رواية في مدينة الاسكندرية الفصل العاشر 10 بقلم صابرين
10- إن جاري سفاح
نبدأ بنور أو نورهان والاتنين نفس الشخص علفكرة، واللي بدأنا بيها الرواية
نور صعيدية سافرت إسكندرية علشان تشتغل مُدرسة بعد ما ناهد "والدة حمزة وكريم" جابت ليها الوظيفة دي، ونور ساكنة مع بنات عمها في عمارة عثمان ومحمد في منطقة ميامي في إسكندرية
براءة بنت عم نور وهي موجودة في إسكندرية علشان تكليف التمريض اللي نقلها إسكندرية لسبب هنعرفه في الأحداث وهي حاليًا شغالة تحت تدريب يوسف
شروق اخت براءة وبنت عم نور موجودة في إسكندرية علشان هي بتدرس في كلية علم النفس
عائشة اخت نور وبنت عم براءة وشروق ونفس الأمر موجودة في إسكندرية علشان بتدرس في كلية صيدلة
أسماء ودي عمة البنات هما الأربعة وزوجة محفوظ اللي هو يبقى اخ عثمان ومحمد يعني هو عم حمزة وكريم ويوسف ويونس
حمزة ابن عثمان وده كاتب الظل زي ما ظهر في الأول بالإضافة إلى ده هو محامي وهيمسك قضية نور اللي هي بتظهر منها مقتطفات مستقبلة كل أربع فصول تقريبًا يعني أحداث الرواية بتحصل في الماضي، والمقتطفات دي لسه محصلتش يعني اللي بيحكي الرواية حاليًا ذكريات في عقل نور
كريم اخ حمزة وابن عثمان التاني، في آخر سنة في كلية صيدلة وله دور مهم في الرواية وواحدة من الأفكار الهادفة بتتكلم عنه
يوسف ابن محمد وابن عم كريم وحمزة وده الدكتور المسؤول عن تدريب براءة
يونس توأم يوسف وابن عم كريم وحمزة وده الظابط المسؤول عن قضية السفاح
غادة واسماعيل غادة تبقى أخت حمزة وكريم الكبيرة، بينما إسماعيل ابن عمهم من جهة وابن عمة البنات الأربعة من الجهة التانية، الثنائي ده لهم دور هادف في الرواية من حيث علاقتهم المعقدة ويمكن دورهم ميظهرش في البداية دلوقتي
رقية أخت يوسف ويونس صحافية وهي صاحبة أول خبر في أي مصيبة بتحصل
هاجر ودي غنية عن التعريف لأني عرفتها في نص فصل كامل ودي له دور مهم في الرواية بس ملهاش أي قرابة بالباقي غير إنها هتبقى مُدرسة في نفس المدرسة اللي بتشتغل فيها نور
عمر الهاكر اللي بيفضح الناس بمعنى أدق ومشكلته ودوره هنعرفه في الأحداث وطبعًا مفهومة علاقته هو ورقية
سفيان اخ عمر ده لسه دوره مظهرش مجرد اسمه بس بيتذكر بس له دور كبير في الرواية لاحقًا
السفاح ده بقى لغز الرواية اللي محدش هيعرفه علشان هخالف التوقعات كالعادة
شرحت تقريبًا كل اللي ظهروا معانا في الرواية، هما كتير حبة ولسه كام شخص هيظهر بس وعد كل الشخصيات دي هتحفظوها وهتبقوا معاهم كأنكم جزء من عيلتهم 

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
صلي على من قال أمتي أمتي 
توقف بالسيارة أمام ذلك المقهى الذي يخفيها عنه ليبصرها من خلف الزجاج تقف رفقة بعض الأصدقاء المزيفين كما يسميهم وما جذب انتباهه وتعلقت عينيه عليه هو التصاقها بذلك الرجل الذي فضلته عليه تبتسم وتضحك، ليس وكأنها قامت بنبذه منذ أيام فقط
خرج من السيارة ووقف مستندًا عليها وعينيه لم تزاح من على عايدة وخطيبها الجديد، ما يؤلمه حقًا ويؤلم رجولته أنها تركته دون معرفته ودون تقديم أي سبب حتى
مهلًا السبب أمام عينيه الآن تركته وذهبت لذلك الأخرق من أجل ماله ومال والده، أنه عريس لقطة كما يقولون فهذا الشاب والده يمتلك واحدة من أشهر سلسلة متاجر ذهب في مدينة إسكندرية بأكملها
وعايدة مثلها مثل ذويها من بني آدم اغرتها الأموال فتركته وذهبت لصاحب الأموال
شعر بسيارة تقف خلفها وصوت أخيه وابن عمه يناديان عليه وهو لم يلتفت ولم يزح عينيه من عليهما يريد أن يضغط على قلبه ويشحن عقله بهذا المشهد، لأنها إن عادت مرة أخرى وهذا أمر يشكك فيه سيستذكر حينها ضربتها المؤلمة لرجولته
وضع يوسف يده على كتفه من الخلف ورأي عايدة من خلف الزجاج ولكنه لم يبالي بل قال مقويًا إياه :
-متستحقش يا يونس حتى نظرتك دي خلاها تروح لحالها كويس إنها عملت كده قبل ما تدخل حياتك أكتر
تحدث حمزة يحدق في عايدة من خلف الزجاج بملامح مشمئزة اختلطت بالدهشة :
-متخيلتش إنها تطلع واطية أوي كده، هو الفقر مش عيب آه بس احنا مش فقراء فسابتك ليه
اجابه يونس بنبرة جامدة وملامحه لا تقصه السيف :
-هو كده البنى آدم الطماع لما يشوف طريق للفلوس بيبقى زي الكلب اللي بيريل لأي جزار على عضمة زيادة
استدار لهما نازعًا عينيه من عليهما يتمنى أن تكون المرة الأخيرة التي يرى بها هذه الأوجه القبيحة :
-يلا يا يوسف قصتها معايا خلصت لحد كده خليها تروح لحال سبيلها يمكن الفلوس فعلًا تشترليها السعادة الفانية اللي حواليها دي
آفاق يونس من موجة الذكريات هذه على صوت شقيقه دلفًا إلى الشرفة التي يجلس بها وشعره ينقط ماءً دليلًا على أنه لتوه خرج من الحمام، يرتدي ملابس خفيفة لا تناسب هذه الأجواء الباردة ابدًا فهم في منتصف شهر نوفمبر وهذا الشهر شديد البرودة
وإضافةً إلى هذا هم يسكنون أمام البحر أي حيث البرودة كلها والساعة الآن العاشرة مساءً والجو يجعل العظام ترتعد داخل الأجساد من شدة البرودة في هذه الساعة :
-بالله عليك ايه اللي انت مهببة ده، مناعتك ضعيفة وهتاخد برد
لم يهتم الآخر بما قال بل سحب مقعد وجلس أمامه هاتفًا بجدية جعلت يونس يستدير له في انتباه :
-فيه بقى اليومين دول انت واختك انا عايز أفهم
-فيه ايه؟ مالها رقية!؟
-مش عارف سرحانة بشكل غريب، بتخرج في أوقات مختلفة وغريبة حتى بالليل وده مش عاجبني بصراحة
رفع الآخر منكبيه مرددًا بهدوء :
-ما هي دي رقية شغلها بيخليها تتنطط في كل حتة بس انا وانت عارفين إنها مش بتعمل حاجة غلط وهي عارفة اننا حاطين فيها ثقة وهي مش هتكسرها أبدًا يا يوسف، دي روكا تربية ايدينا، بنتنا الصغيرة
مسح يوسف وجهه والندم لمع في عينيه :
-حاسس إني الموضوع اللي شاغل بال رقية هو عمر هتقولي ليه هقولك شوفت صورتهم هما الاتنين مع ماما وقالت إنها لقيتها بين هدومها
-عمر
نطق بها يونس بملامح غير مفسرة فقال يوسف بصوت يملأه الندم ولوم الذات :
-انا كل ما يعدي يوم وراء التاني وابص لرقية بنّدم أكتر اننا فرقناها عن عمر من غير ما نقولها على الحقيقة الكاملة مستغلين إنها كانت صغيرة أقل من ١٩ سنة والتأثير عليها سهل، خاصةً إنها يةبتصدق أي حاجة مننا وعارفة إننا مش بنكدب عليها في حاجة أبدًا
طرق يونس بأصابعه على سور الشرفة مستمعًا إلى يوسف وهو يكمل :
-واجعني أوي لحد دلوقتي كسرة فرحتها يوم كتب كتابها، آه اللي حصل كان مش بإيد اي حد بس اتكسر بفرحتها واللي حصل بعدها وفقدان عمر لبعض ذكرياته اهمهم رقية، وده اللي خبيناه عليها وقلنا ليها بس اني عمر دخل في حالة اكتئاب وسافر ومش عايز يكمل، هو ده اللي كسر قلبها يا يونس ولحد دلوقتي لسه قلبها واجعها
-أحيانًا بناخد قرارات صعبة بس تبقى هي الصح
هتف بها الآخر بنبرة هادئة مبهمة فقال يوسف متهكمًا لا يعجبه هذا ولا يعلم لما وافق عليه من البداية وترك شقيقته في حالة من الإنطفاء :
-ايه الصح معلش؟ لو كان قولنا ليها
قاطعه يونس بصوت حاد حاول جعله مخفض قدر المستطاع حتى لا يسمعه أحد خاصةً رقية رغم كونها غافية في هذا الوقت :
-لو كنا قولنا ليها إنك اتمحيتي من ذكريات عمر بسبب الصدمة النفسية الشديدة اللي حصلتله يومها كان ايه هيحصل؟ هتفضل معاه لحد ما يفتكرها مثلًا!؟ هتفضل قد ايه؟ انت تعرف اني عمر لحد دلوقتي مش فاكر رقية ولا موجودة في ذكرياته، فات أربع سنين على الموضوع، اختك هتقعد مع واحد أربع سنين تحاول تخليه يفتكرها، انت متخيل كم الألم النفسي اللي هتعيش فيه أختك لسنين مع واحد مش فاكرها؟؟
صمت قليلًا يلتقط أنفاسه، ينظر إلى شقيقه بعينين حزينتين مغلفتان بالقوة :
-انا برضو زعلان على رقية بس كان ده الحل الأفضل اني كل واحد يروح لحاله وكويس اوي اني متكتبش الكتاب يومها وإلا كانت هتتربط به طول حياتها، كده أحسن يا يوسف، كله وافق على ده سفيان وجدة عمر وابوك وأمك حتى انت، وكله نسي الموضوع أصلًا
هز الآخر رأسه ناظرًا بعيدًا ناحية البحر المظلم، متمتمًا بخفوت :
-لو كانت نسيته مكنتش هتحتفظ بصورته بين هدومها
نقل نظره من البحر إلى يونس مغيرًا الموضوع :
-طب وانت؟
-انا ايه!؟
-اي اللي مغير مزاجك ومعصبك طول الوقت وكأنك بتتلكك علشان تضرب أي حد معدي من قدامك حتى العسكري اللي بيقف قدام مكتبك بيقول إنك عصبي جدًا على الكل
رفع الآخر منكبيه هاتفًا بعدم اكتراث مصطنع :
-ولا حاجة دي القضية بس
-مش عليا يا يونس إحنا أخوات وتوأم فيه حاجة مغيراك من فترة وانا واخد بالي من كده، استنيتك تتكلم بس متكلمتش فجيتلك انا
-ولا حاجة يا يوسف قولتلك القضية يا جدع
بدا الكذب واضحًا عليه، يستطيع كشف هذا بسهولة فلا يفهم يونس شخص أكثر من يوسف، رغم أن شخصية كلاهما واهتماماتهم مختلفة إلىٰ أنهما يفهمان بعضهما بسهولة
سأله يوسف حاجزًا إياه في النقطة التي يريدها :
-مين البنت صاحبة الشنطة اللي قرفاك بقالها أسبوع دي!؟
انقلبت ملامح الآخر بشكل ملحوظ ليخرج من جيبه علبة التبغ خاصته مخرجًا منها سجارة وقد وضعها بين شفتيه مشعلًا إياه، وكل هذا بهدوء مخيف ويوسف يتابعه وعلم أنه على وشك البوح له لما يورقه منذ أيام :
-قابلت عايدة
كلمتين جعلت يوسف يدرك كل شئ ورغم هذا هتف بهدوء يحسد عليه :
-وبعدين؟ هزأتها؟!
ضحك الآخر ساخرًا ثم قال بنبرة وطريقة جعلت يوسف يتعجب بشدة :
-أهزأها؟ ده عند أمها، أصل لو هزأتها يبقى بعاتبها، وعلى رأي حمزة إن عاد لي معاتبًا حتى ولو بالصراخ فهو يحبني وانا مسحتها من حياتي بأستيكة وأستيكة جديدة كمان علشان متسبش أثر في حياتي
قهقه يوسف بصوت مرتفع حتى أنه لم يتمالك نفسه ليقول من بين أنفاسه المسلوبة من الضحك :
-انا متوقعتهاش بصراحة
رفع الآخر حاجبه ساخرًا :
-ليه توقعت أخدها بالأحضان وأجواء عودة الحبيبة بعد طريقها الخاطئ وأجواء كتب حمزة
-يا ابني مال حمزة وكتبه بالموضوع دلوقتي
-مش عارف بقى أجواء الرومانسيات دي بتجذع نفسيتي واقفل موضوع بت فلطح باشا اللي جريت على الفلوس دي بتخليني عايز أستفرغ
ظل يوسف يضحك إلىٰ أن سعل فقطب يونس جبينه هاتفًا بضيق :
-أهو ده اللي انا كنت خايف منه، أخدت برد غور بقى جوا وخد دواء
اتسعت أعين الآخر من هذه الوقاحة قائلًا :
-ايه قلة الأدب دي!؟ علفكرة انا الكبير مش انت
-بس بس يا بابا كبير على نفسك انا خبرة أكتر منك انت بتاخد على قفاك من طيبتك الزيادة دي
أشار يوسف إلى نفسه فارغ الفاه :
-انا باخد على قفايا!؟ مش معنى اني طبعي هادي ومحترم مش زيك بتتعامل مع مجرمين وشخط ونتر وزعيق يبقى انا باخد على قفايا
عاد يسعل مرة أخرى فقال يونس ناترًا به فهذه هي عادته إن أحب شخصًا أو خاف عليه يتعامل بمثل هذه الطريقة، يستفزه، يضايقه، يخرجه عن اعصابه، لا طريقة لتعبر عن الإهتمام والحب لديه غير هذه وكما يقول المثل "اللي يحبك ينكشك"
-يا عم ادخل اتخمد وخد دواء قطعت قلبي وانا قاعد
ضحك يوسف ودخل غير مبالي ثم قال :
-يا ابني انا بكح من السجاير بتاعتك دي اطفيها وقوم نام يمكن السفاح بتاعك يطلع لسه حي ويقتلك حد بكرة
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لم يكن عليها التأخر الي هذه الساعة فقد قاربت على العاشرة مساءً، اتجهت إلى شقتها بخطى سريعة ولكن ألتقطت أذنها صوت تأوهات قادمة من الشقة التي أمامها جعلتها تتوقف
هذه ليست المرة الأولى التي تسمع بها تأوهات تصدح من هذه الشقة التي يسكنها شاب وحيد غامض الهيئة، لم تبصر من قبل وجهه ففي العادة عندما تقابله على الدرج أو أمام الشقة يكون متخفيًا أسفل قبعته ذات اللسان الطويل
وهذه المرة كان الباب مواربًا فاقتربت ببطء خشيةً أن يكون ذلك الشاب لديه مرض مزمن أو ما شابه ولا يجد من يساعده أو يسعفه
اطلت برأسها من الباب لكنها لم تجد أحدًا في الصالة، نظرت إلى الدرج من الأعلى والأسفل بتردد، لا يصح أن تدلف إلى بيت شاب بمفرده وهي فتاة ولكن صوت التأوهات مرتفعة يبدو حقًا أنه بحاجة إلى مساعدة
عزمت أمرها ودلفت بعدما طرقت بخفة منادية بصوتها الخافت الرقيق :
-يا... كابتن.... هو حضرتك كويس؟ عايز مساعدة؟!
اتجهت ببطء ناحية الغرفة التي تصدح منها الأصوات وقبل أن تضع يدها على المقبض استمعت إلى صرخة قوية وكأن أحدهم سقط من بناية مرتفعة، وهذه الصرخة جعلتها بدورها تشهق منتفضة للخلف تزامنًا مع فتح الباب بعنف
توقفت تحدق في هذا الشاب ذو الطول الفارع عريض المنكبين يحدق بها بأعين سوداء غاضبة لتطلق صرخة مرتفعة ترى في يده سكين غارقة بالدماء
صاح بها الآخر بأن تصمت رافعًا السكين عليها :
-اخرسي، انتي مين؟ وبتعملي ايه هنا؟!
حاولت أن تفتح فمها بكلمة لكنه كان معقود برعب من منظر السكين هذا والذي بالطبع كان يقتل به أحدهم بالداخل :
-انت.... قتال قتلة.... أنت قتلت مين
-وانتي مالك انتي، بتعملي ايه هنا أصلًا
-انا انا ساكنة في الشقة اللي قدامك وسمعت صوت حد بيتوجع ودي مش اول مرة فدخلت اشوف فيه ايه
حك جانب فمه بابهامه الملوث بالدماء هاتفًا بسخرية بعدما علم بهويتها فهو يعلم جميع قاطني هذه البناية :
-انتي بقى لوزة العيوطة، طب يا لوزة محدش قالك اني دخول بيت غريب بيبقى بإستئذان غير كده بتبقى قلة أدب وقلة رباية
افرغت الأخرى فمها وتوقفت مسامعها عند ذلك الاسم المضحك الذي لا يعود إليها بالطبع :
-مين لوزة انا اسمي هاجر
-لأ لوزة علشان انتي عيوطة وكل ليلة قرفاني ومصدعاني بعياطك وأي واحدة عيوطة بيبقى إسمها لوزة
استدار حتى يغلق باب الغرفة التي خرج منها مكملًا حديثه :
-ودلوقتي نشوف حكاية انك دخلتي بيتي من غير
في ثانية ونصف كانت تهرول خارج حدود شقته متجهة إلى شقتها لتفتحها بسرعة جنونية مغلقة على نفسها من الداخل، كانت أصوات انفاسها مرتفعة عندما أخرجت هاتفها بسرعة حتى تبلغ عن هذا المختل الذي قتل أحدهم للتو
صرخت برعب عندما وجدته أمامها قادمًا من ناحية الشرفة هاتفًا بلوم :
-انتي قليلة ذوق علفكرة هما اهلك علموكي لما حد يكلمك تسيبيه وتمشي كده!؟
عادت للخلف مرتعبة إلى أن اصطدم ظهرها بباب الشقة وقبل أن تصرخ مستنجدة بأحدهم كان سكينه يصطدم بجانب رأسها تمامًا ولو كان أخطأ الهدف لأتى في منتصف جبينها :
-هتتكلمي هجيبه في رقبتك وبدال ما ابقى قتلت واحد بس الليلة ابقى قتلت اتنين
وضعت يديها على فمها تكتمه فور أن هتف بهذه الجملة التحذيرية ليقترب منها ساحبًا سكينه محدقًا في عينيها البنية الدامعة بأخرى ساخرة بشدة :
-مش بقولك عيوطة اديكي بتعيطي اهو اومال لو عدت السكينة من جنب رقبتك كنت هتبربري
حسنًا لقد ضغط على الزر الأخضر إذ انفجرت في بكاء شديد هاتفة برجاء :
-متقتلنيش بالله عليك هتستفاد ايه لما تقتلني، انا معملتش حاجة ده انا دخلت بيتك بنية اني اساعدك والله
-اممم ولسه النية دي قاعدة موجودة اصل بصراحة محتاج مساعدة
عقدت حاجبيها بتعجب فأكمل الآخر بجدية شديدة :
-بتعرفي تعملي كبدة؟
افرغت هاجر فمها بطريقة بلهاء وقد شعرت أن اذنيها بهما عطل أو ما شابه لذا سألته قائلة :
-قولت ايه!؟
-آه جينا لشغل الاستهبال، بتعرفي تعملي كبدة ولا تونسي جثة مغاوري اللي جوا دي
هزت رأسها بخوف لا تفهم لما قاتل مثله قد يطلب طلب مثل هذا لا يطلبه إلا الزوج لزوجته إذا اشتاق لطعام معين، ابتسم لها الآخر متجهًا إلى الشرفة فشرفة صالتها تلتصق بشرفة صالتها، الشقتين نفس التصميم على أي حال :
-حلو هاروح اجيبلك كبدة مغاوري تشوحيها بقى مع بصلة
-مغاوري مين؟؟
استدار لها مجيبًا ببساطة شديدة أصابت الأخرى بذبحة صدرية :
-الراجل اللي لسه قاتله الكبدة بتاعته لسه طازة
اتسعت عينيها برعب واضعة يدها على صدرها تشعر بدقات قلبها ستتوقف عما قريب فلم تمر قبلًا بموقف كهذا فهي طوال حياتها، لا تهوى المشاكل وتبتعد عنها حتى ولو كانت المشكلة تخصها، وهذا ما جعل شخصيتها مترددة ضعيفة :
-انت.... عايزني اعمل.... اعمل كبدة... بنـ بني
لم تكمل حديثها إلا وسقطت مغشيًا عليها لتخيلها للمنظر الذي لن يسر أحدًا قد يراه، بالله هي تصاب بذعر إن رأت أحدهم يذبح دجاجة أمامها فكيف لذلك المختل أن يعطيها عضو من بشري مثلهم من أجل أن تطهوها
حدق بها ببرود شديد ليقلب عينيه بضجر :
-اي البت دي هو لسه فيه بنات نواعم كده افتركتهم انقرضوا من أيام سعاد حسني
اقترب منها رافعًا جسدها من على الأرض ثم ألقى به على الاريكة بعدم إهتمام لجسدها الهش الطري ثم اتجه إلى الشرفة حتى يعود لشقته يكمل ما كان يفعل :
-اتخمدي على الأقل هعرف انام من غير ما اسمع عياطك زي كل ليلة
قفز من الشرفة بعدما تأكد أن لا أحد موجود ففي هذه الساعة من الليل في هذا الشتاء يكون الجميع نيام، عاد إلى شقته ليعود لتلك الغرفة واضعًا السكين على طبق به بعض البنجر فقد ظنت تلك الحمقاء أن السكين بها دماء
وهذا لأن لون الدماء قريب بشدة من لون البنجر ولأن الأجواء مظلمة في الخارج لم تفرق بين اللون الأحمر والوردي الغامق فنظنت أنه يقتل أحدًا بالداخل
وقد ساعدت أصوات التأوهات والصرخات التي تصدح من حاسوبه المحمول في تأكيد شكوكها، وهو لم يبرر أي شئ بل أكد الأمر ولا يدري لما
أغلق الحاسوب الذي كان مفتوحًا على ذلك الفيديو الذي نشره السفاح قبل أن يلقي بذلك الفتى من فوق البناية، هو يعمل على قضيته هذه منذ أسبوع تقريبًا بعدما عجزت الشرطة عن إيجاده فأستعانوا بمن هم أعلى من الشرطة العادية
وانتقل إلى هذه البناية بعدما تأكدت مصادره من المراقبة أن بنسبة ٧٠٪ السفاح يسكن هذه البناية، جلس على الفراش متصلًا على رقم معين وما إن اتاه الرد حتى قال :
-قولتلك ابعتلي ملفات عن اللي ساكنين في العمارة دي
-ايوه يا باشا حصل، الصبح هتوصلك الملفات
-غيرت رأيي متجبش ملفات العمارة دي بس عايز ملفات عن العمارات اللي في الشارع ممكن السفاح ميبقاش في العمارة دي فعايز امشط العمارة دي
-بس يا باشا كده هتاخد وقت طويل أوي نبعتلك حد تاني يساعدك
-لأ هشتغل لوحدي الملفات تبقى جاهزة بكرة وآه متستبعدش حد خالص خصوصًا واحدة اسمها هاجر ساكنة لوحدها في الشقة اللي قدامي دي
-واحدة اسمها هاجر؟ بس السفاح راجل مش ست
حك الآخر بجانب ذقنه قائلًا :
-مش شاكك فيها بس لحاجة في دماغي كده
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
هل هناك من لا يزال يمتلك ضميرًا في دنيا أصبح الضمير يُباع فيها بثمنٍ بخس
هذا ما تساءلت به براءة في نفسها وهي تلحق بيوسف أينما يذهب كعادتها لكن هناك شئ مختلف هذه المرة وهو أن يوسف مصاب بزكام حاد وبالكاد يستطيع أن يسير بشكل شبه طبيعي
ورغم أن زملائه أخبروه أن يعود للمنزل ويأخذ إجازة إلىٰ أنه رفض، بالله لو كانت مكانه لقفزت فرحة متناسبة المرض خاصةً وأنها تكاد تبكي على إجازة واحدة ويوسف يرفض طوال الوقت لأن ليس لديها حجة قوية
خط بعض الكلمات بأسماء أدوية وأعطاها لها هاتفًا بصوت متحشرج يظهر به المرض مليًا :
-ابعتي حد يجيب الحقن دي واحدة بالليل وواحدة بالصبح في المحلول
نظر إلى السيدة القابعة فوق الفراش مبتسمًا لها، مخفيًا علامات المرض، فابتسامة لمريض تريح عنه الكثير أفضل من الأدوية :
-بالشفا يا أمي
خرج من الغرفة بعدما أنهى مروره على جميع مرضاه فتبعته براءة لتجده يسعل بقوة محاولًا سحب المنديل من داخل العلبة، أشفقت عليه رغم أنها لم تنال شفقته في يوم من الأيام لكن هكذا نحن النساء نمتلك حنانًا وعطفًا يفوق الرجال
سحبت منه العلبة وأخرجت له منديلًا فأخذه منها ثم أدار ظهره حتى لا تشمئز وما إن أنهى حتى استدار لها مرة أخرى شاكرًا إياها بصوت متقطع أثر السعال
هزت رأسها بهدوء ثم قالت وهي تغلق باب الغرفة التي بها المرضى :
-ما ترجع البيت شكلك تعبان قوي واديك خلصت مرور وانا هراجع عليهم تاني ولو فيه عملية ضرورية فيه دكتور جراحة تاني هنا غيرك
رفع يوسف إحدى حاجبيه هاتفًا بنبرة متسائلة بدت لها ساخرة أكثر :
-عايزة أرجع البيت علشان تقعدي من غير شغل يا براءة صح؟
انقلبت ملامح الأخرى وامتعضت بشدة لتقول بنبرة بدت حادة رغم محاولتها لكبت غيظها من إتهامه هذا :
-لا علفكرة مش علشان أقعد من غير شغل، انت مش عارف تصلب طولك وانا كنت عاملة عليك، نضف النية يا دكتور
استدارت تاركة إياه يرمش في أثرها لا يفهم سبب حدتها، هل فهمت سؤاله بطريق خاطئ أم هو من الزكام لم يلاحظ أن ما يقوله قد يُفهم بالفعل بطريقة مختلفة، استدار هو الآخر وعاد إلى مكتبه الذي يشاركه مع زميل آخر
توجه إلى خزانة الأدوية يفرك رأسه من الصداع، يبحث عن بعض الدواء يسكِّن معه تزامنًا مع دخول زميله وعلى الأرجح أنهى عمليته إذ قال :
-ايه يا يوسف لسه تعبان؟
هز الآخر رأسه صامتًا فقال زميله ويدعي "مجدي" بينما يغير ملابس العمليات إلى ملابس عملهم العادية :
-طب ما ترجع البيت يا ابني وارتاح النهاردة
-مينفعش عندي مريض لسه عامل عملية يوم الخميس ولازمله مرور بإستمرار لأنه ممكن يحصله مضاعفات ولا حاجة
تحدث مجدي وهو يرتدي معطفه الطبي :
-طب ارجع انت وانا هاخد بالي منه
-مينفعش برضو لو حصله حاجة وانا مش موجود إحتمال أتجازى علشان انا الدكتور اللي عمله العملية
قلب الآخر عينيه بيأس من يوسف وجديته الشديدة في العمل ليغير الموضوع متسائلًا وهو يراه يعبث في خزانة الأدوية :
-هو انت بتدور على ايه!؟
-على أي مسكن بس مش لاقي
اقترب منه مجدي ومد يده ساحبًا شريط ثم مده له قائلًا :
-خد ده هيسكن معاك
نظر يوسف للشريط متعجبًا ثم قال :
-شريط ايه ده؟؟
-دواء للبرد والاحتقان بس مستورد ولسه واصل الصبح بس متخفش جربته قبل كده ومفعوله قوي خده علشان تقدر تكمل يومك
لم يعارض يوسف وأخذ منه الدواء ثم عاد وجلس على أحد المقاعد بينما قال مجدي متسائلًا وقد اعتلت على وجهه بسمة غريبة فهمها يوسف بسهولة :
-صحيح أومال فين البنت اللي بتمشي معاك دي
-اسمها بدربها يا مجدي مش بمشي معاها
نطق بها بنبرة صارمة جادة فضحك الآخر وجلس على المقعد المقابل له ثم قال :
-ماشي يا عم بس متقفش، قولي مش موجودة حواليك يعني كالعادة
-علشان خلصت مرور ورجعت اوضة الممرضات تقريبًا
-بس انا شوفتها وشها مقلوب وتقريبًا كده بتشتم فيك
أشار الآخر إلى نفسه مستنكرًا :
-بتشتم فيا انا؟!
آماء مجدي ضاحكًا ثم أكمل :
-يا ابني قولتلك براحة عليها انت واحد ربنا خالقك فيك صحة بيج رامي بينما هي بسكوتة نواعم متقدرش على عواصفك الرعدية دي وروحي وتعالي، اتعلم بقى ازاي تتعامل مع الستات
-اتعلم ايه هو انا هخطبها انا بدربها لو مكنتش اتعامل معاها كده في شغلها الأول هتبقى من غير ضمير الكسل دايمًا هو عنوانها الأول، الكسل واحد من الأسلحة اللي بتقتل ضمير كتير من الناس مش بس ممرضات ولا دكاترة يا مجدي، الضمير بقى حاجة غريبة الأيام دي عند ناس كتير
آماء مجدي متفهمًا ورغم هذا قال بنبرة عابثة :
-بس برضو براحة عليها لو هتفضل كده معاها خليني انا أدربها
أمتعضت ملامح يوسف وضغط على كف يده محاولًا الحفاظ على ملامحه الهادئة ورغم هذا ظهرت الحدة في عينيه، مجدي رجلٌ عابث لا يخلو قلبه من النساء فلا يستطيع الجلوس يومًا دون سماع صوت امرأة، ولا يستطيع أن يتعامل مع امرأة ولا يحاول التودد إليها
ولم يخفى عليها أبدًا نظراته الملاحقة أحيانًا لبراءة، لذا من أول يوم لاحظ نظراته هذه حذره من الاقتراب منها لأنها قريبته وتحت مسؤوليته هو، ومرة أخرى حذره وكانت نبرته هادئة هدوءًا تحذيريًا :
-مجدي للمرة التانية بقولها بلاش تقرب من براءة متخلينيش أأقلب بجد، لو بسكت على أفعالك مع الستات رغم أنه حرام علشان ملكش عندي غير النصيحة بس تقرب من براءة الموضوع هيبقى له وش تاني
ابتسم له مجدي يدرك غضب الآخر الغير مبرر ما إن يأتي بسيرة براءة ليقول :
-ماشي يا دوك وانا مش هقرب منها علشان عارف إنها مش من النوع اللي بيجي بالكلام وإنما بالجواز وبصراحة بفكر استقر
حدق به الآخر في جمود ثم وقف واستلقى على الاريكة مكتفيًا بجملة واحدة :
-مش مناسبة ليك
زادت ابتسامة مجدي رامقًا يوسف بحاجبين مرفوعين :
-مش عارف ليه بس حاسس إنك غيران عليها؟
-علشان قريبتي
نطق بها يوسف وهو مغمض العينين فقال الآخر وهو يقف متجهًا للخارج لعلمه أن يوسف سيغفو الآن بسبب وجود نسبة من المنوم في الدواء :
-متأكد إنها في نظرك مجرد قريبة بس يا يوسف
خرج ولم يضف كلمة بينما يوسف وما إن سمع صوت إغلاق الباب حتى نظر له لبرهة يفكر في كلامه جديًا، هو طالما كان يبعد اصطدام يراءة بمجدي حتى لا يحاول الآخر التودد إليها، هو فعل هذا بدافع غيرة رجلٍ على قريبته وليس كما يظن مجدي
أجل هذا هو الدافع
اغمض عينيه وغفى ولم يفق إلا على آلام شديدة في حلقه فاستقام عاقدًا الحاجبين، ناظرًا لساعته في معصمه ليجدها ١:٤٠ أي أن الدوام دقائق وينتهي، ويلي هل نام كل هذه الساعات؟!
وقف بسرعة متناسيًا انه مريض فلا يشعر الآن سوى بألم شديد في حلقه جعله غير قادر حتى على الكلام، توقف قبل أن يخرج من المكتب وعاد إلى خزانة الأدوية مخرجًا ذلك الدواء ليقرأ النشرة المرفقة معه
حسنًا هذا سئ بشدة فهذا الدواء كان يتضمن مادة كيميائية هو يتحسس منها وزاد الأمر سوءًا عنده، تحسس حلقه بألم قبل أن يخرج من المكتب بحثًا عن مجدي ولكنه لم يجده بل وجد براءة تسير في الممر وقد ارتدت ملابسها وغيرت ملابس الممرضات وهي على وشك العودة للمنزل
تقابلا معًا في الممر وكادت أن تتجاهله رغم تعجبها أنه لا يزال هنا، فهو مختفي منذ آخر مرة رأته فظنت أنه عاد للبيت، مرت من جانبه فأستوقفها بيده دون لمسها وحاول فتح فمه والتحدث لكنه فشل في هذا فتلك المادة والتي سبق وأن أخذ مثلها بالخطأ تجعل حلقه يلتهب حتى يصبح غير قادر على الحديث
نظر إليها عاجزًا عن أن يسألها أين مجدي بينما الأخرى كانت تشعر بالريبة منه تراه يحاول الحديث وغير قادر فقالت متوجسة :
-دكتور هو فيه ايه؟؟
أخرج من جيبه قلم ولوح به أمام عينيها وكأنه يكتب فقالت متعجبة :
-عايز ورقة!؟
آماء لها فأخرجت بعض الأوراق من حقيبتها واعطتها لها فخط هو بقلمه كاتبًا
"مجدي فين؟؟ "
-دكتور مجدي؟ ده مشي من نص ساعة ما انتوا الدكاترة عندكم صلاحية انكم تمشوا بدري مش زينا إحنا
قلب الآخر عينيه وأصبح وجهه أحمر لشدة الألم والضغط الذي يمر به الآن فقالت براءة عاقدة الحاجبين :
-يا دكتور انت كويس؟
كتب لها يوسف مرة أخرى
"الدكتورة اللي في الصيدلية مشيت؟ عندي حساسية من مادة معينة في دواء اخدته وزوري قافل خالص"
استدارت براءة إلى الصيدلة الخاصة بالمشفى لتجد أن الطبيبة المسؤلة عنها على وشك إغلاقها والذهاب فنادت عليها وهي تتجه إليها بخطى سريعة :
-دكتورة يمنى استني
لحق بها يوسف لتنظر إليهما الطبيبة متعجبًا :
-فيه حاجة حصلت ولا ايه!؟ دكتور يوسف انت كويس؟
تحدثت براءة لعلمها أن الآخر لن يستطيع الإجابة :
-الدكتور اخد دواء في مادة هو بيتحسس منها فعايز حاجة مضادة
استجابت لهما الطبيبة وعادت وفتحت الصيدلية مستفسرًا عن اسم هذه المادة فكتبها يوسف في الورقة وأعطاها لبراءة، وقد أخذت الأخرى تبحث مع الطبيبة عن الدواء المضاد تزامنًا مع رنين هاتف يوسف باسم يونس
حدق به يوسف عاجزًا عن الرد فاستدارت براءة ناظرةً له عندما طال الإتصال فحدق بها يوسف لثوانيٍ قبل أن يمد الهاتف لها، امسكت الأخرى بالهاتف لا تفهم ماذا يريد فقالت بعدم فهم :
-أخوك بيرن
آماء لها الآخر مشيرًا على زر الرد فقالت براءة :
-عايزني أرد؟ طب أقوله ايه!؟
حاول يوسف الإشارة لها متناسيًا أنه يستطيع الكتابة لها والأخرى لا تفهم شيئًا منه فقالت ضائقة :
-مش فاهمة حاجة، أكتب عايز هو حد قالك بفهم لغة الخُرس
ويلي كيف نطقت بمثل هذه الكلمات، تراجعت فيما قالت ما ان رأت وجهه انقلب وظهر الغضب مليًا داخل عينيه وفي ملامحه فقالت متأسفة :
-مش قصدي والله طلعت كده ذلة لسان
انقطع الإتصال فنظر يوسف للهاتف بائسًا لتقول الأخرى مشيرة للهاتف :
-عايزني أقوله يجي ياخدك
آماء برأسه ولا تزال ملامح وجهه ممتعضة، وما إن دق الهاتف مرة أخرى حتى ردت قائلة :
-الو
أما على الجهة الأخرى نظر يونس إلى هاتفه مذهولًا فإحتمالية أن يسمع صوت امرأة من هاتف أخيه الذي لا يخالط النساء نادرة :
-الو مين معايا؟ ده تليفون يوسف!؟
-ايوه عارفة أنه تليفون يوسف هو عايزك تيجي توصله علشان تعبان قوي
علم يونس من هذه اللهجة أنها قد تكون براءة، وما إن استمع أن أخيه متعب حتى وقف ساحبًا متعلقاته متجهًا إلى خارج القسم :
-تعبان ماله؟ هو لسه في المستشفى صح؟!
-ايوه لسه في المستشفى وبالنسبة لماله هو أخد دواء عنده حساسية منه فصوته راح
-بقى أخرس!؟
صاح بها مصدومًا وصوته المرتفع وصل يوسف من الجهة الأخرى فنظر إلى الهاتف وزاد حنقه بينما قالت براءة محاولةً تفادي الأمر :
-لا مش للدرجة يعني هو يعني مش عارف يتكلم ولا يطلع صوت ولا يعبر عن أي حاجة وبيتكلم بالإشارة
زاد تجهم يوسف فصمتت بينما صاح يونس علي الناحية الأخرى غاضبًا من إستهتار أخيه والنوم دون أن يأخذ علاج :
-بإختصار بقى أخرس
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دلفت إلى أحد المطاعم المشهورة في منطقتها والذي بالعادة يأتي إليها أصحاب الذوق الرفيع، كم ذكرها هذا المطعم ببعض الذكريات لها ولعمر حين احضرها إلى هنا رفقة أخاها يونس الذي أتى معهما كمحرم، والذي بالمناسبة جعل عمر يكاد يصاب بنوبة قلبية يومها بسبب عجزه عن التحدث معها بشكل طبيعي
والآن تبدل الحال وجمعهم نفس المطعم لكن الآن عمر لا يتذكرها وهي تحاول جاهدة لإرجاع له الذكريات
وجدته يجلس في أحد الأركان المطلة على البحر الأبيض المتوسط في جو صباحي أعطت الشمس للبحر لمعة مميزة عكست اشعتها على وجهه في مشهد دق له قلبها، ابتسمت ابتسامة حالمة وكم ودت أن يعود عمر كما كان ولو حتى لدقائق
حمحمت ساحبة مقعد حتى تجلس عليه فنظر إليها عمر مطولًا قبل أن يقول :
-الفلاشة
-معايا فين بقى الفطار؟!
سحب عمر كوب الشاي بالحليب المعتاد له ولم ينسى بالطبع القشة ثم قال :
-آه وماله وصيتلك على أحلى فطار دقايق وهيبقى موجود
-هو انت لسه بتشرب الشاي بلبن بالشفاطة
هتفت به ضاحكة وسرعان ما تداركت نفسها عندما وجدته يحدق بها بتعجب :
-قصدي فيه حد بيشرب شاي بلبن بالشفاطة؟
-وانتي مالك انتي ما تخليكي في حالك
نطق بها بوقاحة أعتادت عليها مؤخرًا فنفخت الأخرى مغتاظة وهي تتمتم بخفوت :
-الصبر يارب في يوم من الأيام هفتحله دماغه بسبب لسانه ده
ترك عمر الكوب بعد أن أنهاه قائلًا :
-ها فين الفلاشة؟
-موجودة بس ليا نسخة من المعلومات
قلب الآخر عينيه بضجر ليقول مجاريًا إياها :
-ماشي هاتي
أخرجت رقية الشريحة من حقيبتها تنظر إليها بتردد، هي لا تريد منها شيئًا فقد كانت هذه وسيلتها حتى تدلف إلى حياة عمر دون أن يشك بها لذا سرقتها منه يوم كانا بالمقهى وتعمدت أن تراها الكاميرات
رفعت نظرها إليه لتمد له الشريحة، أصبح وجودها معها يأخذ منحنى آخر لذا قررت إعادتها له وستجد بالطبع طريقة أخرى للعودة إلى حياته في أقرب فرصة فوالله لن تتخلى عنه حتى يتذكرها
أخذ منها عمر الشريحة سريعًا وادخلها في حاسوبه المحمول حتى يتأكد من أنها هي بالفعل بينما ظلت رقية تراقبه دون أن ينتبه، حسنًا هذه ليست أول مرة لها تراقبه وهو يعمل على الحاسوب
لقد كان محترفًا منذ أن كان بالجامعة حتى أن زملائه كانوا يطلقون عليه النانو، لكن الأمر الآن بدا مختلفًا أكثر فأصبح أكثر رجولة ونضج، بدايةً من هذه الذقن الخفيفة وعينيه التي برزت بها نظرة تركيز شديد، أنفه الحاد، وشعره الذي تغير وقل طوله عن آخر مرة رأته بها قبل أن يختفي
كل هذا جعله أكثر وسامة، كل هذا جعل قلبها يدق وما زاد دقاته أكثر هو عندما رفع عمر نظره إليها يحدق بها متعجبًا من تحديقه بها مطولًا، اخفضت نظرها بسرعة فتساقط شعرها الأسود حول وجهها بشكل أجفله
هذا الشعر الأسود شعر أنه رآه من قبل، في صورة ملقاة في درج الخزانة في شقة والديه القديمة، صحيح لا تظهر ملامح الفتاة بشكل واضح بسبب يدها التي تخفي بها وجهها لكن هذا الشعر يشبهه كثيرًا في نعومته ولونه الأسود الفحمى
نقل نظراته بسرعة عندما لاحظ توقف بعض السيارات خارج المطعم فوقف سريعًا بشكل آثار انتباهها فقال مبتسمًا بمكر :
-اشبعي بالفطار يا رقية الهواري
ومن حماقة الأخرى لم تفهم ماذا يقصد حتى بعد أن رأته يلملم أشيائه ويرحل ظنت أنه أخذ شريحته وسيجعلها هي تدفع ثمن الإفطار لكن كل هذا تبدل إلى صدمة عندما رأت الشرطة تدلف إلى المطعم متجهة إليها هي بالذات
وقفت مذهولة تستمع إلى الشرطي يقول بنبرة خشنة حادة :
-انتي رقية محمد الهواري؟
آماءت الأخرى بإيجاب لا تفهم لما أتوا من أجلها إلا عندما قال ذلك الشرطي بنفس النبرة لكن أكثر حدة :
-حط الكلبشات في ايديها يا ابني
-ايه ايه ليه؟ انا عملت ايه؟؟
هتفت بها فزعة فقال الآخر بصرامة مخيفة وهو يضع الاصفاد الحديدية في يديها :
-فيه واحد بلغ عنك وقال انك انتي السفاح اللي بيقتل الناس وإنك كنتي هتقتليه بس هرب منك، يلا قدامي
-واحد!؟
نطقت بها مصدومة لتنظر بسرعة إلى زجاج المطعم من الناحية الأخرى التي تطل على الشارع وهناك أبصرت عمر يقف خلفه يلوح لها وعلى شفتيها ابتسامة متشفية فصرخت غاضبة :
