رواية الاميرة الاسيرة الفصل التاسع 9 بقلم نجلاء لطفي
في اليوم التالي تحسنت حالة والدي وسمح له الأطباء بالعوده للبيت مع متابعته باستمرار، وصلنا البيت ليلا وأصر والدي على عودتي للقصرفبيتي أولى بي ، وأمام إصراره انصرفت مع وعد بالعوده في الصباح. كنت سعيدة بعودتي لمازن ولم أخبره لأفاجئه وعندما دخلت القصر وجدت مكتبه به ضوء فأدركت أنه مازال ساهرا يعمل ففتحت الباب ودخلت فكانت المفاجأة الكبرى أو لنقل الصدمة المزلزلة لكياني فقدفوجئت بيارا بين يديه ويتبادلان قبلات حارة، تجمدت في مكاني للحظات حتى شعر مازن بوجودي فانتفض وأبعدها عنه وأنا مازلت متجمده في مكاني لا أتكلم ولا أقدر على الحركة ، حتى دموعي تحجرت في مقلتاي، قال مازن بلهفة :
-هبه أرجوك لا تُسيئي فهم الموقف ودعيني أشرح لك
-الموقف لا يحتاج لشرح فهو واضح
-أرجوك افهمي هي تطاردني منذ مجيئها للقصر وأنا أقاومها لأني أحبك واليوم..
-واليوم ابتعدت عنك فنسيت حبي وغرقت في حبها
-لا أنا لا أحبها لكن فقط ضعفت أمامها
-وأنا لا أحب الضعفاء
فقالت يارا بإبتسامة شامتة :
-علام ترجوها دعها ترحل تلك المغرورة المنتفخة كالطاووس رغم أنها تفتقد للأنوثة
فقلت لها:
-لقد رددت الجميل كما يجب
-هل تريدين الاستحواذ على كل شيء؟ ألا يكفيك المنصب والثراء ورضا الملك؟
-بل سأترك لك كل شيء
فقال مازن:
-هبه أرجوك لاتأخذي أية قرارات في لحظة انفعال
-تلك كانت فرصتك الأخيرة وأضعتها ولم تستطع الوفاء بوعودك فلا تستحق أن أبقى معك
فقالت يارا:
-دعها ترحل يا حبيبي فلديك من هي أفضل منها
-اخرسي واخرجي الأن لا أريد رؤيتك مرة أخرى
لم أصعد لغرفتي إنما دخلت مكتبي وأغلقته علي وبكيت كما لم أبك من قبل، لقد كان كاذبا في كل كلامه ووعوده بالحب والإخلاص، لقد خانني مع أول فرصة واتته ولم يُراع أنها زميلتي، ولم يُراع حُرمة البيت، من البداية وتلك العلاقة محكوم عليها بالفشل، فهو لن يتغير بين يوم وليلة، إنما تغير نتيجة تغير ظروفه وعندما أُتيحت له الفرصة عاد لطبيعته. كم كنت ساذجة عندما صدقت أن مثله يعرف الحب أو الإخلاص إنما هو لايحب إلا نفسه ونزواتها فقط، ليتني لم أحبه، ليتني بقيت على كرهي له لكنت حينها لا أشعر بذلك الألم الرهيب الذي يجتاح قلبي كالإعصار ويدمره تدميرا. لن أعيش معه لحظة واحده بعد الأن وسأواجه الملك بكل الحقائق وأطلب منه أن يعفيني من تلك الزيجة.
في الصباح طلبت لقاء الملك بشكل عاجل وضروري فأذن لي فذهبت إليه وأخبرته بكل شيء بدءا من أول لقاء لي مع الملكة حتى ماحدث أمس وطلبت منه أن يوافق على الطلاق لأني لم أعد قادرة على احتمال رعونته وخيانته وعدم إحترامه لي. بدا الحزن على وجه الملك وسكت قليلا ثم قال:
-لقد منحته الفرصة تلو الفرصة ليصلح أحواله فلم يفعل ، ثم ظننت أن الزواج سيصلحه واخترت له أفضل الفتيات فأهانها وكسر قلبها البرىء، فهو لا يستحق ماهو فيه ولابد أن يُحرم من كل شيء ليعرف قيمة ما أضاعه.
أرسل له الملك وللملكة ووبخهما على مافعلاه وخاصة الملكة لأنها أخفت-كعادتها- عنه ما فعله مازن بي وأصدر الأمر لمازن ليطلقني الأن وفورا، ثم سألني :
-ماذا تريدين كتعويض يا ابنتي؟
-أريد أن تظل الجمعيات الخيريه تحصل على التبرعات التي كنت أمنحها لها، وأن أسافر للخارج لإتمام دراساتي العليا كما كنت أحلم
-هل لك مطالب أخرى؟
-لا شكرا لجلالتك
تركت كل شيء خلفي ولم أعد للقصر أبدا فهو يحمل لي أسوأ الذكريات وأكذب المشاعر وأكثر اللحظات إيلاما ، رميت كل شيء وراء ظهري وعدت لبيت أبي كما خرجت منه بملابسي التي أرتديها. فوجىء والداي بدخولي عليهما وعندما علم والدي بخبر طلاقي ازدادت حالته الصحية سوءا من شدة خوفه علي وعلى مصيري وكيف سأعيش حياتي القادمة، لم يحتمل قلبه قلقه وتوتره فتوفي خلال أسبوع. تكالبت على قلبي الأحزان حتى فتكت به وبفقدي لوالدي فقدت كل ما يربطني بتلك الأرض، فقدت الصدر الحنون والصديق الذي يشعر بي بدون كلمات، فقدت المعلم الذي منحني كل خبراته في الحياة ، فقدت السند والحماية والأمان،فقدت أهم شخص في حياتي فلمن أبقى؟؟ فقررت أن اصطحب أمي- المكلومة بفقد شريك عمرها والحزينة لضياع أملها وفقد ابنتها السعادة والاستقرار- ونسافر بعيدا لعلنا نستطيع التغلب على أحزاننا.
عشت في بلاد الغربة لا يعرفني أحد فكنت أتعلم وأعمل بجد واجتهاد حتى أشغل عقلي عن التفكير في أحزاني، وأقنعت نفسي بضرورة النسيان لأرتاح من آلام الغدر ولكن ذلك اللعين الذي ينبض بحبه مازال يذكره أحيانا ويحن إليه حنينا جارفا، كنت أود لو أحطم أضلعي وأمزق ذلك اللعين الذي لم يكتف من غدره وخيانته ومازال مشتاقا له ويلتمس له الأعذار، كان قلبي العاشق هو نقطة ضعفي الوحيدة. كم بكيت في وحدتي ليس من غدره فقط بل من شوقي إليه فمازلت أحن للمسته لصوته بل حتى لصوت أنفاسه التي تتردد في صدره وهو نائما بجواري، تبا لذلك الحنين الذي يعذبني أكثر من خيانته وكذبه، لقد ابتعدت عنه لكني مازلت أسيرة ذكرياته وحبه.
لم تحتمل أمي الحياة بعد أبي لأكثر من ستة أشهر فرحلت في هدوء لتلحق بشريك عمرها الذي لم تجف دموعها عليه أبدا وكانت تناديه في نومها وتطلب منه أن يعود أو يأخذها معه فطوال ثلاثون عاما عمر زواجهما لم يفترقا أبدا حتى عندما كانا ينجبان قبلي ويموت الطفل نصحه الأهل بالزواج بأخرى فرفض وتمسك بها وقال ( هي عندي أغلى من كنوز الدنيا وإن لم ننجب معا فهي طفلتي) قالت لي :
-لحظتها شعرت أنه كل من لي في تلك الدنيا وإن تركني سأموت بدونه
وهاهي كلماتها تتحقق فقد ماتت لأنها لا ترغب في الحياة بدونه، فقد كانت تحيا معه ولأجله وبعده فقدت الحياه معناها، يبدو أن الحب لعنة أسرتنا. كان علي أن أكابد آلام الفقد للمرة الثالثة فقد فقدت أغلى من لدي بالدنيا مرتين متتالتين وقبلهما فقدت قلبي الذي تركته مع مازن، وكأن الفقد صار رفيق دربي ، تلونت أيامي بلون الحزن وفقدت كل الأشياء معناها بفقدي لأمي ، وتقف الكلمات عاجزة عن وصف مشاعري عند فقدها فكل كلمات الحزن والوجع لن تفي بذلك الغرض ففقد أمي أخر من لي بهذا العالم كان أكبر من كل المشاعر والكلمات.
مضت بي الأيام ثقيلة وباردة تزيدها الوحدة والغربة كآبه حتى كان يوم شتوي شديد البرودة هاجمتني فيه أمطار غزيرة أثناء عودتي من الجامعة للبيت فلجأت لأحد المقاهي أحتمي به وأتناول شرابا دافئا لعله يزيل برودة جسدي ولعل وجودي بين الناس يبدد برودة مشاعري. دخلت المقهي واخترت منضدة تطل على الطريق فلاحظت أن كثير من الناس يلجأون للمقهي للاحتماء من الأمطار الغزيرة، حتى اكتظ المقهى بالناس فبدأوا يتشاركون المناضد ويتبادلون الأحاديث والصخب. كانت منضدتي في نهاية المقهى فلم يلاحظها أحد لذا لم يشاركني إياها أحد، وأثناء إحتسائي الشاي الدافىء دخل أحد الضباط بملابسه الرسمية وفوقها معطف وظل يبحث عن مكان، حتى لمح منضدتي فوقف أمامي وقال:
-هل تسمحين لي؟
كان صوته مألوفا لي فرفعت بصري إليه وكان يرفع قبعته العسكريه فتلاقت عينانا فتسمرت مكاني من المفاجأة ولم أستطع التنفس أو النطق للحظا
