رواية حارة الربيع الفصل العاشر 10 بقلم خضراء القحطاني
البارت العاشر ~حارة الربيع ~
تبكي بصمت.
كانت مغيّبة عن حقيقتها عن وج*عها عن قوتها.
والآن؟ فتحت عينيها.
يوسف شاب في العشرينات، انط*وائي، رفض الحديث لأيام
شيماء كانت مدم*نة حبوب مهدئة، وتحاول استعادة حضانة ابنتها
رمزي ساخر، يحاول إخفاء أل*مه بالمزاح، لكنه أكثر من ينه*ار ليلًا مالك يجلس معهم في جلسة دائرية، يتحدث
ببساطة:أنا مش هنا عشان أحقق معاكم أنا هنا لأن أخويا كان في مكانكم، وما لحقتوش كل واحد فيكم لو وقف على رجليه، يبقى أنقذ نفسه وأنقذ اللي بيحبوه.
يصمت الجميع.
ثم تنطق شيماء، بصوت مك*سور:هو ممكن حد كان م*دمن يبقى أم كويسة؟
مالك يرد بحزم هادئ:م*دمن تاب أرحم من ناصح ك*ذّاب.
آه، تقدري بس لازم تصدّقي ده كل يوم، وإلا هتقعي تاني.
يُكلف مالك لاحقًا بدمج أحد الن*زلاء، رامي، في برنامج خاص بالإرشاد للشباب الجدد.
رامي كان عن*يفًا، ورافضًا لفكرة التوبة.
لكن بعد جلسة مع مالك، يقول له:أنا ما كنتش خ*ايف من الم*وت أنا كنت خ*ايف أعيش، ويشوفوني إني فاشل.
مالك يبتسم:الخ*وف ده طبيعي بس الشجاعة مش إنك تم*وت،
الشجاعة إنك تصحى كل يوم وتقاوم نفسك.
يتلقى مالك مكالمة من صفا إحدى العاملات بالمجتمع المدني، وصديقة قديمة للعائلة، وتشارك أحيانًا في جلسات دعم بالمركز.
قالت بقلق:مالك في شاب اسمه يونس، عمره 19 سنة، كان بيحضر معايا جلسات تثقيف، وفجأة اختفى من أسبوع.
النهارده جالي اتصال مجهول بيقولي إنه مح*بوس في شقة مهجورة، ومعاه مجموعة بتتاجر في مخ*درات، وغالبًا بيه*ددوه أو بيستغ*لوه.
مالك سكت لحظة، ثم قال بهدوء:ابعتِ لي العنوان أنا طالع دلوقتي.
مالك يقود سيارته وحيدًا، يتذكر كلماته التي قالها في الجلسة الأخيرة:الخ*طر مش جوه المركز الخ*طر الحقيقي برا، في الناس اللي شايفاك لقمة سهلة واللي بيشوفك فرصة لربح، مش روح محتاجة نجاة.
يتحرك مالك بحذر، يتصل بوحدة الدعم الميداني، لكن يقرّر الدخول أولًا وحده.
داخل الشقة، رائحة خان*قة، شباب ملامحهم منه*ارة، أعين تائهة
ويونس، يجلس في الزاوية، كأنه جسد بلا روح.
مالك يص*رخ:يونس! قوم معايا دلوقتي!
أحد الشباب يتدخل، يحاول منعه.
مالك يثبت نظره فيه:أنا مش جاي أحقق، ولا أض*رب
أنا جاي آخد واحد مش مكانه هنا.
يونس ينظر له بعين دامعة، كأنه يست*غيث دون صوت.
في السيارة، يونس ينه*ار بالبكاء:أنا ما كنتش ناوي أرجع بس كنت تع*بان حسّيت إني رخي*ص، إني مش نافع.
مالك يرد بهدوء:اللي وق*ع ممكن يقوم.
بس اللي يست*سلم بي*دفن نفسه حي.
الن*دم مش ض*عف ده أول خطوة للطريق الصح.
في فجر اليوم التالي، يصطحب مالك يونس إلى المسجد القريب،
يجلسان في آخر الصف، ويونس يبكي في السجدة الأولى كأنه يغسل كل شيء.
مالك يتمتم في قلبه:يارب إن كنت خدت مني عصام،خليني أكون سبب في رجوع أولاد غيره.
مالك لم يكن ينوي التوقف عند غرفة نرجس في ذلك اليوم.
الزيارة لم تكن مقرّرة، والملف الطبي لم يحرز أي تقدم.
لكن هناك شيء فيها جعل خطواته تقوده تلقائيًا إلى هناك.
طرق الباب بلطف.
لم ترد.
فتح الباب قليلًا، وجدها جالسة قرب النافذة، ترتدي عباءة رمادية، وعيناها شاخصتان نحو اللاشيء.
قال بهدوء:لو بتحبي المطر اتأخرتي عليه، وقف من بدري.
لم ترد.
اقترب أكثر. سحب الكرسي بهدوء وجلس مقابلها، لا يفصل بينهما إلا طاولة خشبية.
قال:أنا مالك مش الطبيب، ولا المعالج.
أنا حدّ بيجي يزورك، لأنك شبه حدّ كنت بحبه جدًا.
نرجس أدارت وجهها نحوه ببطء، نظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت:هو م*ات؟
أجاب بصوت اخت*نق نصفه في صدره:آه وم*ات وأنا كنت لسه مش سامعه كويس.
قالت نرجس بعد صمت:أنا كمان ما كنتش بسمع كويس.
كان في صوت جوايا بيقولي: انسي، وعدّي، وقومي.
بس صوت تاني أقوى كان بيقولي: لا انتي وح*يدة، ومك*سورة، ومحدّش هيفهمك.
وصدقتِ الصوت التاني؟آه لأنه كان بيقول الحقيقة.
مالك شعر أنه لا يقدر على الرد، لكنه قال:مش دايمًا الحقيقة لازم تُصدق.
في حقايق ربنا بيأجلها، علشان نرجع له لما نض*عف.
نرجس مدت يدها ببطء، وأخرجت من جيب عباءتها ورقة مطوية، وضعتها على الطاولة بينهما.
قالت:اكتبلي فيها أي حاجة
مشاعر مش كلام علمي.
أنا نسيت شكل الكلام اللي من القلب.
مالك أمسك القلم، نظر إليها، ثم كتب:إنتي مش وحدِك بس الوح*شة أوقات بتع*مي العيون.
وفيه ناس ربنا بيبعتهم مش علشان يعالجوكي بس علشان يفضلوا جنبك لحد ما تقومي.
نرجس ابتسمت ابتسامة باهت*ة، ثم قالت:هتيجي تاني؟
أجابها دون تفكير:هجي من غير موعد زي النهارده.
شهاب يدخل المكان بخطوات ثابتة، يرتدي ملابس مدنية، لكنه لا يشبه الموظفين هنا أبدًا.
عيناه تبحثان عن شخص محدد، ويده تمسك بملف داخله صور وأسماء، بينها اسم: هدير عبد المنعم.
دخل القاعة فوجدها تجلس على مكتب جانبي، ترتب بعض الأوراق وتكتب ملاحظات بقلم أزرق.
وجهها هادئ، عيناها مركّزتان، وترتدي نظارة بسيطة.
اقترب منها، فقال بهدوء فيه حِدة مضمرة:أستاذة هدير عبدالمنعم؟
رفعت رأسها، نظرت إليه بثبات، ثم أجابت:أيوه، أنا.
أنا شهاب النجار، مباحث عامة عاوز أتكلم معاكي شوية لو تسمحي.
لم تتفاجأ، بل قالت مباشرة:لو حضرتك جاي بخصوص الموضوع اللي سأل عنه مسؤول المكتبة، أنا جاوبت، وقدمت كل الأوراق المطلوبة.
ممكن، بس مش كل حاجة بتكون في الورق.
شهاب جلس مقابلها دون دعوة، وفتح الملف أمامه.
كنتي بتترددي على مركز دعم نفسي تابع لمؤسسة تانية، لمدة ٨ شهور. بعدين بطّلت فجأة.
فيه تقرير عن حالة قلق واك*تئاب حاد، وعزلة.
ده السبب في إنك اختفيتي وقتها؟
هدير شدّت يدها بحذر، نظرت إليه بجمود، ثم قالت:أنت ضابط ولا محلل نفسي؟
ولو كنت ضابط فدي خصوصياتي، مش من حقك تفردها كده في وشي.
شهاب ابتسم بس*خرية خفيفة:أنا بحاول أفهم مش أحكم.
بس الناس اللي بتخبي بتبان حتى لو لبسوا الهدوء زي قناع.
سكتت هدير قليلًا، ثم قالت بنبرة أهدأ:أنا مش بخبي أنا بتعالج وبشتغل وبحاول أعيش، حتى لو الماضي بيشد فيّ كل يوم.
ولو في شبهات حوالين أي حالة هنا، إسألني عن شغلي، مش عن وجعي.
شهاب أُربك للحظة.
لم يتوقع الرد الهادئ ولا الصدق اللي خرج بدون دموع أو دراما.
أغلق الملف ببطء، ثم قال:هسأل عن شغلك بس بعد ما أتأكد إنك مش بتستخدمي شغلك كغطاء.
هدير، بعد مغادرته، جلست بصمت.
لم تغضب لكنها شعرت أن شيئًا داخلها اهتز.
لأول مرة منذ شهور، شخص لم يشفق بل واجهها كأنها ندّ.
وهي، رغم تحفظها لم تكرهه.
أما شهاب، فغادر المكان وعقله مشغول:الملف ناقص لكن نظرتها، كانت تقول كل شيء.
شهاب كان يحقق في تسريب أدوية مخ*دّرة تصرف بوصفات مزورة من بعض الجمعيات الخيرية.
ورغم أنّ هدير بعيدة رسميًا عن هذه التهم، إلا أن اسمها تكرر مرتين في ملاحظات تحقيق غير مباشر…
ليس كمتهمة، بل كشخص مقرّب من فتاة متورطة اختفت مؤخرًا.
قرر مراقبتها من بعيد.
كان يشاهدها تتحدث مع الناس، تساعد كبار السن في ملء الأوراق، تبتسم للأطفال،
ثم في لحظة غريبة تتوقف، تتجمد، كأنها تذكرت شيئًا م*ؤلمًا.
في أحد الممرات الضيقة بالمبنى.
هدير تحمل صندوق أوراق ثقيل.
تتعثر، كادت تسقط.
فيمسك شهاب بالصندوق فجأة.
هدير، بدهشة: كنت بتراقبني؟
شهاب، بابتسامة هادئة: كنتي هتقعي مش هتهربي.
هدير، بنبرة خفيفة: هو دا أسلوبك في الطبطبة؟
شهاب، بثبات: أنا مابطبطبش بس مش كل اللي بيراقب ناوي أذى. أوقات الرقابة بتكون لحماية اللي مش شايفين الخطر.
بعد ساعات، تصل لمكتب شهاب معلومة أن الفتاة المختفية، حنان توفيق، كانت تتردد على نفس المكتب اللي تعمل فيه هدير.
وتحديدا كانت تسكن معها لفترة قصيرة قبل الاختفاء.
شهاب يطلب استدعاء هدير، لكنها تفاجئه بأنها بالفعل تنتظره في الخارج، تحمل ملفًا صغيرًا بيدها.
هدير، بصوت ثابت: حنان كانت صديقتي وأنا السبب إنها اشتغلت هنا أنا اشتغل في الجمعية والمكتبة.
بس لما بدأت تتصرف تصرفات غريبة، طلبت منها تسيب البيت واختفت بعدها.
والملف ده فيه كل حاجة عنها حتى مذكّراتها القديمة.
شهاب يتصفح الملف
تبكي بصمت.
كانت مغيّبة عن حقيقتها عن وج*عها عن قوتها.
والآن؟ فتحت عينيها.
يوسف شاب في العشرينات، انط*وائي، رفض الحديث لأيام
شيماء كانت مدم*نة حبوب مهدئة، وتحاول استعادة حضانة ابنتها
رمزي ساخر، يحاول إخفاء أل*مه بالمزاح، لكنه أكثر من ينه*ار ليلًا مالك يجلس معهم في جلسة دائرية، يتحدث
ببساطة:أنا مش هنا عشان أحقق معاكم أنا هنا لأن أخويا كان في مكانكم، وما لحقتوش كل واحد فيكم لو وقف على رجليه، يبقى أنقذ نفسه وأنقذ اللي بيحبوه.
يصمت الجميع.
ثم تنطق شيماء، بصوت مك*سور:هو ممكن حد كان م*دمن يبقى أم كويسة؟
مالك يرد بحزم هادئ:م*دمن تاب أرحم من ناصح ك*ذّاب.
آه، تقدري بس لازم تصدّقي ده كل يوم، وإلا هتقعي تاني.
يُكلف مالك لاحقًا بدمج أحد الن*زلاء، رامي، في برنامج خاص بالإرشاد للشباب الجدد.
رامي كان عن*يفًا، ورافضًا لفكرة التوبة.
لكن بعد جلسة مع مالك، يقول له:أنا ما كنتش خ*ايف من الم*وت أنا كنت خ*ايف أعيش، ويشوفوني إني فاشل.
مالك يبتسم:الخ*وف ده طبيعي بس الشجاعة مش إنك تم*وت،
الشجاعة إنك تصحى كل يوم وتقاوم نفسك.
يتلقى مالك مكالمة من صفا إحدى العاملات بالمجتمع المدني، وصديقة قديمة للعائلة، وتشارك أحيانًا في جلسات دعم بالمركز.
قالت بقلق:مالك في شاب اسمه يونس، عمره 19 سنة، كان بيحضر معايا جلسات تثقيف، وفجأة اختفى من أسبوع.
النهارده جالي اتصال مجهول بيقولي إنه مح*بوس في شقة مهجورة، ومعاه مجموعة بتتاجر في مخ*درات، وغالبًا بيه*ددوه أو بيستغ*لوه.
مالك سكت لحظة، ثم قال بهدوء:ابعتِ لي العنوان أنا طالع دلوقتي.
مالك يقود سيارته وحيدًا، يتذكر كلماته التي قالها في الجلسة الأخيرة:الخ*طر مش جوه المركز الخ*طر الحقيقي برا، في الناس اللي شايفاك لقمة سهلة واللي بيشوفك فرصة لربح، مش روح محتاجة نجاة.
يتحرك مالك بحذر، يتصل بوحدة الدعم الميداني، لكن يقرّر الدخول أولًا وحده.
داخل الشقة، رائحة خان*قة، شباب ملامحهم منه*ارة، أعين تائهة
ويونس، يجلس في الزاوية، كأنه جسد بلا روح.
مالك يص*رخ:يونس! قوم معايا دلوقتي!
أحد الشباب يتدخل، يحاول منعه.
مالك يثبت نظره فيه:أنا مش جاي أحقق، ولا أض*رب
أنا جاي آخد واحد مش مكانه هنا.
يونس ينظر له بعين دامعة، كأنه يست*غيث دون صوت.
في السيارة، يونس ينه*ار بالبكاء:أنا ما كنتش ناوي أرجع بس كنت تع*بان حسّيت إني رخي*ص، إني مش نافع.
مالك يرد بهدوء:اللي وق*ع ممكن يقوم.
بس اللي يست*سلم بي*دفن نفسه حي.
الن*دم مش ض*عف ده أول خطوة للطريق الصح.
في فجر اليوم التالي، يصطحب مالك يونس إلى المسجد القريب،
يجلسان في آخر الصف، ويونس يبكي في السجدة الأولى كأنه يغسل كل شيء.
مالك يتمتم في قلبه:يارب إن كنت خدت مني عصام،خليني أكون سبب في رجوع أولاد غيره.
مالك لم يكن ينوي التوقف عند غرفة نرجس في ذلك اليوم.
الزيارة لم تكن مقرّرة، والملف الطبي لم يحرز أي تقدم.
لكن هناك شيء فيها جعل خطواته تقوده تلقائيًا إلى هناك.
طرق الباب بلطف.
لم ترد.
فتح الباب قليلًا، وجدها جالسة قرب النافذة، ترتدي عباءة رمادية، وعيناها شاخصتان نحو اللاشيء.
قال بهدوء:لو بتحبي المطر اتأخرتي عليه، وقف من بدري.
لم ترد.
اقترب أكثر. سحب الكرسي بهدوء وجلس مقابلها، لا يفصل بينهما إلا طاولة خشبية.
قال:أنا مالك مش الطبيب، ولا المعالج.
أنا حدّ بيجي يزورك، لأنك شبه حدّ كنت بحبه جدًا.
نرجس أدارت وجهها نحوه ببطء، نظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت:هو م*ات؟
أجاب بصوت اخت*نق نصفه في صدره:آه وم*ات وأنا كنت لسه مش سامعه كويس.
قالت نرجس بعد صمت:أنا كمان ما كنتش بسمع كويس.
كان في صوت جوايا بيقولي: انسي، وعدّي، وقومي.
بس صوت تاني أقوى كان بيقولي: لا انتي وح*يدة، ومك*سورة، ومحدّش هيفهمك.
وصدقتِ الصوت التاني؟آه لأنه كان بيقول الحقيقة.
مالك شعر أنه لا يقدر على الرد، لكنه قال:مش دايمًا الحقيقة لازم تُصدق.
في حقايق ربنا بيأجلها، علشان نرجع له لما نض*عف.
نرجس مدت يدها ببطء، وأخرجت من جيب عباءتها ورقة مطوية، وضعتها على الطاولة بينهما.
قالت:اكتبلي فيها أي حاجة
مشاعر مش كلام علمي.
أنا نسيت شكل الكلام اللي من القلب.
مالك أمسك القلم، نظر إليها، ثم كتب:إنتي مش وحدِك بس الوح*شة أوقات بتع*مي العيون.
وفيه ناس ربنا بيبعتهم مش علشان يعالجوكي بس علشان يفضلوا جنبك لحد ما تقومي.
نرجس ابتسمت ابتسامة باهت*ة، ثم قالت:هتيجي تاني؟
أجابها دون تفكير:هجي من غير موعد زي النهارده.
شهاب يدخل المكان بخطوات ثابتة، يرتدي ملابس مدنية، لكنه لا يشبه الموظفين هنا أبدًا.
عيناه تبحثان عن شخص محدد، ويده تمسك بملف داخله صور وأسماء، بينها اسم: هدير عبد المنعم.
دخل القاعة فوجدها تجلس على مكتب جانبي، ترتب بعض الأوراق وتكتب ملاحظات بقلم أزرق.
وجهها هادئ، عيناها مركّزتان، وترتدي نظارة بسيطة.
اقترب منها، فقال بهدوء فيه حِدة مضمرة:أستاذة هدير عبدالمنعم؟
رفعت رأسها، نظرت إليه بثبات، ثم أجابت:أيوه، أنا.
أنا شهاب النجار، مباحث عامة عاوز أتكلم معاكي شوية لو تسمحي.
لم تتفاجأ، بل قالت مباشرة:لو حضرتك جاي بخصوص الموضوع اللي سأل عنه مسؤول المكتبة، أنا جاوبت، وقدمت كل الأوراق المطلوبة.
ممكن، بس مش كل حاجة بتكون في الورق.
شهاب جلس مقابلها دون دعوة، وفتح الملف أمامه.
كنتي بتترددي على مركز دعم نفسي تابع لمؤسسة تانية، لمدة ٨ شهور. بعدين بطّلت فجأة.
فيه تقرير عن حالة قلق واك*تئاب حاد، وعزلة.
ده السبب في إنك اختفيتي وقتها؟
هدير شدّت يدها بحذر، نظرت إليه بجمود، ثم قالت:أنت ضابط ولا محلل نفسي؟
ولو كنت ضابط فدي خصوصياتي، مش من حقك تفردها كده في وشي.
شهاب ابتسم بس*خرية خفيفة:أنا بحاول أفهم مش أحكم.
بس الناس اللي بتخبي بتبان حتى لو لبسوا الهدوء زي قناع.
سكتت هدير قليلًا، ثم قالت بنبرة أهدأ:أنا مش بخبي أنا بتعالج وبشتغل وبحاول أعيش، حتى لو الماضي بيشد فيّ كل يوم.
ولو في شبهات حوالين أي حالة هنا، إسألني عن شغلي، مش عن وجعي.
شهاب أُربك للحظة.
لم يتوقع الرد الهادئ ولا الصدق اللي خرج بدون دموع أو دراما.
أغلق الملف ببطء، ثم قال:هسأل عن شغلك بس بعد ما أتأكد إنك مش بتستخدمي شغلك كغطاء.
هدير، بعد مغادرته، جلست بصمت.
لم تغضب لكنها شعرت أن شيئًا داخلها اهتز.
لأول مرة منذ شهور، شخص لم يشفق بل واجهها كأنها ندّ.
وهي، رغم تحفظها لم تكرهه.
أما شهاب، فغادر المكان وعقله مشغول:الملف ناقص لكن نظرتها، كانت تقول كل شيء.
شهاب كان يحقق في تسريب أدوية مخ*دّرة تصرف بوصفات مزورة من بعض الجمعيات الخيرية.
ورغم أنّ هدير بعيدة رسميًا عن هذه التهم، إلا أن اسمها تكرر مرتين في ملاحظات تحقيق غير مباشر…
ليس كمتهمة، بل كشخص مقرّب من فتاة متورطة اختفت مؤخرًا.
قرر مراقبتها من بعيد.
كان يشاهدها تتحدث مع الناس، تساعد كبار السن في ملء الأوراق، تبتسم للأطفال،
ثم في لحظة غريبة تتوقف، تتجمد، كأنها تذكرت شيئًا م*ؤلمًا.
في أحد الممرات الضيقة بالمبنى.
هدير تحمل صندوق أوراق ثقيل.
تتعثر، كادت تسقط.
فيمسك شهاب بالصندوق فجأة.
هدير، بدهشة: كنت بتراقبني؟
شهاب، بابتسامة هادئة: كنتي هتقعي مش هتهربي.
هدير، بنبرة خفيفة: هو دا أسلوبك في الطبطبة؟
شهاب، بثبات: أنا مابطبطبش بس مش كل اللي بيراقب ناوي أذى. أوقات الرقابة بتكون لحماية اللي مش شايفين الخطر.
بعد ساعات، تصل لمكتب شهاب معلومة أن الفتاة المختفية، حنان توفيق، كانت تتردد على نفس المكتب اللي تعمل فيه هدير.
وتحديدا كانت تسكن معها لفترة قصيرة قبل الاختفاء.
شهاب يطلب استدعاء هدير، لكنها تفاجئه بأنها بالفعل تنتظره في الخارج، تحمل ملفًا صغيرًا بيدها.
هدير، بصوت ثابت: حنان كانت صديقتي وأنا السبب إنها اشتغلت هنا أنا اشتغل في الجمعية والمكتبة.
بس لما بدأت تتصرف تصرفات غريبة، طلبت منها تسيب البيت واختفت بعدها.
والملف ده فيه كل حاجة عنها حتى مذكّراتها القديمة.
شهاب يتصفح الملف
