رواية حارة الربيع الفصل التاسع 9 بقلم خضراء القحطاني
البارت التاسع~حارة الربيع~
في بيت وداد صباح الجمعة
الساعة 10:30 صباحًا
في فناء واسع تُظلله شجرة ياسمين قديمة، تتوافد أقدام الأحفاد على بيت الجدة وداد.
باب البيت لا يُغلق أبدًا يوم الجمعة، والقلوب تُفتح فيه قبل الأبواب.
صفا تدخل أولاً، حجابها الطويل يغطي كتفيها، بيدها كيس فيه كعك عملته فجرًا.
مروان يلحق بها، يحمل علبة بلاستيكية تحتوي على أدوات رسمه.
زياد يصل متأخرًا كعادته، يضع السماعات في أذنه، ويتثاءب، ثم يقبّل رأس جدته سريعًا.
رهف تخجل من الزحام، تدخل بهدوء وتسلم بلغة العيون.
تمّار يجلس في الركن، يفتح دفتره، ويسجل أول بيت شعر:بيوت كتير حوالينا.
بس بيت وداد له روح تانية.
الجميع يجلس حول الطاولة الخشبية الطويلة، وتضع وداد الصحون بابتسامتها الأبدية.
تقول:مش مهم الأكل، المهم اللمة اللي ما يحمدش ربنا على جمعة العيلة، يبقى ما يعرفش قيمة النعمة.
صفا تبدأ تسأل:إيه أخبار مشروعك يا مروان؟
مروان يتنهد:فيه واحد في الموقع عايزني أمشيها بفلوس تحت الترابيزة ورافض أكتب مخالفة حصلت المدير لمحلي إنه لازم أفهم الدنيا.
زياد يضحك س*اخرًا:الدنيا يا عزيزي مش للمثاليين.
وداد تنظر له بحزم:الدنيا للمصلّيين والمُصلحين، مش للمتحايلين يا زياد.
بعد الفطور
رهف تأخذ صفا لجانب الحديقة، وتريها رسمة لتصميم مكتبة مسجد.
صفا تفرح بها وتقول:ربنا رزقك موهبة بتخدم دينك من غير ما تحفظي كل القرآن.
مش كل الطريق آية في طريق اسمه فن نقي.
زياد يتلقى رسالة من مديره في التدريب:ما كنتش متوقعك تكون في الحفلة دي خسارة فيك الثقة.
زياد يحس بغصة ما كانش عامل حساب إن صوره توصل حد.
يُغلق الهاتف، ثم يذهب لمروان:هتيجي معايا صلاة العصر؟ محتاج أتكلم شوية مع ربنا.
️ تمّار يكتب في دفتره:كل واحد فينا جاي بع*لّة
حد بيحاول يثبت نفسه، وحد بيحاول يتوب، وحد بيحاول يفهم.
بس كلنا بنتجمع حوالين ستّ، علمتنا نحب ربنا من غير ما تقول كلام كبير.
في ختام اليوم، تصرّ وداد أن يجلسوا على الأرض، وتقرأ عليهم من كتاب رياض الصالحين.
تقول:الدين مش مظاهر الدين صبر، ونية، ودعوة بالحسنى.
وكل واحد فيكم هتكون له حكاية المهم تكون حكاية ترضي ربنا.
صفا تلاحظ لون وجهها، وتسألها بلطف:إنتي حاسّة بحاجة غريبة؟
ترد دعاء وهي تمسك بظهرها:كأن الجنين بينزل قلبي بيدق بسرعة أنا مش بخير.
مروان، الذي كان في الحديقة، يركض فورًا.
يحمل هاتفه ويتصل بـمحمود، فيجيبه بصوت
بارد:ما تخلّيهم يودوها المستشفى وخلاص، هبقى أعدي بعدين.
مروان بغضب مكتوم:دي ممكن تولد يا محمود! دي بين الحياة والم*وت.
في الطريق إلى المستشفى دعاء في المقعد الخلفي، تت*ألم بشدة، تص*رخ، وتع*ضّ يدها بشراسة لتكتم وج*عها.
تقول وهي تبكي:أنا هم*وت؟ أنا مش جاهزة مش كده، مش دلوقتي!
قولوا لماما تسامحني قولوا للبيبي يسامحني عشان خ*وفت كتير وما حضنتهوش لسه.
صفا تمسك يدها وتقرأ بصوت باكي:اللهم إنا نسألك اللطف بها الطف بها يا رحيم اللهم اجعلها ساعة فرج لا ساعة ف*راق.
الفريق الطبي يتحرك بسرعة.
الطبيب يقول بصرامة:فيه ن*زيف، ض*غطها بينخفض بسرعة لازم عم*لية قي*صرية فورًا.
محمود يظهر متأخرًا، مكفهر الوجه، وكأنه أتى فقط لأنه مضطر.
يجلس في الخارج لا يسأل، لا يتحرك.
وفجأة، تخرج ممرضة مسرعة، وجهها شاحب.
يسألها محمود وهو يقف مف*زوعًا:هي حصلها إيه؟ ليه خرجتي؟
فترد بصوت مرتبك:قلبها توق*ف للحظات كنت رايحة أجيب جهاز الصدمات ادعيلها يمكن ترجعلنا.
ثم تنظر للأسفل وتختفي.
يسقط محمود على ركبتيه، لأول مرة يشعر بشيء يتجاوز بروده.
يرتج*ف، ويتلعثم بالدعاء لأول مرة:يا رب متخدهاش دي مراتي يمكن أنا غلطت، بس هي ملاك يا رب، خلّصها ليا وخلّصني من نفسي اللي ما كانتش حاسّة بيها.
من داخل غرفة الع*مليات، يعلو صوت جهاز القلب
ثم ينخفض
ثم يعود نابضًا.
تنظر الطبيبة للممرضة وتهمس:رجعت بس هنحتاج وقت عشان نتأكد إن كل شيء مستقر.
وفي الخارج، يقف محمود وقد بلل الدمع وجهه.
ينظر من خلف الزجاج، ويرى جسد دعاء بلا حراك،
لكنه لا يعلم أن الروح، أحيانًا، تعود ببطء لكن بقدرة الله وحده.
صمت ثقيل يخيم على الغرفة، فقط صوت الأجهزة.
دعاء ترقد على السرير، عيناها مغلقتان، ملامحها منهكة، كأن الحياة لم تترك فيها شيئًا إلا أخذته، ثم أعادته بصعوبة.
بجانبها، محمود يجلس على كرسي بلاستيكي، رأسه بين يديه، ووجهه شاحب.
يتذكر صوت الطبيبة وهي تقول:هي كويسة، بس محتاجة راحة تامة اللي حصل مش بسيط، كانت قريبة جدًا من الم*وت.
في غيب*وبتها، كانت دعاء تحلم بأنها تمشي في ممر طويل، تحاول أن تصل إلى ضوء في نهايته،
لكن كلما اقتربت، تسمع صوت ابنها يناديها:ماما استني!
وتسمع صوت جدتها وداد تدعو لها من بعيد.
فتتوقف، وتبكي في الحلم ثم تستدير وتعود.
تفتح عينيها ببطء.
الضوء ي*ؤلمها تتنفس بعمق.
أول ما تقع عيناها عليه: محمود.
محمود ينهض سريعًا، يمسك يدها، لأول مرة يشعر أنه على وشك أن يخ*سرها فيحس بقيمتها.
دعاء حمد لله على السلامة أنا آسف آسف إني ما كنتش جنبك وقت الجد.
لكن دعاء، بعينين دامعتين، وبصوت مبحوح، تهمس:كنت بم*وت وكنت لوحدي.
محمود يشعر بالد*م يسحب من وجهه.
لا يجد ما يبرر به، فلا شيء يبرر غيابه في وقتٍ كانت تحتاجه فيه أكثر من أي وقت.
يجلس قربها، ويقول:أنا غلطت كنت شايف إنك بتبالغي، بس لما شوفت الممرضة خارجة بتجري قلبي وقع.
عرفت إني بحبك، وإنك مش بس أم لولادي دي روح البيت.
سامحيني أو اديني فرصة أثبت إني اتغيّرت؟
دعاء لا ترد.
تغلق عينيها، وتمسك المصحف الصغير الموضوع قربها،
ثم تفتح صفحة عشوائية، فتقع عيناها على الآية(وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)
*سورة يس*
في بيت وداد صباح الجمعة
الساعة 10:30 صباحًا
في فناء واسع تُظلله شجرة ياسمين قديمة، تتوافد أقدام الأحفاد على بيت الجدة وداد.
باب البيت لا يُغلق أبدًا يوم الجمعة، والقلوب تُفتح فيه قبل الأبواب.
صفا تدخل أولاً، حجابها الطويل يغطي كتفيها، بيدها كيس فيه كعك عملته فجرًا.
مروان يلحق بها، يحمل علبة بلاستيكية تحتوي على أدوات رسمه.
زياد يصل متأخرًا كعادته، يضع السماعات في أذنه، ويتثاءب، ثم يقبّل رأس جدته سريعًا.
رهف تخجل من الزحام، تدخل بهدوء وتسلم بلغة العيون.
تمّار يجلس في الركن، يفتح دفتره، ويسجل أول بيت شعر:بيوت كتير حوالينا.
بس بيت وداد له روح تانية.
الجميع يجلس حول الطاولة الخشبية الطويلة، وتضع وداد الصحون بابتسامتها الأبدية.
تقول:مش مهم الأكل، المهم اللمة اللي ما يحمدش ربنا على جمعة العيلة، يبقى ما يعرفش قيمة النعمة.
صفا تبدأ تسأل:إيه أخبار مشروعك يا مروان؟
مروان يتنهد:فيه واحد في الموقع عايزني أمشيها بفلوس تحت الترابيزة ورافض أكتب مخالفة حصلت المدير لمحلي إنه لازم أفهم الدنيا.
زياد يضحك س*اخرًا:الدنيا يا عزيزي مش للمثاليين.
وداد تنظر له بحزم:الدنيا للمصلّيين والمُصلحين، مش للمتحايلين يا زياد.
بعد الفطور
رهف تأخذ صفا لجانب الحديقة، وتريها رسمة لتصميم مكتبة مسجد.
صفا تفرح بها وتقول:ربنا رزقك موهبة بتخدم دينك من غير ما تحفظي كل القرآن.
مش كل الطريق آية في طريق اسمه فن نقي.
زياد يتلقى رسالة من مديره في التدريب:ما كنتش متوقعك تكون في الحفلة دي خسارة فيك الثقة.
زياد يحس بغصة ما كانش عامل حساب إن صوره توصل حد.
يُغلق الهاتف، ثم يذهب لمروان:هتيجي معايا صلاة العصر؟ محتاج أتكلم شوية مع ربنا.
️ تمّار يكتب في دفتره:كل واحد فينا جاي بع*لّة
حد بيحاول يثبت نفسه، وحد بيحاول يتوب، وحد بيحاول يفهم.
بس كلنا بنتجمع حوالين ستّ، علمتنا نحب ربنا من غير ما تقول كلام كبير.
في ختام اليوم، تصرّ وداد أن يجلسوا على الأرض، وتقرأ عليهم من كتاب رياض الصالحين.
تقول:الدين مش مظاهر الدين صبر، ونية، ودعوة بالحسنى.
وكل واحد فيكم هتكون له حكاية المهم تكون حكاية ترضي ربنا.
صفا تلاحظ لون وجهها، وتسألها بلطف:إنتي حاسّة بحاجة غريبة؟
ترد دعاء وهي تمسك بظهرها:كأن الجنين بينزل قلبي بيدق بسرعة أنا مش بخير.
مروان، الذي كان في الحديقة، يركض فورًا.
يحمل هاتفه ويتصل بـمحمود، فيجيبه بصوت
بارد:ما تخلّيهم يودوها المستشفى وخلاص، هبقى أعدي بعدين.
مروان بغضب مكتوم:دي ممكن تولد يا محمود! دي بين الحياة والم*وت.
في الطريق إلى المستشفى دعاء في المقعد الخلفي، تت*ألم بشدة، تص*رخ، وتع*ضّ يدها بشراسة لتكتم وج*عها.
تقول وهي تبكي:أنا هم*وت؟ أنا مش جاهزة مش كده، مش دلوقتي!
قولوا لماما تسامحني قولوا للبيبي يسامحني عشان خ*وفت كتير وما حضنتهوش لسه.
صفا تمسك يدها وتقرأ بصوت باكي:اللهم إنا نسألك اللطف بها الطف بها يا رحيم اللهم اجعلها ساعة فرج لا ساعة ف*راق.
الفريق الطبي يتحرك بسرعة.
الطبيب يقول بصرامة:فيه ن*زيف، ض*غطها بينخفض بسرعة لازم عم*لية قي*صرية فورًا.
محمود يظهر متأخرًا، مكفهر الوجه، وكأنه أتى فقط لأنه مضطر.
يجلس في الخارج لا يسأل، لا يتحرك.
وفجأة، تخرج ممرضة مسرعة، وجهها شاحب.
يسألها محمود وهو يقف مف*زوعًا:هي حصلها إيه؟ ليه خرجتي؟
فترد بصوت مرتبك:قلبها توق*ف للحظات كنت رايحة أجيب جهاز الصدمات ادعيلها يمكن ترجعلنا.
ثم تنظر للأسفل وتختفي.
يسقط محمود على ركبتيه، لأول مرة يشعر بشيء يتجاوز بروده.
يرتج*ف، ويتلعثم بالدعاء لأول مرة:يا رب متخدهاش دي مراتي يمكن أنا غلطت، بس هي ملاك يا رب، خلّصها ليا وخلّصني من نفسي اللي ما كانتش حاسّة بيها.
من داخل غرفة الع*مليات، يعلو صوت جهاز القلب
ثم ينخفض
ثم يعود نابضًا.
تنظر الطبيبة للممرضة وتهمس:رجعت بس هنحتاج وقت عشان نتأكد إن كل شيء مستقر.
وفي الخارج، يقف محمود وقد بلل الدمع وجهه.
ينظر من خلف الزجاج، ويرى جسد دعاء بلا حراك،
لكنه لا يعلم أن الروح، أحيانًا، تعود ببطء لكن بقدرة الله وحده.
صمت ثقيل يخيم على الغرفة، فقط صوت الأجهزة.
دعاء ترقد على السرير، عيناها مغلقتان، ملامحها منهكة، كأن الحياة لم تترك فيها شيئًا إلا أخذته، ثم أعادته بصعوبة.
بجانبها، محمود يجلس على كرسي بلاستيكي، رأسه بين يديه، ووجهه شاحب.
يتذكر صوت الطبيبة وهي تقول:هي كويسة، بس محتاجة راحة تامة اللي حصل مش بسيط، كانت قريبة جدًا من الم*وت.
في غيب*وبتها، كانت دعاء تحلم بأنها تمشي في ممر طويل، تحاول أن تصل إلى ضوء في نهايته،
لكن كلما اقتربت، تسمع صوت ابنها يناديها:ماما استني!
وتسمع صوت جدتها وداد تدعو لها من بعيد.
فتتوقف، وتبكي في الحلم ثم تستدير وتعود.
تفتح عينيها ببطء.
الضوء ي*ؤلمها تتنفس بعمق.
أول ما تقع عيناها عليه: محمود.
محمود ينهض سريعًا، يمسك يدها، لأول مرة يشعر أنه على وشك أن يخ*سرها فيحس بقيمتها.
دعاء حمد لله على السلامة أنا آسف آسف إني ما كنتش جنبك وقت الجد.
لكن دعاء، بعينين دامعتين، وبصوت مبحوح، تهمس:كنت بم*وت وكنت لوحدي.
محمود يشعر بالد*م يسحب من وجهه.
لا يجد ما يبرر به، فلا شيء يبرر غيابه في وقتٍ كانت تحتاجه فيه أكثر من أي وقت.
يجلس قربها، ويقول:أنا غلطت كنت شايف إنك بتبالغي، بس لما شوفت الممرضة خارجة بتجري قلبي وقع.
عرفت إني بحبك، وإنك مش بس أم لولادي دي روح البيت.
سامحيني أو اديني فرصة أثبت إني اتغيّرت؟
دعاء لا ترد.
تغلق عينيها، وتمسك المصحف الصغير الموضوع قربها،
ثم تفتح صفحة عشوائية، فتقع عيناها على الآية(وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)
*سورة يس*
