقب شامل الذي يتحرك في بهو بيت الجد صالح جيئة وذهابا فقال شاعرا بالقلق عليه وبكل ما يعتلج بصدر الأخير من مشاعر "اهدأ يا شامل أرجوك حتى لا يرتفع مستوى السكر لديك"
قال الأخير بقلق شديد "كيف لي أن أهدأ يا كامل وأنا لا أعرف عنها شيئا.. هاتفها مغلق والرجل بدا لي عصبيا ولا أدري ماذا فعل بها .. هل لاحظته حينما أغلق باب البيت قبل أن يجلس معنا؟"
ناظره كامل بنظرة حائرة قلقة لا يعرف بم يجيبه فقال شامل وهو يعود للتحرك بعصبية أمامه "ونس شخصية مندفعة .. فلو كانت تعرف بوجودي ولم تحاول حتى الخروج بتهور لمقابلتي فهذا يعني بأنه يمنعها بطريقة قاسية"
رد كامل يقارعه "ربما هي ليست في البيت ..ربما أرسلها لأحد أقاربها ليبعدها قليلا"
قال شامل مؤكدا "ليس لديهما أية أقارب .. أنا أعلم ذلك .. ليس سوى امرأة قريبة لهما من بعيد اسمها ..اسمها "
وفتح هاتفه يبحث في مئات المحادثات بينهما على الواتساب بعصبية ليقول كامل "حسنا اجلس وسنطلب من مفرح أن يطمئنا عليها"
صاح شامل بعصبية " لا أعرف إن كان مفرح سيقبل بأن يساعدنا أم لا .. ألم ترى كيف كان وجهه ؟.. شعرت به ينظر لي نظرات تعني أني خنته"
قال كامل بهدوء ليخفف عن توأمه شعوره بالذنب " يا شامل أعلم بأن هذا الأمر غير مقبول هنا .. لكنك لم تفعل سوى التحدث معها على الواتساب ونيتك كانت سليمة مع البنت ..وها أنت قد أثبتت ذلك بذهابك لوالدها لطلب يدها .. عموما دعنا ننتظر مفرح حتى ينتهي من موعده ونطلب منه أن يطمئنا على الفتاة"
قال شامل وهو يتحرك ليخرج من البيت "لا أنا لن استطيع الانتظار أشعر بخوف شديد على ونس"
اسرع كامل خلفه يقول "إلى أين ستذهب يا مجنون ..الرجل سيطلب لك الشرطة هذه المرة وستفضح البنت بهذا الشكل"
في ساحة البيت في الخارج قال شامل" إذن سأتصل بمفرح لأعرف أين هو كل هذا الوقت"
رفع الهاتف على أذنه في الوقت الذي لاحظ كامل بأن باب البوابة موارب .. وللحظة تخيل بأن هذه المواربة كافية لدخول وزة .. فآلمه موضع العضة وتحرك بسرعة مبتسما يسخر من نفسه .. فلو علمت صاحبة العينين الفيروزيتين بأنه قد اصيب بـ (رهاب من الوز ) و بأنه لو لمح واحدة منها لن يهدأ إلا بعد أن يسحبها من عنقها ويكسره انتقاما لما حدث معه منذ يومين لسخرت منه بتشفٍ.
حين اقترب من البوابة تساءل في سره إن كانت قد أنهت عملها اليوم وغادرت أم لا ..فالهدوء يعم المكان .. لتتجمد الابتسامة على شفتيه فجأة قبل أن تختفي بسرعة ويحل محلها نارا هبت في صدره وهو يلمح سيارة واقفة في الشارع .. فنظر بحذر يراقب بسمة وهي تقف مع ذلك الشخص.. وأرهف السمع متقبضا عابس الوجه.
قبل دقيقة
خرجت بسمة من مزرعة العمدة وعيناها لا تزالا تختلسان النظر لبيت الجد صالح لكنها وبخت نفسها تقول" سنعود يا بسمة للاهتمام به .. يذهب أو يعود لماذا تهتمي فليذهب للجحيم"
قطعت الشارع شاردة ولم تهتم بالسيارة التي مرت من خلفها وتوقفت إلا بعد أن سمعت نداء باسمها "باشمهندسة بسمة "
استدارت تنظر خلفها لتجد الدكتور مهاب يترجل من سيارته فاتسعت عيناها بمفاجأة أن يتجرأ ويناديها في الشارع وقالت بعبوس "دكتور مهاب !.. أهناك شيء"
اقترب مهاب ووقف أمامها يضع يده في جيبيه الأماميين قائلا بابتسامة هادئة" كيف حالك؟"
ازداد عبوسها وردت" بخير هل تريد شيئا؟"
قال مهاب بحرج "أنا فقط أردت أن أقول لك .. لمَ لا تعطيني فرصة"
قالت بلهجة حادة" أرجوك دكتور مهاب لا يصح بأن تقف بهذا الشكل لتتحدث معي في مثل هذه الأمور في الشارع"
غمغم مهاب بحرج وهو يعدل من نظارته الطبية على عينيه "آسف جدا ..أعلم بأني أتهور لكني غير قادر على التحكم في ذلك"
لمحت بسمة حركة بجانب البوابة الأخرى المواربة ورغم اختفاء ذلك الذي لمحته بسرعة لكن خاطرة أن يكون هو كامل أربكتها بدون سبب مفهوم.. أربكها أن يراها تقف مع رجل في وسط الشارع الخالي من المارة تقريبا..
وهذا الارتباك .. وهذا الشعور بالخوف من أن يسيء الظن بها أربكها من نفسها أكثر أن تهتم بهذا الشكل .
تحركت تهم بالمغادرة وهي تقول" أرجوك يا دكتور مهاب هذا الموضوع قد أغلقناه"
احتدت ملامح كامل وتأججت نارا في صدره وهو يردد باستهجان "أغلقناه !.. ماذا يريد هذا اللزج منها!!"
قال مهاب بسرعة قبل أن تبتعد "يا باشمهندسة أنا أطلب فرصة واحدة .. أعلم بأنك عازفة عن الزواج مرة أخرى لكن.."
استدارت إليه بسمة تقول بانزعاج "لكن ماذا يا دكتور؟.. أنا أبلغتك برفضي ..وما تفعله الآن لا يصح ..ماذا لو رآنا أحد بهذا الشكل"
قال مهاب بلهجة معذبة" صدقيني أنا في حالة نفسية سيئة وأطلب منك فقط فرصة واحدة لربما..."
كل حواسها كانت متحفزة ومنتبهة تجاه البوابة الأخرى التي لمحت بطارف عينيها بابها يفتح ببطء ..فقالت بسرعة وهي ترجع بظهرها للخلف وتدخل بوابة المشروع" أرجوك يا دكتور من فضلك هذا لا يصـــــ ... آآآآآآه"
صرخت بسمة بألم ففتح كامل البوابة بسرعة لكنه لم يجدها وإنما وجد مهاب يسرع بالدخول إلى البوابة الأخرى.
نظر مهاب لقدم بسمة التي انغرز فيها مسمارا كبيرا مثبتا في قطعة خشب كانت ملقاه على الأرض ثم رفع أنظاره لها وهي تتوجع بشدة في الوقت الذي دخل كامل يصيح وهو يندفع نحوها" باسمة"
كانت تكتم فمها بيدها وهي تنظر لقدمها بذهول وتتوجع بشدة .. فاسرع مهاب يجلس على ركبته أمامها ليمسك بقدمها المغروزة في المسمار لكنها أشارت له بيدها بصوت متألم رافضة بخوف شديد من أن يقترب من المسمار بينما اندفع كامل كالإعصار يدفعه بقوة قائلا بلهجة مخيفة "لا تلمسها"
وقع مهاب للخلف مستندا على ذراعيه ورفع أنظارا متفاجئة لكامل الذي عاد ينظر لبسمة المتوجعة يتفحصها ..وقبل أن ينطق بشيء كان مهاب قد استقام واقفا بسرعة واسرع نحو بسمة يمد يديه ليمسك بقدمها وهو يقول لكامل "أجننت يا هذا!.. دعني أتعامل مع الوضع أنا طبيب"
قبل أن تصل يده إليها كان كامل يدفعه بعيدا هادرا بصوت مخيف "قلت إياك أن تلمسها"
دخل شامل من البوابة مسرعا ووقف يحول بين أخيه الواقف بتحفز يكشر عن أنيابه بغضب أمام مهاب الذي استقام واقفا وحاول الاشتباك معه دون أن يفهم شامل ماذا يحدث بالضبط ..
في الوقت الذي نظرت بسمة برعب شديد للمسمار المغروز في قدمها والذي اخترق حذائها القماشي فجبنت من رفع قدمها أو حتى لمسه وهي تشعر به مخترقا حتى نصفه في قدمها ..لكن بمجرد أن شعرت بذلك السائل اللزج الساخن يخرج من بين الحذاء وقدمها ..وقبل حتى أن ترى اللون الأحمر .. انتابتها حالة من الهلع .. حالة من ضيق التنفس والرعب الشديدين فانفجرت في البكاء تصيح بفزع" دم .. . دم يا كامل.. أنا أنزف يا كامل "
قالتها بعفوية خطفت قلب الأخير خطفا فاستدار إليها بسرعة وقد سقط عنه جنون الغيرة واتسعت عيناه وهو يرى حالتها الباكية .. فاسرع بالركوع أمامها يقول مهدئا "لا بأس ..لا بأس يا باسمة إنه مجرد مسمار"
صرخت بسمة تشيح بيدها رافضة حين حاول لمس قطعة الخشب "لا لا سيتدفق المزيد من الدم"
رفع إليها كامل عينيه غير مستوعبا في الوقت الذي خرجت فيه أم هاشم مهرولة بعد أن فرغت من صلاة العصر تحاول فهم مايحدث فأحد التوأمين كان يُخرج الدكتور البيطري من البوابة بهدوء وحزم.. بينما الأخير عيناه معلقتان ببسمة التي يركع أمامها التوأم الآخر والذي خمنت بأنه كامل في الوقت الذي كانت فيه بسمة في حالة من الهلع الشديد.
اسرعت أم هاشم إليها تنظر لقدمها ورأت بسمة تتطلع بأنفاس متسارعة ونظرات مرتعبة في الدم جعلت كامل يقطب جبينه ويرفع نظراته لأم هاشم بتساؤل قبل أن يعود وينظر لبسمة قائلا" سأرفع قدمك وأسحب المسمار مرة واحدة و..."
انهارت بسمة في البكاء تقول بإصرار" لا لا سيتدفقالكثير من الدم"
في الخارج جز الدكتور مهاب على أسنانه واستدار غاضبا نحو سيارته حتى لا يهدر المزيد من كرامته أمام هذين الضخمين اللذين ظهرا فجأة لا يعرف من أين لكن مناداة بسمة باسم أحدهما أشعره بالحرج لأنها طلبت منه هو المساعدة ..في الوقت الذي وضعت أم هاشم يدها على عيني بسمة وقد أدركت بأنها في حالة غريبة فقالت "لا تنظري يا بسمة "
ونظرت لكامل نظرة ذات مغزى فأسرع الأخير يمسك بكاحلها ويسحب المسمار من قدم بسمة التي أمسكت بذراع أم هاشم وصرخت متألمة ..ثم أخذت تبكي وتشهق بشكل يدعو للشفقة والتعجب جعلت كامل يعاود النظر لأم هاشم لعله يجد إجابة ..لكن الأخيرة بدا عليها هي الأخرى الصدمة وعدم الفهم.
عاد شامل بسرعة جالبا من سيارته صندوقا صغيرا للإسعافات الأولية بينما وضع كامل قدمها بحرص على ركبته .. وأخذ يمسح الدم ويعقم الجرح .. فقالت أم هاشم بعبوس" لا يوجد الكثير من الدم يا بسمة لحالتك هذه"
غمغمت بسمة وعيناها لا تزالا مغمضتان تحت كف أم هاشم "أنا لا أحب رؤية الدم أنا .. أنا .. "
أجهشت مجددا في البكاء فسحبت أم هاشم رأسها إلى حضنها تقول "حسنا ..حسنا .. لا بأس كاد الاستاذ أن ينتهي ويربط الجرح"
قال كامل بعد أن انتهى من ربط قدمها "ستحتاجين للذهاب للمستشفى"
رفعت بسمة رأسها وأزالت يد أم هاشم تقول بهلع وهي تنظر لقدمها المربوط "هل الجرح حالته سيئة؟؟"
قال وهو لا يزال راكعا وقدمها فوق ركبته "الجرح بسيط لكنك ستحتاجين لحقنة التيتانوس ..المسمار صدئ جدا وأعتقد أن الطبيب سيكتب لك مسكنا للآلام أيضا"
هتفت بسمة بهلع" حقنة!!"
اتسعت عيني كامل في الوقت الذي اقترب شامل بكرسي لبسمة التي لا تزال واقفة تستند على أم هاشم فجلست الأخيرة وتألمت حين أمسك كامل بقدمها من فوق ركبته بأطراف أصابعه بحذر ووضعها أرضا فوق الحذاء.
أما أم هاشم فتحركت نحو الداخل تقول "سأجلب لك قليلا من الماء لتشربي"
وقف شامل يراقب توأمه الذي استقام وقفا ثم مال بجذعه أمام بسمة يسند يديه على ركبتيه قائلا بهدوء "لابد أن تذهبي إلى المستشفى فورا لتأخذي حقنة التيتانوس يا باشمهندسة"
دفنت بسمة وجهها في كفيها تغمغم باكية "لا أريد حقن"
ابتسم كامل وهو يتأمل هشاشتها ..
هذا الجانب ..منها ..جديد عليه .. بل ومفاجئ وغير متوقع .. فمن كان يتصور أنها تخفي خلف برودها وعصبيتها ووجومها طفلة تهاب الحقن وترتعب من رؤية الدم.. ولا يدري لماذا تذكر أول مرة رآها فيها منذ أكثر من ثلاث سنوات كانت تشبه ذلك الكائن الهش الذي يجلس أمامه ينتحب الآن.
وهذا الجانب منه.. جديدا عليه أيضا..
أن تتدفق عاطفته وشفقته بهذا الشكل ..وأن يؤلمه قلبه كل هذا الألم من أجل امرأة دخل في قدمها مسمار .. وأن يتعذب لأنها تبكي وهو غير قادر على أن يدللها في حضنه.
عادت أم هاشم فاعتدل كامل ووقف يضع يديه في جيبي بنطاله الجينز بينما ناولتها الأخيرة كوب الماء تقول" اشربي يا بسمة وسم بسم الله "
شربت بسمة من الكوب فتبادل كامل النظر مع أخيه الواقف بعيدا عند البوابة قبل أن يقول" جهز السيارة يا شامل لنأخذ هذه الطفلة الباكية إلى المستشفى"
حدجه شامل بنظرة نارية ليوقف اندفاعهقائلا "اعتقد بأن عليها الاتصال بأحد من اسرتها"
غمغمت بسمة تحاول التماسك رغم صور الدم التي تظل تقفز إلى مخيلتها .. صورة لبقعة كبيرة من الدم تطاردها.. " أنا بخير"
قالت أم هاشم وهي تضع الزجاجة بجوارها على الأرض "هاتِ رقم وليد لأتصل به يا بسمة "
قال كامل يخرج هاتف من جيبه" سأتصل به أنا ليحضر أنا معي رقمه"
تكلم كامل في الهاتف بينما همست أم هاشم لبسمة تسألها "منذ متى وأنت تنزعجين من رؤية الدم؟!!!"
لم ترد بسمة ..فقالت أم هاشم متنهدة في ألم "فهمت"
وقف شامل مترددا يرغب في سؤال بسمة وأم هاشم عن ونس لكنه منع نفسه بصعوبة حتى لا يثير البلبلة والشائعات حولها خاصة وأنه لا يعرف إن كان عليه أن يثق في الفتاتين أم لا.. لكنه اقترب منهما بعد قليل غير قادر على الصمود وقد غلبه الخوف الشديد على ونس .. فتنحنح قائلا "كنت أريد أن اسألكما عن الآنسة ونس .. هل حضرت للعمل اليوم؟ "
سؤاله كان مفاجئا وصادما لكلتيهما فاتسعت العيون قبل أن تقول بسمة " لماذا تسأل عن ونس بالذات يا أستاذ شامل؟ "
كان محرجا بشدة .. ويعرف بأن الأمر حساس جدا .. لكنه لم يجد مفرا من فعل ذلك .. وإلا سيجن.. فتبادل نظرة سريعة مع توأمه الذي وقف يراقب بهدوء ثم قال وهو ينظر لبسمة وكأنهما أصدقاء قدماء " هل اتحدث الآن أم نؤجلها لوقت آخر؟ "
فهمت بسمة بأنه يقصد أم هاشم فقالت وهي تمسك بساعد صاحبتها "تحدث يا أستاذ شامل ولا تقلق أم هاشم صديقتي وأي حديث سيكون في أمان "
نظر شامل لأم هاشم بنظرة معتذرة ثم وقف أمامهما يحك جبينه بأنامله محرجا و قال "الحقيقة أني قد تقدمت لخطبة ونس من العم عيد لكنه رفض لأنه يرى أننا غير متكافئان .."
ساد الصمت .. وتطلعت بسمة وأم هاشم في شامل بعيون متسعة وفاهين فاغرين ليكمل شامل" المهم أني لا أعلم شيئا عن ونس منذ الصباح وأشعر بالقلق الشديد.. لأن .. لأن والدها علم بأن الاعجاب بيننا متبادل فأخشى أن يؤذيها "
حاولت بسمة التخلص من وقع المفاجأة الغير متوقعة وحركت رأسها تنظر لأم هاشم على يمينها وكامل الهادئ على يسارها قبل أن تعود لتنظر لشامل قائلة "ونس .. بنت العم عيد؟!!"
أومأ شامل برأسه مؤكدا وقال" وكنت أتمنى أن أطمئن عليها بأي طريقة .. أنا صدقا قلق جدا ..والرجل بدا أمامي عصبيا.. فكنت طامعا في أن يساعدني أحد"
كانت بسمة في حالة تَشَوُّش فلم تكن قد تخلصت من حالة الانهيار بعد فناظرت شامل بغير استيعاب بينما نفضت أم هاشم الذهول عن لسانها وقالت بجدية "لا تقلق العم عيد يحبها كثيرا "
ناظرها شامل بقلق ثم قال " كنت أتمنى لو أحصل على رقم هاتف أحد هنا لأطمئن منه ..فالأمر حساس جدا لأن أسأل مفرح عنه"
ساد الصمت لبرهة فأسرع شامل يقول معتذرا" أنا آسف أنا أعرف بأني أطلب شيئا غير مقبول .. لكن ماذا لو أعطي رقمي لأحد فيطمئنني "
أشفقت عليه أم هاشم فقالت وهي تخرج هاتفها من جيب عباءتها السوداء "لا بأس اعطيني رقمك يا أستاذ وسأمر عليها اليوم وأطمئنك عليها بإذن الله ..وليكتب الله لكما كل الخير"
غمغم شامل بامتنان "أنا عاجز عن الشكر يا آنسة أم هاشم"
تمنى كامل لحظتها أن يحصل على رقم هاتف بسمة .. تمنى ذلك بشدة .. وتأمل بسمة التي شردت تتطلع في قدمها المربوط وقد بدأت عيناها تدمعان من جديد فأخذت تمسحها بمنديل في صمت ليعود له ذلك الشعور الملح بالرغبة في ضمها وطمأنتها رغم اعترافه بأنها مبالغة في ردة فعلها.
بعد قليل كانت الشمس في طريقها للمغيب وكامل الذي أجبره شامل أن يترك ساحة المشروع يقف مع توأمه في الشارع بين البوابتين في انتظار وليد الذي سرعان ما ركن سيارته وخرج منها وعلى وجهه علامات القلق ..فحياهما سريعا ودخل إلى بسمة التي لا تزال تجلس على الكرسي في الساحة وبجانبها أم هاشم.
وقف كامل على البوابة يتابع وليد الذي أمسك بيدي بسمة يقول بقلق" ماذا حدث؟"
ذلك الاهتمام وتلك العاطفة المطلة من عينيه جعلت عينا بسمة تغرغران بالدموع وهي تنظر إليه .. ليقول كامل من بعيد مناكفا "يا عم وليد ..لماذا سألت هذا السؤال .. لقد تعبنا في اغلاق صنبور البكاء"
لم ترد بسمة ..ولم تشاكس كما اعتاد منها أن تفعل ..كانت كطفلة مفزوعة باكية ..وهذا در عاطفته وشفقته عليها أكثر .. في الوقت الذي ابتسم وليد وقال وهو يمسك بيد أخته ويساعدها على الوقوف "يبدو أنها قد شاهدت الدم"
أحاط ذراعه بجذعها وهو يقول لكامل الملهوف على أي تفسير" إن لديها رهبة من رؤية منظر الدم في أي جرح"
عقد كامل حاجبيه متسائلا في سره عن السبب الذي يجعلها تفزع بهذه الطريقة ..بينما قال وليد لبسمة التي بدأت تعرج "هل أحملك؟"
عبست ملامح كامل .. وشعور بالضيق يسيطر عليه لالتصاق وليد بها بينما حركت بسمة رأسها بلا فقال وهو يسندها "سنذهب للمستشفى"
قال كامل بإصرار "وحقنة التيتانوس لا تنسى"
همت بسمة بالاعتراض فقال وليد وهو يهز رأسه لكامل مؤيدا " لو تسمحي يا أم هاشم أن تأتي معنا (ونظر لبسمة مغيظا وأكمل ) حتى تُكَتّفين صاحبتك معي لتأخذ الحقنة"
قالت أم هاشم وهي تعدل وشاحها "أنا آتية معك لا تقلق.. وصّلها للسيارة حتى أغلق البوابة وألحق بكما"
راقبها كامل ووليد يساعدها لتجلس في السيارة بجوار مقعد السائق.. قبل أن يعود قائلا له ولشامل الواقف واجما عند بوابة البيت" أشكركما على مساعدة بسمة"
بعد مغادرة السيارة بوليد وبسمة وأم هاشم استعاد كامل ما مر به خلال الساعة الماضية ..وذلك الشعور الجنوني الحارق الذي شعر به لأول مرة في حياته حينما رآها مع ذلك الطبيب ..وتلك الثورة العارمة التي كاد فيها أن يقتل الرجل لأنه سيلمسها .. وشعوره بالضيق من وليد ..فتملكه الخوف من القادم .. الخوف من نفسه .. برغم أن تلك المشاعر يعيشها لأول مرة .. لكنه يشعر بأنه كمن يقود سيارة فوق منحدر دون مكابح.. فهمس في سره "ويلك يا كامل أنت تغار عليها.."
قال شامل من عند البوابة وقد شعر بما يدور في رأس توأمه "هذا الأمر عليك البت فيه يا كامل دون إضاعة المزيد من الوقت ..لقد كدت أن تتسبب بفضيحة مع الطبيب .. ومن نحبهم لا نضرهم أبدا يا كامل "
أدار له كامل وجهه وقال شاردا "معك حق .. أشعر بأن الأمور تخرج عن سيطرتي .. أنا للحظة لم أكن أعي ماذا كنت أفعل ..وكانت بداخلي رغبة شديدة لأذية ذلك الطبيب دون التفكير في العواقب ..فكرة أن يلمسها ضربت الدماء في رأسي بطريقة لم تحدث لي من قبل .. ( صمت قليلا بشرود ثم أضاف بعد برهة ) وأشعر بالخزي من نفسي بعد موقفك الشجاع من ونس .. فبسمة تستحق موقفا كهذا مني (وأطرق برأسه يغمغم بحزن) يتملكني شعور مرعب بأني كلما اقتربت منها سأتسبب في أذيتها .. فهي تستحق رجلا لا يملك كل هذه العُقد التي أحملها في رأسي .. ( ورفع رأسه لتوأمه يقول) شامل ..أعتقد بأن عليّ أن اسرع في السفر ..وفورا"
××××××

أخذت تهرول في الطريق مبتعدة عن بيت العمدة وهي لا تصدق ما سمعته ..

لقد كان قلقها في محلهحينما لا حظت أن كريم يختفي لأوقات طويلة خلال اليوم في الفترة الماضية.. وكانت تظن بأنه يذهب لأدهم وإياد كما اعتاد أن يفعل ..لكن شعور بالقلق كان يساورها زاده ما افصحت لها به نصرة بأن حدسها يخبرها بأن كريم يفعل شيئا ما من خلف ظهورهم ..خاصة وأنه لايعودإلا في المساء ..ولهذا ذهبت تسأل عنه في بيت العمدة فأكد لها أدهم بأنه لم يره منذ مدة وحينما اتصل به قبل عدة أيام أخبره بأنه لن يستطيع القدوم عنده لفترة لأنه يعمل.. وهذا الخبر صدم إسراء بشدة ..



أوقفت سيارة أجرة جماعية على الطريق الرئيسي المؤدي لعاصمة المحافظة إلى حيث ذلك المحل الذي لا يعرف أدهم إلا اسمه واسم المنطقة التي يقع فيها ..المحل الذي يعمل فيه كريم.. وركبت .



كريم يعمل في محل !!..

شعرت اسراء بغصة في قلبها وهي تحاول استيعاب الخبر وتطلعت من زجاج سيارة الأجرة تشعر بالضيق الشديد .. فما ذنبه هو أن يحمل هم ظروفهم المعيشية .. لو علمت أمها ستحزن بشدة فكريم عندها آخر العنقود المدلل.

بعد قليل وبعد البحث في المنطقة كلها عن اسم ذلك المحل وقفت أمام سوبر ماركت كبير مصدومة وهي ترى كريم يعاون أحد العمال في حمل كراتين إلى داخل المحل قبل أن ينادي عليه أحد الرجال بلهجة آمرة "أترك ما في يديك يا كريم واذهب بهذه الطلبات إلى هذا العنوان"

وضع كريم الكرتونة أرضا وجفف عرقه لاهثا قبل أن يحمل أكياسا ويخرج بها ثم تخشب على باب المحل حين رأى أخته الكبرى.

قالت اسراء بصوت مبحوح جاحظة العينين "ماذا تفعل؟"

بلع ريقه وقال بكبرياء" كما ترين"

سألته بلهجة خافتة خطرة " وهل استشرت أو بلغت أحد قبل أن تتخذ قرار كهذا؟!"

دارى مشاعره المرتبكة ورد باندفاع "أنا لست صغير"

شعرت بأن عليها أن تكون أكثر دبلوماسية فقالت بلهجة أقل حدة "لم أقل بأنك صغير لكنك لا تعيش وحدك"

قال معاندا " أنا أريد أن اعمل وأشارك في الانفاق على البيت"

نغزها قلبها فبلعت غصة في حلقها وقالت بهدوء "لكنك لا زلت تتعلم"

رد مجادلا " أولاد كثيرون يعملون ويدرسون ولا توجد مشكلة"

انفعلت من جديد تقول بعصبية "توجد مشكلة بالطبع .. فليس مطلوبا منك أن تعمل وتذل نفسك ..ولم يطلب منك أحد المشاركة في الانفاق على البيت"

جاء صوت صاحب المحل من خلف الكاشير يقول بلهجة آمرة "هيا يا كريم أ لازلت تقف عندك"

بحمائية قالت إسراء للرجل "هو لن يعمل هنا بعد الآن (وأمسكتبالأكياس من يد أخيها ووضعتها أرضا ثم قالت وهي تمسك بمعصم أخيها ) أترك هذا وهيا معي"

نفض كريم يده من كف أخته بعصبية قائلا بعناد " أنا لن أذهب إلى أي مكان ..واتركينيأرجوك ولا تفسدي الأمر لأني تعبت حتى وجدت فرصة العمل هذه "

هتفت إسراء غير مصدقة "كريم ماذا تفعل!.. تعال معي للبيت حالا"

صاح بصوت أعلى والغضب يتراقص أمامها في عينيه "قلت لن أعود إلا في موعد انتهاء العمل .. وعليكم التعود على ذلك ..وسأشارك معكم في الانفاق على البيت"

هتف الرجل من خلفه " أنت يا حمار لقد تأخرت على الزبون"

صاحت إسراء في الرجل بغضب " من فضلك لا تسبه"

هتف الرجل بغلاظة " وما شأنك أنت؟!"

أمسكبها كريم يمنعها عن الرد لكنها صاحت بعصبية "شأني بأني أخته ولن اسمح لك"

رد الرجل بلهجة متهكمة قبل أن يسحب نفسا من مبسم الشيشة بجواره " تشرفنا يا أخته لكن هذا ليس مكانا للتزاور العائلي للأسف "

قال لها كريم غاضبامنبين أسنانه" هيا يا اسراء اذهبي من هنا (ونظر للرجل ) لا تصرخ في وجهها لو سمحت "

مط الرجل شفتيه بامتعاض بينما دفع كريم أخته ببعض الخشونة يقول بعصبية " قلت عودي للبيت ولا تحرجيني أمام الناس ..لم أعد صغيرا ولو تطاول عليك الرجل لن أسكت له وستكونين أنت السبب"

قال الرجل بقلة صبر "هل ستذهب للزبون أم مع أختك خلصني"

أدار وجهه للرجل يقول من فوق كتفه "سأذهب فلا تصيح هكذا (واستدار لأخته يقول ) هيا حتى لا تتسببين في سماعي لكلمات غير لائقة .. فأول درس تعلمته حين نزلت للعمل ..أن عليّ أن أكونملتزما بالأوامر حتى لا اسمع الاهانات.. وبأن الحصول على المال أمرا ليس بتلك السهولة التي كنت أعتقدها"

كلماته اعتصرت قلبها فبلعت اسراء غصة وابتعدت للخلف خطوتين .. قبل أن تستدير مغادرة وقد أدركت بأنها لن تقدر عليه وحدها.

لقد كبر .. وما تعرضت له العائلة منذ شهر قد أثر عليه تأثيرا كبيرا .. وكأنه يشعر بالذنب لأنه قال ما قال لوالدهما .. وكأنه يشعر بالذنب لما يعانونه هذه الأيام من غياب الأب ..

شعرت بالضيق والاختناق .. وبرغبة قوية في البكاء .. ولم تعرف ماذا تفعل .. وحتى لو انتظرته ليعود أخر الليل كيف ستقنعه بأن يعدل عما يفعل .. إن أمها لن ترضى بذلك بل إن أمر كهذا سيحزنها بشدة ..

على بعد أمتار من السوبر ماركت ..وقفت اسراء تتطلع حولها في حيرة تسأل نفسها .. لمن تلجأ ..

تطلعت في الهاتف في تردد وتساءلت ..

هل تلجأ لطلال ؟

××××

ما أسوأ تلك اللحظة التي تفقد فيها زمام تحكمك في ذاتك وتبكي كطفل صغير دون توقف..

لحظة تشعر فيها بالغيظ من نفسك وبالحرج أمام الأخرين متمنيا لو تنشق الأرض وتبتلعك لتخفيك عن الأعين .. خاصة حينما يكون سبب هذا البكاء تافها عند الكثيرين لكنه عندك مؤلما مثيرا للذكريات السيئة لو يعلمون.

انتهت الممرضة من اعطاء بسمة حقنة لتعدل الأخيرة ملابسها وتمسح بقايا الدموع التي لا تزال تزورها كلما تذكرت منظر الدم على قدمها ..فمدت لها أم هاشم ذراعها تقول بلطف لتخفف عن صاحبتها ما اكتشفته منذ ساعتين بأنها ترتعب من رؤية دماء تنزف من أي جرح "هيا لتتأبطي ذراعي يا مدللة"

بصمت أمسكت بسمة بذراعها وتحركت معها نحو باب الغرفة تعرج لتقول الأخرى بلهجة ذات مغزى لتخرجها من حالتها "هل من كان راكعا أمامك وقدمك موضوعة على ركبته هو كامل؟"

اشتعلت وجنتي بسمة ولم ترد فعقبت أم هاشم بلهجة شقية " الرجل كان متعاطفا معك جدا وخفف من فظاظته"

فتحت أم هاشم باب الغرفة تخرج ..فاستقبلهما وليد الواقف خارجها .

تهربت بسمة من أنظار وليد المبتسم تشعر بالحرج لما انتابها من نوباتبكاء محرجة فاقترب الأخير يقبل رأسها بحنان وهو يقول بمشاكسة " لن تصدقي .. لقد أقسمت للجميع هنا في المستشفى أن عمرك واحد وثلاثون عاما ولم يصدقونني ..اعتقدوك طفلة ضخمة"

زمت بسمة شفتيها وذلك الشعور بالدفء نحوه يتدفق في أوردتها خاصة مع تأثرها باهتمامه في الساعة الماضية ولم ترد .

لقد مر زمن لم تشعر بذلك الاهتمام منه .. حوالي ثلاث سنوات .. منذ ذلك القرار الذي اتخذته لتنجو بنفسها من علاقة زواج فاشلة .. لكنه الآن يبدو مختلفا عن ثلاث سنوات مضت .. يبدو أكثر نضجا وحنانا .

عند باب المستشفى قال وليد" انتظرا حتى احضر السيارة"

سألتها أم هاشم بفضول بعد أن ابتعد " ألم يكن ذلك الطبيب البيطري موجودا .. ما الذي أتى به؟ ولماذا كان التوأم الأخر يخرجه من المكان؟"

قالت بسمة بإنهاك وهي تستعيد المشهد "ليس هذا وقته يا أم هاشم سأخبرك فيما بعد "

رن هاتف أم هاشم فزفرت بضيق ثم ردت بعصبية" ما بك يا هند ..ألم أخبر عمي بأني مع بسمة وسأتأخر قليلا ..لمَ كل هذه الاتصالات خلال الساعة الماضية؟ ..اغلق الخط وتعيدي الاتصال أنت وأختك!!"

صاحت هند" لماذا لا تردي يا أم هاشم؟"

ردت أم هاشم ممتعضة " كنت في اجتماع هام لحل أزمة الشرق الأوسط .. ماالأمر يا هند فبالتأكيد لم تشتاقواإليّ فجأة.. ولماذا تلحين في الاتصال؟.. لا تقولي بأن عريس سامية قد حضر ويريد محشي"

قالت هند " تعالي يا مصيبة أنت بسرعة لقد جاءك عريس "

×××××



بعد ساعة

اقترب من السوبر ماركت يداري غصة في قلبه وهو يرى كريم ينقل أكياسا لأحد الزبائن ليضعها في سيارة الأخير فيناوله صاحبها مبلغا كإكرامية .. فانتابته حمية الأبوة تجاهه .

لقد ذهبت إليه اسراء في معرضه منذ قليل واخبرته بما حدث وكأنها تستنجد به رغم تلك الطريقة الهادئة التي سألته بها أن ينصحها ماذا تفعل معه.. فلم يجبها جابر إلا بأن تعود للبيت وهو سيتصرف .

تقابلت عيناه مع كريم الذي تفاجأ بوجوده واسرع بوضع القروش القليلة التي حصل عليها للتو في جيبه بحرج شديد قبل أن يخفض نظراته أرضا بانكسار أوجع قلب جابر وذكره بنفسه حين كان في مثل عمره .

قال بصوت حاول أن يكون عاديا "السلام عليكم يا كريم"

خمن كريم سبب زيارته ومن التي اخبرته بينما أضاف جابر" ألن ترد السلام على عمك جابر ؟"

بابتسامة ضعيفة غمغم كريم وهو يقترب منه مادا يده للسلام" وعليكم السلام يا عم جابر"

قال جابر وهو ينظر للمحل بجواره " كنت قد انتهيت من العمل وعلمت بالصدفة بأنك هنا ..فقلت لأمر عليك حتى نعود سويا .. متى تنتهي من دوامك؟"

قال كريم بهدوء " اعتقد خلال نصف ساعة ..لا أعرف .. (واستدار ينظر لذلك للرجل غليظ الهيئة الجالس خلف طاولة الحساب في السوبر ماركت وأكمل ) سأسأل المعلم"

وضع جابر يده على كتف كريم يقول وهو ينظر باتجاه صاحب السوبر ماركت" بل أنا من سيسأله "

تقدم مع كريم مادا يده يقول "السلام عليكم يا معلم .. أنا جابر دبور صاحب محلات دبور للأجهزة المنزلية ..وهذا الشاب الصغير الرائع هو ابن أخي .."

بعد قليل كان كريم يخرج من حمام أحد المقاهي بعد أن اغتسل وعدل من هندامه البسيط ..وتحرك نحو الطاولة التي يجلس عليها جابر في انتظاره وذلك الشعور بالاطمئنان يعود إليه من جديد.

كبريائه الذكوري في مهد مراهقته غير راغب بالاعتراف بأنه كان يشعر بالخوف منذ أن قرر النزول للعمل ..وخلال رحلته للبحث في المحال على عمل واحتكاكه بشكل مفاجئ وواسع بالعالم الخارجي الذي لم يكن يحتك به خارج قريته الصغيرة إلا في نطاق ضيق من قبل كان يداري رهبة كبيرة لكل شيء حوله .

الايام القليلة الماضية كانت عليه صعبة وضاغطة منذ أن التحق بالعمل في السوبرماركت.. أسبوعا كاملا احتك فيه بعدد كبير من البشر ووضع في مواقف ضاغطة وموترة واضطر لأن يتعامل مع أكثر من موقف صعب..

يكفيه رهبته من صاحب السوبر ماركت ذو الصوت المخيف .. ولم يكن هناك شخصا خلفه يطمئنه .. رجلا مثله ليسأله عن شعوره ويتحدث إليه ..

الآن ومع جابر شعر ببعض الأمان ربما لأنه صديق والده وربما لأنه كان يتملكه الذعر منذ رحيل هلال ..

الذعر والخذلان والشعور بالذنب لأنه كان السبب ..

كلما نظر في عيني أمه المهمومة شعر بالذنب الشديد والخزي مما فعل .. الخزي من خطأ كبير لا يعرف كيف تهور وفعله ..

خطأ لم يقصده ولكنه كان يدافع عن أمه .. كان خائفاً من أن يؤذيها ..

خطأ تسبب في ترك والده للبيت..

يشعر بأنه مجرم وعاق وسيكون مصيره جهنم كما قال معلم التربية الدينية عمن يغضبون والديهم.

ابتسم جابر حين رآه يقترب وأشار له ليجلس ..فجلس كريم وهو يتطلع حوله في ذلك المقهى الخاص بالعائلات ليقول جابر "انتظرتك لأعرف ماذا ستطلب"

قال كريم" أي شيء"

أشار جابر للنادل وطلب علبتين من المياه الغازية قبل يبدأ كريم الحديث قائلا ويديه متقبضتان على فخذيه تحت الطاولة "تفضل يا عم جابر قل ما عندك"

قال جابر بدبلوماسية " أنا جئت بك إلى هنا لأقول لك بأني سعيد وفخور بقرارك بالعمل"

طالعه كريم متفاجئا ثم قال" ظننتك تريد أن تقنعني بترك العمل"

سأله جابر بهدوء "وهل كنت تريدني أن أطلب منك ذلك؟"

قال كريم بلهجة قاطعة "لا"

تكلم جابر بنفس الهدوء والرزانة "إذن مادامت هذه رغبتك فأنا احترمها ..المهم ألا تقصر في دراستك"

قال كريم بثقة "بالطبع لن أقصر فيها "

غمغم جابر براحة " هذا رائع .. أنا مثلك كنت اعمل بجانب الدراسة"

"حقا؟"

رد جابر بثقة " أجل كنا فقراء .. وأبي ظل مريضا لفترة طويلة.. واضطررت للعمل بجانب الدراسة .."

صمت قليلا عند حضور النادل بالطلبات واسعده ذلك الاسترخاء الذي لاح على كريم بعد أن كان متحفزا ثم أضاف بعد مغادرة النادل" لكني عاتب عليك يا كريم"

سأله كريم وقد عاد لتحفزه" لماذا؟"

قال جابر وهو يفتح له علبة المياه الغازية ويصبها فوق قطع الثلج في الكوب " لأنني أولى من الغريب ..فإن كنت ترغب في العمل لماذا لم تطلب مني فأوفره لك عندي في محلاتي وفي الوقت نفسه أكون مطمئنا عليك"

ناظره كريم مفكرا ليضيف جابر لإغرائه "اعتقد أن العمل عندي أولى من غيري وخاصة أني جاركم وصديق والدك .. وتستطيع أن تحضر كتبك بعد المدرسة لتذاكر دروسك خلال اليوم .. وأيضا ستعود معي في المساء أي أنك ستوفر أجرة العودة.."

بلع كريم ريقه يتطلع في جابر وهو يفكر في شيء وحيد ألا وهو أن العمل عند جابر سيقضي على هذا الشعور بالخوف والتوتر الذي يشعر به منذ أن خرج لعاصمة المحافظة يبحث عن عمل.

أضاف جابر بدهاء" أنت تذكرني بزين ..ولو كنت أملك هذه المحلات وهو في مثل عمرك لكنت قد جعلته يعمل معي .. عموما إن أردت العمل معي سأعطيك مثل ما وعدك صاحب السوبر ماركت بل وأكثر ..ما رأيك في هذا العرض المغري؟"

لم يأخذ الأمر من كريم وقتا ليقرر .. فهذا العرض مثالي بالنسبة له فرد بحماس "وأنا أوافق"

تنفس جابر الصعداء مغمغما في سره براحة "الحمد لله"

××××

تداري لهفة وتوترا ..

تداري ترقبا وقلبا يدق بعنف ..

دخلت أم هاشم بيتها مهرولة..

إنه ذلك الأمل الذي يتسلل بخبث فيفسد مفعول القناعات ويجعلنا للحظة نصاب بــــــ (لحظة أمل) ..

في الصالة استقبلتها هند ووفاء أصغر بنتين لعمها تكتمان الضحك .. فتسمرت أم هاشم تناظرهما بريبة وهي تسأل" هل ما قلتيه يا هند حقيقي؟"

قالت هند بمكر "لقد أقسمت لك على الهاتف عدة مرات ألا تسمعين الأصوات الأتية من غرفة الضيوف؟"

ضيقت أم هاشم عينيها وسألتها "من يكون؟؟"

ردت وفاء تداري ابتسامة "ادخلي وستعرفين"

ما قرأته في وجهيهما أصابها بالإحباط وبدلا من أن تذهب لغرفتها لتعدل من هندامها كأي عروس في محلها .. أسرعت أم هاشم متحفزة إلى غرفة الضيوف وقد هبط مستوى الأمل لديها لدرجة الصفر دفعة واحدة .. فأصابها بأزمة (خيبة أمل) قبل حتى أن تتأكد مما تخمنه ..

كشخص قد إعتاد مثلها على الصدمات دارت مشاعر الإحباط لديها ودخلت الغرفة متحفزة تلقي السلام .. فرد الجالسون السلام بينما قفزت صباح تقترب منها قائلة " حبيبتي أم هاشم"

بحاجب مرفوع طالعتها الاخيرة بنظرة سريعة قبل أن تدقق في الجالسين تحاول فهم ما يحدث ..

إن عمها وزوجته كانا يضيّفان الحاج عبد الحميد الصناديلي وابنه ماهر وزوجة ابنه ..وعائلة الصناديلي هي العائلة التي يشرف عمها على شئون أراضيهم الزراعية.

قالت صباح هامسة" ما هذا المنظر ..ادخلي بدلي السواد هذا وافعلي شيئا لتبدي بهيئة أفضل"

تجاهلتها أم هاشم وتحركت نحو أحد الارائك تجلس .. فساد صمت غريب على الحضور .. قطعه ماهر متنحنحا "هذه هي العروس يا أبي"

سألت أم هاشم بجرأة" عروس من ؟.. هل تنوي الزواج بأخرى يا أستاذ ماهر ؟"

ونظرت لزوجته لتتبين صدق ما يحدث فبادلتها الأخرى نظرات مستهجنة بينما قال والده الطاعن في السن بلهجة طفولية مبرطمة "هذه سمراء ..أنا لا أحب السمراوات أنا غير موافق"

بحرج تنحنح ماهر مبتسما وربت على ركبة والده بينما تكلم عمها يقول بلهجة عابسة مهمومة " الأستاذ ماهر جاء ليطلب يدك للحاج عبد الحميد الصناديلي يا أم هاشم "

ساد صمت آخر ..

صمت تطلعت فيه أم هاشم في الجالسين أمامها وهي ترمش عدة مرات متأملة ذلك العجوز الطاعن في السن الذي خمنت بأنه قد تخطى السبعين عاما .. ثم نظرت لابنه ماهر الذي قال متنحنحا بلهجة دبلوماسية وابتسامة بلاستيكية " الحقيقة أن والدي يرغب في الزواج .. تعلمون بأن الحاجة والدتي توفاها الله منذ عامين وأنا اشفق عليه من الوحدة خاصة وأني كما تعلمون خارج البلاد معظم شهور السنة نظرا لظروف العمل واخوتي احدهم مستقر في العاصمة والثاني هو وأسرته في دبي .. فاقترحت عليه الزواج ورحب بشدة ولم أجد أفضل من بيت الشيخ تيمور ونسبكم"

أهناك أسوأ من أن تشعر بأنك بخس القيمة عند الناس ؟!.

ومن أنهم يتحينون الفرصة ليخبروك بذلك بدون تردد.. وبكل جرأة !.

أسرعت صباح تقطع الصمت المتوتر حين قالت "نسب عائلة الصناديلي شرف لنا يا أستاذ ماهر (وحدجت زوجها تقول بلهجة ذات مغزى لتخرجه من صمته الذاهل منذ دخولهم) أليس كذلك يا يحيى!"

هم زوجها بالكلام لكن أم هاشم اندفعت تقول وهي تتقبض بقوة بجوار جسدها حتى لا تنفعل "كم عمرك يا جدي؟"

تلون وجه ماهر وزوجته بينما حدجتها صباح بنظرة موبخة وهي تقول" أم هاشم!"

قالت أم هاشم بلهجة باردة ساخرة "ماذا؟.. أليس من حقي أن اعرف سن العريس؟!"

تكلم الحاج عبد الحميد بلهجة طفولية "اسمعي .. أنا لا أريدك يا سمراء أنت فلا تقولي عريس"

ردت أم هاشم بلهجة لينة" أنا لم أقل هم من يقولون يا جدي"

قال عبد الحميد بعند طفولي وهو يشيح بيده "دعيهم يثرثرون واخبريني أنت يا سمراء .. أليس لديك صديقة بيضاء وجميلة وشابة و..."

أمسك ماهر بساعد والده وأصدر ضحكات متقطعة محرجة يمنعه من الاسترسال قائلا "الحاج يحب المزاح كما تعرفونه .. فقلبه لايزال قلب شاب .. المهم يا حاج يحيى كما تعلم لدينا بيتا واسعا كبيرا وعروسنا لن تحتاج لشيء إن شاء الله.. وسيكون هذا توثيقا لعلاقتنا سويا فأنت تراعي أراضي الصناديلي منذ ربع قرن تقريبا "

لهجته عن عمل الحاج يحيى لديهم كانت غير مريحة وهذا ما استشعره يحيى نفسه الصامت منذ بداية الجلسة حتى أنه ناظر ماهر الصناديلي بنظرة متمعنة ليتأكد مما أحس به.

أما أم هاشم فكل مشاعر الإحباط والصدمة والاهانة تحولت عندها لطاقة غضب عظيمة .. ورغبة قوية في الصراخ في وجوههم جميعا ..

ما هذه المهزلة !

وما هذه الوقاحة !

تبادلت مع عمها النظرات وشعرت به متحرجا من الرجل واشفقت عليه من أي رد فعل عصبي يلح عليها لحظتها تتمنى لأن تفعله رداً على ماهر هذا .. فلم تجد إلا أن تنتفض واقفة وهي متقبضة بقوة حتى تسيطر على عصبيتها وتحركت مغادرة بعد أن قالت بحدة" أنا سأخرج من هنا حفاظا على الأرواح والممتلكات "

امتقع وجه صباح وأصدرت ضحكة محرجة وهي تقول " عروس … تعلمون خجل العروس"

خرجت أم هاشم من الغرفة بوجه واجم وغضب تحاول السيطرة على غليان الدم في رأسها .. حتى أن الخمس بنات اللاتي استقبلنها لأول وهلة بنظرات هازئة مستهينة انكمشن مبتعدات عن طريقها في رعب رغم أنها لم تفعل شيء ..

لم تفعل سوى أنها بلعت نظراتهن تلك في صمت فوق ما تشعر به من إهانة واتجهت نحو باب البيت تخرج منه كقنبلة على وشك الانفجار ..

قبل أن تغلق باب البيت رن هاتفها فتطلعت فيه ثم رفعته على أذنها تقول بصوت مبحوح" نعم بسمة"

سألتها بسمة "طمئنيني ما قصة هذا العريس؟"

بلعت طعما مراً في حلقها وردت "لا أريد التحدث الآن"

شعرت بسمة بأنها ليست على ما يرام فقالت "حسنا استريحي الآن وغدا نتحدث .. المهم اخبريني هل ستذهبين صباحا للعم عيد لنطمئن على ونس؟"

تكلمت أم هاشم بنفس الحشرجة" لا سأذهب الآن لأطمئن عليها فغيابها اليوم وسؤال هذا الشاب عنها أقلقني … سلام"

اغلقت الخط ثم قالت من فوق كتفها للبنات خلفها "أبلغن

عمي بأن لديمشوار هام ولن اتأخر"



في الغرفة قال يحيى "يا أستاذ ماهر طلبك هذا يشرفنا.. وأنا أعمل لدى الحاج عبد الحميد منذ خمس وعشرون عاما وخيره يغرقنا .. لكن كما تعلم في مسائل الزواج لابد من أن نأخذ رأي العروس فيها أولا"

قالت صباح تقاطع زوجها بلهجة مستدركة "بالطبع لابد أن نأخذ رأيها يا أبا سامية لكنها بالتأكيد لن تجد فرصة أفضل من هذه"

حدجها زوجها بنظرة موبخة فخرست بينما أكمل يحيى "اعطنا وقتا لنسأل العروس عن رأيها.. تعرف أن فارق العمر قد يأخذ منها وقتا للتفكير "

قال ماهر وهو يستقيم واقفا " طبعا ..طبعا ..لكن في أسرع وقت يا عم يحيى فكما تعلم أنا في إجازة قصيرة وعليّ بالعودة بسرعة وهذه المرة سآخذ زوجتي وأولادي معي.. ولابد أن اطمئن على أبي بأنه مستقر مع زوجة بنت أصول ومن بيت طيب تكون جزءا من عائلة الصناديلي "

ومد يده لوالده الذي قال وكأنه لم يكن منتبها لما يحدث " هل سنرحل؟"

قال ماهر " أجل ..هيا يا حاج"

وقف يحيى يقول باحترام "انرتنا يا حاج عبد الحميد"

قال عبد الحميد وهو يتحرك ممسكا بساعد ابنه "بارك الله فيك يا يحيى ..لا تنس أن تمر عليّ في الصباح لنقفل حسابات المحاصيل.."

أومأ يحيي برأسه بطاعة بينما قالت صباح بلهجة مرحبة لزوجة ماهر "انرتمونا والله يا ست أم رامي"



بعد قليل دخل يحيي داره بعد وداع الضيوف لتقول صباح بغيظ" ابنة اخيك ليست بالبيت"

عقد يحيى حاجبيه وسألها" وأين ذهبت؟"

قالت وهي تشيح بيدها بامتعاض" أخبرت الفتيات أن يبلغوك بأن لديها موعد هام ولن تتأخر"

أومأ يحيى برأسه وتجاوزها مهموما نحو غرفته فناظرت صباح بناتها الخمسة المراقبات بترقب ثم اسرعت باللحاق بزوجها..

في غرفة النوم قالت صباح" ماذا سنفعل يا يحيى؟"

قال مهموما "لا اعرف"

مصمصت شفتيها تقول"ابنة اخيك يبدو عليها عدم الموافقة"

قال بهدوء "لديها كل الحق"

صاحت صباح " أتريد أن تجن جنوني يا رجل!.. هذه فرصة جاءتها من السماء ..ستتزوج من عبد الحميد الصناديلي الثري صاحب الافدنة والاطيان .. وستنضم لعائلة من أكبر عائلات البلدة "

قال يحيى بضيق "إنه رجل في السبعين من عمره يا صباح وطبيعي أن ترفضه .. ولن استطيع أن أجبرها عليه"

بغيظ مكبوت قالت "وعملك مع عائلة الصناديلي؟.. ألم تلحظ ما قاله ماهر .. الرجل كاد أن يهددك بعملك معه"

هز رأسه يقول بقلة حيلة "أجل استشعرت لهجة التهديد في حديثه ..وهذا يؤكد لي ظنوني بأنه يرغب في ممرضة لوالده حتى يطمئن عليه قبل أن يأخذ عائلته معه هذه المرة حين يعود للبلد التي يعمل بها "

قالت صباح مقارعة " وماذا فيها ..أليس هذا أفضل من أن تجلس بجوارك بدون زواج طول العمر .. لقد أتمت الثلاثين يا يحيى .. أين المشكلة في أن تخدم الرجل العجوز بضع سنوات وترث منه بعد أن يموت .. ونحن سينوبنا من الحب جانب بالتأكيد"

قال يحيى بعصبية " أنا لن استطيع أن أجبر أم هاشم على ما لا تريد يا صباح "



هتفت زوجته صارخة " إنها فرصتها الأولى والأخيرة يا يحيى وأنت تعلم .. لا تطاوعها في أن تجلس إلى جوارك .. ستدعو عليك بعد أن تموت وتقول لماذا لم يضغط عليّ عمي من أجل مصلحتي .. فكر جيدا .. بعد عمر طويل كل بنت من بناتنا سيكون لها بيتا وأنا وأنت تحت التراب .. مع من ستعيش أم هاشم؟ .. لكن حينما تكون أرملة الصناديلي سيكون لها وضعها .. وسيكون لها ورثها وساعتها قد يأتيها من يتزوجها من أجل مالها .. لكن وضعها الحالي لا مال ولا جمال .. لا تؤاخذني لا يسر عدو ولا حبيب "

طالعها يحيى بحيرة لتكمل صباح " ومن ناحية أخرى هل بعد كل هذا العمر ستترك العمل مع أولاد الصناديلي؟ .. وهل إيراد قيراطين الأرض اللذين نمتلكهما ستكفينا لنأكل خبز فقط؟.. وسامية التي ستتزوج الشهر القادم ماذا سنفعل معها؟ ماذا سنفعل فيما لم نشتريه بعد من جهازها إذا تركت العمل عندهم .. ( واغرورقت عينيها بالدموع تضيف بلهجة باكية ) سننفضح يا يحيى إن لم توافق ابنة اخيك على هذه الزيجة"

قال يحيى بحيرة شديدة "اتركيني الآن بالله عليك يا صباح "

مسحت دموعها وقالت بمسكنة وهي تترك الغرفة " حاضر سأتركك لكن عليك بالتفكير فيما قلت واقناع ابنة اخيك بمصلحتها هي أولا قبل مصلحتك .. ( وأضافت من عند باب ) وبصراحة لو كانت بارة بك لن تتأخر عن مساعدتك"

صاح يحيى بعصبية "اخرجي يا صباح واتركيني بالله عليك"

خرجت صباح وأغلقت باب الغرفة فجلس يحيى مهموما يفرك رأسه بيديه لا يعرف ماذا يفعل في هذه الورطة .

××××


بخطوات عسكرية خالية من النعومة كانت تمشي في الطريق تكتم مشاعرها الثائرةالغاضبة .. المحبطة .. حتى أنها قررت المشي رغم طول المسافة حتى تُنَفِس قليلا من طاقتها ..
في نفس الوقت كان عيد يجلس أمام بيته والأفكار تعصف برأسه والوساوس تأكل فيها أكلاً..
أ من الممكن أن يكون شامل هذا له علاقة بمن يريدون أن يأخذوا البيت منه بالقوة وقرروا الضغط عليه بأذية ونس عن طريق هذا الشاب ؟! ..
المشكلة في أنه لا يوجد لديه دليل ولا يعرف هوية الشخص الذي يهدده ومَن خلفه ..ولا يعرف لو اشتكى ماذا سيقول .. عمن سيشتكي .
عاد يقارع نفسه بالتأكيد صاحب مفرح لن يتورط في أمور كهذه أبدا ورجل ثري مثله لن يستفيد من منزل صغير بسيط كمنزله ..
إنه يفكر في الموضوع منذ الصباح وخاصة بعد زيارة هذا الشاب مع مفرح لكن الامر لا يريد أن يدخل عقله .. لابد أنه كما خمن يريد أن ينال ابنته باسم الزواج وبعدها يعيدها له مطلقة .. مثله مثل كافة أبناء الأثرياء .
عاد من جديد يرد على نفسه بأنه ليس كل أبناء الأثرياء كذلك .. لكن الغالبية بالتأكيد .
بوجه واجم اقتربت أم هاشم من بيت العم عيد الذي كان جالسا أمام بيته على تلك الاريكة الحجرية مهموما وقد رفع رأسه لها متفاجئا بمجرد أن أحس بخطواتها.
بادرته أم هاشم بلهجة لينة رغم ما يعتلج بصدرها من هموم " السلام عليكم يا عم عيد"
ردد عيد السلام لتقول أم هاشم" جئت لأطمئن على ونس لأنها لم تأت للعمل اليوم ..ولم تتصل أيضا ..وحاولت الاتصال بها لكن هاتفها مغلق"
قال عيد بمزاج عكر" إنها مريضة ولهذا أغلقت هاتفها"
وقفت أم هاشم تتطلع فيه بتدقيق وقلقها بدأ يزداد خاصة حينما أضاف عيد "وبلغي صاحبة العمل أنها لن تذهب إلى هناك بعد الآن"
سألته بهدوء "لماذا يا عم عيد؟"
أشاح بيده يهتف بمزاج عكر "أنا حر هل أنت شريكتي!"
استشعرت عصبيته وتأكدت من شكوكها بأن الأمر أكبر مما قاله شامل فقالت مهادنة "كما تريد طبعا.. لكن هل لي أن أراها؟"
عقد عيد حاجبيه بانزعاج فقالت أم هاشم "أريد أن أطمئن عليها ألم تقل بأنها مريضة؟"
قال مشيحا بيده " لكنها نائمة الآن.. هيا اذهبي إلى بيتك "
نظرت أم هاشم في ساعة هاتفها وغمغمت "هل تنام مبكرا كالكتاكيت ؟..الساعة لا تزال السابعة !!"
قال عيد بعصبية" ألم أقل لك أنها مريضة يا أم هاشم!!"
غمغمت أم هاشم "شفاها الله وعفاها (ثم تطلعت في الحقول على الناحية الأخرى من الطريق لبرهة تفكر بسرعة ثم قالت وهي تتحرك لتجلس على أريكة أخرى )إذن سأجلس لانتظر استيقاظها .. فبالتأكيد ستقوم للذهاب للحمام أو لتناول الدواء .. (وسحبت نفسا طويلا واخرجته بصوت مسموع أمام نظرات عيد المغتاظة وغمغمت وهي تفرد ذراعا على ظهر الأريكة ) أنا شخصيا لا أرغب في العودة للبيت الآن والمكان هنا هادئ جدا ومريح للأعصاب .."
راقبت بطرف عينها عيد الذي زم شفتيه يناظرها بغيظ ثم قالت ببرود "هل تريد أن اصنع لنا كوبين من الشاي؟"
استقام عيد واقفا وتحرك بقامته القصيرة ذات الانحناءة البسيطة يقول بلهجة مغتاظة من بين أسنانه" سأنظر إن كانت قد استيقظت أم لا .."
بعد دقيقة فتح باب الغرفة بحرص ليجد ونس تولي ظهرها للباب تفترش الأرض فنظر للمنضدة ووجد سماعتيها لا تزالا مكانهما منذ الصباح ..فصاح بأعلى صوت لتنتبه" أم هاشم تريدك يا ونس"
انتبهت ونس للصوت البعيد لكنها لم تلتقط بالضبط كل ما قاله ولم تهتم بالالتفات فطلت أم هاشم من فوق عيد تقول بصوت عال "ألف سلامة عليك يا ونس"
اجفل عيد لوجودها خلفه فأدار رأسه ورفعها يناظرها باستنكار ..لكن أم هاشم هتفت بصوت عال" يا بنت يا ونس"
غمغم بضيق" إنها لا ترتدي السماعات "
أدارت ونس رأسها ببطء وعينين بائستين أوجعتا قلب عيد وزادت من غضبه حينما شعرت بصوت غريب ..فتطلعت في وجه أم هاشم التي عقدت حاجبيها وبادرتها برفع كفها لها بتحية ..
لم يبدو على ونس أي اهتمام .. ولم تكن تريد شيئا من أحد .. فليتركوها في مصيبتها..
عادت تنظر أمامها وفي يدها ورقة وقلم رصاص تظلل به رسما معقدا بخطوط كثيرة يشبه المتاهة ..والهاتف المهشم موضوع في حجرها .
همت أم هاشم بدخول الغرفة ..لكن عيد أسرع يقول وهو يأخذ الباب في يده ليغلقه خلفه "اتركيها الآن فمادامت تخلع سماعتيها وترسم فلن تتجاوب مع أي احد"
سألته أم هاشم" ما بها؟"
تكلم بفظاظة وعدم صبر "مريضة قلت مريضة وحزينة لأني منعتها من الذهاب للعمل .. هل ارتحت الآن "
حاولت أم هاشم الالحاح أكثر لكن عيد قال بلهجة عصبية "ها أنت قد اطمأننت عليها .. لكنها لا تريد أن يقاطعها أحد"
شعرت أم هاشم بالحرج فأشاح عيد بيده يقول" هيا يا بنت الشيخ زكريا .. هيا اسرعي للبيت فالوقت متأخر والمكان هنا على الطريق غير آمن"
تحركت أم هاشم بثقل ..ولم تجد مفرا من المغادرة .. وبمجرد أن خرجت على الطريق اتصلت بشامل تقول" السلام عليكم ..أنا أم هاشم يا أستاذ "
قال شامل بلهفة" أهلا آنسة أم هاشم"
تكلمت تقول بلهجة عملية "لا تقلق ونس بخير ..لكنها تبدو حزينة ولا ترغب في الحديث مع أحد.. فوالدها يمنعها من الذهاب للعمل "
حك شامل جبينه بأنامله وسألها بلهفة "هل رأيتها بنفسك بالله عليك"
قالت مطمئنة "أجل رأيتها أقسم لك وهي بخير"
لم يدر شامل ماذا يقول .. ولا يريد أن يثقل على أم هاشم أكثر فهو يعلم بحساسية الوضع فقال " أنا اشكرك بشدة يا أختي جزاك الله خيرا ..وآسف جدا على ازعاجك "
غمغمت أم هاشم" لا شكر على واجب السلام عليكم"
اغلقت الخط وتحركت بخطوات واسعة وهي تمسد على عضديها بالتبادل شاعرة ببعض البرودة..
فكرت في أمر ونس وشامل وخنقها البكاء فجأة .. فأسرعت بمسح دمعة ساخنة وغمغمت "حكمتك يا رب .. اللهم ارزقنا بفرحة لم تكن في الحسبان .. واجبر بقلوبنا يا كريم"
××××
أمام بيت الصناديلي أوقف ماهر السيارة وترجل منها هو وزوجته ثم استدار أمام مقدمتها ليساعد والده على الخروج منها فقال العجوز معترضا "لا تساعدني أنا لا احتاج للمساعدة"
ابتسم ماهر وقال" بالطبع يا حاج رزقك الله الصحة والعافية"
قال عبد الحميد وهو يتحرك مع ولده يدخل البيت" لا زلت لا أوافق على تلك السمراء أريدها بيضاء يا ماهر"
قال ماهر مهادنا "يا حاج أنت جربت البيضاء مع أمي رحمها الله عليك بتجربة السمراء "
ومال يهمس في أذنه بشيء وانفجرا يضحكان بصوت عال قبل أن يدخلا بيت الصناديلي الذي هو من اكبر البيوت في القرية .
بعد قليل وقف ماهر في شقته في الدور العلوي يقول في الهاتف في مكالمة جماعية مع أخويه" هذا هو الحل الوحيد أمامي ..المهم أن يستطيع عم يحيى اقناع ابنة أخيه فقد بدت غير راضية"
دخلت زوجته من الباب وجلست على السرير تناظره بقلق بينما قال أحد أخويه "كنت أفضل أن نستأجر ممرضا للعناية به أثناء سفرنا يا ماهر "
قال ماهر بعصبية " يا فقيه زمانك ..الناس ستجلدنا بألسنتهم ..سيقولون أولاد الصناديلي سافروا جميعهم وتركوا الرجل العجوز وحده ..وستكون وصمة عار على جباهنا جميعا مدى الحياة ..كما أنني لن آمن لممرض أو ممرضة معه .. لا تعرف ماذا يمكن أن تفعل به في غيابنا"
قال الأخ الأخر" فكرة زواجه من أهل القرية جيدة فعلا فنحن نعرف أصل وفصل من سيتزوجها ..واختيارك لبيت أحفاد الشيخ تيمور مناسب جدا "
أضاف ماهر " هذا صحيح .. خاصة وأن العم يحيى يدير أرضنا منذ سنوات ونعرفه جيدا رجل مستقيم ومحترم ..وسأضغط عليه بكل قوتي ليقنع ابنة أخيه (وأضاف بلهجة ماكرة ) والعروس عانس وسترضخ بعد تفكير بالتأكيد "
قال الأخ الأول" ولماذا لم تختر مطلقة أو أرملة من عائلة كبيرة تناسبنا أكثر بدلا من العم يحيي"
رد ماهر من بين اسنانه " يا ذكي إذا كانت كبيرة في العمر لن تقدر على خدمة والدك ..وغالبيتهن لديهن أولاد ومن الممكن أن تؤثر على الرجل العجوز لينتفع أولادها بشيء من ثروته معها .. صحيح أنا أباشر معه ومع العم يحيى كل شيء عن بعد .. لكن الحذر واجب .. وإن اخترتها أصغر عمرا فبالتأكيد لن ترضى برجل في السبعين كوالدك .. الحل الوحيد أن تكون شابة قوية البنية حتى تخدم والدكما وأن تكون عانسا ومن عائلة متواضعة لتقبل بالزواج من رجل في عمره"
قال الأخ الثاني بقلق "وإن لم توافق بنت الشيخ زكريا ماذا سنفعل؟"
رد ماهر بتوتر "هذا ما لا أعرفه وسفري بعد عدة أيام ولن أستطيع أن أترك زوجتي وأولادي هنا أكثر من ذلك فلقد انتهيت من نقلهم للمدارس في استراليا وحجزت تذاكر الطيران أي أنه لا يوجد مفر من سفرنا"
تكلم الأخ الأول منفعلا "ولماذا تسرعت في نقل الأولاد وحجز تذاكر الطيران يا ماهر !"
هتف ماهر بعصبية " تسرعت!! .. بعد عامين منذ وفاة أمي وأنا أترك زوجتي واولادي هنا لخدمة والدكم واضطر للعودة مرة أو اثنين في العام لزيارتهم زيارات سريعة حتى لا يكون أبي وحده .. وتقول تسرعت !!"
قال الأول مقارعا "أنت تركتهم حتى ترتب أمورك وعملك في استراليا أولا يا ماهر فلا تحاول تمثيل دور الشهيد"
هتف ماهر منفعلا "أنا أمثل دور الشهيد !!.. عموما ادع ربك أن نجد من نزوجها لوالدك ..والا ستضطر أنت وزوجتك وأولادك للحضور والبقاء لخدمته"
هتف الأول باستهجان "ولماذا أنا؟!!"
رد ماهر بغيظ " ألم أقل لك أنك فقيه زمانك .. لأنك ستكون الأقرب مسافة له منا يا غبي ..فأنا سأكون في استراليا وأخوك في دبي ..وأنت الوحيد الذي يعيش في العاصمة"
صاح الأول باستنكار" هذا من رابع المستحيلات ..ماذا سأفعل بعملي وبعمل زوجتي ومدارس أولادي الدولية !!.. وأبوك يرفض مغادرة البلدة رفضا تاما"
زفر ماهر يمسك برأسه من الصداع وغمغم " والله أنا شرحت لكما الوضع.. ويكفي ما قدمته أنا وزوجتي حتى الآن أنتما عليكما التصرف.."
تحدث الأخ الثاني مهدئا" دعونا نهدأ وننتظر رأي عم يحيى وأنت يا ماهر حاول اقناعه "
هز ماهر رأسه يقول بإنهاك "لا تقلق سأفعل ما استطيع فعله كثفوا الدعاء"
أغلق الهاتف بعد قليل واستدار ينظر لزوجته يسألها" هل نام الأولاد؟"
أومأت برأسها ثم قالت بقلق" اشعر بأن أم هاشم لن توافق يا ماهر ..ولا اعرف ماذا سنفعل ..بالله عليك لا تتركني وترحل مهما حدث .. لقد تعبت من خدمة والدك ومن بعدي عنك أنا والأولاد"
رد ماهر وهو يقف أمامها متخصرا "كيف سأتركك يا غبية وقد نقلت مدارس الاولاد وقطعت تذاكر الطيران (وشرد مفكرا ) المهم أن أجد وسيلة قوية للضغط على يحيى بالموافقة ..أو أجد شخصا آخر ليباشر أرضنا في غيابنا ..لأني لن أتركه يعمل لدينا بعد أن يرفض مصاهرتنا .. فلابد أن يعاقب هو و ابنة أخيه على رفضه مصاهرة عائلة الصناديلي .. ألا يكفي بأننا قبلنا بها سمراء وعانس!"
××××
صوت طرقات على الباب جعل اعصابهن تتحفز بعد أن كن مترقبات خلال الساعتين الماضيتين منذ عودة اسراء واخبارهن بما حدث مع كريم .. فأسرعت نسمة لفتح الباب والأعناق الباقية تستطيل لمعرفة القادم قبل أن تطلق زفرة محبطة حينما وجدت طلال أمامها جعلت الأخير يرفع حاجبا متفاجئا.
اقتربت اسراء من الباب تداري شعورها بالقلق في انتظار عودة كريم مع جابر ولمعرفة كيف سيستطيع الأخير التعامل مع الأمر وقالت لطلال "أهلا طلال كيف حالك؟"
رد طلال وهو يأكلها بعينيه "الحمد لله (ورفع صوته يقول لنصرة الجالسة على الأريكة المواجهة للباب )كيف حالك يا خالتي؟"
ردت نصرة بلهجة حانية تداري مشاعرها القلقة" بخير يا حبيبي سلمت يا رب من كل شر"
عاد طلال ينظر لإسراء يسألها" ما بها خالتي هل هناك مشكلة؟"
خرجت إسراء اليه توارب الباب خلفها وقالت بتردد "الحقيقة كريم قرر أن يعمل"
رفع طلال حاجبه وقال باستنكار" كيف وهو في هذا السن أي عمل هذا؟"
ردت بتردد "عامل في سوبر ماركت في مدينة المحافظة"
بدا طلال متفاجئا فقال" كيف يفعل هذا .. أهل البلد لو علموا سيعلقون تعليقات سخيفة"
قالت اسراء بحدة "أهذه هي المشكلة الأهم يا طلال!!.. الولد صغير وكونه يتعرض لضغوط العمل في هذا السن أمر غير صحي ..يكفي الضغط الذي يعانيه بسبب موضوع أبي"
ضيق طلال حاجبيه وسألها" ماذا تعني بموضوع والدك؟"
بلعت اسراء ريقها وقالت باستدراك" أقصد سفر والدي وهو متعلق به"
رد طلال بضيق "سفر والدك الذي حرمني من أن اجلس معك ونتحدث وجعلك تقفين معي على باب البيت بهذا الشكل دون أن تدعيني للدخول"
قالت إسراء بحدة" يا طلال عليك بتقدير الظروف ..كيف ستدخل ونضيفك ورجل البيت غير موجود!"
قال بلهجة عتاب" كل هذا وأنا غير مقدر للظروف !!"
حاولت بذل مجهود للسيطرة على حدتها في الحديث معه وتفهم ظروفه فقالت" أرجوك يا طلال نحن متوترون بسبب قرار كريم دعنا نتحدث في وقت لاحق"
سألها بعبوس وهو يتخيل التعليق الذي ممكن أن تقوله أمه وضغطها عليه إذا ما وصلتها معلومة كهذه.. فيكفيه ما يعانيه مع أمه التي لا تستسيغ الزيجة من أساسها "وماذا ستفعلون معه ؟.. لابد أن يدع هذا الأمر فورا حتى لا نسمع تعليقات سخيفة من هنا وهناك يا إسراء"
قالت اسراء باقتضاب "سنحاول اقناعه بالعدول لا تقلق لن يتحدث الناس عنا"
هتف بانفعال وقد استشعر ضيقها "لمَ هذه اللهجة الآن أنا أتحدث من أجل مصلحة الكل"
قالت لتنهي الحديث" قلت لا تقلق فأبا ميس قال بأنه سيقنعه أتمنى من الله أن ينجح"
عقد حاجبيه وسألها " من أبا ميس .. جابر دبور؟"
"أجل"
صاح بغيظ "ومن أدخله في هذا الأمر؟"
ردت باستهجان لسؤاله "الرجل أكبر سنا وسيستطيع التحدث معه واقناعه ما المشكلة ؟!"
سألها باستنكار" ومَن الذي تحدث معه إن شاء الله وعرض عليه المشكلة ؟"
بانفعال هتفت "هل هذا وقت التحقيق يا طلال !"
أتى صوت نصرة من الداخل" أنا يا حبيبي من اتصلت وطلبت منه أن يتدخل"
زمت اسراء شفتيها بضيق لاضطرار والدتها للكذب بينما رد طلال على حماته بحرج وهو يفتح الباب الموارب" حسنا يا خالتي .. أنا جئت فقط لأطمئن إن كنتم تحتاجون لشيء"
غمغمت نصرة "سلمت يا حبيبي"
عاد طلال ينظر لأسراء ثم قال" أنا ذاهب وسأطمئن على كريم بالهاتف (واكمل بغيرة ) ولنرى كيف سيحلها جابر دبور"
تحرك مغادرا يشعر بضيق شديد خاصة وهو منذ سفر حماه غير قادر على زيارة اسراء في البيت والتواصل بينهما مقصور على المكالمات الهاتفية وهذا لا يروي شوقه إليها ..فقطع الساحة الضيقة للبيت في عدة خطوات وخرج يغلق البوابة الخارجية بخشونة بينما ظلت اسراء واقفة على باب البيت تكبت رغبة قوية في البكاء ..
إنها مشدودة من جميع الأطراف ..وما يحدث مع عائلتها يجعلها غير قادرة على التركيز في علاقتها بطلال .. ويسيطر عليها شعور بالثقل والاجهاد ..
كم تتمنى أن تعود صغيرة لا تحمل هما ..
كم تتمنى أن تنطلق كمراهقة دون أن تخشى من عواقب انطلاقها ..
كم تتمنى أن تكون على سجيتها مع طلال دون خوف من أن يخطئ فهمها أو أن يحكم حكما قاسيا على عائلتها..
كم تتمنى لو كانت في مجتمع أوسع وأكثر انفتاحا ليس لشيء إلا لتشعر ببعض الاسترخاء ولا تحسب حساب كل حركة وكلمة ونفس قد يلتصق بثوبها واسم عائلتها للأبد ..
افاقت من شرودها عندما دفع كريم البوابة يدخل فهتفت "كريم حضر يا أمي"
ببعض الحرج اقترب أخوها يقول "السلام عليكم"
قالت بنظرات متسائلة" وعليكم السلام"
ظهرت نصرة من خلف اسراء لاهثة تقول بلهجة عاتبة "هكذا تفعل دون إخباري يا كريم!"
نحنحة من الخارج لم يتبين للواقفات صاحبها جعلت كريم يقول "عم جابر يريد محادثتك يا أمي"
عدلت نصرة من وشاحها واسرعت تنزل الدرجات القليلة للعتبة المرتفعة لبيتها نحو البوابة و خلفها اسراء وكريم ..لتقول نصرة وهي تفتح البوابة على مصراعيها" أهلا أبا ميس أنرتنا"
قال جابر "السلام عليكم"
ردت نصرة وبنتها السلام فنظر جابر لكريم الواقف بجوار أمه متقبضا وقال "جئتك اليوم يا أم كريم في طلب"
مررت اسراء النظرات بين جابر وكريم بينما قالت نصرة "خير يا معلم جابر"
قال جابر وهو يتبادل النظرات مع كريم "الحقيقة أن كريم بسم الله ما شاء الله أصبح رجلا ..وقد أبدى رغبته في أن يعمل بجانب الدراسة .. واتفقت معه من بعد إذنك طبعا وإذن والده أن يعمل معي في المعرض"
رفعت نصرة حاجبيها متفاجئة في الوقت الذي فهمت إسراء ما فعله جابر لحل الموضوع فناظرته بامتنان وهو يضيف "كريم وعدني بأن عمله لن يؤثر على دراسته وسيحضر حقيبة المدرسة معه بعد انتهاء اليوم الدراسي .. فنتمنى موافقتك يا أم كريم ..واعدك بأنه سيكون أمام عيني وسيعود آخر اليوم معي إن شاء الله"
ناظرته نصرة بتأثر وقد استوعبت ما يحدث فردت" أنت في مقام والده ومادام سيكون معك فأنا مطمئنة يا معلم جابر "
قال جابر مبتسما" على بركة الله إذن .. سأستأذن أنا السلام عليكم"
رددوا السلام خلفه وهو يبتعد عائدا لبيته بينما ناظرت نصرة ولدها بنظرة عتاب قبل أن تأخذ برأسه في حضنها باكية .. في الوقت الذي زفرت فيه اسراء براحة تدعوا بكل الخير لجابر دبور .
أما كريم فوضع يده في جيبه يتحسس المبلغ البسيط قيمة عمله لمدة أسبوع في السوبر ماركت ..والذي أصر جابر على أن يعود معه لصاحب السوبر ماركت يخبره بأنه سيترك العمل وأخذ منه أجر الأسبوع الذي عمل به رغم امتعاض صاحب العمل.
خرج جابر من الشارع الضيق وعند بيت الشيخ زكريا انعطف يسارا الى الشارع المؤدي لبيته .
كان الشارع خافت الضوء هادئ .. كل شيء فيه ساكن إلا ..
هدير الأفكار في رأسه ..
وضجيج النبضات في صدرها..
لمحته أم هاشم بمجرد أن دخلت الشارع من الناحية المقابلة آتياً من عند بيتهم فأخفضت نظراتها وأسرعت الخطى ..
لاحظت خطواته البطيئة الشاردة واحسته مهموما كحاله في الفترة الأخيرة ..
ليتها تعلم ما الذي يضنيه .. وليتها تستطيع أن تطلب منه أن يرمي أحماله وهمومه على الله..
انتبه جابر أخيرا بأن هناك من هو مقبل عليه ..وبمجرد أن رفع أنظاره تعرف عليها ..
عند نقطة الالتقاء في منتصف الشارع تقابلا ..وبدون أن يتوقف قال جابر محييا" كيف حالك يا أم هاشم؟"
دون أن تتوقف هي الأخرى خطفت بطارف عينيها نظرة سريعة بدون إرادة منها نحوه .. ارتجف لها قلبها بشدة كصحراء تندت بالماء وقالت بسرعة "الحمد لله (وأكملت في سرها) سلمت من كل شر يا رب"
كان قد تجاوزها بخطوتين حين توقف و قال دون أن يلتفت إليها" لماذا تأخرت كل هذا الوقت يا بنت الشيخ زكريا في الشارع؟"
توقفت وردت دون أن تلتف إليه" كان لدي مشوارا مهما"
قال بلهجة هادئة حازمة "لا تتأخري مرة أخرى فالشوارع في الليل غير آمنة"
بعفوية اسرعت بالقول "حاضـــ... أقصد إن شاء الله (وغمغمت تداري ارتباكا ) لا تقلق عليّ فالعفاريت تخاف مني لا أخاف أنا منها"
ابتسم .. وليتها تعلم أنها اضحكته .. ورد بهدوء "عفاريت الجن ربما.. لكن عفاريت الإنس ملاعين ..حفظك الله منهم "
أومأت برأسها في طاعة وواصلا السير مبتعدين .. لتتوسع الخطوات بينهما ..
خطوة مهمومة ثقيلة منه ..
وخطوة خفيفة سعيدة منها..
قلب بطئ النبضات في صدره ..
وقلب سريع النبضات في صدرها ..
فغمغمت أم هاشم في سرها" وحفظك الله أنت أيضا وسلمك من كل شر يا رب"
دفع جابر بوابة بيته الكبيرة ودخل يغلقها خلفه في الوقت الذي اغلقت فيه كاميليا شرفة غرفة النوم في الدور العلوي.. ودخلت إلى الغرفة تلقي بالوشاح من فوق رأسها والعباءة عنها ووقفت تهز قدمها بعصبية ..
حين سمعت باب البيت يفتح اسرعت تخرج من الغرفة نحو السلم فطالعها جابر يرفع حاجبا وهو يرى ما ترتديه ..
كانت ترتدي شورتا قصيرا جدا يبرز جسدها الأبيض وبلوزة شفافة بحمالات رفيعة تكشف تفاصيل ما تحتها بكل وضوح لجسد شديد الاغراء فغمغم بامتعاض" السلام عليكم هل نامت ميسة؟"
تكلمت كاميليا وهي تنزل السلم بعصبية وكعب حذاء البيت العالي يصدر ضجيجا "أجل نامت .. أين كنت يا جابر؟"
عقد حاجبيه مندهشا ورد" كنت في العمل ..هل عندي مكان أخر أذهب إليه؟!"
من وقفتها أعلى منه ببضع درجات قالت عاقدة ذراعيها أمام جذعها "وعملك هذه الأيام مع كريم ابن هلال!!"
صاح جابر باستنكار "وما شأنك أنت بهذا ومن بلغك؟"
قالت بغيظ "رأيتك من الشرفة منذ قليل ..وشأني أني زوجتك ولي حقوق عليك"
اطلق جابر ضحكة ساخرة ورد متهكما "والحقيقة أنت تقومين بواجباتك ولهذا تطالبين بحقوقك"
زمت شفتيها تناظره بغيظ فأضاف موضحا " كنت اوصل كريم الذي رأيتني معه إلى بيت هلال ..هل هذه الاجابة أرضت روح الفضول عندك؟!"
هتفت بغيظ "وهل هذه طريقة تتحدث بها مع زوجتك؟"
رد ببرود وهو يصعد السلم "حين تتحدث زوجتي بلهجة هادئة ولا تستقبلني بالتحقيق والصوت العالي وقتها سأتحدث معها بلهجة مختلفة"
تجاوزها يصعد السلم فتبعته بأنظارها تسأله "وماذا كان كريم يفعل معك؟"
رد دون أن يتوقف أو يلتفت إليها "هذا شيء لا يخصك"
صعدت خلفه تصيح بعصبية "كلما تحدثت معك تقول هذا لا يخصني"
أجابها بلهجة حازمة "لأنك تتدخلين في شئون عملي ..وأنا لا أحب ذلك"
نادته قبل أن يصل لغرفته "جابر"
رد دون أن يلتفت إليها" نعم"
سألته بغيظ "إلى متى سنظل هكذا؟"
أمسك بمقبض الباب وأجاب "إلى أن يحلها الله "
عقدت حاجبيها بعدم فهم بينما دخل جابر غرفته فأسرعت تدخل خلفه تقول" لم أفهم"
قال بإنهاك وهو يخلع عنه جلبابه "ماذا تريدين يا كاميليا؟"
تأملت جسده الرجولي واعترفت لنفسها بأنها اشتاقت للعلاقة الحميمة معه فقالت بلهجة أقل حدة" متى سنعود كما كنا"
ناظرها بطرف عينه ثم قال" تقول الست أم كلثوم (قل للزمان أرجع يا زمان)"
اهتاجت مشاعرها الانثوية فقالت وهي تتطلع في تفاصيله "أنا قررت إنجاب الطفل الثاني"
رفع حاجبيه ثم استدار لها يقول بلهجة ساخرة "حقا! ..أنا في غاية السعادة أنك وصلت لهذا القرار أخيرا"
استدركت تحاول التخفيف من طريقة حديثها فقالت "اقصد بأني من أجلك أنت ومن أجل رغبتك سأنجب للمرة الثانية رغم ما أعانيه في الحمل"
وقف أمام الخزانة يقول " لكني لا أريد"
عقدت حاجبيها وقالت بعدم فهم "ماذا تعني ألم تقل..."
نظر إليها يرد ببرود "أجل قلت .. وطلبت من قبل أكثر من مرة ..لكني لم أعد أريد"
شكوكها في كونه يفكر بالزواج بأخرى بدأت تزيد فصرخت تقول" لماذا؟"
نظر إليها يغمغم" كاميليا ..أنا متعب ومرهق بعد يوم طويل اتركيني وحدي"
فتح خزانة الملابس يخرج ملابس نظيفة .. بينما وقفت هي تقيم الوضع .. إنها تشعر به يتباعد كل يوم أكثر من الأخر ..وفي نفس الوقت كبريائها وغرورها لا يسمحان لها بالتنازل والمبادرة من جانبها.
اخرج جابر هاتفها القديم من فوق الرف أمامه يقول وهو يلقي به على السرير "بالمناسبة هذا هاتفك أرجو أن تكوني قد استوعبت الدرس ..وتوقفت عن مراقبة هذه وتلك فأنت بذلك ترتكبين ذنوباً.. اشغلي نفسك بشيء مفيد "
ناظرت الهاتف الملقى على السرير من علو ثم عادت إلى ما هو أهم تقول "وإلى متى سنظل على هذا الوضع بيننا؟"
تقبض الأخير صامتا لبرهة يرتب أفكاره المبعثرة ثم رفع إليها أنظاره يقول بلهجة جادة" سيستمر طالما نحن كما نحن ولم يتغير أحد منا"
عقدت حاجبيها وارتسم الغباء على ملامحها فقال جابر "سأظل في هذه الغرفة يا كاميليا ولن أعود للغرفة الأخرى "
طعنها في صميم غرورها وهي التي كانت تخطط لأن تغريه اليوم لتحمل منه فتكون لها الكلمة العليا بهذا الحمل .. فتماسكت ورفعت ذقنها تقول ببرود متعمد "هذا شأنك وأنت الخاسر"
ناظرها بحدة .. فقالت تداري شعورا بجرح كبريائها " ولكن إياك أن تفكر بالزواج بأخرى .. أنا لن أسمح بذلك أبدا"
انقلبت مقلتيه وقال بلهجة غاضبة أخافتها رغم برودها الظاهري " أولا إذا أردت الزواج فلن انتظر رأيك ولن يوقفني أحد ما دمت لن أظلمك .. ثانيا أنا غير راغب لا في الزواج ثانية ولا ثالثة .. ولم أعد أرغب في أي شيء .. سنبقى أنا وأنت في هذا البيت من أجل ميس فقط حتى نموت .."
صاحت بغيظ "وهل تعتقد بأني سأقبل بحياة مثل هذه؟!"
حرك كتفيه ببرود استفزها قائلا " هذا يعود إليك .. قرري واخبريني ولن أقف في طريقك"
اتسعت عيناها وسألته باستهجان "ماذا تعني؟؟؟؟"
رد مستمرا في بروده "اعني ما فهمتيه"
صرخت بغير تصديق "ولماذا كل هذا !!!.."
أجاب ببساطة " لأن أنا وأنت فشلنا في إيجاد أرضا مشتركة نقف فوقها سويا يا كاميليا "
كشرت ملامحها الجميلة وهتفت باستنكار "كل هذا من أجل الموقف الأخير الذي لا أعرف ما علاقته بنا؟؟!!"
نظر لأعلى بيأس ثم عاد يقول من بين أسنانه " الموقف الأخير كان القشة التي قصمت ظهر البعير ..والبعير كان يحمل كثيرا يا كاميليا.. كان حصاة صغيرة ألقيت في كأس مملوءا بالماء على آخره ففاض بما فيه .. لكن الحقيقة هي أني على مدى سنوات كنت أحاول وحدي..أحاول أن اشعر معك بالرفقة الحسنة ..بالدفء ..أن أشعر معك بأني حي .. أتفهمين معنى ما أقول يا كاميليا .. حي ..ليس مجرد كائن يأكل ويشرب ويفرغ شهوته .. حاولت احتوائك توجيهك الصبر عليك تهذيب طباعك التي تظهر وتتوضح كلما مر بك العمر .. حاولت كثيرا معك .. ( وصمت قليلا يتطلع فيها متسمرة كتمثال تحاول استيعاب ما يقول ثم أضاف) حين تقدمت لخطبتك وخلال الفترة القصيرة التي سبقت زواجنا كنتِ تُجيدين التَجَمُّل.. ( اتسعت عيناها فقال بإصرار ) أجل التجمل .. هذا ما أدركته خلال تحليلي لما حدث .. كنت تتجملين يا كاميليا .. تخفين أو تهذبين من طباعك لأن هذا لا يحدث أبدا بين يوم وليلة.."
عوجت كاميليا شفتيها تناظره كمن تتطلع في مجنون بينما أضاف جابر بضيق شديد وهو يستقبل منها هذا الاستخفاف بما يقول "أتعلمين.. الأمر اشبه باثنين جلسا بجوار بعضهما في رحلة قطار ..في البداية كانا يظهران لبعضهما كل ما هو جميل ومبهر .. ويسقطان عمدا أمورا أخرى بحسن نية.. مع مرور الوقت بدأ من كان يتجمل منهما أن يتخلى عن أقنعته رويدا رويدا .. ويترك نفسه على سجيتها .. فنضح الإناء بما فيه ..بدون تجمل ..بدون حرص .. ومن جهتي أنا ما قدرت عليه حجّمته فيك .. لكن حين يكون العطب هنا وهنا (واشار على عقله وقلبه)صعب جدا بل مستحيل التغيير .."
"وأنت ملاك بالطبع ولا تخطئ أبدا !!"
قالتها كاميليا بغيظ تشعر بالاختناق من تعقيداته التي تصيبها بالصداع فرد جابر معترفا " لا .. لست ملاكا بالتأكيد ولا أطالبك بأن تكوني ملاكا .. فقط.. كوني إنسانة يا كاميليا.. انسانة بسيطة ..طبيعية.. اشعري بالأخر .. اشعري بمن حولك .. اعط قبل أن تأخذي "
أشارت بسبابتها نحوه تقول بغيظ "هذا هو أول عيوبك.. أنك معقد"
ساد الصمت قليلا ثم هز جابر رأسه يقول معترفا " يبدو كذلك ..لكني للاسف لا استطيع أن أتغير ..مشاعري كلها مرتبطة بقيمة الشخص عندي وقيمته تأتي من أفعاله ومبادئه وسلوكه "
ناظرته وقد لاح الغباء على وجهها فأخذت ترمش عدة مرات تحاول فهم كينونته المعقدة بالنسبة لها فقال جابر "أرأيت ..أنا وأنت لا نملك لغة مشتركة بيننا ..عموما نكتفي بهذا القدر وكما قلت سأترك لك القرار"
قالها وترك الغرفة إلى الحمام بينما وقفت هي تتطلع في أثره بغضب شديد ..تلجم نفسها بقوة حتى لا تتفوه بما يلح في رأسها لحظتها .. والكفيل بأن يلقي عليها بيمين طلاق ألا وهو ..
هل كان يحلم أصلا بالزواج منها!!.
××××

قالت مليكة وهي تطوي الملابس في جلستها على السرير بينما الهاتف ملقى بجوارها "مازلت غير مصدقة أن كامل أيضا يذكرك .. هذا الموضوع أفكر فيه منذ أن اخبرتني به ولا استطيع استيعابه حتى الآن "
جاءها صوت بسمة مجهدا يخرج عبر مكبر الصوت الخاص بهاتف مليكة " أجل .. والحقيقة أشعر بارتباك شديد لما حدث اليوم أيضا"
قالت مليكة بصوت عالي باندهاش وهي تتحرك نحو الخزانة لتضع الملابس المطوية" تلك الصدفة غريبة يا بسمة .. القصة كلها غريبة .. تقابلين التوأمين قبل ثلاث سنوات أمام فيلّاتهما .. وكامل بالذات تقولين بأنه كاد أن يهجم عليك يومها .. ثم يتعرفا على مفرح بعدها بعام أو عام ونصف ويأتيان إلى هنا .. وكامل بالذات يستفزك بشدة .. وتجدين نفسك لازلت تذكرينه حتى بعد أن فقد وزنا هو وتوأمه .. وذلك الحدس الغريب في مقدرتك على التفريق بينهما .. كل هذا قد أستطيع استيعابه واستطيع تصديق أنك لازلت تذكرينهما لأنهما توأمان متطابقان ومن بلد عربي آخر .. لكن الشيء الذي لا استطيع استيعابه أن يتذكرك كامل!! .. أتفهمين ما اقصده يا فتاة؟!.. أنت قلت الرجل وقف أمام البوابة قبل ثلاث سنوات لدقيقة ينظر إليك .. فقط دقيقة … كيف تحتفظ ذاكرته بصورة شخص رآه لمدة دقيقة وفي ظرف كهذا !! "
فُتح باب الغرفة الموارب فجأة وظهر مفرح..
ظهر بهيئة مخيفة فاجأت مليكة وهو يناظرها بنظرات ذاهلة لم تفهم سببها لأول وهلة..ولم تسمع ما تقوله بسمة عبر مكبر الصوت الآتي من فوق السرير " أنا ايضا تعجبت يا مليكة حينما علمت بأن كامل لا يزال يذكرني.. الأمر به شيء غامض وغريب .. غريب كغرابة كامل هذا وكل ما يصدر منه نحوي .."
امتقع وجه مليكة ولم تعرف ماذا تقول بينما قال مفرح بفحيح مرعب "ما هذا الذي اسمعه؟؟!!"
ردة فعل مفرح وهيئته سمرتا مليكة مكانها لوهلة بينما أضاف هو صائحا " ما هذا الذي اسمعه .. أهناك شيئا لا اعرفه يا مليكة؟!!!"
انتفضت من صياحه ونظرت للهاتف واستطاعت أخيرا إعطاء أمر لجسدها ليتحرك حتى تلتقطه من فوق السرير بينما عضت بسمة على شفتها السفلى تشعر بحرج شديد .. ولم تدر ماذا تفعل.. هل تغلق الخط .. أم تنتظر فغمغمت في سرها "أكان لابد من مكبر الصوت يا بنت الصوالحة !!"
هدر مفرح وهو ينقض ليمسك بمعصم مليكة الممسك بالهاتف "هات"
تركت له مليكة الهاتف الذي وضعه على أذنه وسأل بسمة بصوت غاضب رغم أن مكبر الصوت لا يزال مفتوحا" ماذا يحدث يا بسمة؟؟ .. هل تعرفين توأمي غنيم من قبل؟؟"
ارتبكت بسمة وردت" لا اعرفهما .. فقط رأيتهما ذات مرة قبل ثلاث سنوات ونصف تقريبا.. كان كامل يتعارك مع أحمد سماحة وذهب سيد ليدافع عن أحمد وكنت معه هذا كل شيء"
نظر مفرح لمليكة بعينين جاحظتين وغمغم بعدم استيعاب " سيد !.. سيد صبرة!! .. كامل وشامل يعرفان سيد صبرة !!! (وهدر في الهاتف بصوت مخيف ) ولماذا لم تخبريني؟.. ولماذا لم يخبرني أحد .. هل أنا آخر من يعلم ؟!!"
بلجلجة وارتباك غمغمت بسمة "الموضوع بسيط وصدفة يا مفرح وظننت بأنه .. اقصد بأنهما لا يتذكراني و...."
بنفس اللهجة الغاضبة قال مفرح "لكن كامل أخبرك بأنه هو الآخر يذكرك .. متى أخبرك بهذا؟.. وأين تتحدثان؟؟ هل تتواصلين أنت الأخرى معه على الواتساب من خلف ظهري ..تكلمي"
صاحت بسمة بغضب " أهذا تحقيق يا مفرح؟؟.. لمَ أنت منفعل بهذا الشكل؟!!.. الموضوع بسيط وكان حديثا سريعا أمام البيت كنت أخبره عن شيء يخص البيت .."
هدر بعدم استيعاب والشياطين تفتح عليه أبواب الجحيم " بسيط ؟؟!!!... تقولين بأن الموضوع بسيط!!!"
هتفت بغيظ وقد شعرت بالإهانة "لماذا تصرخ يا مفرح ماذا حدث لكل هذا؟؟"
رد من بين أسنانه وهو ينظر لمليكة الذاهلة من حالته " حدث أنني آخر من يعلم بينكم .. حدث أن هناك ما يدور من خلف ظهري وأنا أجهله .. ماذا تظنونني !..( وهز رأسه عدة مرات ) لكن هذا خطئي أنا ..أنا من منحت الثقة كالأبله .. "
صاحت بسمة متعجبة " مفرح لم يحدث شيء لكل هذا الانفعال!!"
ضرب الهاتف بعصبية في الخزانة فانتفضت مليكة مرتعبة .. ثم وقف متخصرا جاحظ العينين ينظر في أرض الغرفة وصدره يعلو ويهبط يحاول استيعاب ما علمه للتو ..
لقد وصل منذ دقائق ينوي بأن يغتسل ويبدل ملابسه ليلحق بالتوأمين اللذين لا يزالا في بيت الجد صالح ليتفاجأ بهذه المعلومات الغريبة والصادمة له .
اقتربت مليكة منه قلقة بشدة من حالته الغريبة تقول " اهدأ يا مفرح ..ماذا حدث لكل هذا الانفعال ؟"
امسك بمعصمها بقوة فشهقت متفاجئة من رد فعله خاصة حينما هدر فيها " كيف لم تخبريني يا مليكة!!.. كيف لم تخبريني بأن بسمة تعرف التوأمين من قبل حضورهما إلى هنا؟؟!!"
غمغمت بارتباك " صدقني كانت مجرد صدفة .. وكنا مندهشات من حدوثها .. ولم نتخيل أن كامل يذكر تلك الصدفة كما أن الموضوع بسيط و..."
غمغم مفرح من بين أسنانه متوعدا "كامل..."
قالها واستدار كقذيفة من لهب يغادر الغرفة.
بخوف شديد عليه أسرعت مليكة لتلحق به لكنها تفاجأت به يضرب باب الشقة خلفه بقوة .. فأمسكت بقلبها تقول "استرها يا رب ..استرها"
××××
بعد قليل
سعلت بسمة بقوة وقالت لوالدتها التي تقف بجوار سريرها تمسك بمبخرة والدخان العطري يملأ الغرفة "كفى يا أمي بالله عليك"
قطعت فاطمة تمتماتها الهامسة وردت "اسكتي يا بسمة اسكتي ودعيني أبخرك من شر حاسد إذا حسد .. اعوذ بالله من أعين الناس (ونظرت لقدم بسمة المربوطة على السرير وقالت بتعاطف ) من شر حاسد إذا حسد ..من شر حاسد إذا حسد .. ألن يتركوك الناس في حالك أبدا !"
قالت بسمة لتطمئنها" الحمد لله على كل شيء يا أمي كان حادثا بسيطا"
عادت فاطمة لمبخرتها وتمتماتها بينما شردت بسمة بقلق فيما حدث منذ قليل .. فلم تتوقع أن يثور مفرح كل هذه الثورة لأنها لم تخبره بأنها شاهدت التوأمين من قبل ..
وسألت نفسها ..لمَ تشعر بالتوتر والقلق ؟..
نامت على جنبها تتوسد ذراعها .. وأعادت شريط ما حدث اليوم.
لم تفكر فيما بدر من الدكتور مهاب .. ولم تفكر في شجار والدها معها اليوم بمجرد أن عادت من المستشفى مع وليد وتهديده لها بإغلاق المشروع إن لم تتعجل في اختيار عريس من بين المتقدمين لها وعلى رأسهم بدير الذي أخبرها والدها بأنه يلح عليه بشدة وعليها أن تسرع في الاختيار حتى يتخلص من إلحاحه ..
لم تفكر في كل هذا ..
بل شغلتها لحظة واحدة ..
لحظة كانت مرتعبة فيها من منظر الدم الذي بات يدخلها في حالة من حالات الهلع..
لحظة كان التوأمان موجودان ومعهما مهاب ..وعقلها يدرك بأن أم هاشم بالداخل ..
لكنها استنجدت به هو ..
نطقت بتلقائية باسمه هو ..
وكأنها لم تكن ترى إلا...
هو .
إن الأفكار تعصف بها منذ مدة .. لكنها تجادل نفسها خوفا من الاعتراف بحقيقة مرعبة ..
أجل مرعبة ..
فلأول مرة تختبر الحب .. الحب بمعناه المجنون .. الخارج عن السيطرة ..
الحب الذي يأتي كالقدر .. كالصاعقة .. فيسلبك قلبك وحواسك .. ويمنحهم لشخص آخر..
شخص تخشى من الوثوق به ..
شخص ..
هو مجرد عابر سبيل في حياتها جاء ليخطف قلبها ثم يهاجر بغير رجعة ..
عند تلك الخاطرة ارتجف قلبها..
وحين تذكرت ردة فعل مفرح ازداد خوفها ..
فأسرعت بالتقاط الهاتف تطلب رقم صاحبتها من جديد وتقول بقلق " مليكة طمئنيني ماذا حدث "
××××
إن الشعور بالخيانة قد طعنه بخنجر .. وفتح جرح قديم متقيح في صدره .. فكانت صدمته بعد أن سمح لنفسه بأن يثق في توأمي غنيم شديدة..
ترجل مفرح من سيارته أمام بيت الجد صالح ثائرا ..ودفع البوابة بعنف يقطع ساحة البيت بخطوات متعجلة حتى وصل باب البيت وضغط على الجرس بقوة وإلحاح أجفلت التوأمين بالداخل .. فاسرع شامل يفتح الباب ليجد قبضة قد انفجرت في وجهه.
اسرع كامل إليه مذهولا وهو يتطلع في توأمه الذي يضع يده على فكه ويناظر مفرح بصمت ذاهل فهتف الأول"ماذا تفعل يا مفرح؟؟؟!!"
بعينين تشتعلان بغضب متأجج وقف مفرح أمامهما متخصرا يقول بابتسامة ساخرة وصوت كالفحيح " مفرح لم يفعل شيئا بعد"
نظر التوأمان لبعضهما ثم عادا ينظران إليه فهدر مفرح بغضب مشتعل "هل كنتما تعرفان بسمة ابنة خالي قبل مجيئكما إلى هنا ولم تخبراني؟!"
تفاجأ التوأمين بسؤاله فهدر مفرح فيهما "تكلما"
رد كامل بهدوء حذر "تقابلنا صدفة مع زوجها السابق"
هز مفرح رأسه عدة مرات بعصبية وغمغم "وتعرفان زوجها السابق أيضا ما شاء الله !.. ( ثم سأل بخفوت مرعب ) ولماذا لم تخبرني يا كامل ؟"
رد بهدوء استفز الأخر "ولماذا أخبرك؟"
أمسك مفرح بتلابيبه يرفع إليه أنظاره الغاضبة قائلا " وكيف وقفت مع بسمة تتسامر معها وتخبرها بأنك قد رأيتها من قبل!!"
صاح كامل يوضح بلهجة مستنكرة "أنا لم أقف معها بشكل متعمد .. كنت أسألها عن شيء يخص البيت.. ولهجتك هذه لا تعجبني يا مفرح "
بعينين جاحظتين سأله مفرح وكأنه لا يستوعب ما يقال بقدر ما هو يطرح أسئلة تتفجر كالقذائف في رأسه " وهل تعارفكما بي كان صدفة أيضا ؟!!"
اتسعت عينا كامل وغمغم باستنكار " لا حول ولا قوة إلا بالله !.. ( ونفض يدي مفرح عن ملابسه بخشونة وأكمل ) أأنت غبي يا بني!!.. أنت من جئت لصالة الالعاب الرياضية ونحن كنا أعضاء به من قبلك "
عاد مفرح يمسك بملابس كامل بيد وهتف بلهجة خطرة وهو يرفع سبابته أمامه "احترم نفسك وأعلم مع من تتكلم.. أنا مفرح الزيني"
رفع كامل أنظاره للسماء وتقبض بقوة يطحن ضروسه متحكما في أعصابه بقوة حتى لا يرد بعنف تلح عليه أعصابه المستفزة بينما تدخل شامل قائلا بلهجة عاتبة "ما هذه اللهجة يا مفرح؟"
ترك مفرح ملابس كامل وأدار وجهه لتوأمه يقول وهو يرفع سبابته في وجهه " أنت بالذات تصمت فخيبة أملي بك كبيرة .. أحرجتني أمام الرجل وتواصلت مع البنت البريئة من خلف ظهري .. حتى لو كان غرضك شريف .. ما فعلته كان طعنة في صداقتنا "
كان كلامه قاسيا جدا على شامل الذي تأثر شاعرا بالذنب فاستشاط كامل غضبا مشفقا على توأمه ودفع مفرح من كتفه وكأنه يرغب في استقبال غضب مفرح وحده قائلا" ما هذه المبالغة يا بني آدم !.. شامل لم يكن يلهو مع الفتاة .. من الطبيعي أن يتعرف عليها قبل أن يفكر في الارتباط بها خاصة وأن لها وضعا خاصا ..."
دفعه مفرح بدوره بقوة في كتفه وتحرك نحوه خطوتين متحديتين هادرا " لماذا لم تخبرني يا كامل بأنك قد رأيت بسمة من قبل؟؟"
رفع كامل قبضتيه أمامه يضغط عليهما بشدة في محاولة لتحجيم طاقة الغضب التي تشتعل في رأسه لحظتها حتى لا يتطور الموضوع ويخسرا بعضهما ورد من بين أسنانه " لأن الموضوع لم يكن يستحق لأن أخبرك"
أوشك مفرح على الانقضاض عليه فتدخل شامل بينهما يمسك بمفرح قائلا بلهجة واجمة " اهدأ يا مفرح أرجوك .. بهذا الشكل سنخسر بعضنا .. أخبرنا لمَ أنت منفعل بهذا الشكل المبالغ فيه "
أبعده مفرح عنه وعدل من ملابسه بكبرياء ثم ناظرهما يقول آمرا "هذا البيت تتركاه فورا.."
هتف شامل بغير تصديق " مفرح!!"
أصر الأخير على قوله مضيفا " غدا قبل الظهيرة أريده خاليا من أي شيء يخصكما"
انفلتت أعصاب كامل واقترب يدفعه بقبضته في صدره قائلا باستنكار " هذا بيتي وليس لك الحق في طردي منه.. أهو ملك لك؟!!"
صاح مفرح بغضب وإصرار " ستخرجون من هذا البيت ومن البلدة كلها "
صاح كامل بغضب مماثل معاندا وهو يقف متخصرا أمامه بتحدٍ" وأنا لن اتحرك من هنا وأريني ماذا ستفعل"
وقف شامل يفرق بينهما من جديد قائلا "نهدأ يا شباب نهدأ ارجوكما"
تجاهله مفرح وقال لكامل الواقف خلف توأمه مشيرا بسبابته مهددا " اسمع يا كامل .. أنت حقا لا تعرف ماذا يمكن أن يفعل مفرح الزيني بك وبأخيك .. فاتقي شري واختر سلامتكما أفضل ونفذا ما قلته"
بعناد تحرك كامل ليقف بجوار أخيه متخصرا يقول ببرود " لن أفعل شيئا وأعلى ما في خيلك اركبه ..لا أنت ولا بسمة ولا أي أحد سيخرجني من بيت استأجرته ومعي عقده "
انقض مفرح بسرعة يلكمه في وجهه قائلا "أنت مصر أن تقف في وجهي إذن "
جز كامل على اسنانه وزمجر غاضبا والشرر يتطاير من عينيه وهم بالهجوم عليه .. لكن شامل أحاط بتوأمه من الخلف بقوة قائلا "اهدأ يا كامل .. اهدأ أرجوك .. من الواضح أنه ليس في حالة طبيعية"
تقبض كامل بقوة ونفض توأمه عنه بعنف ثم تحرك مغادرا يترك البيت قبل أن يؤذيه بينما قال شامل لمفرح" اهدأ يا مفرح وتعال لنتكلم .. ولو كنا أخطانا .. حقك فوق رؤوسنا"
صاح الأخير بجنون " أنا لا أريد اعتذارا .. أريد أن تغادرا البلدة ولا تعودا مجددا .."
قال شامل بإصرار" سنعود يا مفرح ..أنا شخصياً سأعود من أجل ونس وسألح على والدها ليثق بي ويوافق .. وبالنسبة لموضوع الباشمهندسة بسمة لم نخبرك لأن الأمر محرج.. تخيل أنت أنك قد قابلت ابنة خالنا يوما .. هل لو رأيتها معنا ستبادر بالقول (بالمناسبة لقد قابلت ابنة خالكما من قبل).. لقد تحرجنا من ذكر الأمر يا مفرح"
لم يكن الأخير في حالة نفسية أو ذهنية تؤهله لاستقبال أي مبررات واخضاعها للمنطق .. فتحرك مغادرا وهو يقول لاهثا من فرط الغضب "هذا البيت يتم إخلائه قبل ظهر يوم غد ..وإن لم يحدث ..."
بلهجة قاطعة قال شامل " سنخليه يا مفرح .. سنخليه ليس لأننا خائفان مما تهدد به .. ولكن تحقيقا لرغبتك .. رغم أنك لست صاحب الحق في ابقائنا أو طردنا لكننا سنغادر البيت يا صاحبي"
استدار مفرح إليه وقد استفزته الكلمة الأخيرة وقال محذرا وعيناه تلمعان بغضب مجنون " لا تقول صاحبي .. أنا ليس لدي أصحاب .. هل سمعت ؟.. ليس لدي أصحاب .. فانسيا أنكما كنتما تعرفان مفرح الزيني.."
قالها وغادر تاركا باب البيت خلفه مفتوحا .. فوقف شامل في بهو البيت يناظر أثره مذهولا لا يفهم ماذا يحدث معه بالضبط .
أما مفرح فأسرع بإلقاء نفسه في سيارته واشباح الماضي تطارده ..
تقلب عليه ذكريات أليمة خانقة ..
حارقة في طعنتها ..
ذكريات لايزال طعمها مرا كالعلقم في الافواه..
رغم مرور السنين.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close