رواية عملتان لوجه واحد الفصل العاشر 10 بقلم آية الطري
١٠- بداية طرق
وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضِي اللَّه عنْهُما قَال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: منْ لَزِم الاسْتِغْفَار، جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجًا، ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ رواه أبو داود.
+
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
------------------☆☆☆☆
+
_" انت يابني آدم مش بترد عليا ليه؟ مسك فين؟! " كان سؤال سلمان منصور في هاتف ذلك الواقف في حديقة المشفى ينظر للفراغ بجمود
+
_" عملنا حادثة بسيطة واحنا راجعين يا فندم وجبت الهانم للمستشفى أطمن عليها ماتقلقش حضرتك مافيش حاجة تخوف " كلمات راجح الرزينة وقد فضل ألا يخبره بمحاولة ابنته للانتحار وقرر أن يتدخل كي لا يعرف أحد أو تُفتح لها قضية
+
_" حادثة ايه وزفت ايه دلوقتي؟! هي مش هتسكت غير لما تعملي فضيحة في وقت حرج زي ده وأنا داخل على انتخابات؟! "
+
لم يتعجب راجح من كلماته بل أغمض عينيه بضيق يتذكر موقف ذلك المنعدم الأبوة مع ابنته فور ما وصل من روسيا
+
فلاش باك
+
نزل من سيارته أمام القصر لتخرج مسك بسرعة كبيرة ترتمي في أحضانه فهي في ذاك الوقت كانت تنتظر دعمه في مصيبتها التي اكتشفتها مؤخرًا لكن لم يكن رده سوى أن أبعدها بقسوة وسحبها للداخل ثم صاح بها بغضب:
_" شوفتي آخرة صحابك وثقتك العامية فيهم، عارفة حجم الفضيحة اللي كنت هتعرضلها بسببك وبسبب تهورك "
1
صُدمت من أسلوبه معها أمام الجميع وهي تنظر للخدم والحرس حولها كأنها عارية وسط بشر أغراب عنها
+
_" با... بابي الموضوع عدى خلاص، أنا أنا محتاجاك في... " كانت تتحدث بتعلثم به شيء من الرجاء أن يُهدئ من غضبه الآن فهي في أمس الحاجة له
+
لكن قاطعها نابسًا بقسوة:
_" الموضوع عدى آه بس فيه ألف مصيبة تانية ممكن توقعي نفسك فيها من طيشك ودلعك، اسمعي يامسك من هنا ورايح التعامل هيختلف تمامًا أنا دلوقتي في موقف حساس جدًا وداخل على انتخابات مجلس شعب أقل حاجة ممكن تضر اسمي وسمعتي مش هسمح بيها سامعة"
+
أومأت له بطاعة حابسة دموعها واقترب منه تهمس له بنفس الرجاء:
_" طب ممكن تيجي معايا نتكلم بليز، بابي فيه حاجة عايزة أقولهالك أنا بجد... "
+
للمرة الثانية قاطعها ونظر لراجح قائلًا دون ان يعيرها اهتمامًا:
_" ممنوع تخرج من القصر من غير اذني "
+
ثم أشار لعيسى أن يلحق به للمكتب لمباشرة أعماله
+
باااااااااك
+
فاق على صوت سلمان يقول بنبرته البغيضة:
_" اسمعني كويس ياراجح أي مشكلة هتيجي من ناحية مسك الفترة دي هحاسبك انت فاهم وده تحذير اعمل حسابه قبل أي خطوة "
1
أغمض عينيه يسبه بكافة أنواع الشتائم ثم نبس بهدوء خطر:
_" تمام يا باشا من هنا ورايح مسئولية مسك هانم كلها في رقبتي مش مجرد حمايتها بس "
+
لا يعرف لمَ خرجت منه تلك الكلمات ولمَ أصبح حقًا يفرض على نفسه مسئولية تلك الفتاة لكن كلامه أراق لسلمان كثيرًا فقال براحة:
_" تمام، مسك فين عايز أطمن عليها "
+
_" اطمن يا باشا هي دلوقتي في الحمام تخلص وهخليها تكلمك " قال ذلك وهو يعلم أن مسك لن تفيق الآن بل وإن فاقت سيكون والدها آخر شخص تود أن تسمع صوته
+
_" لأ أنا مشغول جدا دلوقتي، عيسى مش موجود وورايا ألف حاجة لازم أخلصها بنفسي "
+
تنفس راجح براحة من كلماته وأغلق معه ثم نظر للسماء قائلًا بعجز:
_" كان مالي ومال كل ده؟، ليه ياربي تبقى في رقبتي أمانة زي دي؟ هشوف شغلي دلوقتي ولا أقعد بيها وبعقدها النفسية؟!، كله كوم وإدمانها كوم.... آه يا مسك انتِ طلعتيلي منين! "
3
انتبه لرنين هاتفها في جيبه فأخرجه ليجد اسم ريماس ففتح الخط ليسمع صوت فتاة تقول بلهفة:
_" مسك اتأخرتي ليه الشغل واقف عليكِ "
+
حمحم ورد بخشونة:
_" أنا الحارس الشخصي بتاعها آنسة مسك تعبانة شوية مش هتقدر تباشر الشغل دلوقتي "
+
_" ازاي بس دا السفر كمان يومين وناقص حاجات كتير، ممكن تديهالي لو سمحت "
+
تنهد بقوة أكبر هو يعرف أنها ستسافر لتشارك في مسابقة الأزياء مع طاقم عملها لكنها اختارت سفر آخر ولا يعرف أكل هذا فقط لمعاملة والدها القاسية أم وصل بها الإدمان حد الإكتئاب!!!
+
_" شوفي كملوا شغلكم عادي ومن غير أي تقصير واستنى مكالمة منها... ماتقلقيش هتكلمك أكيد " قالها بإصرار وهو يقرر بدلًا منها وقد انتوى مساعدتها حقًّا حتى ولو كان يجهل الطريقة
5
-----------------
+
الجو مشحون للغاية الصغيرة معه تبكي برعب في سيارته بينما هناك وعلى بعد أمتار قليلة تقف سيارة أخرى تحيطهم برصاصات عديدة جعلته يعيد تفكير سريعًا.... الرجال مقصدهم القتل وليس مجرد هجوم؟... هؤلاء ليسوا رجال كمال الصيفي اطلاقًا بل ليس غرضهم بتول من الأساس....
+
أخرج هاتفه سريعًا وأرسل لفارس قائلًا:
_" حدد مكاني وتعالالي في أقل من عشر دقايق تكون قدامي"
+
بعدها بكل حذر رفع رأسه برهة فقط مطلقًا رصاصتين ماهرتين إحداهما أصابت أحد الرجال والأخرى في إحدى العجلات الأمامية،
+
بسرعة تحرك قليلًا من مكانه ووقف مرة أخرى ليطلق رصاصات متتالية على الرجال الظاهرين قليلًا ليصيب واحد آخر ليشعر بعدها ببداية انطلاق السيارة دليلًا على انسحابهم ليتأكد وقتها أنهم ليسوا تابعين لكمال الصيفي..... لكن لن يبقى في حيرته، من المستحيل أن يتركهم يغادرون بينما يتآكل هو من الفضول؟؟؟
+
فجأة فتح باب السيارة الأمامي ومد يديه بسرعة ليخرج برشاش آلي لا يستخدمه سوى للضرورة
+
رفعه بين يديه كأنما يحمل لعبة صغيرة معتاد عليها و ركض ليكون في منتصف الشارع والسيارة تبتعد عن المكان ولازال الرجال يطلقون عليه رصاصات طائشة للترهيب ليرد عليهم بسيل غير منقطع من الرصاصات جعلتهم يسرعون بالسيارة التي لم تصمد طويلًا وها هي تتوقف بإستسلام تزامنًا مع ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيه...
+
ببطئ وبرود شديد تحرك اتجاه السيارة ليهبط رجلان سريعًا ويصوبون نحوه بأسلحتهم التي طارت من يديهما بعد أن انطلقت صرخاتهما أثر طلقات سيف التي أصابت مناطق غير حيوية بجسدهمها،
+
رفع سلاحه يسنده على كتفه وتقدم حتى أصبح أمامهما مباشرة، بقوة ضرب أحدهما بقدمه ليضرخ الرجل ويسقط أرضًا بينما انحنى لمستوى الآخر الذي أصاب قدمه وجالس يتأوه بألمها....
+
استنشق سيف نفسًا قويًا ونظر لذلك الرجل أمامه وقال:
_" تبع الضبع ولا الصيفي ولا وجه جديد حابب يفاجئني؟ "
3
لم يرد الرجل وظل يتأوه فقط، ليستغل الثاني الفرصة ويزحف حتى يمسك بسلاحه من الأرض لكن ليته لم يفكر إذ صدحت صرخته أثر رصاصة اخترقت يده ليعلو صوت سيف المخيف قائلًا:
_" مابحبش القتل اللي عمال على بطال فماتزنش على موتك، خمس دقايق وهتكونوا في خدمة فايف استار وممكن تبقى أحسن لو أحسنتوا التعامل معانا "
+
وقف مرة أخرى وكاد يكمل كلامه لكنه انتفض داخليًا أثر يدها الرقيقة التي وضعت على كتفه فأغمض عينيه برهة فبالطبع كشف نفسه أمامها الآن....
1
استدار لها ليجدها تناظره بذهول لا مثيل له وعينيها تدور بين الجثتين بالسيارة والرجلين المصابين على الأرض ثم استقرت على السلاح بيده لترفع سوداويتاه المتحجر بهما الدمع وتعطيه نظرة تحمل خيبة أمل كبيرة بل عتاب طويل انتهى بهما وهو يلتقطها بين يديه في لمح البصر قبل أن تسقط وقد دخلت في ظلام الصدمة....
+
_" ده وقتك!!! " هكذا صرخ صاككًا أسنانه قبل أن يسمع فارس الذي هبط من سيارته وركض نحوه يهتف بقلق:
_" سيف حصل ايه؟ "
+
ثم طالع الوضع لييشير للثلاثة رجال خلفه وهو يقول بجدية:
_" نضفوا المكان وخدوهم على العربية "
+
بينما صاح سيف وهو يحمل بتول نحو إحدى السيارتين اللتين وصلتا للتو:
_" على المخزن الخاص يا فارس، إياك شاكر يشم خبر "
+
زفر فارس بضيق وقال:
_" هترفد بزفة بلدي من تحت راسك يا فامبي... طب اقف فهمني من دول وهجموا عليك ليه؟! "
+
لم يجبه سيف ذهب ببتول ووضعها في الكرسي الأمامي بعدها عاد له يعطيه أسلحته قائلًا بإستعجال:
_ " خلي دول معاك كنت هنقلهم لشقة الشغل ماكنتش أعرف انهم هينقذوني، وخد عربيتي لو تعرف تصرفها خردة بقى عليه العوض فيها "
+
ضحك فارس بخفة ليكمل سيف وه يشير على الرجال المصابة:
_" لما أرجع هنعرف هما تبع مين بالظبط، حافظوا عليهم عايشين "
+
ثم عاد لبتول وانطلق بالسيارة من المكان وهو يرفع هاتفه على أذنه قائلًا بضيق:
_" ايوة يا راجح انت فين؟ "
+
جاؤه صوت رفيقه المتفاجئ من الجهة الأخرى:
_" سيف! انت خرجت؟ "
+
زفر سيف ونهره بضجر:
_" طبعًا لازم تتفاجئ ما انت شايل ايدك وعايش مع نفسك، اخلص ياد انت فين عايزك؟ "
+
سمع تنهيدة مهمومة تلاها صوت راجح المرهق:
_" أنا اللي محتاجك يا سيف، أنا تايه "
+
جعد الآخر بين حاجبيه وأبقى نظرة سريعة على تلك الساطعة جواره ثم سأل بإهتمام:
_" فيه ايه يا هلالي انت كمان؟ هي لما تحط بتحط على الكل!... طب اسمع أنا طالع على مكانا السري لو عرفت حصلني على هناك "
5
------------------
+
_" بس خليك هنا وأنا هدخل أطمن على مراتك وأجيبها وطظ في اللي اتسرق " هكذا قال سكر لشادي الجالس جوار سائق التاكسي..
+
ابتلع شادي ريقه ورفع رأسه ببطئ كأنه يخشى النظر لأي جزء في هذا المكان لا يريد رؤية إحدى البدل العسكرية حتى، لكنه أسكت صوت الخوف داخله وقال بنبرة شبه عادية:
_" لأ يا سكر أنا وافقت تيجي معايا عشان أريحك، غير كدة ماتدخلش لو سمحت "
+
فقط وفتح الباب ونزل، أغمض عينيه برهة مع نفس عميق سحبه من هواء مليء بذكريات غزيرة محبوسة داخله نرجو عدم إطلاق سراحها...
1
ضرب سكر كفًا بكف ونزل خلفه ينهره بضجر:
_" ما تتغرش في نفسك يا ابن جبران، أراهن انك لا كويس ولا زفت؟ "
+
أدار له شادي رأسه وابتسم بعدم اكتراث مصطنع:
_" شايفني برتعش قدامك ما أنا زي الفل أهو، ياكشي الجرح بس شادد عليا شوية، خليك في التاكسي هدخل لجنى بسرعة تلاقيها خايفة "
+
فقط وذهب للداخل بخطوات سريعة وعينيه تهرب من رؤية أي شيء حوله بالمعنى الحرفي.
+
صعد الدرج القصير وسط حشد من الناس والعساكر في دخول وخروج وقد بدأ لسانه يطمئنه قائلًا:
_" ركز في جنى، هي محتاجاك ، شوية وهنمشي "
+
ثم عبأ رئتيه بنفس أقوى و أخذ يصفر بخفة كأنه بذلك يشوش أفكاره، هو يعرف أين يذهب بالضبط فهذا محل عمله السابق وبالطبع يحفظه عن ظهر قلب، فقط يدعو ألا يختلط بأحد أو يتعرف عليه أحد وما كاد يكمل أمنياته حتى حدث ما يخشاه...
+
_" شادي باشا " كانت كلمات ليس وقتها بتاتًا لذلك أكمل طريقه دون أن يرد علي صاحب الصوت الذي تعجب وظنه لم يسمعه فركض خلفه حتى أصبح أمامه وقال بإبتسامة واسعة:
+
_" ازيك يا باشا دا أنا مين داعيلي النهاردا أشوف سعادتك بعد السنين دي؟ "
+
هنا وقف شادي بإحراج ودون شعور ثقلت أنفاسه ونظر للرجل فكان العسكري طاهر آلفه في فترة عمله ويعرفه جيدًا...
+
جاهد لرسم ابتسامة خرجت باهتة ومد يده ليد الرجل الممدودة وسلم عليه قائلًا بإرهاق:
_" ازيك يا طاهر أخبارك ايه؟ "
+
استمرت ابتسامة طاهر وهو يرد بشغف:
_" زي الفل وبقيت أحسن بعد ما شوفتك، حاجة من ريحة الأيام الحلوة، خير يا سيد الناس أقدر أخدمك في ايه؟ "
+
أخذ بعض الوقت ليرد بصوت شبه ثابت:
_ " المدام بس حصل معاها مشكلة و... "
+
_" ايه ده يا عم طاهر بقى لفيت عليك القسم كله امسك غداك يا عم عطلتني " كان صوت آخر يحفظه لذلك الصبي عبد الله... عذرًا أقصد الشاب _فقد كبر كثيرًا الآن
+
وعلى ذكر عبد الله راودته الرائحة الشهية للفطور الساخن الذي اعتاد تناوله من يدي ذاك الصبي وبالطبع لا فطور دون توأم أيامه الذي يقاسمه في كافة دقائق حياته ليس الطعام فقط، لحظة أنا لا أسمع أصوات ضحكات صابر بتاتًا بل لا أسمع صديق روحي يقول:
+
_" الواد عبد الله عامل كام ساندويتش فول بطعمية يدوخوا يا ابن الرازي شكله حاسس انك حارمني من الأكل من امبارح عشان حتة قضية يا صاحب الشوم والندامة يا كلب الشغل"
+
نعم كان صوت منبعث من داخله كانت كلمات ضاجرة متمردة من صديقه الراحل وعلى صوت صديقه هاجمه فيض من الذكريات الأخرى بل صفعات متتالية يتلقاه مع كل نظرة يلقيها على مَن حوله...
+
عاد يُحدث نفسه ويحثها على التركيز ليرد على طاهر وعبد الله اللذان قلقا من صمته الفجائي وتغيبه لكن هو بالفعل انعزل عن الأجواء حوله، البشر بدأت تتلاشى كأنه يقف في الفضاء وحده وهناك أصوات داخله يميز بعضها وبعضها مغمور
+
_" بلاش يا شادي واسمعها كلمة من أخوك احنا مش قدهم يا ابن الرازي " كان هذا صوت آخر راوده بل هناك صوت ثالث أوقف أنفاسه اصاب قلبه في مقتل:
+
_" حكمت المحكمة حضوريًا على كل من شادي جبران الرازي وصابر متولي الجيار بالسجن ثلاثة سنوات مع التجرد من كل الرتب العسكرية و..."
+
تشوش الصوت في أذنيه فجأة عندما وضع أنامله داخلهما ليُسكِته لكن سرعان ما هاجمه صوت آخر لصديقه المُنهار:
_" أنا اتدمرت يا شادي حياتي اتدمرت.... سابتني يا شادي كلهم سابوني"
+
هز رأسه بعنف يطرد كل هذا لكن تكاتلت عليه الجلدات والنظرات التي لا تُمحى من ذاكرته، نظرات اليأس من صديقه والسخرية من أعداءه وخيبة الأمل من أهله كلها رُسمت أمامه ووقفت تصرخ بوجهه تلومه وتعاتبه، تعذبه على جمر الذنب الذي ارتكبه من وجهة نظره..
+
يقاوم يحاول أن يستجيب لصوت سكر جواره يحثه على الرحيل بعدما لحق به من خوفه عليه، يجذبه بعنف لينتشله من ذاك المكان الملعون... لكن تأخر الوقت كثيرًا
+
بدأت همهماته تعلو عينيه جمدت وتحجر بها دمع حارق،
+
_" مات بسببي، أنا اللي دمرته، أنا اللي بوظت حياته، قتلته.... قتلت نفسي... "
+
أخذ يهزي بهذه الكلمات والشباب حوله لا يفهمون ما أصابه بينما سكر جفلت ملامحه وقد أيقن من حدوث ما كان يحمل همه وهنا فاق لنفسه وصرخ فيهم:
_" حد يساعدني نمشيه من هنا "
+
حاول الشباب سحبه للخارج لكنه كان يرجع بخطوات رافضة للخلف حتى ارتطم ظهره وانحنى للأمام يحاوط أذنيه بيديه بشكل أقوى ويهز رأسه بهيستيريا وشفتيه تُخرخ كلمات كثيرة بشكل مريب...
+
_" مجرم، أنا مجرم... هو جريمتي الوحيدة... سابني... انا اللي سيبته... ضيعته معايا.. ضيعته "
+
بالفعل تغيب عن الواقع في ساحة يقف بها بمفرده بينما شريط حياته يُعرض أمامه بسرعة تفوق استيعابه، صرخاته تصاعدت بإسم صديقه، جسده لم يبخل عليه بحبات العرق الباردة، كل خلية به باتت تنتفض كأنما توضع على جمرات من نار، نارٌ هبَّت من مخمدها وهو الذي ظنها انطفأت بعدما دامت سنوات تُدمر حياته وتُشوِّه هويته بل تُجرده من نفسه وتختصره في شخصٍ آخر وفي هوية أخرى لا يعرف لِمَ يتشبث بها، هذا ما أرادته تلك الحرباء الملونة التي ظهرت وهي تركض نحوه كأنها لم تفعل شيئًا، بريئة مما حدث فقط أتت به إلى هنا لترميه في غيبات الماضي بكل قسوة وهي خير مَن يعلم بالنتيجة، تملكتها الأنانية لتُنسيها الإنسانية، هان عليها إنسانٌ طال عذابه وتضخم ألمه حد الموت، فلترفق به ولو قليل فلتتركه يعود لذاته....
+
كان آخر ما التقطته عينيه قبل أن يسحبه ظلام اللاوعي هي صورة جنى التي انتشلته بين ذراعيها وهي تصرخ عليه ليفيق...
+
أما سكر غابت أنفاسه وشحب وجهه وهو يتحسر عن كل الخطوات التي عادها صغيره للخلف لكن لم يمنعه ذلك عن إلقاء نظرة نارية باغضة لتلك التي تُمثل الانهيار على زوجها وحتى لو كان انهيارها حقيقيًّا هذا لا يشفع لها فعلتها بتاتًا....
1
فبئسَ شخصًا ضمَّد جرحك و هو الجاني...
+
------------------
+
مسترخي بحمام السباحة الخاص بمنزله المؤَمّن بفرنسا، متناسيًا العالم من حوله حتى وصله صوتها المقيت بالنسبة له تقول:
_" مش ناوي تفاتح نور في جوازها من ابن ماهي هانم؟ أظن دي خطوة حلوة لتقوية العلاقة مع أبوه، النسب هيضمن ولاؤه ليك"
+
سمعت رده البارد ولا يزال مغمض العينين:
_" لو خلصتي كل مشاغلك الفاضية خدي أول طيارة لمصر وانزلي اقنعيها، انتِ عارفاها بتحبك أوي ومش هترفضلك طلب "
+
بحسها برده الساخر فنبست بغيظ:
_" انت بتتريق!؟ الحق عليا بدور على مصلحتها"
+
_" مصلحتها!؟ لأ صدقتك، غوري من وشي مزاجى مش ناقصك تعكريه"
+
صكت أسنانها وسبته في نفسها وانصرفت تتوعده...
+
_" تليفون عشانك يا باشا! " كان صوت مي مديرة أعماله فرد عارف بلامبالاة:
_" مش فاضي "
+
ابتسمت وقالت بصوت شغوف:
_ " حتى لو قولتلك نور هانم! "
+
فتح عينيه سريعًا ونظر لها هاتفًا بلهفة :
_" نور! هاتيها بسرعة يا مي "
+
ضحكت بإحترام واقترب معطية له الهاتف فتنفس بهدوء وقال بحنان:
_" نور، وحشتيني يا عيون بابي "
+
سمع ضحكة غير مريحة خرجت منها تبعها صوتها الغير طبيعي:
_ " بس انت ما وحشتنيش يا ديب! بص لأجل الأمانة واحشني! واحشني أشوفك انت واللي زيك في قبوركم "
+
اصفر وجهه وجفلت ملامحه وقال:
_" طب انتِ كويسة!؟ "
+
سمع صمت من الجهة الأخرى بعدها وصله شهقاتها وصوتها الباكي يقول:
_" عمري ما هبقى كويسة، عدى تلات سنين من غيره!.... تالت مرة أنتقم له و لسة ما ارتاحتش، ومش هرتاح غير لما أبعتكم كلكم عنده، تقفوا في محكمة العدل وربنا ياخدله حقه منكم... أنتم سرقتوا أحلامي... أنا مش عارفة أعيش.... وسرقتوا أحلام ناس كتير أوي بفجركم وقرفكم وشغلكم اللي قايم على أرواح الأبرياء.... أنتم شياطين يا ديب شياطين في صورة بشر بشعين ومجرمين... هفضل أقتل فيكم لآخر نفس... هاخدكم واحد واحد يا عارف وكل مرة هتلذذ بمشهد دمكم السايح على الأرض زي الحيوانات... مع ان الحيوانات بريئة إنما انتم مذنبين من كل جهة.... بكرهكم بجد.... سامع بكرهك يا ديب بكرهك.. "
1
سالت دموعه وشعر بثقل أنفاسه فخرج صوت ضعيف منه:
_" انتِ فين! عملتي ايه؟! "
+
مسحت دموعها ونظرت للنيل أمامها وهي تقول ببرود:
_" على الكورنيش بشم حبة هوا نضيف عشان أفوق للي جاي... هبعتلك لوكيشن المحامي اللي اسمه عيسى رشوان خلي رجالتك ينضفوله الشقة عشان البواب واخد أجازة وبالمرة يشيلوا جثته من هناك... مايرضاكش بنتك حبيبتك تتسجن في شيطان زي ده يلا سلام هروح لحازم "
+
_" لا يا بنتي ما تعمليش كدة" صرخ بها برعب وهو غير مدرك لكل ما قالته لكن أرعبته جملتها الأخيرة
+
تعالت ضحكاتها الساخرة وهي تقول:
_" ايه انت فاكرني هنتحر!؟ عايزني أموت كافرة عشان أقابلكم تاني في جهنم؟!، أنا طايقاكم دنيا لما هطيقكم آخرة!! ماتخافش أنا رايحة لحبيبي مكان ما هو نايم، هشتكيله منكم "
3
فقط وأغلقت الهاتف بعدما ناولته أكثر من صفعة بأفعالها وكلماتها
+
_" الو ألو... نووور " هكذا أخذ يصرخ فاقتربت منه مي تقول بقلق:
_" فيه حاجة يا باشا؟! "
+
نظر لها وصاح بحدة:
_" اطلبيلي الدكتور اللي كان متابع حالتها!؟ دي اتجننت على الآخر، والكلاب اللي حاططهم يراقبوها دول حسابهم معايا عسير "
+
بكل غضب خرج من المسبح لتعطيه المنشفة التي وضعها على كتفه وهرول للداخل وقلبه يتآكل بمشاعر مختلفة من حزن أب على ابنته وما أصابها لغضب كبير من أفعالها لبعض الندم وتأنيب الضمير....
+
صعد جناحه سريعًا وأغلق الباب بعنف وأخذ يكسر كل ما يقابله وهو يصرخ:
_ هفضل ألم وراها لحد امتى دي... دي عقلها غاب على الآخر.. دي مش بنتي... اتجننت خالص، كدة كتير... "
+
_" أعصابك يا باشا انت مريض ضغط " خرج هذا الصوت فجأة فتبعه صمت تام وصدمة من قِبل عارف الذي كذب أذنيه
+
_" كنت أتمنى لقاءنا الأول يكون ألطف من كدة "
1
هكذا أكمل الصوت القادم من حمام غرفته مما جعله يتجمد مكانه، بل صُدم أكثر عندما خرج خرج ذلك السنايبر بطلته المعتادة وبيده كأس به مشروب ثم نطق بمدح:
_" الفوديكا عندكم حاجة ١٣ خالص "
+
_" انت... انت مين ودخلت هنا ازاي!؟ " همس بها عارف بذهول
1
رد الآخر ببساطة:
_" لما تشوفني في أي مكان على الكوكب ما تسألنيش دخلت ازاي، هرغي معاك في كام كلمة وهطير، وقبل ما أنسى عايز أقولك حظك زفت في رجالتك هنا وهناك "
+
قالها مشيرًا نحو الحديقة الخلفية حيث يفترش الحرس الأرض بعدما أوقعهم واحدًا تلو الآخر...
+
راقبه عارف بتريث وهو يجلس على الأريكة بكل برود بل ويرفع أكمام قميصه الأسود وعينيه تتحرك بحرية في الغرفة،
+
بكل هدوء دخل إحدى الغرف وخرج بعد دقائق بكامل ملابسه وجلس مقابل سنايبر بل وابتسم له قائلًا:
_" سنايبر... ابن فلاديمير بالتبني... منورني "
1
ابتسمت عينيه سنايبر وأرجع ظهره للوراء قائلًا بثناء:
_" لماح يا ديب والذاكرة لسة بخيرها "
+
_" ملامحك هي اللي ما تغيرتش كتير كأنك مولود راجل، كان عندك ١٧ سنة يوم ما شوفتك بتدرب على السلاح وسط رجالة فلاديمير من يومها وعرفت انك قناص... قناص دولي "
+
ضاقت أعين سنايبر بشعور غريب يمقته وقال بتأكيد:
_" كنت عارف انك لسة فاكرني عشان كدة جيتلك من غير تنكر، لعلمك وشي مش بيظهر غير للحبابيب "
1
ضحك الديب برزانة وقال:
_" ده شرف كبير قوي، بس.... ايه مناسبته ياترى؟ "
+
مال سنايبر بجزعه للأمام ونطق ببطئ:
_" نور بتئذي نفسها في طريق الانتقام، ليك عليا أخلصها من كل اللي مزعلنها ايه رأيك؟"
+
امتقع وجه عارف وصمت قليلًا قبل أن يقف فجأة يهجم على سنايبر جاذبًا اياه من ياقة قميصه قائلًا بهجوم:
_" انت تعرف بنتي منين؟ عايزين منها ايه؟ اتعاملوا معايا أنا "
+
زفر الآخر بملل وأنزل يدي الديب عنه وهو يقول ببرود:
_" ما كانت لسة بتكلمك وزي الفل، لأ ومتعشية بيتزا على روح عيسى رشوان، دي بنتك جبروت يا جدع! "
1
شعر بغصة في حلقه وابتعد عن سنايبر وجلس مكانه بثقل ثم حرك شفتيه بصوت خرج خافتًا:
_" انت مين؟ "
+
_" الله حسدنا الذاكرة ولا ايه ما قولنا سنايبر..... من غير دخول في تفاصيل يا ديب انت عارف المافيا مش هيسبوك في حالك، ولحد دلوقتي صابرين عليك عشان ترجع عن اللي في دماغك... "
+
قاطعه عارف صارخًا بحرقة:
_" وأنا مش هرجع، ولو بعد ميت سنة مش هرجع ، وفهمهم أني مش ناوي أفتح شغل خاص بيا وأعمل زعيم زي ما هم فاكرين عشان أنا أصلًا قرفت من الشغل اللي خسرني ولادي، كل اللي عايزه أرجع الضحكة لبنتي وأشوف ابني ولو مرة... مرة قبل ما أموت، ابني اللي يامة طلبت مساعدتهم عشان ألاقيه ورفضوا يساعدوني، أنا خسرت أكتر ما كسبت بألف مرة من يوم ما اتوحلت في العالم القذر ده، خلاص تعبت... مش من حقي أعتزل!!! "
+
ظل سنايبر على وضعه رغم اهتزازه داخليًا من الألم بصوت الرجل، وكأن مشاعر الأبوه وصلته رغمًا عن الجدران الخرسانية بينهما، لكن ما ذهله أن عارف الديب له ابن!!، لا تتعجب يا عزيزي اترك دهشتك تلك حينما تعرف كونك أنت الابن المقصود! يالسخرية القدر!!
+
وقف أمامه ووضع يده على كتفه قائلًا بهدوء:
_" مش انت لواحدك اللي اتوجعت منهم، أنا كنت بتذل عشان أوصل لخبر واحد عنها!، حرموني من الانسانة الوحيدة اللي بتمنى وجودها في حياتي، لحد ما عرفت انها اتخطفت "
+
تمالك عارف أعصابه وتجاهل رغبته في الصراخ حسرة على حياته وسأل بإهتمام:
_ " مش فاهم، قصدك مين؟ "
+
_" بتول بنت أخو كمال الصيفي، تعرف عنها حاجة؟ " قالها سنايبر بجمود وداخله يصرخ بالرجاء أن تكون صغيرته هنا لكن خاب أمله حينما أجاب عارف بإستنكار:
_" بنت أخو كمال الصيفي؟! وليد الصيفي كان عنده بنت؟ ازاي!؟ اللي أعرفه مالهوش أولاد بعد ما مراته ماتت باللي في بطنها من عشرين سنة، قتلها وقتل نفسه "
+
صك سنايبر أسنانه وازدادت رغبته في الانتقام وقال بجفاء:
_" إجابات الأسئلة دي هناخدها من كمال بنفسه عاجلًا أم آجلًا، أنا دلوقتي بحط ايدي في ايدك يا ديب و هديك ثقة ما ادتهاش لمخلوق قبلك، بنتك هحميها وهساعدك ترجعها في حضنك مقابل معلومات أنا متأكد انها عندك؟"
+
طالعه عارف طويلًا قبل أن ينبس بمشاعر مختلطة خرجت رغمًا عنه:
_" لو عايز تنتقم لوجعك وماله أساعدك وأبرد قلبي أنا كمان على سنين عمري، وزي ما بيقولوا الغرقان بيتعلق بقشاية، أنا كمان هثق فيك، ما أعرفش ليه بس لأول مرة في حياة عارف الديب يطمن لشخص من مجرد كلام حصل بينهم "
2
ابتسم سنايبر بسمة صغيرة ونبس بخشونة:
_" هصدقك... "
+
_" استنى " قالها عارف بهدوء بعدما بادله بإبتسامة مهمومة وانصرف للداخل سريعًا وما لبث أن خرج بصورة ماددًا اياها لسنايبر الذي يراقب بتركيز وأردف بوجع:
_" تقدر توصلني للست دي؟ "
4
----------------
+
وقف أمام منزلها ووجهه متهجم بشكل كبير ثم أردف بجمود:
_" حمد لله على السلامة "
+
رفعت حاجبها وأردفت بحنق واستنكار:
_" ده ايه الوش ده بقى يا أستاذ بكر! أقدر أفهم عملت ايه لمعاملتك دي؟ "
+
_" مفيش ياناهد! وبعدين ما أنا عادي أهو أقوم أرقص يعني! " هكذا أجابها بإنفعال
+
لتقابله بإنفعال أكبر هاتفة:
_" لأ والله انت كمان اللي لاوي بوزك، مش واخد بالك انك رجعي يا بكر وضيعت فرحتي بالشقة، يعني ايه ما ينفعش ندخل لواحدنا ولازم البواب يطلع بحجة توصيه على الشقة "
+
صاح بها يوضح وجهة نظره للمرة الألف:
_" دي الأصول يا ناهد وأنا كنت عامل حساب ان والدتك هتيجي معانا، يعني يصح أكون أنا وانتِ لواحدنا الناس هتقول ايه؟ "
+
_" ناس مين يا بكر ما تجننيش؟! ايه التفكير المتخلف ده؟! ياخي كنت حابة نكون براحتنا! مش كدة يا بكر أنا بجد مصدومة من اسلوبك، أنا اللي مفروض أخاف على نفسي منك بس أنا واثقة فيك "
3
رمقها وصمت يشعر أنها محقة فزفر وقال بهدوء:
_" طب معلش يا حبيبتي استحملي اسلوبي ده لحد ما نتجوز ممكن؟! "
+
مشت أسنانها على بعضها قليلًا ثم ابتسمت بهدوء وقالت بخبث:
_" ماشي يا بكر وماله عندي كام حبيب عشان استحمله"
+
راقته كلماتها فابتسم بحب وكاد يتكلم لكن جذب انتباهه رسائل عديدة من راجح وسيف أيضا فقال بعجلة:
_" ياه بقينا المغرب ورايا شغل مهم، هكلمك بالليل هتوحشيني "
+
فاجأته بشدة حينما مالت عليه واحتضنته قائلة:
_" وانت كمان يا حبيبي "
+
بعدها قبلت خده تحت ذهوله وهبطت من السيارة تلوح له بإبتسامة رقيقة، ما كان منه إلا أن أغمض عينيه وجملة واحدة تردد في أذنه بصوت صديقه الراحل شريف:
_" في حدود ماينفعش تتكسر بحجة انكم مخطوبين يا بكر عشان ربنا يبارك في الجوازة "
+
ابتلع ريقه شاعرًا بالذنب وبعض النفور اتجاهها وانطلق فورًا من أمامها لتخطو لداخل منزلها وهي مازلت تبتسم بخبث ودهاء وعينيها تتابع ذلك الواقف على جمر من نار وقد جذبها فور أن دخلت وأخذها لإحدى الغرف صارخًا بغيرة:
_" كنتِ معاه فين انطقي؟! "
+
جذبت يدها منه وهي ترمق غيرته بتسلية كبيرة قائلة بإستفزاز:
_" وانت مالك يا آسر واحدة وخطيبها ايه دخلك؟ "
+
جذبها إليه بقوة أكبر وهو يصيح من تحت أسنانه:
_" وحياة أمك كدة بغيظيني بيه يعنى! لأ وبيتحضنيه قدامي بعد ماشوفتيني شغل كيد حريم بقى! "
+
مرة أخرى أبعدته عنها وهي تقول ببرود:
_" خطيبي وبودعه براحتي مش هيبقى جوزي!، وبعدين انت بتعمل ايه عندنا أصلًا"
+
فهم أنها مستمتعة بغيرته فابتسم بخبث متبادل واقترب منها بشدة قائلًا:
_" أمي فوق مع أمك جات تشوفها لما عرفت انها تعبانة وأنا كمان حبيت آجي لما لقيتك وحشتيني، ماشوفتكيش من وقت ما كنا مع بعض في البار"
+
حركت شفتيها بدلع قائلة:
_" احنا اتفقنا نكون اصحاب يا آسر بس أنا شايفة انك بتاخد العلاقة في طريق تاني ما ينفعش خالص، احنا اللي بينا خلص وأنا دلوقتي بحب خطيبي ومبسوطة معاه "
1
ابتسم بجانب شفتيه بسخرية مع مكر واقترب منها أكثر بصورة مقززة وهمس:
_" هعمل اني مصدقك ومش واخد بالي انك دايبة بين ايديا دلوقتي، وهمشيها صحاب، ايه رأيك بقى نكرر السهرة تاني النهاردة "
+
كانت متوترة من قربه الشديد فخرج صوتها مرتبك نابسة:
_" لأ المكان زحمة وفيه ناس كتير كنت خايفة حد يعرفنا، بكر ممكن يتجنن لو عرف أني لسة بقابلك "
+
حرك يده في شعرها وردد بخفوت:
_" خايفة على مشاعره؟! بتحبيه؟!"
+
ابتلعت ريقها وردت ببعض الثبات:
_" ماحبهوش ليه على الأقل شاريني ومش بيخليني محتاجة حاجة "
+
خرجت منه نظرة ساخرة كأنه يقول وانتِ مقدرة اللي بيعمله عشانك؟!
+
فهمت نظرته فدفعته عنها وهي تردف بغيظ:
_" بتبصلي كدة ليه!؟ "
+
_" أنانية يا بيبي بس بحبك برضو " هكذا اجابها بسخرية فابتسمت باستعلاء وهي تقول:
_" دي مش أنانية ده طبيعي وأي واحدة مكاني كانت هتختار تكون مع بكر في الوقت اللي انت سيبتني فيه "
+
_" أنا ماسيبتكيش يا ناهد انتِ اللي اختارتي نبعد عشان مالقتيش فيا الشخص اللي يعيشك في المستوى اللي بتحلمي بيه "
+
_" كذب مش ده السبب الأساسي، انت اللي طلعت بتعرف بنات غيري و شايف الموضوع عادي ودي خيانة ما أقبلش بيها " هكذا هاجمته بضجر
2
فما كان منه إلا أن انفجر في الضحك وقال بلذاعة:
_" زي ما انتِ بتعملي مع بكر دلوقتي! "
+
امتقع وجهها ولم تستطع الرد فاقترب من اسمها هامسًا بحب:
_" سيبيه وخلينا نرجع سوى عشان مش هسيبك يا ناهد، وانتِ كمان مش هتقدري تبعدي عني ودي حاجة أنا متأكد منها، أنا لسة في قلبك يا نونة "
+
أغمضت عينيها تتحكم في مشاعرها اتجاهه وقالت:
_" مش هقدر أسيبه "
3
رد الآخر بإصرار وخبث أكبر:
_" وماله بس أنا كمان مش هسيبك ، انتِ بتاعتي "
+
---------------
+
أدى فريضة العشاء وعاد للمنزل على غير العادة حيث شعر بإرهاق كبير واستأذن شيخه هذه المرة....
+
دلف وهو يشعر ببوادر نزلة برد لاحظتها عتاب التي وقفت تستقبله بتفاجؤ قائلة:
_" الله صليت وجيت بدري النهاردة! "
+
ابتسم لها بهدوء قائلًا:
_" ورايا مذاكرة كتير والمعلم قالي ما اتأخرش على الجزارة بكرا فيدوب أخلص وأنام شوية عشان أروح بدري "
+
طبطبت على كتفه قائلة:
_" طب اقعد كل مع سالي على ما اعملك كباية شاي، وأهو جوز عمتك مش هنا لا هتسمع زعيق ولا نهيق "
+
قالتها بضحك متحسر فابتسم لها ابتسامة صغيرة وجلس ليجد سالي تنظر له بنعاس فضحك قائلًا:
_" طاقتك خلصت بدري من كتر التنطيط خلصي أكلك وقومي نامي "
+
مدت شفتيها قائلة بلطافة:
_" ينفع أنام عندك، انت مش بتعمل صوت وانت بتذاكر "
+
ضحك بخفة وهو يبعثر شعرها ورد بلين:
_" لأ بس انتِ بنوتة يبقى تنامي مع سها لو كنتِ ولد كنتِ نمتي في أوضتي"
+
تأففت لاوية فمها وقالت بضجر طفولي:
_" سها بتفضل تكلم صحابها طول الليل كل شوية أنام وأقوم لما تضحك بصوت عالي مليش دعوة مش هنام معاها "
+
واساها بحنان قائلًا:
_" معلش هقولها تكلمهم براحة "
+
_" ماليش دعوة يا نوح بتفضل تضحك مع رامي ويقولوا كلام كتير وفي الآخر بتقولي اياكِ تقولي لأمك وبتخوفني " قالت كلامها دفعة واحدة وهي تهز رأسها مع تهديد بالبكاء لكن لا تعلم ماذا فعل كلامها في الآخر حيث توقف عن الأكل ونظر لها بملامح جافلة
+
_" مين قالك انها بتكلم رامي يا سالي " هكذا سأل بصدمة
2
فردت سالي بتردد وصوت هامس:
_" أنا سمعتهم امبارح وأول امبارح كمان وكانت بتكلمه من زمان برضو، هو رامي ده قريبنا يا نوح عادي نكلمه! "
+
قلب عينيه بإرهاق وخيبة أمل كبيرة وداخله يتوعد لذلك الحقير وأيضًا لسها لكن دون أن يصل الأمر لعمته كي لا يزيد همومها، أشار لسالي فاقتربت منه وجلست جواره فنبس بهدوء مزيف:
_" لأ يا بابا مايصحش نكلمه ولا نكلم أي شاب غريب "
+
_" طب اشمعنى سها؟ "
+
تحكم في أعصابه وشرح بتريث:
_" عشان سها الشيطان ضحك عليها وخلاها تغلط، واحنا ما ينفعش نسمع كلام الشيطان مش كدة؟ "
+
أومأت له بتأكيد فأكمل بإبتسامة باهتة:
_" ماتقوليش لحد خالص انها بتكلمه ، ده سر وأنا هقول لسها ماتعملش كدة تاني ماشي؟! "
+
أومأت له مرة أخرى وما كاد يكمل حديثه حتى سمع صوت طرقات عنيفة على الباب جعلت الصغيرة تنتفض في مكانها فوقف نوح سريعًا وخرجت عتاب ايضًا تصيح بفزع:
_" استر يارب، فيه ايه!!! "
+
كان نوح قد وصل للباب وفتحه ليدخل مجموعة من الرجال يظهر عليهم الإجرام ليقول نوح بحيرة وقلق:
_" أنتم مين وعايزين ايه!؟ "
+
رد أحدهم بغلطة وعينيه تكدح بالشر:
_" فين عرفة؟! "
+
صاحت عتاب بضجر:
_" زفت الطين مش هنا، روحوا دوروا عليه في أي خرابة بعيد عننا "
+
أشار الرجل للثلاثة رجال الآخرين ليقتحموا المنزل تحت صرخات عتاب وتصدي نوح لهم دافعًا اياهم للخارج لكن ضربه أحدهم في صدره مهددًا بنبرة عالية:
_" خدلك جنب ياشملول عشان ما جيبش وشك عراضي "
+
و توجه كل رجل نحو باب معين ليبحث خلفه عن عرفة، رغم تألم نوح من الضربة لكن ما أن لمح أحدهم يتوجه لغرفة سها ركض نحوه بسرعة ووقف أمامه صائحًا بعنف:
_" أنتم ماعندكمش ضمير داخلين تنتهكوا حرمة البيوت كدة من غير نخوة غوروا من هنا عمي عرفة مارجعش البيت من امبارح "
+
اقترب منه باقي الرجال بعدما فشلوا في العثور على هدفهم في كل الغرف الأخرى فقال زعيمهم بشر:
_" ابعد يالا أنا عارف انه متخبي جوة "
+
لكن تجمد نوح أمام الغرفة ورفض الحركة وهو يصيح فيهم بغضب:
_" أقسم بالله العظيم ما هو هنا، البيت فيه بنات ودي مش أصول، عايزين منه حاجة شوفوه فين واتصرفوا معاه "
+
اقترب منه الرجل بإبتسامة مقيتة وهو يقول بنبرة قذرة:
_" البيت فيه بنات ها؟! طب مش نشوف البنات ونقيم، مش يمكن نطلب القرب بعد كدة!؟ "
+
لم يحتمل نوح قذارة مقصده فكاد يلكمه لكن سبقته يد عتاب الذي نزلت على وجهه الرجل وهي تصرخ فيه:
_" اتفو عليكم يا كلاب يا**** اطلعوا..... "
+
صمتت أثر كف غليظ من الرجل جعلها تسقط وقبل أن يمسها بضربة أخرى لكمه نوح بعنف عدة لكمات يثأر لعمته لكن لم يساعده جسده النحيل مقابل أربعة رجال انهالوا عليه ضربًا مبرحًا تحت صرخات عتاب ومدافعتها الواهية عنه وهي تسحب جسده الضئيل من بين أيديهم مع بكاء حاد من سالي وسها بالداخل مرتعبة من الصوت...
+
اجتمعت الحارة لكن لم يجرؤ أحد على الدخول والإشتباك مع هؤلاء المجرمين بينما دخلت نهال تركض وهي تصرخ على نوح الذي أضحى وجهه ينزف قبل جسده رغم مقاومته الضعيفة كي لا يأذي أحد عمته...
+
وقفت السيدة أمامهم وهي تقول برجاء:
_" سيبوه حرام عليكم، ابعدوا عنهم... عايزين ايه وانا أعمله.... لو ليكم فلوس خدوها "
+
أشار لهم رئيسهم ليتوقفوا عن ضرب الفتى ونظر للسيدة قائلًا:
_" خمس ألاف جنيه حق البضاعة اللي واخدها المحروس ونايم على فلوسها، وكنا هناخد حقنا بالعقل لولاش قلوا أدبهم علينا "
+
خلعت نهال إحدى الأسوار الذهبية من يدها وقالت وهي تبكي:
_" امسك حقك وزيادة وسيبيهم في حالهم دول مالهومش ذنب "
+
أخذها منها وهو يقيمها بين يديه ولمعت عينيه بالطمع قائلًا:
_" ما بحبش غير الكاش بس ماشي، يلا يا رجالة... ولما عرفة يشرف ابقوا وصلوله سلامي "
+
فقط وخرجوا لتضم عتاب نوح الذي اقترب من الغياب عن الوعي وصرخت بقهر لا مثيل له:
_" حقك على عيني... منك لله يا عرفة منك لله، ربنا ما يرجعك يابعيد... يوصلني خبرك انهارده قبل بكرا يا عرفة "
1
اندفع سعيد رفيق نوح للداخل بعدما علم ما حدث ليجد صديقه مرمي في الأرض بتعب شديد فركض نحوه يقول بلهفة:
_ " نوح... ابعدوا نودوه المستشفى يا جماعة "
2
--------------
+
دخل ذلك المقر السري الخاص بالفريق وهو عبارة عن مبنى كبير قليلًا مجهز بكافة أنواع الأجهزة التدريبية الخاصة بتدريباتهم القتالية مع غرف مرتبة للمعيشة حيث اعتادوا على البقاء في معسكرات لأسابيع هنا بعيدًا عن الضوضاء بالخارج....
+
جالسين في الطابق الثاني داخل صالون مجهز لجلساتهم المرحة بعد التمارين القاسية لكن هذه المرة ليست جلسة مرحة اطلاقًا فكلاهما ينظر للآخر بصدمة أكبر....
+
راجح بذهول وهو يشير على باب إحدى الغرف والمخصصة لسيف:
_" يعني البنت اللي جوة دي يبقى عمها كمال الصيفي؟!... ازاي تعمل كدة ياسيف؟! يبقى أكيد رجالته هما اللي هاجموك النهاردة؟! "
+
هز سيف رأسه ينفي بشرود وقال:
_" الرجالة دي كانت جاية تقتل الدكتور سيف نصار، عامةً الموضوع ده مش شاغلني اللي هيجنني بجد ليه كمال الصيفي كان خافيها في بيته وليه مهمة عنده كدة؟!، وازاي زمان رماها في ميتم ورجع جابها؟، ومين عز اللي فالقة دماغي بيه؟! "
+
وقف راجح وهو يتنفس بغضب وقال:
_" وأقدر أفهم ده هيفيدك في ايه؟!... سيف ركز يا حبيبي احنا لحد دلوقتي كل اللي نعرفه ان كمان أربع أيام ولاد ميتين الكلب دول هيسفروا فوق المية وخمسين روح لكذا بلد مختلفة احنا لحد دلوقتي ما نعرفش أماكن التسليم ولا أماكن وجود الضحايا.... سيف أنا على موتي لو الأطفال والبنات دول خرجوا من البلد دي مش مخدرات ولا سلاح دي أرواح وكرامة وشرف "
+
وقف سيف وناظره بضيق نابسًا:
_" وانت شايفني مهمش القضية ياراجح أنا جيبت كل المعلومات اللي قدرت أوصلها، والراجل اللي قابلته في السجن قال التفاصيل مش هتخرج من ايد عيسى رشوان مدير أعمال سلمان منصور أو من لابتوب سلمان منصور نفسه، وأظن دي المفروض تبقى مهمتك، بدل ما انت محتاس في جنان بنته "
1
قالها مشيرًا نحو باب غرفة الأخرى والمخصصة الراجح حيث ترقد مسك بعدما هرب بها من المشفى كي لا يعطي عنها أي تفاصيل....
3
زفر بغضب وصاح:
_" ما ده المفروض جزء من شغلي برضو، أحميها "
+
اقترب منه سيف وأشار بإصبعه على قلب راجح:
_" تحميها !؟ "
+
نظر له راجح بتفاجؤ وسأل بتوجث:
_" قصدك ايه بالحركة دي يا سيف؟! "
+
_" لأ انت كدة فهمت وصلتك "
+
صك راجح على أسنانه ونبس بضجر:
_" بلاش أسلوبك ده، أنا شرحتلك حالتها وقد ايه محتاجة اللي ياخد بإيدها "
+
_" وماله يا حبيبي خد بإيديها ومافيش مانع لو تزينهالها بدبلة كمان " قالها بإستفزاز ليلكمه راجح في صدره ويزفر بضيق
+
_" أبو تقل دمك ياخي "
+
ضحك سيف بخفة ولم يرد وجلس يتناول بعض حبات العنب فجلس جواره راجح قائلًا بصراحة:
_" سيف أنا عايز أساعدها بجد، بصفتي ايه أو بصفتها ايه مش هتفرق، أنا مش هقدر أبص لنفسي في مراية لو سيبتها تموت نفسها بالبطيء، مش يمكن ربنا حطها في طريقي في الوقت ده عشان محتاجاني ولازم أمدلها ايدي! مش يمكن تكون هي تكفير ذنبي زمان يا سيف "
1
قالها وقد أدمعت خضراويتيه لا ارادي فابتسم سيف بهدوء ورتب على كتفه هامسًا:
_" ما تقلبهاش دراما، انت عارف اني مستحيل أقولك سيبها ولا مالاكش دعوة بيها أنا بس مش عايزك تمشي في سكة رومانسية منسية في اتجاه غلط إنما لو على المساعدة دي حالة إنسانية ومش هنسيبها"
+
أومأ له راجح بهدوء ليكمل سيف متسائلًا:
_" بالنسبة لشبكة الدعارة فيه جديد؟ "
+
هنا تذكر راجح أمر ناهد فاعتصر عينيه بشدة وقال بضيق:
_" فيه مصيبة "
+
استدار له الآخر وسأل بقلق:
_" فيه ايه يالا؟ "
+
_" بكر... بكر متنيم ومش هيفوق غير وهو غرقان... الزبالة اللي خاطبها شوفتها في حضن واحد في الكابريه اللي حددنا نبدأ من عنده "
+
أمال سيف برأسه بعدم تصديق لكن نظرات راجح أكدت له الأمر فزفر بقوة وقال:
_" سيبه ياخد الدرس كامل "
1
هنا رد راجح مهاجمًا:
_" انت عبيط يا سيف، عايزني أسيب صاحبي يتجوزها أنا مستنيك تشوفلي طريقة أصارحه بيها انت عارفني مش هعرف أزوقهاله هلبسها في وشه على طول "
+
تنهد سيف ورد ببرود:
_" ماقولتش نسيبه يتجوزها قولت ياخد الدرس، ما تشغلش بالك أجل الحكاية دلوقتي "
1
مرت لحظات من الصمت جعلت راجح على وشك النوم فهو لم ينم منذ يومين ليقاطعهم رنين هاتف سيف الذي رد على سكر بمرح:
_" ايه يا تاريخ بقى أخرج بعد ٨ أيام سجن وماأشوفكش تقولي كفارة "
+
لكنه انتفض على صوت باكي فاقد الحيلة يقول:
_" شادي بيروح مننا يا سيف، كل اللي عملناه ضاع "
+
لحظات وكان يستعد للذهاب سريعًا ليقول راجح بضيق:
_" انت هتسيبلي بلوتك مع بلوتي وتمشي يا فامبي؟! "
1
رد سيف بعجلة وهو يتجه للخارج:
_" بكر زمانه جاي بتول عارفاه هيعرف يتصرف معاها لما تفوق، ماحدش يناقشها في حاجة لحد ما أرجع، سلام "
+
----------------
+
أنهت تحضير عمل الغد وأغلقت محلها الصغير بمساعدة مؤمن الذي قال بنعاس:
_" تصبح على خير يا نعمان عايز حاجة "
+
ردت ليلى بشكر:
_" تشكر يا مؤمن، وانت من أهله "
+
غادر مؤمن لمنزله القريب من المكان بينما مشت ليلى خطواتها نحو مدخل العمارة تشعر بإرهاق اليوم أرخى كتفيها وأثقل أنفاسها وقبل أن تخطو للداخل اتسعت عينيها وحاولت الصراخ فمنعتها يد حديدية وضعت على فمها وداهمها راجلان آخران حملاها رغمًا عنها وابتعدوا عن المكان.....
2
---------------
+
رأيكم في البارت!
+
لا تنسوا الصلاة على النبي ♥️♥️♥️♥️
1
----------------
+
