رواية الاميرة الاسيرة الفصل السابع 7 بقلم نجلاء لطفي
وسألت نفسي هل أنا ملاك أم أنا فتاة مغلوبة على أمرها تؤدي الدور المرسوم لها باحتراف وتتجاهل مقابل ذلك مشاعرها ورغباتها وترسم على وجهها ابتسامة كاذبة لتوهم الجميع بسعادتها؟ هل حقا أنا طامعة في الحكم؟ أم أنا فتاة تحلم بالحرية والتحليق بعيدا عن كل تلك القيود والمظاهر الكاذبة؟ لا أعلم لقد ضاعت حقيقتي منذ أن دخلت هذا القصر وبهتت شخصيتي لكني لن أسمح بتكرار ذلك لابد أن أستعيد نفسي.
كنت أقضي معظم وقتي جالسة بجواره وأنا ستخدم الكمبيوتر إما في شرفة الغرفة أو أمام التليفزيون وهو يشاهد أحد الأفلام الدموية المليئة بالعنف، فكنت أشغل وقتي بالتخطيط لمساعدة الجمعيات الخيرية فعملت حصر بهم وقررت أن أهتم بجمعيات الأيتام والنساء الفقيرات وأبناء الشوارع، أعددت حصرا بكل تلك الجمعيات وقررت زيارتها بمجرد أن يتماثل مازن للشفاء.كان بعض أصدقاؤه وأقاربه من الأسرة المالكة وأبناء المسئولين يأتون لزيارته ويقضون الوقت معا إما في الصالون أو في شرفة القصر أو حول حمام السباحة حيث بدأ مازن ممارسة بعض تمارين العلاج الطبيعي فكانت تلك فرصتي لأختلي بنفسي قليلا أو لأخرج لزيارة أهلي.
كان الملك منذ الحادثة مقاطعا لمازن لا يحدثه ولا يزوره ولم يسأل عنه مرة واحده لأنه كان غاضبا مما فعل، ومازن لم يفكر للحظة واحدة أن يتواصل معه ويقدم له اعتذاره ووصلت العلاقة بينهما لطريق مسدود. حاولت الملكة التدخل فرفض كلاهما الإستجابة لها بل وهددها الملك بسحب ولاية العهد من مازن ومنحها لشقيقه الأصغر، عندها طلبت الملكه لقائي وحكت لي باختصار عما حدث وقالت:
-الملك يستجيب لك فهل تكلمينه ليعفو عن مازن؟ ذلك لأجل مصلحتكما معا
-سأبذل كل جهدي
طلبت لقاء الملك فحدد لي موعدا وعندما ذهبت استقبلني بترحاب فقلت:
-هل يسمح لي مولاي أن أطمع في كرمه؟
-بالطبع لك ما تشاءين
-لي رجاءين ، الأول أن تسمح لي بممارسة العمل الخيري
-بالطبع أسمح لك وسيصدر أمر لكل الوزراء بتذليل كل الصعاب والاستجابة لكل أوامرك
-شكرا لك يا مولاي
-وما الطلب الثاني؟
-أنا أطمع أيضا في سعة صدر مولاي
-إذا هو بشأن ولي العهد؟
-نعم أنا أعلم أنك غاضب منه ولك كل الحق في ذلك لكن كل ما أطلبه من جلالتك أن تمنحه فرصة أخيرة لعله يستطيع أن يتغير، دعه يتحمل المسئولية ، كلفه بالأعمال وحاسبه عليها، اشغل أصحاب السوء المحيطين به عنه لأنهم يشدونه للحضيض، الفراغ أكبر عدو لإنسان يملك المال والنفوذ يا مولاي
-كيف أشغله وهو غير قادر على الحركه؟
-اشغل عقله بأي عمل لا يحتاج لمجهود بدني حتى لو كان عملا بسيطا يؤديه أي وزير، المهم أن يكون مشغولا بشئون الحكم، أو اطلب منه أن يضع رؤية مستقبلية لشئون المملكة وكيفية تطويرها
-لايستطيع فعل ذلك
-اجعله يستطيع وإلا فقد ولاية العهد عندها فقط سيعمل بجد واجتهاد وأيضا هو يحتاج أن يكون قريبا من جلالتك ، لماذا لا تجعله نائبا لك ؟ ويكون عمله من هنا من القصر الملكي فيكون بجوار جلالتك ويستفيد من خبراتك ويتعلم على يديك؟
-فكرة جيدة سأبحثها من كل الوجوه ثم أتخذ قرار، لم تخب نظرتي فيك فأنت الزوجة المناسبة له وليته يقدر ذلك فأنت هنا تطلبين مني العفو عنه رغم أنه أخطأ في حقك أيضا
-من لا يخطئ لا يتعلم ، شكرا لكرم جلالتك
انصرفت من عنده وذهبت لزيارة والداي ولم أعد إلا ليلا فقد كانت الملكة تقضي اليوم كله مع مازن وتلك كانت فرصتي للخروج. عدت ليلا فوجدت مازن في منتهى العصبية وقال بحدة :
-أين كنت؟
-عند أهلي لقد قلت لك هذا قبل خروجي هل حدث شيء؟
-نعم لم أخذ دوائي ولم أجد من يهتم بي
-والملكة؟
-استدعاها الملك لأمر هام وبقيت وحدي
-لو كنت أرسلت في طلبي لعدت مبكرة ،هل تناولت عشاؤك؟
-لم آكل شيئا منذ أن تركتني
-سأطلب منهم أن يعدوا لك العشاء
-ألن تتناوليه معي؟
-لا
-إذا لن آكل
نظرت إليه متعجبه وقلت:
-لماذا؟
أشاح بنظره عني وقال:
-لا أحب أن آكل وحدي
-سأجلس معك وآكل القليل
ابتسم وطلبت إعداد العشاء وأنا أتساءل عن سر تغيره معي في الكلام والتعامل معي ، جلسنا معا في شرفة الغرفة المطلة على الحديقة نتناول العشاء فقال لي:
-هل تتحدثين مع أصدقائي عندما يأتون لزيارتي؟
-قليلا كلام لا يتجاوز التحية ليس أكثر ولكن لم السؤال؟
نظر إلي متفحصا وقال:
-إنهم يبدون إعجابهم بك كثيرا بل ويحسدونني عليك
-إنهم مجموعة من التافهين ممن لا عمل لهم سوى النميمة وملاحقة الفتيات والتنافس على الخيل، وأعتقد أنك كولي للعهد يجب أن تختار من هم أفضل منهم
-حقا هم كما تقولين وبعد أن صارحوني بإعجابهم بك لن يأتوا هنا مرة أخرى
نظرت إليه وقلت:
-لماذا هل لأنهم أعجبوا بي وأنا لا أستحق أم أنك أتغار علي؟
-هل تظنين أني عديم المروءه؟ بالطبع أغار ولا أسمح لأحد أن ينظر لما أمتلك نظرة واحدة
هنا انتفضت واقفة وقلت:
-كنت أظنك تغار كزوج لا كشخص يمتلك جارية ويخشى على ممتلكاته
هممت بالانصراف فأمسك يدي فانتفض جسدي كله رعبا وبدت نظرات الهلع في عيني فقال متعجبا :
-مابك؟ لا تخافي لن أؤذيك
وترك يدي فورا فدخلت للغرفة وارتميت على سريري أبكي وارتجف خوفا فدخل إلى الغرفة بكرسيه المتحرك وقال بصوت حزين:
-ألهذه الدرجة تخافين مني؟ هل كنت متوحشا هكذا؟
وضع يده على رأسي ومسح على شعري برفق وقال:
-أنا أسف سامحيني وأعدك أنني لن أكون عنيفا معك بعد الأن
جففت دموعي فابتسم لي وقال:
-ألن تساعديني في الصعود لسريري؟
فقمت وساعدته فقد صار يستطيع الوقوف على قدم ويستند علي حتى يجلس على سريره، جلس على سريره ووضعت عليه غطاؤه فنظر في عيناي وقال:
-لا أريد أن أرى دموعا في عينيك بعد الأن، دعينا نبدأ من جديد وننسى الماضي
-حتى ننسى الماضي عليك أن تتعامل معي كإنسانة تشاركك حياتك لا كشيء تمتلكه تلك هي الخطوة الأولى
بدأ مازن يستجيب أكثر للعلاج واستطاع التخلي عن الكرسي المتحرك وصار يستند على عصا في حركته وبالتالي استغنى عني قليلا فطلبت منه أن أعود لغرفتي في الدور العلوي فرفض بشدة وقال:
-وجودنا معا يجعلنا أكثر قربا من بعضنا
انشغلت في الأيام التالية في العمل الخيري فكنت أزور الجمعيات وأعرف ما يحتاجونه وأمدهم به ولكني اكتشفت أني أحتاج لمن يساعدني فتذكرت آسر زميل الدراسة الذي يتمتع بذكاء شديد ونشاط كبير فاتصلت به وعرضت عليه العمل معي كمساعد لي فوافق. اخترت غرفة صغيرة في الدور الأرضي لتكون مكتبا لنا نعمل فيه سويا وزودتها بكل الأجهزة المطلوبة. بدأنا عملنا بجد واجتهاد وكان آسر يدون كل الاحتياجات ويتابع كل جمعية قمنا بزيارتها ، كان عملنا يستغرق نحو 5 ساعات يوميا مما جعلني مشغولة دائما ، ولم يلحظ مازن انشغالي لأنه كان يقضي معظم النهار وجزءا من الليل في القصر الملكي مع الملك الذي شغله بكل شئون الحكم. ركزت جهدي في البداية على الجمعيات القائمة على تزويج الفقيرات وتجهيزهن فوجدت أن جمعيات الأقاليم تعاني نقصا شديدا في الإمكانيات بسبب قلة التبرعات ، كما أن مطالب الزواج في تلك المناطق تختلف من مكان لأخر ، كما علمت أنها تميل للمبالغة أحيانا فأصدرت قرار بأن تتكفل الجمعيات بالأساسيات اللازمة للزواج ومن أراد الكماليات فعليه أن يشتريها بماله، أثار قراري هذا غضب البعض ففكرت أنني ربما أحتاج لجولة في المحافظات ولكن ظروف مازن الصحية مازالت تحتاج لبقائي معه. بعد نحو شهر من عمل آسر معي سألني مازن عنه فلما أخبرته بشأنه شعرت أنه لا يحبه وأنه ينظر إليه بريبة ،بل وأحيانا يأتي فجأة أثناء عملنا ويجلس معنا بحجة أنه يريد معرفة تفاصيل أكثر عن عملنا وعن فقراء المملكة، وكثيرا ما حاول تعطيلي عن الخروج في جولاتي مادام معي آسر ولكني أرجعت ذلك لحب التملك ورغبته في الاستئثار بي. تحسنت حالة مازن ولم نعد نحتاج لغرفة الدور الأرضي وعدت لغرفتي وعاد لغرفته وصار بيننا باب مغلق، في الماضي كنت أشعر بالارتياح لبعده عني لكن بعد الحادث اعتدت وجودي معه وعندما غاب شعرت أن هناك شيء ينقصني لكني أرجعت ذلك للتعود. في اليوم التالي لعودتنا لغرفنا قال لي مازن على الإفطار:
-لم أستطع النوم أمس؟
-لماذا هل كنت تفكر في شيء؟
-لقد اعتدت على وجودك بجانبي لذلك افتقدك
نظرت إليه وسرعان ما اعتراني الإضطراب وقلت بعد أن أخفضت بصري عنه:
-كما اعتدت وجودي ستعتاد غيابي
-لكني لا أريد أن أعتاد غيابك
قالها برقة جعلت قلبي يخفق بسرعه فقال:
-سأجعل الخدم يضعون سريرا إضافيا في غرفتي من أجلك
-هل هذا أمر؟
-بل رجاء
أنقذني جرس الهاتف حتى لا يرى مازن إحمرار وجهي وعندما أجاب وجده الملك الذي يطلبنا للقاؤه بعد ساعه، فقلت له :
-سأضطر لتأجيل جولتي اليوم على الجمعيات
-بل انتظري ربما يكون لقاء عاجل، لقد قررت أن أجعل غرفتنا السابقه مكتبا لي لأمارس فيه أعمالي
-هذا جيد ولكن ألن يغضب الملك؟
-لا لقد حدد لي مهام معينه ثم في نهاية كل أسبوع نتناقش فيها
-جميل جدا اسمح لي انصرف لأخبر آسر بما أريد أن يفعله أثناء لقائي مع الملك
-أنا لا أرتاح لذلك الشخص
-لماذا؟ هو ذكي وكفء ويقوم بواجبه على خير وجه هل صدر منه ما يزعجك؟
-لا لكني لا أشعر بالارتياح تجاهه
-العمل لا دخل له بالمشاعر
تركته وذهبت وأنا أتعجب من تغيره لقد أصبح أفضل بكثير مما كنت أتوقع ، صار أكثر رقة ويحرص على إرضائي ولم يعد عنيفا . ذهبنا للقاء الملك فوجدناه رتب لنا جوله في البلاد لمدة شهر تبدأ من الجنوب للشمال وتنتهي في العاصمة وقد حدد موعدها أول الشهر القادم،فقلت له:
-أرجوك يا مولاي أن تؤجلها بعد بداية الشهر
-لماذا؟
-لأن حفل الزفاف الجماعي للفقيرات على مستوى المملكة سيكون تحت رعاية جلالتكم أول يوم في الشهر المقبل وقد وعدتهم أن أحضره ونحن نعد له من فتره طويله فهل يأذن لي مولاي بالحضور؟
اقترب مني الملك وابتسم وقال:
-كم أنت رائعة يا ابنتي فكرتي في زواج الفقيرات وتعدين لهن حفل زفاف وترغبين في حضوره بنفسك؟
-لو شعر رعاياك يا مولاي باهتمامنا بهم لزاد ولاؤهم
-أوافق وسأمنح كل فتاه وفتى مبلغا ماليا كهديه مني في زواجهم لكن لا تعلني الخبر واجعليها مفاجأة الحفل
ابتسمت بمنتهى السعادة وقلت:
-أدام الله عز مولانا وكرمه
نظر إلي مازن وابتسم وعندما عدنا للقصر قال:
-هل تعلمين أنك تختلفين عن كل الفتيات؟ أية فتاه في مكانك كانت ستفكر في اقتناء المجوهرات والسفر للخارج وإقامة الحفلات والتمتع بحياة الترف والبذخ أما أنت فملابسك بسيطه ولا أذكر أنك ارتديت شيئا من مجوهراتك وكل تفكيرك في الفقراء، من أنت؟
-أنا واحده من بنات الشعب عشت بينهم وأعرف جيدا ألامهم وشكواهم وأشاركهم أحلامهم البسيطة لذا فأنا أكثر قربا منهم لا من الأميرات اللاتي يعشن لأنفسهن فقط
-ألا تفكرين في نفسك أبدا؟
-أفكر وأحبها وأعيش معها في سلام لأني أعرف عيوبها ومميزاتها ، كما أعرف من أنا وماذا أريد
اقترب مني هامسا وقال:
-ماذا تريدين؟
اسرعت بالإبتعاد وقلت مبتسمة :
-أن أبدأ الجولة التي تأخرت كثيرا
ابتسم وقال:
-أتهربين؟ ولكن ممن؟
لم أجبه إنما أسرعت في الخروج، هل حقا أهرب؟ وممن أهرب؟ من نفسي؟ أم منه؟ هل مازلت خائفة من قربه؟ أم أخاف من ضعفي أمامه؟ لا أعلم
