رواية الاميرة الاسيرة الفصل العاشر 10 بقلم نجلاء لطفي
دخلت المقهي واخترت منضدة تطل على الطريق فلاحظت أن كثير من الناس يلجأون للمقهي للاحتماء من الأمطار الغزيرة، حتى اكتظ المقهى بالناس فبدأوا يتشاركون المناضد ويتبادلون الأحاديث والصخب. كانت منضدتي في نهاية المقهى فلم يلاحظها أحد لذا لم يشاركني إياها أحد، وأثناء إحتسائي الشاي الدافىء دخل أحد الضباط بملابسه الرسمية وفوقها معطف وظل يبحث عن مكان، حتى لمح منضدتي فوقف أمامي وقال:
-هل تسمحين لي؟
كان صوته مألوفا لي فرفعت بصري إليه وكان يرفع قبعته العسكريه فتلاقت عينانا فتسمرت مكاني من المفاجأة ولم أستطع التنفس أو النطق للحظات فقد كان مازن، بعد لحظات قلت بارتباك:
-تفضل
-هبه؟ أي مفاجأة تلك؟ لم أتوقع مقابلتك هنا فأنا أعلم أنك تدرسين في بلد أخر
-تخصصي غير موجود إلا هنا لذلك غيرت وجهتي
-من حسن حظي حتى نلتقي مره أخرى
-لا أعتقد لقد انتهيت من مشروبي وسأنصرف
-أرجوك لا تخرجي فمازالت الأمطار شديدة في الخارج وإن كان وجودي يضايقك فسأخرج أنا
نهض من مكانه فقلت بوهن وأنا أقاوم نفسي:
-بل ابق حتى إنتهاء الأمطار
جلس وساد الصمت بيننا حتى جاء النادل فقال لي:
-أنا لم آكل طوال النهار فهل تأكلين معي؟
أومأت برأسي نعم فطلب لنا ساندويتشات وكوبين من الشاي، سألني عن أحوالي فأخبرته بوفاة والدتي وأني أعيش بمفردي فواساني بكلمات المجاملة ثم سألته :
-ماذا تفعل هنا؟ وماهذا الزي العسكري؟
-بعد..انفصالنا أصر والدي على عزلي عن ولاية العهد لأني مستهتر ولا أصلح لها فتدخل سكرتيره ووالدتي وطلبا منه منحي مهلة أخيرة ، فكان قراره بانضمامي للكلية العسكرية هنا وحدي كطالب بعثات وأصدر أمر ملكي بمعاقبة أي شخص يعاملني معاملة خاصة تختلف عن أي طالب وخاطب المسئولين هنا وطالبهم بمعاملتي بشدة وصرامة ، جئت للعاصمة منذ تسعة أشهر وهذا الأسبوع سنقضيه هنا في تدريبات معينة ثم نذهب لتدريبات أخرى وبعدها ندخل الامتحانات ثم حفل التخرج.
جاء الطعام والشاي وبدأت الثلوج بيننا في الذوبان وصار يحكي لي عن مغامراته هنا وعما يفعله به أساتذته بسبب تعليمات والده المشددة، وأنه دائما خاضع للمراقبة لكنه أحيانا يهرب منها حبا في المغامرة ليس أكثر، ضحكت معه لأول مرة منذ افترقنا وكأنني لم أضحك منذ سنوات ، حتى أني تعجبت من صوت ضحكاتي فقد ظننت أني نسيت كيف أضحك، أويبدو أني لا أضحك إلا معه. نظر في ساعته وقال:
-لابد لي من العودة حتى لا أتعرض للعقوبة لكن دعيني أصطحبك لمسكنك أولا
-لا داعي فأنا معتادة على الوحدة
-أرجوك لا تخافي أنا فقط أريد الإطمئنان عليك
-إطمئن مازلت أحيا من فضلك اذهب ودعني بمفردي
خرجت مسرعة وأنا أقاوم رغبتي لأن أرمي نفسي على صدره وأبكي وأعنفه عما فعله بي، وبينما يدور صراع رهيب بداخلي بين رغبتي فيه وغضبي منه ناداني وقال:
-هبه أنا أسف أرجو أن تسامحيني
-على ماذا؟ على الماضي بعنفه وكذبه وخداعه وغدره ؟ أم على الحاضر الذي عدت لتفسده؟
اقترب مني وقال:
-على الماضي أما الحاضر فأعدك أني لن أفسده
-لم تعد لي ثقة بوعودك لقد تعلمت أنها كاذبة، أما الماضي فقد نسيته بحلوه ومره
مشيت وتركته وأنا أقاوم دموعي فلو بقيت معه لعدة دقائق أخرى فلن تكون لي القدرة على البعد عنه فقد ظهر في حياتي في أكثر لحظاتي ضعفا وعدم القدرة على المقاومة ، ظهر في أكثر اللحظات التي أعاني فيها من برودة الوحدة ووحشة الغربة ، ظهر في أكثر لحظة يجتاحني فيها طوفان الشوق الجارف إليه، ليته لم يظهر، لقد أشعل بركان المشاعر في قلبي بين غضب وألم وحنين وحب في آن واحد. لم تذق جفوني طعم النوم وظلت الذكريات تهاجمني بضراوة سواء كانت موجعة أو ذكريات جميلة، حتى أشرقت الشمس فارتديت ملابسي واشتريت من المقهي كوبا من القهوة ومشيت على ضفاف النهر وأتمتع بشروق الشمس وهي منعكسة على موجات النهر وقفت أتأمل ذلك المنظر البديع رغم برودة الجو وأنا ممسكه بالكوب الساخن ألتمس منه الدفء وفجأة سمعت صوت شخص يلهث من خلفي ويقول:
-لم أكن أعلم أنك عاشقة للشروق
-مازن لقد أخفتني ماذا تفعل؟
-أقوم بتدريباتي ولا أستطيع التوقف سأقابلك ضروري في الخامسه في نفس المقهى إلى اللقاء
لم يترك لي فرصه للرفض أو القبول إنما ركض مسرعا بزي الرياضة وتركني وحدي أنظر إليه وأرتشف كوب القهوة والحيرة تمزقني، ترى فيم يريدني ؟ لقد تعبت من تلك المشاعر المتضاربة فقررت أن أكف عن التفكير قليلا ودعوت الله أن يدلني على الطريق الصحيح.ذهبت للجامعة وشغلت نفسي بدروسي وأبحاثي حتى حان موعدي مع مازن، كم تمنيت ألا يأتي ويتركني لحالي فلم يعد في قلبي مكانا للحزن والألام.
ذهبت في الموعد المحدد فوجدته ينتظرني ، فكرت كثيرا ألا أدخل لكني لم أستطع ورفض قلبي أن يستجيب لي، دخلت فرحب بي وقال:
-كنت أخشى ألا تأتي
-بالفعل كنت مترددة كثيرا فلم يعد لي قدره على فتح جراح قديمة تعبت كثيرا حتى تغلبت عليها
-لن أفتح جراحا أنا أخطأت وأعترف بخطأي وأعتذر عنه لكني أردت أن أوضح لك شيئا، أنا كنت كالمدمن الذي اعتاد على شيء حتى الإدمان فيفعله بلا تفكير ولا يستطيع التوقف عنه ، هكذا كانت علاقتي بالنساء والخمر حتى وقع لي الحادث و أُرغمت بسبب ظروفي الصحيه على ترك الإثنين ، الحادث كان فرصه لي لأراك عن قرب وأتعرف على تلك الزوجه التي تزوجتها- وأنا في قمة غروري – نزولا على رغبة والداي لتحسين صورتي ولجعلي أكثر التزاما وتحملا للمسئولية، في البدايه كنت أراك مغرورة ومتعالية وبمنتهى العنجهية والقسوة قررت أن أكسرك وأجعلك راضخة لي، ربما كنت أنتقم من أبواي لإرغامهما لي على الزواج، وربما كنت أنتقم من نفسي لأني كنت أريد أن أكون مثلك وفشلت، وربما كنت أريد الإنتقام منك لأنك كنت أفضل مني وجعلتي صورتي السيئة تظهر واضحه مقارنة بك. بعد الحادث وجدتك شخصا مختلفا عن الصورة التي رسمتها لك ووجدت أصحابي معجبون بك بشده فبدأ قلبي وعقلي ينجذبان لك، وعندما أدركت أني أحبك وأريدك معي لباقي عمري ظهرت يارا نموذج مختلف عنك تماما وأقرب لمن كنت أعرفهن وتبدي إعجابها بي بشده وتبذل كل جهدها للفت نظري كنت في صراع بين غرائزي وبين عقلي وقلبي ، وفي لحظة ضعف استغلتها جيدا كان ذلك المشهد الذي آلمك للحظات وآلمني لسنوات ، غلطة واحدة كان علي أن أدفع ثمنها من سعادتي ومن عمري، أنا أستحق العقاب لأني جعلت غرائزي تتحكم بي ولكني الأن أردت أن أوضح لك لا لتسامحيني ولكن لتتوقفي عن لوم نفسك ولا تبحثين عن سر تقصيرك معي فأنت فعلت كل ما بوسعك لكني لم أقدرك جيدا.
كنت أستمع له ودموعي تسيل بهدوء على وجنتي، لأول مره أبكي أمامه فلم أستطع التحكم في تلك الدموع فقد رأيت المشهد يتكرر أمامي مرة أخرى، مسحت دموعي وتمالكت نفسي وقلت:
-دع الماضي فقد انتهى بحلوه ومُره ولنلتفت للحاضر والمستقبل
-هل يمكن أن نظل أصدقاء؟
-لا أعرف دع الأيام تقرر كيف ستصبح علاقتنا
-أنا جائع جدا هل تتناولين الطعام معي؟
-نعم فأنا لم آكل شيئا منذ أمس
-لماذا؟
-شغلتني الدراسه ونسيت
أكلنا وتحدثنا عن دراستنا وأحوالنا وتواعدنا في اليوم التالي أن نذهب معا للسينما في حفلة مبكره لأنه لا يستطيع التأخر عن المواعيد المحدده.مر بنا الأسبوع ونحن نلتقي كل يوم نتناول الطعام ونخرج للتمشيه ونتحدث عن كل شيء حتى حان موعد رحيله فكان ذلك اليوم من أثقل الأيام على قلبي، فقد اعتدت وجوده في حياتي التي صار لها معنى، لقد بدد وحشة الغربة وقسوتها فكيف لي الأن أن أعود للوحدة القاتلة؟ لقد أعاد لشفتاي الابتسامة فكيف لي أن أعود للحزن والكآبة؟ شعرت معه أني كنت ميته وعدت للحياة مرة أخري فهاهو فراقه يعيدني للموت مرة أخرى. كانت لحظة الوداع ثقيلة على قلبي ويبدو أن هذا كان ظاهرا على ملامحي جدا حتى قال لي مازن:
-كانت تلك الأوقات التي قضيناها معا من أجمل لحظات عمري
-أنا أيضا استمتعت بها جدا
-هل أستطيع زيارتك في الأجازة؟
-نعم بكل تأكيد
-مارأيك أن نذهب للعاصمة في الأجازة معا؟
-لا أستطيع فلدي بحث يجب أن أقدمه بعدها مباشرة
-هل أستطيع أن أتصل بك لأطمئن عليك
-بالطبع سيسعدني ذلك، هل يمكنني أن آتي معك غدا للمطار لأودعك
-سنغادر قبل الفجر وسيكون ذلك شاقا عليك ولن يكون بيننا وداع بل وعد بلقاء
-حقا إلى لقاء قريب
ابتسم لي وانصرف فناديته:
-مازن
التفت لي فقلت له:
-لقد سامحتك فمن منا لا يُخطىء أحيانا نحن لسنا ملائكة بل بشر
اقترب مني ونظر في عيناي وقال:
-نحن بشر إنما أنت ملاك
-بل أنا بشر مثل الجميع أصيب وأخطىء، أرجوك انتبه لنفسك
تركني ومضى وحمدت الله أنه لم يلتفت إلي ليرى دموعي وهي تنهمر خلفه، شعرت بالوحشة قبل حتى أن يغيب عن نظري، لقد كنت كمن يسير في صحراء قاحلة فوجد ماء فشرب حتى الإرتواء فلما انتهى الماء عاد ظمأنا ً، ليته لم يعد، ليته تركني لأحزاني ووحدتي التي كنت بدأت أن أعتادها، ليته ما أحيا قلبي بعد موته الطويل، جاء كالغيث لأرض قاحلة فارتوت وأزهرت ثم تركها تذبل بعده، ليته لم يأتِ وليته لم يرحل
-هل تسمحين لي؟
كان صوته مألوفا لي فرفعت بصري إليه وكان يرفع قبعته العسكريه فتلاقت عينانا فتسمرت مكاني من المفاجأة ولم أستطع التنفس أو النطق للحظات فقد كان مازن، بعد لحظات قلت بارتباك:
-تفضل
-هبه؟ أي مفاجأة تلك؟ لم أتوقع مقابلتك هنا فأنا أعلم أنك تدرسين في بلد أخر
-تخصصي غير موجود إلا هنا لذلك غيرت وجهتي
-من حسن حظي حتى نلتقي مره أخرى
-لا أعتقد لقد انتهيت من مشروبي وسأنصرف
-أرجوك لا تخرجي فمازالت الأمطار شديدة في الخارج وإن كان وجودي يضايقك فسأخرج أنا
نهض من مكانه فقلت بوهن وأنا أقاوم نفسي:
-بل ابق حتى إنتهاء الأمطار
جلس وساد الصمت بيننا حتى جاء النادل فقال لي:
-أنا لم آكل طوال النهار فهل تأكلين معي؟
أومأت برأسي نعم فطلب لنا ساندويتشات وكوبين من الشاي، سألني عن أحوالي فأخبرته بوفاة والدتي وأني أعيش بمفردي فواساني بكلمات المجاملة ثم سألته :
-ماذا تفعل هنا؟ وماهذا الزي العسكري؟
-بعد..انفصالنا أصر والدي على عزلي عن ولاية العهد لأني مستهتر ولا أصلح لها فتدخل سكرتيره ووالدتي وطلبا منه منحي مهلة أخيرة ، فكان قراره بانضمامي للكلية العسكرية هنا وحدي كطالب بعثات وأصدر أمر ملكي بمعاقبة أي شخص يعاملني معاملة خاصة تختلف عن أي طالب وخاطب المسئولين هنا وطالبهم بمعاملتي بشدة وصرامة ، جئت للعاصمة منذ تسعة أشهر وهذا الأسبوع سنقضيه هنا في تدريبات معينة ثم نذهب لتدريبات أخرى وبعدها ندخل الامتحانات ثم حفل التخرج.
جاء الطعام والشاي وبدأت الثلوج بيننا في الذوبان وصار يحكي لي عن مغامراته هنا وعما يفعله به أساتذته بسبب تعليمات والده المشددة، وأنه دائما خاضع للمراقبة لكنه أحيانا يهرب منها حبا في المغامرة ليس أكثر، ضحكت معه لأول مرة منذ افترقنا وكأنني لم أضحك منذ سنوات ، حتى أني تعجبت من صوت ضحكاتي فقد ظننت أني نسيت كيف أضحك، أويبدو أني لا أضحك إلا معه. نظر في ساعته وقال:
-لابد لي من العودة حتى لا أتعرض للعقوبة لكن دعيني أصطحبك لمسكنك أولا
-لا داعي فأنا معتادة على الوحدة
-أرجوك لا تخافي أنا فقط أريد الإطمئنان عليك
-إطمئن مازلت أحيا من فضلك اذهب ودعني بمفردي
خرجت مسرعة وأنا أقاوم رغبتي لأن أرمي نفسي على صدره وأبكي وأعنفه عما فعله بي، وبينما يدور صراع رهيب بداخلي بين رغبتي فيه وغضبي منه ناداني وقال:
-هبه أنا أسف أرجو أن تسامحيني
-على ماذا؟ على الماضي بعنفه وكذبه وخداعه وغدره ؟ أم على الحاضر الذي عدت لتفسده؟
اقترب مني وقال:
-على الماضي أما الحاضر فأعدك أني لن أفسده
-لم تعد لي ثقة بوعودك لقد تعلمت أنها كاذبة، أما الماضي فقد نسيته بحلوه ومره
مشيت وتركته وأنا أقاوم دموعي فلو بقيت معه لعدة دقائق أخرى فلن تكون لي القدرة على البعد عنه فقد ظهر في حياتي في أكثر لحظاتي ضعفا وعدم القدرة على المقاومة ، ظهر في أكثر اللحظات التي أعاني فيها من برودة الوحدة ووحشة الغربة ، ظهر في أكثر لحظة يجتاحني فيها طوفان الشوق الجارف إليه، ليته لم يظهر، لقد أشعل بركان المشاعر في قلبي بين غضب وألم وحنين وحب في آن واحد. لم تذق جفوني طعم النوم وظلت الذكريات تهاجمني بضراوة سواء كانت موجعة أو ذكريات جميلة، حتى أشرقت الشمس فارتديت ملابسي واشتريت من المقهي كوبا من القهوة ومشيت على ضفاف النهر وأتمتع بشروق الشمس وهي منعكسة على موجات النهر وقفت أتأمل ذلك المنظر البديع رغم برودة الجو وأنا ممسكه بالكوب الساخن ألتمس منه الدفء وفجأة سمعت صوت شخص يلهث من خلفي ويقول:
-لم أكن أعلم أنك عاشقة للشروق
-مازن لقد أخفتني ماذا تفعل؟
-أقوم بتدريباتي ولا أستطيع التوقف سأقابلك ضروري في الخامسه في نفس المقهى إلى اللقاء
لم يترك لي فرصه للرفض أو القبول إنما ركض مسرعا بزي الرياضة وتركني وحدي أنظر إليه وأرتشف كوب القهوة والحيرة تمزقني، ترى فيم يريدني ؟ لقد تعبت من تلك المشاعر المتضاربة فقررت أن أكف عن التفكير قليلا ودعوت الله أن يدلني على الطريق الصحيح.ذهبت للجامعة وشغلت نفسي بدروسي وأبحاثي حتى حان موعدي مع مازن، كم تمنيت ألا يأتي ويتركني لحالي فلم يعد في قلبي مكانا للحزن والألام.
ذهبت في الموعد المحدد فوجدته ينتظرني ، فكرت كثيرا ألا أدخل لكني لم أستطع ورفض قلبي أن يستجيب لي، دخلت فرحب بي وقال:
-كنت أخشى ألا تأتي
-بالفعل كنت مترددة كثيرا فلم يعد لي قدره على فتح جراح قديمة تعبت كثيرا حتى تغلبت عليها
-لن أفتح جراحا أنا أخطأت وأعترف بخطأي وأعتذر عنه لكني أردت أن أوضح لك شيئا، أنا كنت كالمدمن الذي اعتاد على شيء حتى الإدمان فيفعله بلا تفكير ولا يستطيع التوقف عنه ، هكذا كانت علاقتي بالنساء والخمر حتى وقع لي الحادث و أُرغمت بسبب ظروفي الصحيه على ترك الإثنين ، الحادث كان فرصه لي لأراك عن قرب وأتعرف على تلك الزوجه التي تزوجتها- وأنا في قمة غروري – نزولا على رغبة والداي لتحسين صورتي ولجعلي أكثر التزاما وتحملا للمسئولية، في البدايه كنت أراك مغرورة ومتعالية وبمنتهى العنجهية والقسوة قررت أن أكسرك وأجعلك راضخة لي، ربما كنت أنتقم من أبواي لإرغامهما لي على الزواج، وربما كنت أنتقم من نفسي لأني كنت أريد أن أكون مثلك وفشلت، وربما كنت أريد الإنتقام منك لأنك كنت أفضل مني وجعلتي صورتي السيئة تظهر واضحه مقارنة بك. بعد الحادث وجدتك شخصا مختلفا عن الصورة التي رسمتها لك ووجدت أصحابي معجبون بك بشده فبدأ قلبي وعقلي ينجذبان لك، وعندما أدركت أني أحبك وأريدك معي لباقي عمري ظهرت يارا نموذج مختلف عنك تماما وأقرب لمن كنت أعرفهن وتبدي إعجابها بي بشده وتبذل كل جهدها للفت نظري كنت في صراع بين غرائزي وبين عقلي وقلبي ، وفي لحظة ضعف استغلتها جيدا كان ذلك المشهد الذي آلمك للحظات وآلمني لسنوات ، غلطة واحدة كان علي أن أدفع ثمنها من سعادتي ومن عمري، أنا أستحق العقاب لأني جعلت غرائزي تتحكم بي ولكني الأن أردت أن أوضح لك لا لتسامحيني ولكن لتتوقفي عن لوم نفسك ولا تبحثين عن سر تقصيرك معي فأنت فعلت كل ما بوسعك لكني لم أقدرك جيدا.
كنت أستمع له ودموعي تسيل بهدوء على وجنتي، لأول مره أبكي أمامه فلم أستطع التحكم في تلك الدموع فقد رأيت المشهد يتكرر أمامي مرة أخرى، مسحت دموعي وتمالكت نفسي وقلت:
-دع الماضي فقد انتهى بحلوه ومُره ولنلتفت للحاضر والمستقبل
-هل يمكن أن نظل أصدقاء؟
-لا أعرف دع الأيام تقرر كيف ستصبح علاقتنا
-أنا جائع جدا هل تتناولين الطعام معي؟
-نعم فأنا لم آكل شيئا منذ أمس
-لماذا؟
-شغلتني الدراسه ونسيت
أكلنا وتحدثنا عن دراستنا وأحوالنا وتواعدنا في اليوم التالي أن نذهب معا للسينما في حفلة مبكره لأنه لا يستطيع التأخر عن المواعيد المحدده.مر بنا الأسبوع ونحن نلتقي كل يوم نتناول الطعام ونخرج للتمشيه ونتحدث عن كل شيء حتى حان موعد رحيله فكان ذلك اليوم من أثقل الأيام على قلبي، فقد اعتدت وجوده في حياتي التي صار لها معنى، لقد بدد وحشة الغربة وقسوتها فكيف لي الأن أن أعود للوحدة القاتلة؟ لقد أعاد لشفتاي الابتسامة فكيف لي أن أعود للحزن والكآبة؟ شعرت معه أني كنت ميته وعدت للحياة مرة أخري فهاهو فراقه يعيدني للموت مرة أخرى. كانت لحظة الوداع ثقيلة على قلبي ويبدو أن هذا كان ظاهرا على ملامحي جدا حتى قال لي مازن:
-كانت تلك الأوقات التي قضيناها معا من أجمل لحظات عمري
-أنا أيضا استمتعت بها جدا
-هل أستطيع زيارتك في الأجازة؟
-نعم بكل تأكيد
-مارأيك أن نذهب للعاصمة في الأجازة معا؟
-لا أستطيع فلدي بحث يجب أن أقدمه بعدها مباشرة
-هل أستطيع أن أتصل بك لأطمئن عليك
-بالطبع سيسعدني ذلك، هل يمكنني أن آتي معك غدا للمطار لأودعك
-سنغادر قبل الفجر وسيكون ذلك شاقا عليك ولن يكون بيننا وداع بل وعد بلقاء
-حقا إلى لقاء قريب
ابتسم لي وانصرف فناديته:
-مازن
التفت لي فقلت له:
-لقد سامحتك فمن منا لا يُخطىء أحيانا نحن لسنا ملائكة بل بشر
اقترب مني ونظر في عيناي وقال:
-نحن بشر إنما أنت ملاك
-بل أنا بشر مثل الجميع أصيب وأخطىء، أرجوك انتبه لنفسك
تركني ومضى وحمدت الله أنه لم يلتفت إلي ليرى دموعي وهي تنهمر خلفه، شعرت بالوحشة قبل حتى أن يغيب عن نظري، لقد كنت كمن يسير في صحراء قاحلة فوجد ماء فشرب حتى الإرتواء فلما انتهى الماء عاد ظمأنا ً، ليته لم يعد، ليته تركني لأحزاني ووحدتي التي كنت بدأت أن أعتادها، ليته ما أحيا قلبي بعد موته الطويل، جاء كالغيث لأرض قاحلة فارتوت وأزهرت ثم تركها تذبل بعده، ليته لم يأتِ وليته لم يرحل
