رواية رماد العنقاء الفصل العاشر 10 بقلم داليا الكومي
الفصل العاشر ________________اعتراف
" وقيدك يطوقنى بالنار يُهلكنى ... افتح لي باب الحرية واطلقنى فاذا عدت من تلقاء نفسي فاعلم ان الرابط بيننا كان اكبر من القيدِ "
اقامتها في قصر راموس لم تكن كارثية تماما كما كانت تتوقع ... فبعد ان صفى ذهنها قررت الاستفادة من وضعها لاقصى درجة.. ربما تستطيع دخول مكتبه اوغرفة نومه ...طوال اسبوع كامل وهى تجمع المعلومات معرفتهم بجهلها للغة البرتغالية جعلت الخدم يتحدثون امامها بحرية وهى كانت تجمع كل ما تستطيع جمعه من كلمات وتخزنها في عقلها وبواسطة القاموس الذي وجدته في مكتبة راموس الضخمة استاطعت ترجمة بعض الكلمات ... هنئت نفسها عندما استاطعت سرقة القاموس واخفائه في ملابسها .. ذكائها الفطري وحبها للغات مع روح التحدى التى اثارها فيها حب يوسف جعلوها تأكل القاموس اكلا واستاطعت فهم القليل من الجمل التى مكنتها من معرفة مكان غرفة نوم راموس لتتفاجأ بأن غرفته هى الحجرة الثالثة بعد حجرتها والتالية بعد حجرة يوسف... يوسف وضع نفسه في المنتصف بينها وبينه ... المدهش ان يوسف تجنب رؤيتها خلال ذلك الاسبوع ... بعد اعترافه لها بعلاقاته النسائية العديد ... تسألت مرارا عن الباب المغلق في غرفتها الذى يؤدى الي غرفة يوسف... حاولت فتحه مرارا لكنها لم تستطع ... في البداية اعتبرت الباب مصدر تهديد لسلامة عقلها وافكارها الجنوني كنت لا ترحمها وسهرت الليالي تراقبه ولكن بعد مرور بضعة ايام وهو مازال مغلق قلقها بدأ في التلاشي فلو اراد يوسف استخدامه لكان استخدمه منذ مجيئها ...فيكتوريا فيرنانديز اختفت من القصر منذ يوم مجيئها ولم ترها مرة اخري لكنها سمعت اسمها يتردد كثيرا بالامس ... هل ستعود قريبا لاستعادة يوسف ...؟ حربها متشعبة وفي كذا جهة .. واصعبها علي الاطلاق حربها ضد مشاعرها الخاصة ..غيبته جعلها تشتاق اليه وتتمنى ان يحتويها مجددا ولو لمرة واحدة .. ولو حاول امتلاكها مجددا فلن تعترض ابدا الأن ...
حددت ايضا مكان مكتب راموس .. لكن الحراسة الامنية الضخمة بجوار المكتب اعلمتها انها لن تستطيع التسلل الي هناك ابدا ... يتبقي غرفته ... فقط غرفته من السهل دخولها وعندما تسنح لها الفرصه سوف تدخلها ....كان لها حرية التجول في القصر وفي الحديقة لكنها تجولت بحرص ... فهى ما زالت لا تثق في يوسف وربما يدبر لها امر ما بعد انتهائها من فطورها قررت التجول في اجنحة القصر الواسعه كاحلها الان شفي تماما ولم يعد يؤلمها ... هى كانت تعلم ان راموس يراقبها باستمرار لذلك ظلت لايام تتظاهر بتفحص تحف القصر الرائعة التى جمعت بحرفية من كل مزادات العالم ... جولتها اليومية حرصت علي التصرف فيها يوميا بصورة غير روتنية لارباك الحراسة فكانت تخرج من النوافذ للحديقة وتعود من الباب ... لعدة مرات كانت تدخل المكتبة وتغيب فيها بالساعات فيها ... اليوم ايضا دخلت الي المكتبة لكنها راقبت الحارس الذي يلازمها مثل ظلها من خلف الباب .... شاهدته ينسحب وهو يتحدث في هاتفه النقال وهو يتوقع قضائها لساعات مثل كل يوم .... اخيرا الفرصة التى تنتظرها اتتها علي طبق من ذهب وربما لن تتكرر ابدا انتهزت فرصة اختفائه وتسللت خارج المكتبة ...اتجهت الي الطابق العلوي سريعا وفي نيتها دخول غرفة راموس ... لكنها قبل ان تأخذ الرواق المؤدى لجناحهما شاهدت من بعيد فريق طبي يغادر احدى الغرف في الجهة المقابلة للدرج .... اختبئت خلف تمثال ضخم وانتظرت مغادرة الفريق الطبي بصحبة حراسة راموس امل صغير بدء يراودها ... ربما والدتها هى المريضة التى يعاينها الفريق الطبي ... حبست انفاسها حتى تاكدت من مغادرة الجميع ثم اتجهت بخفة الي الغرفة المنشودة للحظات تخشبت امام الباب ... ماذا تفعل ... ربما توجد والدتها بالفعل ولكن يتواجد برفقتها احدهم ... ..؟ او ربما المريض بالداخل شخص اخر وهى تتطفل ... فكرة مجنونة جعلتها تكاد تختنق .. ربما راموس العجوز بنفسه مريض ... شعرت بباب الغرفه يفتح وقبل ان تستطيع الحركة شاهدت يوسف يخرج من الغرفة وعندما شاهدها امامه فتح لها الباب علي مصرعيه ... والدتها كانت تستلقي علي سرير طبي ويبدو عليها انها تلقت عناية طبية جيدة للغاية ... بدون تفكير في وضعها لارا دخلت الغرفة فورا والقت بنفسها علي والدتها وبدأت في البكاء بانهيار.... حبيبتى الغالية افتقدتك ... والدتها نظرت اليها بحب غامر .. اه لو تستطيع تحريك يدها للحظات فقط كى تتمكن من ضم ابنتها اليها وكأنما لارا شعرت بوالدتها فاحتوتها هى بحنان عارم .... حبيبتى اشتقت اليك ...كيف حالك..؟ -سامحينى لعدم تمكنى من زياراتك طوال الاسبوع الماضي ...لم يكن امرا بيدى امى .. يوس.. زهرة قاطعتها بحنان ... - انا ادرك جيدا ان أي غياب لن يكون باختيارك حبيبتى ... انت تعلمين انهم في نيويورك منعوا عنى الزيارات الاسبوع الماضى وفقط وصلت هنا من ساعتين ... لارا بهتت من المفاجأة فهى كانت تعتقد ان والدتها في قصر راموس منذ يوم قدومها لكنها اكتشفت انها وصلت من نيويورك اليوم فقط ... لارا ارادت اخفاء حقيقة وضعها عن والدتها لكنها ورطت نفسها في كذبة لا يعلم الا الله كيف ستمر دون اثارة قلقها ...
لحسن حظها يوسف تدخل مباشرة لتدارك الوضع... خاطب والدتها يشرح.. .. - انا لم ارد اثارة قلق لارا لذلك لم ابلغها بمجيئك حتى تستقرين زهرة ادارت وجهها للجهة الاخري البعيدة عن يوسف ... تجاهلت كلامه وقالت للارا... كيف حالك حبيبتى ...هل انت بخير ...؟-لارا هزت رأسها بضعف .... - بخير امى الحمد للهرغما عنها اغرقت عينيها بالدموع ..... افتقدتك كثيرا امى ...لا اريد ان ابتعد عنك مجددا-لابد وان ينهى اللقاء الان ... الكثير من الكلام قد يكشف ما لا يرغب في كشفه الأن ... صدقى لارا او لا تصدقين انا افعل ذلك لمصلحتك ..... يوسف تدخل للسيطرة علي الوضع ... - الممرضة الخاصة بوالدتك ستعود في لحظات ... دعيها ترتاح لارا .. سنعود لاحقا ... وفي حركة استبدادية وضع ذراعه حول كتفيها وقادها الي خارج الغرفة ما ان اصبحوا خارج غرفة زهرة واطمئنت لارا ان باب الغرفة مغلق بإحكام حتى دفعته لارا عنها بشراسة ..... وقالت بغضب هادر.. - انت حقير مثل ولي نعمتك ... لماذا اختطف ذلك الخنزير والدتى ..؟ الم نتفق في صفقتنا علي ان يسدد رسوم مركزها الي الابد ...؟ يوسف اقترب منها مجددا.... - بلي لارا وهذا ما فعله لكن انت لم تشترطى مركز القاهرة لذلك انا اعتقدت ان وجودها بجوارك افضل لك ... بدون ان تشعر لارا وجدت نفسها تصفعه علي وجهه بكل قوتها وتقول بغضب ينفث الحمم ... - فكرتك انت ايها الحقير ...؟ انا اعتقدت انها اوامر راموس
انتبهت لفظاعة فعلتها عندما شاهدت الشرر يتطاير من عينى يوسف الذي كان يستعد لسحقها ولسوء حظها مشهد صفعها له كان له جمهور.. فالممرضة التى اخبرها عنها يوسف اختارت تلك اللحظة بالتحديد للعودة لارا كتمت انفاسها وانتظرت عقابها ولكن لدهشتها الشديدة يوسف صب جام غضبه علي الممرضة وصرخ فيها بصوت مرتفع قائلا لها شيء ما بالبرتغالية جعلها تختفي فورا في غرفة والدتها ... لار انتهزت الفرصة واطلقت لساقيها العنان ... لكنها فوجئت بنفسها تُجذب بقوة ومنعت من اكمال طريقها بعنف المها في ذراعها ... شعرت به يكاد ينفصل عن جسدها من قوة جذب يوسف له.... يوسف نظر اليها نظرة ارعبتها .... كان من الواضح جدا انه يسيطر علي نفسه بصعوبة ويمنعها من ضربها ... هى شعرت بحربه الداخلية وهو يقول من بين اسنانه .. - لأخر مرة سأحذرك لارا ... لو كررتى ما فعلتيه مجددا سأضربك ... انا تغاضيت عن ضربك لي مرتين .. لكن لو كررتيها مجددا وبالاخص في وجود جمهور كاليوم ستندمين ... هل فهمتى كلامى جيدا ...؟
لارا هزت رأسها بطاعة كطفل صغير مذنب .. حمدت الله انه فقط الي الأن مازال يحذرها.. يوسف ترك ذراعها و اخبرها ببساطة ادهشتها وكأنه لم يكن سيقتلها منذ لحظات ...استعدى للخروج في خلال نصف ساعة -ثم غادر الي غرفته وتركها تقف بحيرة شديدة... ربما لو لم تستجيب لأوامره فورا فسوف يعود لتأديبها ... التقطت الملابس من الخزانة بدون تركيز وكانت علي اتم استعداد في خلال خمسة دقائق وجلست تنتظره ....
لاول مره تغادر القصر منذ مجيئها .. .تأكدت تماما ان المروحية هى طريقة الوصول الوحيدة للقصر ... فالجرف الصخري يرتفع عن الارض بعشرات الامتار وطريق الصعود اليه غير ممهد اطلاقا وممتلىء بالصخور ... راموس بنى لنفسه قلعة يحتمى فيها من اعدائه ولكنه مهما فعل لن يستطيع الاختباء من عقاب الله له ... يوما ما سيدفع الثمن بالتأكيد وهى تتمنى ان تكون حاضرة لتشاهد عقابه ... يكفيه لعنة قصر المنصوري التى سوف تنال منه.... يوسف لم يكن غاضب منها لكنه لم يكن يريد الكلام فقط غرق في افكاره الخاصة وهى لم تجرؤ علي سؤاله عن وجهتهما ... وانتظرت لتري المروحية التى اقلتها هى ويوسف هبطت علي سطح مبنى كبير وفور هبوطها يوسف قدم يده لمساعدتها لكنها تجاهلتها ... وهبطت بمفردها ... ان كان هو لم يعد غاضب لكنها هى مازالت غاضبة وثورتها تشتعل كلما تذكرت ان خطف والدتها كان فكرته ... اما هو فابتلع اهانتها الصريحة له امام الناس واعطى اوامر بالبرتغالية لقائد الطائرة ثم اتجه الي باب الخروج من السطح الذي كان يقف عليه اثنان من الحراسة اللذان فتحا الباب لهما باحترام شديد ... وقبل ان يترك لها فرصة لإعتراض يوسف قبض علي ذراعها بقوة وهمس بتهديد ....- اهدئى لارا ... لا اريد المزيد من غبائك هنا ,, ان افتعلتى أي منظر سأضربك علي قفاكِ كالطفل العنيد ...
استسلمت تحت قبضته القوية و تهديده الصريح وبدأت تهتز برعشة عنيفة لكن رعشتها لم تكن خوف بل كانت شيء اخر بعيدا عن ذلك تماما .. كأن ذراتها تتفاعل مع لمسته الحارقة ... هبطت معه المصعد الي الدور الارضي .... الي اين قد يصطحبها يا تري ...؟ مازال المكان مجهول بالنسبة اليها ... وفتحت فمها بانبهار عندما ادركت اين هى ... فور ان فتح باب المصعد علمت فورا الي اين اخذها يوسف يوسف اخذها الي اكبر ملجأ لايواء الاطفال المشردين شاهدته في حياتها او حتى توقعت وجوده ...
لدهشتها الشديدة مئات الاطفال تجمعوا حول يوسف واخذوا يتعلقون برقبته بحبور ... ليتها تفهم لغتهم علها ترتاح .... السعادة الواضحة في عيون الاطفال لدى رؤيتهم ليوسف اذهلتها ... الاطفال يعشقونه من قلوبهم .. وكأن رؤيته تسبب لهم سعادة خالصة يوسف حمل اصغرهم بلطف شديد .. طفل لم يتجاوز العامين له وجه ملائكى .... راقبت تعلق الطفل برقبة يوسف بحب .... ودفنه لرأسه في صدره الواسع ... يوسف مد يد الطفل الصغيره الي لارا وقال شيء ما جعل الطفل يمسح وجه لارا بحنان بالغ ... الدموع غلبتها ونظرت الي يوسف بتساؤل ..يوسف اخبرها بلؤم... اخبرته انك ستكونين والدته ....- دموعها الان تحولت لانهار وشلالات ... يوسف يستنزفها ... يستغل ضعفها الواضح ...الملجأ بالطبع هو لراموس فإسم فينيكس طبع في كل مكان تعجبت من حب الاطفال الواضح ليوسف فهو يبدو زائر دائم للملجأ.... حنانه وهو يحمل الطفل جعلها تتخيله اب لاطفالها.... الدوامة التى تعيش فيها الان تربكها الي اقصى درجة ... جميع الامور متداخله بشكل عنيف لم تعد تستطيع التميز بين الخطأ والصواب ... بين الحق والباطل .... كيف لمجرم مثل راموس ان يكون شديد الرحمة بهولاء الاطفال ... فالملجأ مكان اعد بحب وليس فقط مجرد ملجأ عادى ....وكيف لتابع مثل يوسف ان يحظى بكل ذلك الحب من الاطفال ... تمنت مجددا لو كانت تفهم لغتهم لربما استاطعت فهم الكثير مما يدور حولها.... تخشبت عندما القي الطفل بنفسه عليها ...لأول مرة في حياتها تحمل طفل.. الطفل الملائكى رائحته ذكية جدا والتقط في ثيابه الكثير من عطر يوسف... لعنت ضعفها فهى تنزلق لهوة ليس لها قرار .... يوسف استعاد الطفل مجددا ... مسح علي شعره وهو يحدثه ... لم تفهم شيئا من حديثه الي الطفل لكنها علمت انه يسمى الكسندر ويوسف يدعوه الكس
بعد دقائق من حديثهما الكس اشار لها بيده مودعا وانسحب لاكمال لعبه مع الاطفال ....
" وانقلبت الموازين واصبح الشيطان ملاكا يأوي المشردين "
يوسف علم جيدا انها لانت فواصل ضغطه بشدة ...اصطحبها في جولة علي جميع اجزاء الملجأ ... اكتشفت انه لم يكن فقط ملجأ بل كان يحتوي علي مدرسة ابتدائية ومستشفى كبير وفي الخارج لاحظت وجود مسبح وملاعب تنس وملاعب كرة قدم ... الغرف نظيفة جدا كغرف فنادق الخمس نجوم والمشفي مجهز بأحدث الأجهزة والنادى الرياضى مفتوح إستقبال الأولاد بإستمرار ... اما المدرسة فكانت تضاهى ارقي المؤساسات التعليميه... راموس وهب اطفال الشوارع حياة لم يستطع غيره منحهم اياها حتى في احلامهم ... اذن هو ليس شيطانا بالكامل كما كانت تظن ... يوسف جذبها عندما التصقت في الأرض من مشاعرها الجياشه وقادها الي باب كبير علمت منه انه يأخذها إلي اقسام البنات .... مازالت انجازاته تبهرها... راموس اهتم فعلا بالايتام ... لم يكن اهتمامه مجرد واجب ثقيل او شو اجتماعى الغرض منه الظهور بل كان اهتمام حقيقي ... ويوسف كان شخص شهير جدا ... الجميع يعرفونه ويقدرونه بل ويحبونه .. زيارته كنت مصدر سرور للجميع .. العاملين والاطفال وخصوصا العاملات... غيرة عمياء قتلتها عندما القت مشرفة الميتم بنفسها عليه ...علي الرغم من انها شاهدت من قبل فيكتوريا وهى تلقي بنفسها علي يوسف الي انها لم تعرض نفسها علي يوسف او تلتصق به بتلك الوقاحة التى شاهدتها من مشرفة الدار... يوسف ابعدها عنه بقوة وقال لها شيء ما جعلها تنظر الي لارا بكره شديد ثم غادرت الي مكتبها علي الفور ....
فور اختفائها في غرفتها لارا لم تستطع ان تتمالك نفسها وسألته بغيرة واضحة ...- احدى نسائك اليس كذلك ...؟
كانت تعلم انه يتهرب من الاجابة وهو يواصل تعريفها بأقسام الملجأ لكنها اصرت ..- يوسف اجبنى ... انها عشيقتك اليس كذلك ...؟
اجابها وهو يتجنب النظر في وجهها ...- كانت لارا .. كانت..
وعندما شعر انها تتألم امسك بكفيها الباردتين ..- لارا هذا كان في الماضى قبل ان اراك ... اقسم لك لارا اخر علاقة لى كانت منذ سنوات ..انا اعيش كناسك منذ ان .. كان يهم ليقول شيء ما ثم تراجع فورا ... وهى تعلقت بأمل واهى وقبلت صمته ...
لماذا اصطحبها يوسف الي الميتم...؟سألت نفسها مرارا في طريق عودتهما للقصر .. هو كان يعلم جيدا انه سوف يؤثر علي رؤيتها للامور .. في اثناء مغادرتهما يوسف اخبرها ان راموس لا يترك هؤلاءالاطفال الا بعد ان يتموا تعليمهم الي مختلف المراحل التى يستطيعون الوصول اليها ثم يؤمن لهم عمل في شراكاته المتعدده ... فكرة احتلت عقلها فجأة بقوة ... ربما يوسف يدين بالولاء لراموس لانه كان احد هؤلاء الاطفال .... يوسف يتحدث بثقة وهو معروف كليا في الميتم ... علي الرغم من تحذيره العنيف لها في السابق بعدم تجاوز الخطوط الحمراء في حياته الا انها وجدت نفسها تسأله.... - يوسف....انت نشئت في ملجأ راموس اليس كذلك...؟ ولذلك تدين له بالولاء توقعت تلقي جام غضبه فور انتهائها من سؤالها لكن لدهشتها يوسف كان وكأنه ينتظر جملتها لينفجر ويبوح بما اراد اخبارها به منذ زمن .. ماسورة احزانه انفجرت ليخرج منها ملايين العقارب السامة ... غادر مقعده في المروحية والقي امر ما لقائدها جعله يغير مساره .. في خلال دقائق المروحية هبطت علي سطح احد الفنادق الضخمةويوسف اصطحبها لشاطىء خاص ... فقط يوجد هى وهو والبحر بعد دقائق من المشي يوسف قادها الي صخرة ملساء في مواجهة البحر واجلسها عليها .. وقف خلفها مباشرة .. سمعته يتحدث بحزن من خلفها.... - والدتى برازيلية ...لأسباب عديدة ستعرفينها يوما ما اضطرت لمغادرة القاهرة واصطحبتنى معها .... والدتى عاشت في القاهرة احدى عشر عام ثم عند عودتها الي البرازيل كانت تعانى من حالة اكتئاب شديدة وادمنت الخمور ... ادمانها جعلنا نصل إلي القاع ... وقتها كنت فقط في الحادية عشر من عمري ولم اكن استطيع فعل أي شيء لمساعدتها ... لم نستطيع تدبير سكن الا في افقر حى في ريو دى جانيرو... ادمانها وفقرنا جعلاها تنتقل من رجل الي رجل ... كنا نعيش في الحضيض ... لن تتخيلي ابدا ما يحدث في الاحياء الفقيرة في ريو دى جانيرو.... والدتى كانت دائما في حالة سكر شديدة من الهباب الذى كانت تشربه ... وانا كنت مضطرللعمل لتدبير نفقات معيشتنا ... هل تدركين حجم المعاناة عندما يضطر طفل لم يتخط الثانية عشر للعمل وفي بلد غريب ...؟ عانيت كل انواع التعذيب والإضطهاد في حياتى ...اعتدت النوم وانا مفتوح العينين ... اصبح الطبيعى تعرضى لمحاوله اومحاولتين اغتصاب يوميا ... تعلمت قتال الشوارع حتى فقط اتمكن من الصمود... اكلت من النفايات ... كنت اكره العودة الي المنزل كى لا اراها هكذا او اري الرجال لديها ... كنت اموت وانا عاجز عن انقاذها من الوحل الذى تعيش فيه ... ففى النهاية يا لارا انا دمائى شرقية وحامية لكن الظروف كانت اقوى منى ...
وهى من كانت تظن انها كانت تعانى في طفولتها ... قد يعتقد الشخص انه مر بقمة المعاناة حتى يري بنفسه المعاناة الحقيقيه بكل تفاصيلها ... يوسف لم يكن فقط طفل من اطفال الشوارع بل كان طفل تحمل مسؤلية والدته ومسؤلية نفسه في بلد غريب .. لم تتجرأ علي التنفس وسمعته يكمل.. - في يوم عادى في بدايته ككل الأيام عدت الي المنزل انا اجر خطوتى جرا كالمعتاد ولكن عندما وصلت وجدت احد عشاقها يضربها بعنف حتى كاد ان يقتلتها .. لم اشعر بنفسي الا وانا ادفعه بعيدا عنها واقتله لارا شعرت بدموعه تنزل بصمت .. ارادت الالتفاف اليه ومواجهته لكنها خافت بشده من ردة فعله فهو كان في اضعف حالته .... يوسف اكمل بحزن هائل مزق قلبها.... - نعم قتلته ... قتلته بزجاجة خمر فارغة .. ودخلت الإصلاحية ... احدى مؤسسات فرنانديز ...وهناك قابلته ...هو غير حياتى ... انقذنى من مصير مظلم .. كان صاحب المؤسسة الاصلاحية وليست العقابية كما احب ان اسميها .. والآمر الوحيد فيها... اعتبرنى ابن لم ينجبه وانا اعتبرته الأب الذى افتقد وجوده ... ثم اصبحت انا ... اخيرا فهمت اشياء كثيرة لم تكن تستطيع فهمها من قبل ....فهمت ولاء يوسف المطلق لراموس فهو في مكانة والد له ... انقذه من الضياع ومنحه هوية جديدة وفهمت ايضا سر الامتيازات التى يحظى بها فهو ليس مجرد تابع كما كانت تظن ... بل يعتبر ابن فعليا له... من دون كل البشر تتزوج ابن عدوعائلتها اللدود لكنه هو من خطط لذلك الزواج ... ارادت سؤاله .... ارادت معرفة المزيد والمزيد لكنها كانت ايضا تشعر بإنهيار يوسف ... فبركان الذكريات ثائر الان وستنتظر حتى يهدأ... فهو تحدث اليها عن ماضيه من تلقاء نفسه.. شعر انه بحاجة الي التحدث وهى استمعت ... لم تستمع اليه بآذان لارا المتمردة العنيدة التى تشعر بالخديعة بل استمعت بقلب لارا المحبة ... ماضي اسود يفوق ماضيها سوادا وهى التى كانت تظن انها عانت الامرين لتكتشف انها كانت مخطئة ..
معاناة ذلك الطفل المسكين في بلد غريبة كانت مأساة لو كتبت في كتاب لربما فاقت صفحاته كتاب الف ليلة وليلة ... ما تعرض له يوسف صقله في حياته ... كما قال لها منذ قليل جعله هو .... عضلاته المفتولة اكتسبها من قتال الشوارع .. راداره الداخلي الذى لطالما ادهشها نمى مع قسوة ظروفه وتوقعه الاذي طوال الوقت ... خبرته المدهشة في التنظيف اخبرتها انه بالتأكيد اضطر للعمل في أي شيء وكل شيء كى يكسب قوت يومه ... يوسف وراموس شخصيات معقدة مربكة ... كيف يجتمع الخير والشر في داخل الانسان .... ربما هى بحاجة لاعادة تقييم موقفها ... الشيء المؤكد حاليا هو ان والدها استحق كل شيء فعله راموس له ولكنها رغبت بشدة معرفة ما هو ذلك الشيء ... رغبتها في الانتقام من راموس اختفت تماما وبدأت تعتقد انه ليس بالسوء الدى ظنته ... وقلبها تعلق بحب لا امل فيه .... الان مصيرها لم يعد يشغلها ... فقط مصير زهرة هو الذي ينبغي ان تقلق بشأنه... استدارات في حركة مفاجئة لتجد يوسف مازال يبكى ... احزانهما توحدت في عناق دام لوقت غير معلوم....
تدريجيا بدات لارا تشعر بالتغيير في طبيعة عناقه .. اصبح اكثر الحاحا ويداه اصبحتا اكثر جراءة ...هى كانت تحتاج اليه بقدر احتياجه اليها .. كانت علي وشك الاستسلام التام اليه ولم تهتم الي حقيقة وضعهما في العراء فقط الاحساس بشفتيه هو ما يهم ونعيم قربه هو ما تريد .. سمعته يهمس .. - اريدك لارا ...اريدك الان ...
كانت ستستسلم له كليا وتتركه يستولي علي الجزء المتبقي من روحها .. كانت اكيدة من انهما يحظيان بخصوية تامة فذلك الشاطىء خاص براموس فقط وحتى الحراسة لا تجرؤ علي دخوله بدون اذن يوسف او راموس... لكنه فجأة سيطر علي نفسه وهو يقول ...- ولكن ليس الأن ..
جذبها برقة لتقف علي قدميها ونفض عنها اثار الرمال التى كانت تغطيها من هجومه الضاري عليها .. اصابعه تغلغلت في شعرها ليمسح خصلاته الناعمة بيديه .. كان يبدو جليا انه يخوض حربا ويريد الانتصار فيها بكل قوته....
احباطها الواضح جعله يهمس امام شفتيها ..- ليس هنا لارا ..انت تستحقين ان تكون مرتك الاولي مميزة ولن اخذك ابدا الا في خصوصية غرفتنا ... اغار عليك لارا حتى من الهواء الذى يمر فوقنا ومن الطيور التى قد تلمح جزء منك ... انت لي وحدى لارا .. لى وحدى لكن يبدو انه مازال امامى فترة لأقضيها كناسك .
" وقيدك يطوقنى بالنار يُهلكنى ... افتح لي باب الحرية واطلقنى فاذا عدت من تلقاء نفسي فاعلم ان الرابط بيننا كان اكبر من القيدِ "
اقامتها في قصر راموس لم تكن كارثية تماما كما كانت تتوقع ... فبعد ان صفى ذهنها قررت الاستفادة من وضعها لاقصى درجة.. ربما تستطيع دخول مكتبه اوغرفة نومه ...طوال اسبوع كامل وهى تجمع المعلومات معرفتهم بجهلها للغة البرتغالية جعلت الخدم يتحدثون امامها بحرية وهى كانت تجمع كل ما تستطيع جمعه من كلمات وتخزنها في عقلها وبواسطة القاموس الذي وجدته في مكتبة راموس الضخمة استاطعت ترجمة بعض الكلمات ... هنئت نفسها عندما استاطعت سرقة القاموس واخفائه في ملابسها .. ذكائها الفطري وحبها للغات مع روح التحدى التى اثارها فيها حب يوسف جعلوها تأكل القاموس اكلا واستاطعت فهم القليل من الجمل التى مكنتها من معرفة مكان غرفة نوم راموس لتتفاجأ بأن غرفته هى الحجرة الثالثة بعد حجرتها والتالية بعد حجرة يوسف... يوسف وضع نفسه في المنتصف بينها وبينه ... المدهش ان يوسف تجنب رؤيتها خلال ذلك الاسبوع ... بعد اعترافه لها بعلاقاته النسائية العديد ... تسألت مرارا عن الباب المغلق في غرفتها الذى يؤدى الي غرفة يوسف... حاولت فتحه مرارا لكنها لم تستطع ... في البداية اعتبرت الباب مصدر تهديد لسلامة عقلها وافكارها الجنوني كنت لا ترحمها وسهرت الليالي تراقبه ولكن بعد مرور بضعة ايام وهو مازال مغلق قلقها بدأ في التلاشي فلو اراد يوسف استخدامه لكان استخدمه منذ مجيئها ...فيكتوريا فيرنانديز اختفت من القصر منذ يوم مجيئها ولم ترها مرة اخري لكنها سمعت اسمها يتردد كثيرا بالامس ... هل ستعود قريبا لاستعادة يوسف ...؟ حربها متشعبة وفي كذا جهة .. واصعبها علي الاطلاق حربها ضد مشاعرها الخاصة ..غيبته جعلها تشتاق اليه وتتمنى ان يحتويها مجددا ولو لمرة واحدة .. ولو حاول امتلاكها مجددا فلن تعترض ابدا الأن ...
حددت ايضا مكان مكتب راموس .. لكن الحراسة الامنية الضخمة بجوار المكتب اعلمتها انها لن تستطيع التسلل الي هناك ابدا ... يتبقي غرفته ... فقط غرفته من السهل دخولها وعندما تسنح لها الفرصه سوف تدخلها ....كان لها حرية التجول في القصر وفي الحديقة لكنها تجولت بحرص ... فهى ما زالت لا تثق في يوسف وربما يدبر لها امر ما بعد انتهائها من فطورها قررت التجول في اجنحة القصر الواسعه كاحلها الان شفي تماما ولم يعد يؤلمها ... هى كانت تعلم ان راموس يراقبها باستمرار لذلك ظلت لايام تتظاهر بتفحص تحف القصر الرائعة التى جمعت بحرفية من كل مزادات العالم ... جولتها اليومية حرصت علي التصرف فيها يوميا بصورة غير روتنية لارباك الحراسة فكانت تخرج من النوافذ للحديقة وتعود من الباب ... لعدة مرات كانت تدخل المكتبة وتغيب فيها بالساعات فيها ... اليوم ايضا دخلت الي المكتبة لكنها راقبت الحارس الذي يلازمها مثل ظلها من خلف الباب .... شاهدته ينسحب وهو يتحدث في هاتفه النقال وهو يتوقع قضائها لساعات مثل كل يوم .... اخيرا الفرصة التى تنتظرها اتتها علي طبق من ذهب وربما لن تتكرر ابدا انتهزت فرصة اختفائه وتسللت خارج المكتبة ...اتجهت الي الطابق العلوي سريعا وفي نيتها دخول غرفة راموس ... لكنها قبل ان تأخذ الرواق المؤدى لجناحهما شاهدت من بعيد فريق طبي يغادر احدى الغرف في الجهة المقابلة للدرج .... اختبئت خلف تمثال ضخم وانتظرت مغادرة الفريق الطبي بصحبة حراسة راموس امل صغير بدء يراودها ... ربما والدتها هى المريضة التى يعاينها الفريق الطبي ... حبست انفاسها حتى تاكدت من مغادرة الجميع ثم اتجهت بخفة الي الغرفة المنشودة للحظات تخشبت امام الباب ... ماذا تفعل ... ربما توجد والدتها بالفعل ولكن يتواجد برفقتها احدهم ... ..؟ او ربما المريض بالداخل شخص اخر وهى تتطفل ... فكرة مجنونة جعلتها تكاد تختنق .. ربما راموس العجوز بنفسه مريض ... شعرت بباب الغرفه يفتح وقبل ان تستطيع الحركة شاهدت يوسف يخرج من الغرفة وعندما شاهدها امامه فتح لها الباب علي مصرعيه ... والدتها كانت تستلقي علي سرير طبي ويبدو عليها انها تلقت عناية طبية جيدة للغاية ... بدون تفكير في وضعها لارا دخلت الغرفة فورا والقت بنفسها علي والدتها وبدأت في البكاء بانهيار.... حبيبتى الغالية افتقدتك ... والدتها نظرت اليها بحب غامر .. اه لو تستطيع تحريك يدها للحظات فقط كى تتمكن من ضم ابنتها اليها وكأنما لارا شعرت بوالدتها فاحتوتها هى بحنان عارم .... حبيبتى اشتقت اليك ...كيف حالك..؟ -سامحينى لعدم تمكنى من زياراتك طوال الاسبوع الماضي ...لم يكن امرا بيدى امى .. يوس.. زهرة قاطعتها بحنان ... - انا ادرك جيدا ان أي غياب لن يكون باختيارك حبيبتى ... انت تعلمين انهم في نيويورك منعوا عنى الزيارات الاسبوع الماضى وفقط وصلت هنا من ساعتين ... لارا بهتت من المفاجأة فهى كانت تعتقد ان والدتها في قصر راموس منذ يوم قدومها لكنها اكتشفت انها وصلت من نيويورك اليوم فقط ... لارا ارادت اخفاء حقيقة وضعها عن والدتها لكنها ورطت نفسها في كذبة لا يعلم الا الله كيف ستمر دون اثارة قلقها ...
لحسن حظها يوسف تدخل مباشرة لتدارك الوضع... خاطب والدتها يشرح.. .. - انا لم ارد اثارة قلق لارا لذلك لم ابلغها بمجيئك حتى تستقرين زهرة ادارت وجهها للجهة الاخري البعيدة عن يوسف ... تجاهلت كلامه وقالت للارا... كيف حالك حبيبتى ...هل انت بخير ...؟-لارا هزت رأسها بضعف .... - بخير امى الحمد للهرغما عنها اغرقت عينيها بالدموع ..... افتقدتك كثيرا امى ...لا اريد ان ابتعد عنك مجددا-لابد وان ينهى اللقاء الان ... الكثير من الكلام قد يكشف ما لا يرغب في كشفه الأن ... صدقى لارا او لا تصدقين انا افعل ذلك لمصلحتك ..... يوسف تدخل للسيطرة علي الوضع ... - الممرضة الخاصة بوالدتك ستعود في لحظات ... دعيها ترتاح لارا .. سنعود لاحقا ... وفي حركة استبدادية وضع ذراعه حول كتفيها وقادها الي خارج الغرفة ما ان اصبحوا خارج غرفة زهرة واطمئنت لارا ان باب الغرفة مغلق بإحكام حتى دفعته لارا عنها بشراسة ..... وقالت بغضب هادر.. - انت حقير مثل ولي نعمتك ... لماذا اختطف ذلك الخنزير والدتى ..؟ الم نتفق في صفقتنا علي ان يسدد رسوم مركزها الي الابد ...؟ يوسف اقترب منها مجددا.... - بلي لارا وهذا ما فعله لكن انت لم تشترطى مركز القاهرة لذلك انا اعتقدت ان وجودها بجوارك افضل لك ... بدون ان تشعر لارا وجدت نفسها تصفعه علي وجهه بكل قوتها وتقول بغضب ينفث الحمم ... - فكرتك انت ايها الحقير ...؟ انا اعتقدت انها اوامر راموس
انتبهت لفظاعة فعلتها عندما شاهدت الشرر يتطاير من عينى يوسف الذي كان يستعد لسحقها ولسوء حظها مشهد صفعها له كان له جمهور.. فالممرضة التى اخبرها عنها يوسف اختارت تلك اللحظة بالتحديد للعودة لارا كتمت انفاسها وانتظرت عقابها ولكن لدهشتها الشديدة يوسف صب جام غضبه علي الممرضة وصرخ فيها بصوت مرتفع قائلا لها شيء ما بالبرتغالية جعلها تختفي فورا في غرفة والدتها ... لار انتهزت الفرصة واطلقت لساقيها العنان ... لكنها فوجئت بنفسها تُجذب بقوة ومنعت من اكمال طريقها بعنف المها في ذراعها ... شعرت به يكاد ينفصل عن جسدها من قوة جذب يوسف له.... يوسف نظر اليها نظرة ارعبتها .... كان من الواضح جدا انه يسيطر علي نفسه بصعوبة ويمنعها من ضربها ... هى شعرت بحربه الداخلية وهو يقول من بين اسنانه .. - لأخر مرة سأحذرك لارا ... لو كررتى ما فعلتيه مجددا سأضربك ... انا تغاضيت عن ضربك لي مرتين .. لكن لو كررتيها مجددا وبالاخص في وجود جمهور كاليوم ستندمين ... هل فهمتى كلامى جيدا ...؟
لارا هزت رأسها بطاعة كطفل صغير مذنب .. حمدت الله انه فقط الي الأن مازال يحذرها.. يوسف ترك ذراعها و اخبرها ببساطة ادهشتها وكأنه لم يكن سيقتلها منذ لحظات ...استعدى للخروج في خلال نصف ساعة -ثم غادر الي غرفته وتركها تقف بحيرة شديدة... ربما لو لم تستجيب لأوامره فورا فسوف يعود لتأديبها ... التقطت الملابس من الخزانة بدون تركيز وكانت علي اتم استعداد في خلال خمسة دقائق وجلست تنتظره ....
لاول مره تغادر القصر منذ مجيئها .. .تأكدت تماما ان المروحية هى طريقة الوصول الوحيدة للقصر ... فالجرف الصخري يرتفع عن الارض بعشرات الامتار وطريق الصعود اليه غير ممهد اطلاقا وممتلىء بالصخور ... راموس بنى لنفسه قلعة يحتمى فيها من اعدائه ولكنه مهما فعل لن يستطيع الاختباء من عقاب الله له ... يوما ما سيدفع الثمن بالتأكيد وهى تتمنى ان تكون حاضرة لتشاهد عقابه ... يكفيه لعنة قصر المنصوري التى سوف تنال منه.... يوسف لم يكن غاضب منها لكنه لم يكن يريد الكلام فقط غرق في افكاره الخاصة وهى لم تجرؤ علي سؤاله عن وجهتهما ... وانتظرت لتري المروحية التى اقلتها هى ويوسف هبطت علي سطح مبنى كبير وفور هبوطها يوسف قدم يده لمساعدتها لكنها تجاهلتها ... وهبطت بمفردها ... ان كان هو لم يعد غاضب لكنها هى مازالت غاضبة وثورتها تشتعل كلما تذكرت ان خطف والدتها كان فكرته ... اما هو فابتلع اهانتها الصريحة له امام الناس واعطى اوامر بالبرتغالية لقائد الطائرة ثم اتجه الي باب الخروج من السطح الذي كان يقف عليه اثنان من الحراسة اللذان فتحا الباب لهما باحترام شديد ... وقبل ان يترك لها فرصة لإعتراض يوسف قبض علي ذراعها بقوة وهمس بتهديد ....- اهدئى لارا ... لا اريد المزيد من غبائك هنا ,, ان افتعلتى أي منظر سأضربك علي قفاكِ كالطفل العنيد ...
استسلمت تحت قبضته القوية و تهديده الصريح وبدأت تهتز برعشة عنيفة لكن رعشتها لم تكن خوف بل كانت شيء اخر بعيدا عن ذلك تماما .. كأن ذراتها تتفاعل مع لمسته الحارقة ... هبطت معه المصعد الي الدور الارضي .... الي اين قد يصطحبها يا تري ...؟ مازال المكان مجهول بالنسبة اليها ... وفتحت فمها بانبهار عندما ادركت اين هى ... فور ان فتح باب المصعد علمت فورا الي اين اخذها يوسف يوسف اخذها الي اكبر ملجأ لايواء الاطفال المشردين شاهدته في حياتها او حتى توقعت وجوده ...
لدهشتها الشديدة مئات الاطفال تجمعوا حول يوسف واخذوا يتعلقون برقبته بحبور ... ليتها تفهم لغتهم علها ترتاح .... السعادة الواضحة في عيون الاطفال لدى رؤيتهم ليوسف اذهلتها ... الاطفال يعشقونه من قلوبهم .. وكأن رؤيته تسبب لهم سعادة خالصة يوسف حمل اصغرهم بلطف شديد .. طفل لم يتجاوز العامين له وجه ملائكى .... راقبت تعلق الطفل برقبة يوسف بحب .... ودفنه لرأسه في صدره الواسع ... يوسف مد يد الطفل الصغيره الي لارا وقال شيء ما جعل الطفل يمسح وجه لارا بحنان بالغ ... الدموع غلبتها ونظرت الي يوسف بتساؤل ..يوسف اخبرها بلؤم... اخبرته انك ستكونين والدته ....- دموعها الان تحولت لانهار وشلالات ... يوسف يستنزفها ... يستغل ضعفها الواضح ...الملجأ بالطبع هو لراموس فإسم فينيكس طبع في كل مكان تعجبت من حب الاطفال الواضح ليوسف فهو يبدو زائر دائم للملجأ.... حنانه وهو يحمل الطفل جعلها تتخيله اب لاطفالها.... الدوامة التى تعيش فيها الان تربكها الي اقصى درجة ... جميع الامور متداخله بشكل عنيف لم تعد تستطيع التميز بين الخطأ والصواب ... بين الحق والباطل .... كيف لمجرم مثل راموس ان يكون شديد الرحمة بهولاء الاطفال ... فالملجأ مكان اعد بحب وليس فقط مجرد ملجأ عادى ....وكيف لتابع مثل يوسف ان يحظى بكل ذلك الحب من الاطفال ... تمنت مجددا لو كانت تفهم لغتهم لربما استاطعت فهم الكثير مما يدور حولها.... تخشبت عندما القي الطفل بنفسه عليها ...لأول مرة في حياتها تحمل طفل.. الطفل الملائكى رائحته ذكية جدا والتقط في ثيابه الكثير من عطر يوسف... لعنت ضعفها فهى تنزلق لهوة ليس لها قرار .... يوسف استعاد الطفل مجددا ... مسح علي شعره وهو يحدثه ... لم تفهم شيئا من حديثه الي الطفل لكنها علمت انه يسمى الكسندر ويوسف يدعوه الكس
بعد دقائق من حديثهما الكس اشار لها بيده مودعا وانسحب لاكمال لعبه مع الاطفال ....
" وانقلبت الموازين واصبح الشيطان ملاكا يأوي المشردين "
يوسف علم جيدا انها لانت فواصل ضغطه بشدة ...اصطحبها في جولة علي جميع اجزاء الملجأ ... اكتشفت انه لم يكن فقط ملجأ بل كان يحتوي علي مدرسة ابتدائية ومستشفى كبير وفي الخارج لاحظت وجود مسبح وملاعب تنس وملاعب كرة قدم ... الغرف نظيفة جدا كغرف فنادق الخمس نجوم والمشفي مجهز بأحدث الأجهزة والنادى الرياضى مفتوح إستقبال الأولاد بإستمرار ... اما المدرسة فكانت تضاهى ارقي المؤساسات التعليميه... راموس وهب اطفال الشوارع حياة لم يستطع غيره منحهم اياها حتى في احلامهم ... اذن هو ليس شيطانا بالكامل كما كانت تظن ... يوسف جذبها عندما التصقت في الأرض من مشاعرها الجياشه وقادها الي باب كبير علمت منه انه يأخذها إلي اقسام البنات .... مازالت انجازاته تبهرها... راموس اهتم فعلا بالايتام ... لم يكن اهتمامه مجرد واجب ثقيل او شو اجتماعى الغرض منه الظهور بل كان اهتمام حقيقي ... ويوسف كان شخص شهير جدا ... الجميع يعرفونه ويقدرونه بل ويحبونه .. زيارته كنت مصدر سرور للجميع .. العاملين والاطفال وخصوصا العاملات... غيرة عمياء قتلتها عندما القت مشرفة الميتم بنفسها عليه ...علي الرغم من انها شاهدت من قبل فيكتوريا وهى تلقي بنفسها علي يوسف الي انها لم تعرض نفسها علي يوسف او تلتصق به بتلك الوقاحة التى شاهدتها من مشرفة الدار... يوسف ابعدها عنه بقوة وقال لها شيء ما جعلها تنظر الي لارا بكره شديد ثم غادرت الي مكتبها علي الفور ....
فور اختفائها في غرفتها لارا لم تستطع ان تتمالك نفسها وسألته بغيرة واضحة ...- احدى نسائك اليس كذلك ...؟
كانت تعلم انه يتهرب من الاجابة وهو يواصل تعريفها بأقسام الملجأ لكنها اصرت ..- يوسف اجبنى ... انها عشيقتك اليس كذلك ...؟
اجابها وهو يتجنب النظر في وجهها ...- كانت لارا .. كانت..
وعندما شعر انها تتألم امسك بكفيها الباردتين ..- لارا هذا كان في الماضى قبل ان اراك ... اقسم لك لارا اخر علاقة لى كانت منذ سنوات ..انا اعيش كناسك منذ ان .. كان يهم ليقول شيء ما ثم تراجع فورا ... وهى تعلقت بأمل واهى وقبلت صمته ...
لماذا اصطحبها يوسف الي الميتم...؟سألت نفسها مرارا في طريق عودتهما للقصر .. هو كان يعلم جيدا انه سوف يؤثر علي رؤيتها للامور .. في اثناء مغادرتهما يوسف اخبرها ان راموس لا يترك هؤلاءالاطفال الا بعد ان يتموا تعليمهم الي مختلف المراحل التى يستطيعون الوصول اليها ثم يؤمن لهم عمل في شراكاته المتعدده ... فكرة احتلت عقلها فجأة بقوة ... ربما يوسف يدين بالولاء لراموس لانه كان احد هؤلاء الاطفال .... يوسف يتحدث بثقة وهو معروف كليا في الميتم ... علي الرغم من تحذيره العنيف لها في السابق بعدم تجاوز الخطوط الحمراء في حياته الا انها وجدت نفسها تسأله.... - يوسف....انت نشئت في ملجأ راموس اليس كذلك...؟ ولذلك تدين له بالولاء توقعت تلقي جام غضبه فور انتهائها من سؤالها لكن لدهشتها يوسف كان وكأنه ينتظر جملتها لينفجر ويبوح بما اراد اخبارها به منذ زمن .. ماسورة احزانه انفجرت ليخرج منها ملايين العقارب السامة ... غادر مقعده في المروحية والقي امر ما لقائدها جعله يغير مساره .. في خلال دقائق المروحية هبطت علي سطح احد الفنادق الضخمةويوسف اصطحبها لشاطىء خاص ... فقط يوجد هى وهو والبحر بعد دقائق من المشي يوسف قادها الي صخرة ملساء في مواجهة البحر واجلسها عليها .. وقف خلفها مباشرة .. سمعته يتحدث بحزن من خلفها.... - والدتى برازيلية ...لأسباب عديدة ستعرفينها يوما ما اضطرت لمغادرة القاهرة واصطحبتنى معها .... والدتى عاشت في القاهرة احدى عشر عام ثم عند عودتها الي البرازيل كانت تعانى من حالة اكتئاب شديدة وادمنت الخمور ... ادمانها جعلنا نصل إلي القاع ... وقتها كنت فقط في الحادية عشر من عمري ولم اكن استطيع فعل أي شيء لمساعدتها ... لم نستطيع تدبير سكن الا في افقر حى في ريو دى جانيرو... ادمانها وفقرنا جعلاها تنتقل من رجل الي رجل ... كنا نعيش في الحضيض ... لن تتخيلي ابدا ما يحدث في الاحياء الفقيرة في ريو دى جانيرو.... والدتى كانت دائما في حالة سكر شديدة من الهباب الذى كانت تشربه ... وانا كنت مضطرللعمل لتدبير نفقات معيشتنا ... هل تدركين حجم المعاناة عندما يضطر طفل لم يتخط الثانية عشر للعمل وفي بلد غريب ...؟ عانيت كل انواع التعذيب والإضطهاد في حياتى ...اعتدت النوم وانا مفتوح العينين ... اصبح الطبيعى تعرضى لمحاوله اومحاولتين اغتصاب يوميا ... تعلمت قتال الشوارع حتى فقط اتمكن من الصمود... اكلت من النفايات ... كنت اكره العودة الي المنزل كى لا اراها هكذا او اري الرجال لديها ... كنت اموت وانا عاجز عن انقاذها من الوحل الذى تعيش فيه ... ففى النهاية يا لارا انا دمائى شرقية وحامية لكن الظروف كانت اقوى منى ...
وهى من كانت تظن انها كانت تعانى في طفولتها ... قد يعتقد الشخص انه مر بقمة المعاناة حتى يري بنفسه المعاناة الحقيقيه بكل تفاصيلها ... يوسف لم يكن فقط طفل من اطفال الشوارع بل كان طفل تحمل مسؤلية والدته ومسؤلية نفسه في بلد غريب .. لم تتجرأ علي التنفس وسمعته يكمل.. - في يوم عادى في بدايته ككل الأيام عدت الي المنزل انا اجر خطوتى جرا كالمعتاد ولكن عندما وصلت وجدت احد عشاقها يضربها بعنف حتى كاد ان يقتلتها .. لم اشعر بنفسي الا وانا ادفعه بعيدا عنها واقتله لارا شعرت بدموعه تنزل بصمت .. ارادت الالتفاف اليه ومواجهته لكنها خافت بشده من ردة فعله فهو كان في اضعف حالته .... يوسف اكمل بحزن هائل مزق قلبها.... - نعم قتلته ... قتلته بزجاجة خمر فارغة .. ودخلت الإصلاحية ... احدى مؤسسات فرنانديز ...وهناك قابلته ...هو غير حياتى ... انقذنى من مصير مظلم .. كان صاحب المؤسسة الاصلاحية وليست العقابية كما احب ان اسميها .. والآمر الوحيد فيها... اعتبرنى ابن لم ينجبه وانا اعتبرته الأب الذى افتقد وجوده ... ثم اصبحت انا ... اخيرا فهمت اشياء كثيرة لم تكن تستطيع فهمها من قبل ....فهمت ولاء يوسف المطلق لراموس فهو في مكانة والد له ... انقذه من الضياع ومنحه هوية جديدة وفهمت ايضا سر الامتيازات التى يحظى بها فهو ليس مجرد تابع كما كانت تظن ... بل يعتبر ابن فعليا له... من دون كل البشر تتزوج ابن عدوعائلتها اللدود لكنه هو من خطط لذلك الزواج ... ارادت سؤاله .... ارادت معرفة المزيد والمزيد لكنها كانت ايضا تشعر بإنهيار يوسف ... فبركان الذكريات ثائر الان وستنتظر حتى يهدأ... فهو تحدث اليها عن ماضيه من تلقاء نفسه.. شعر انه بحاجة الي التحدث وهى استمعت ... لم تستمع اليه بآذان لارا المتمردة العنيدة التى تشعر بالخديعة بل استمعت بقلب لارا المحبة ... ماضي اسود يفوق ماضيها سوادا وهى التى كانت تظن انها عانت الامرين لتكتشف انها كانت مخطئة ..
معاناة ذلك الطفل المسكين في بلد غريبة كانت مأساة لو كتبت في كتاب لربما فاقت صفحاته كتاب الف ليلة وليلة ... ما تعرض له يوسف صقله في حياته ... كما قال لها منذ قليل جعله هو .... عضلاته المفتولة اكتسبها من قتال الشوارع .. راداره الداخلي الذى لطالما ادهشها نمى مع قسوة ظروفه وتوقعه الاذي طوال الوقت ... خبرته المدهشة في التنظيف اخبرتها انه بالتأكيد اضطر للعمل في أي شيء وكل شيء كى يكسب قوت يومه ... يوسف وراموس شخصيات معقدة مربكة ... كيف يجتمع الخير والشر في داخل الانسان .... ربما هى بحاجة لاعادة تقييم موقفها ... الشيء المؤكد حاليا هو ان والدها استحق كل شيء فعله راموس له ولكنها رغبت بشدة معرفة ما هو ذلك الشيء ... رغبتها في الانتقام من راموس اختفت تماما وبدأت تعتقد انه ليس بالسوء الدى ظنته ... وقلبها تعلق بحب لا امل فيه .... الان مصيرها لم يعد يشغلها ... فقط مصير زهرة هو الذي ينبغي ان تقلق بشأنه... استدارات في حركة مفاجئة لتجد يوسف مازال يبكى ... احزانهما توحدت في عناق دام لوقت غير معلوم....
تدريجيا بدات لارا تشعر بالتغيير في طبيعة عناقه .. اصبح اكثر الحاحا ويداه اصبحتا اكثر جراءة ...هى كانت تحتاج اليه بقدر احتياجه اليها .. كانت علي وشك الاستسلام التام اليه ولم تهتم الي حقيقة وضعهما في العراء فقط الاحساس بشفتيه هو ما يهم ونعيم قربه هو ما تريد .. سمعته يهمس .. - اريدك لارا ...اريدك الان ...
كانت ستستسلم له كليا وتتركه يستولي علي الجزء المتبقي من روحها .. كانت اكيدة من انهما يحظيان بخصوية تامة فذلك الشاطىء خاص براموس فقط وحتى الحراسة لا تجرؤ علي دخوله بدون اذن يوسف او راموس... لكنه فجأة سيطر علي نفسه وهو يقول ...- ولكن ليس الأن ..
جذبها برقة لتقف علي قدميها ونفض عنها اثار الرمال التى كانت تغطيها من هجومه الضاري عليها .. اصابعه تغلغلت في شعرها ليمسح خصلاته الناعمة بيديه .. كان يبدو جليا انه يخوض حربا ويريد الانتصار فيها بكل قوته....
احباطها الواضح جعله يهمس امام شفتيها ..- ليس هنا لارا ..انت تستحقين ان تكون مرتك الاولي مميزة ولن اخذك ابدا الا في خصوصية غرفتنا ... اغار عليك لارا حتى من الهواء الذى يمر فوقنا ومن الطيور التى قد تلمح جزء منك ... انت لي وحدى لارا .. لى وحدى لكن يبدو انه مازال امامى فترة لأقضيها كناسك .
