رواية ظلال متقابلة الفصل السادس 6 بقلم خضراء القحطاني
البارت السادس **ظلال متقابلة **
لم تكن الح*رب بالرص*اص هذه المرة،بل بالكلمات.
بدأ الأمر بمقال صغير على موقع إلكتروني محلي يحمل عنوانًا ساخرًا:معلمة في مدرسة النخيل متهمة بتزوير شهادات وتلقي أموال.
لم يُذكر اسم ليلى صراحة، لكن كل من يعرفها أدرك المقصود.
وفي اليوم التالي، انتشرت الصور، وتحوّل الهمس في الممرات إلى نظرات مليئة بالريبة.
حتى زميلتها الأقرب تجنبتها في الطابور الصباحي.
كانت تعرف من فعلها سامر.
لم يكن بحاجة إلى س*لاح فقط إلى نفوذٍ وكلمة.
ومع كل إش*اعة تنتشر، كانت ليلى تخ*سر جزءًا من نفسها.
في تلك الأيام، بدأ إياد يشعر بالارتباك.
الضغط من رؤسائه، والملفات التي تصل إليه عبر مصادر مجهولة كلها تتحدث عن تج*اوزات أخلاقية لليلى، وأدلة مزيفة تتهمها بالتلاعب في معاملات مالية لجمعية تعليمية.
بدأ الشك يتسلل إلى قلبه رغمًا عنه، لم يكن يريد أن يصدق، لكنه ضابط، والواجب يفرض عليه التحقيق.
ومع كل استجواب، كان يشعر أن المسافة بينه وبينها تكبر وأن صوته حين ينادي اسمها صار يحمل برودًا لم يعرفه من قبل.
أما ليلى، فقد كانت كمن تسير فوق الزج*اج.
تحاول أن تبدو بخير أمام الآخرين، لكنها حين تعود إلى شقتها، تغلق الأبواب والستائر وتجلس في الظلام.
كانت تشعر أن كل شيء فقد معناه المدرسة، الأصدقاء، حتى نفسها.
تحاول الاتصال بسامي، فيرفض كريم السماح لها بالتحدث.
أحيانًا كانت تسمع صوته من بعيد على الهاتف، لكنه لا يتكلم وكأن المسافة بينهما أكبر من عمرها كله.
وفي إحدى الليالي،انه*ارت تمامًا جلست على الأرض، أمام باب الغرفة المغلق، لم تأكل منذ يومين، صوتها مبحوح من كثرة البكاء.
فتحت ألبوم صورها مع سامي، تمرّ بأناملها على وجهه الصغير، وقالت بصوتٍ مك*سور:سامحني يا حبيبي أنا كنت ضعيفة، بس وعد مش هسيبهم ينتصروا.
لكن جسدها لم يحتمل أغ*مي عليها، وبقيت على الأرض حتى الصباح، حين وجدتها جارتها واتصلت بالإسعاف.
في المستشفى، كانت على سرير أبيض، أنابيب المصل تلتف حول يدها، وعينيها شبه مغلقتين.
إياد كان واقفًا عند الباب، صامتًا، وجهه مملوء بالن*دم.
قال له الطبيب بهدوء:
الست دي ما محتاجه دواء قد ما محتاجه أمان.
انه*يار عصبي ح*اد نتيجة ضغط نفسي لو استمر الوضع كده، ممكن توصل لمرحلة أخ*طر.
اقترب إياد ببطء من سريرها، نظر إلى ملامحها الشاحبة وقال في نفسه:غلطت لما شكّيت فيكِ وغلطت أكتر لما صدقت الناس قبلك.
ثم همس بصوت يكاد لا يُسمع:وعد مني يا ليلى المرة دي مش هسيبهم يدوسوا عليكي.
خرجت ليلى من المستشفى بعد أسبوعٍ بدا كأنه عام كامل.
المدينة كما هي، مزدحمة، صاخبة، لكن داخلها كل شيء مات.
كان إياد ينتظر عند الباب، يحمل ملفها الطبي ووجهه مليء بالذن*ب.
اقترب منها بخطوات مترددة، وقال بصوتٍ خافت:الحمد لله على سلامتك يا ليلى.
لم تردّ.
نظرت للأرض، ثم مرّت بجانبه دون أن ترفع عينيها، وقالت ببرودٍ هادئ يخفي ما بداخلها:أنا مش محتاجة مساعدتك خلاص، تعبت من الوعود.
وقف يراقبها وهي تبتعد، شعر أن بينهما ألف كلمة لم تُقال، لكنه احترم صمتها.
في بيتها، كان كل شيء على حاله إلا هي.
رائحة العطر الخافتة على الوسادة تذكرها بسامي، وصورته على الحائط تكاد تنطق.
جلست أمامها، لم تبكِ هذه المرة فقط نظرت إليه طويلاً وقالت:ما تخ*افش يا حبيبي ماما رجعت، وهتلاقيك.
بدأت تفتح هاتفها القديم، تدخل على كل رقم وكل رسالة، تبحث عن خيط يوصلها إليه.
جربت رقم كريم أكثر من مرة بلا جدوى.
ثم كتبت رسالة قصيرة ولم تُرسلها:سامي، ماما بتحبك. لو سمعت صوتي، بس قول إنك بخير.
ضغطت على إرسال وأغمضت عينيها.
مرت الأيام ببطء.
تحاول الخروج من البيت لكنها لا تستطيع.
الجيران بدأوا يتهامسون عنها، والمدرسة استبدلتها بمعلمة جديدة.
كل صباح تجلس عند النافذة، تنظر للشارع كأنها تنتظر شيئًا لا تعرفه.
في أحد الأيام، جاء إياد مجددًا، يحمل لها أكياسًا من الطعام ودواءها.
طرَق الباب، وبعد صمت طويل، فُتح الباب قليلًا.
ظهر نصف وجهها من خلفه، نظرة شاح*بة، متعبة.
قال بخفوت:مش جاي علشان أحقق ولا أتكلم عن الماضي أنا جاي أتأكد إنك بتاكلي.
ردت بجمود:أنا كويسة، ما تشيلش هم.
ثم همّت بإغلاق الباب، لكنه قال بسرعة:عرفت إن سامر وديلا لسه مش سايبينك في حالك وفي كلام إنهم بيجهزوا لحاجة تانية.
خلي بالك من نفسك.
سكتت، رفعت عينيها نحوه للمرة الأولى منذ أيام.
لو كنتَ صدقتني من الأول يا إياد، يمكن ما كنتش وصلت لكده.
ثم أغلقت الباب بهدوء، وتركته واقفًا في الممر، يشعر أن صوته لا يصل إليها بعد الآن.
في الليل، جلست ليلى وحدها، تقلب في الصور القديمة على الهاتف.
توقفت عند مقطع صوتي صغير لسامي، كان يقول فيه بصوته الطفولي:ماما، لما أكبر هبقى زيك، ما أخ*افش من حد.
دموعها سقطت دون مقاومة، وضمت الهاتف إلى صدرها كأنها تضمّه هو.
بس أنا اللي بخ*اف دلوقتي يا سامي بخ*اف أعيش يوم من غيرك.
لكن في اللحظة نفسها،وصلتها رسالة قصيرة من رقم مجهول:لو عايزة تشوفي ابنك روحي الميناء القديم بكرة الساعة 10.
رفعت رأسها ببطء، تنفّست بصعوبة،وفي عينيها لأول مرة منذ زمن اشتعلت ش*رارة صغيرة مزيج من الخ*وف والأمل.
الساعة التاسعة والنصف مساءً.
الريح القادمة من البحر تحمل رائحة الملح والصدأ، والضباب يلف الميناء كوشاحٍ رمادي يخفي كل شيء.
كانت ليلى تمسك هاتفها بيد مرتجفة، عيناها تتنقلان بين السفن القديمة وأضواء الميناء الخافتة.
خطواتها بطيئة، لكنها ثابتة.
لم تخبر أحدًا لا إياد، ولا حتى صديقتها القديمة التي اعتادت اللجوء إليها عند الأزمات.
اليوم، كانت وحدها تمامًا كما خُلقت.
الساعة عشرة.
همست لنفسها وهي تنظر للبحر،ثم فجأة، سمعت صوت خطوات تقترب من الخلف.
استدارت بسرعة رجل طويل القامة، ملامحه مألوفة رغم الظلام.
تجمدت الكلمات على شفتيها عندما تعرّفت عليه.
سامر؟!
ابتسم ابتسامة باردة، وقال وهو يقترب أكثر:اتأخرتي يا ليلى كنت متأكد إنك هتيجي.
تراجعت خطوة للخلف، تنظر إليه بارتباك ودموع في عينيها.
إنت اللي بعتلي الرسالة؟! فين سامي؟!
ضحك بخفة، تلك الضحكة التي تحمل وراءها نية خب*يثة:ابنك؟ آه هو بخير بس كنت محتاج أشوفك الأول.
رفعت صوتها بغضب مكتوم:إنت دم*رت حياتي، خدت مني كل حاجة عايز إيه كمان؟!
اقترب منها حتى كاد يلامس وجهها، وقال بصوتٍ باردٍ ق*اسٍ:عايزك تفهمي إن اللي بدأته مش هينتهي بسهولة أنتِ مش مجرد غلطة في الماضي، أنتِ ورقة بستخدمها.
تراجعت خطوة، قلبها يخفق بعن*ف.
يعني سامي عندك؟!
لم يجب.
رفع هاتفه وأراها مقطع فيديو قصير: سامي جالس في غرفة مظلمة، ملامحه متعبة لكنه بخير.
صرخت وهي تحاول أخذ الهاتف منه، لكنه أبعد يدها وقال بابتسامة جانحة:لو عايزة ترجعي ابنك هتعملي اللي أقولك عليه بالضبط.
دمعت عيناها، وصوتها خرج مرتجفًا:إنت مش إنسان!
قال ببرودٍ متعمد:أنا ابن الراجل اللي كنتي فاكرة نفسك تقدرِي تك*سريه أبوكي، صالح اليوسف، هو اللي بدأ اللعبة وأنا اللي هخلصها.
شهقت ليلى بصوتٍ مكتوم، تراجعت حتى اصطدمت بجدارٍ من الحاويات المعدنية.
إنت إزاي عرفت؟!
اقترب أكثر، وقال بهدوء مم*يت:أنا عارف كل حاجة، يا أختي.
سكتت لحظة، عيناها اتسعتا وهي تهمس بصوتٍ مبحوح:إيه؟! أختي؟!
ضحك بخفة وهو يبتعد قليلًا:نص أختي أبوكي كان كريم في العلاقات، صح؟
بس الفرق إنك كنتي بنت الحلال، وأنا كنت السر اللي خبّوه.
تقدمت نحوه، الدموع تسيل على خديها:ليه بتعمل كده؟ لو فعلاً أخويا ليه بت*ؤذيني؟!
قال بنبرة مليئة بالح*قد:علشانك السبب إن أمي مات*ت وأنا صغير، لما اختارك صالح اليوسف وتركنا.
من يومها وأنا بوعد نفسي إنك هتحسي بنفس الوج*ع.
وقبل أن ترد، سُمع صوت سيارات الشرطة وهي تقترب من الميناء، أضواؤها الزرقاء انعكست على وجهيهما.
نظر سامر حوله بحدة وقال سريعًا:مش وقته دلوقتي، بس اللعبة لسه ما خلصتش، يا أختي الصغيرة.
ثم اختفى وسط الظلال، تاركًا ليلى ترتجف في مكانها،
والبحر يصفّر بصوتٍ يشبه العويل.
كانت أصوات الموج ترتطم بجدران الميناء كأنها تحذر القادمين.
إياد كان يقف عند البوابة الحديدية، يراجع تقرير المكالمة الأخيرة التي تلقاها القسم من رقمٍ مجهول الموقع ذاته الذي شوهدت فيه ليلى قبل ساعات.
شيء ما في داخله كان يص*رخ بأن الأمر أكبر مما يبدو.
لقد رآها تتغير منذ اختفاء سامي، تذوب ببطء في عزلتها، لكنه لم يتخيل أنها ستذهب وحدها إلى هذا المكان.
فتح المصباح الصغير بيده وسار بين صفوف الحاويات، ينادي باسمها بصوتٍ خافت:ليلى لو كنتِ هنا، جاوبي.
لم يكن هناك سوى صدى البحر.
لكن حين مرّ بجانب إحدى الحاويات، لمح شيئًا يلمع
هاتفها!
التقطه بسرعة، وكانت الشاشة ما تزال تعرض الرسالة الغامضة:تعالي لوحدك، الساعة عشرة وإلا سامي هيدفع التمن.
تجمد الد*م في عروقه، أدرك أن الأمر لم يعد مجرد ته*ديد بل لعبة مدروسة.
وفي تلك اللحظة، سمع صوتًا خافتًا خلفه، التفت بسرعة ورأى ظلًا يختفي في الممر بين الحاويات.
ركض خلفه حتى وصل إلى زاوية الميناء حيث توقفت سيارة سوداء، لكنها كانت قد ابتعدت للتو وداخلها شخص يشبه سامر اليوسف.
وقف إياد يلهث، يهمس بغضبٍ مكتوم:دلوقتي فهمت يا سامر اللعبة دي ليها أصل.
في الطرف الآخر من المدينة،كان سامر يجلس في شقته الفاخرة المطلة على البحر، الضوء الخافت للغرفة يعكس ظلالًا على وجهه.
أمسك بكأس الماء ونظر إليه كأنه يرى ماضيه في انعكاسه.
على الطاولة أمامه صورٌ قديمة رجل أنيق في الثامنة والثلاثين من عمره صالح اليوسف يحتضن فتاة صغيرة بعمر السابعة.
تحت الصورة، أخرى لامرأة شابة بعينين حزينتين والدته م*مزقة من المنتصف.
تمتم بصوتٍ مبحوح:أمي وعدتك إنك هتشوفي حقك حتى لو من بعيد.
ثم قبض على الصورة بيده حتى تم*زقت أكثر.
دخل عليه أحد رجاله وقال بقلق:الخبر انتشر يا باشا، الشرطة اتحركت بعد بلاغ مجهول.
وليلى نجت المرة دي.
ابتسم سامر ببطء، عيناه تلمعان كوميض سك*ين:مافيش مشكلة دي لسه البداية.
اللي خدت مني أبوي، اللي خلّته ينساني، لازم تدفع تمن الاسم اللي بتحمله.
اقترب الرجل منه مترددًا:بس البنت دي ما تعرفش حاجة عن اللي حصل زمان، يمكن.
قاطعه سامر بصوتٍ ح*ادّ:مايهمش! الج*رح بيتوارث زَيّ الد*م وهي هتحس بنفس اللي حسّيته.
ثم اعتدل في مقعده، وأخذ هاتفه ليتصل برقمٍ مجهول.
نفذوا الخطوة التانية عايز كل وسائل الإعلام تتكلم عن فضيحة ليلى صالح اليوسف.
خليها تخسر اسمها زي ما أنا خ*سرت طفولتي.
في تلك الأثناء، كانت ليلى في غرفتها المظلمة داخل شقتها الصغيرة،
تجلس على الأرض، تحتضن معطف سامي وتبكي بصمت.
الستائر مغلقة، والضوء من الهاتف يضيء وجهها الشاحب.
رسائل الت*هديد تتوالى على شاشة هاتفها،لكن أكثر ما ي*ؤلمها هو رسالة واحدة بسيطة:ماما، أنا كويس بس مش هقدر أشوفك دلوقتي.
صوت ابنها جعلها تخ*تنق بالبكاء.
همست وهي تضغط الهاتف على صدرها:سامر، خدت مني كل حاجة، حتى نفسي.
وفجأة، رن جرس الباب.
تجمدت، ثم نهضت بخطوات مترددة وفتحت الباب
لتجد إياد واقفًا أمامها، ملامحه منهكة، لكنه بدا حازمًا أكثر من أي وقت مضى.
قال بهدوء، وصوته يخفي قلقًا عميقًا:كفاية هروب يا ليلى اللي بيحصل مش صدفة وسامر هو اللي ورا كل ده بس المرة دي مش هسيبه ي*ؤذيك تاني.
نظرت إليه بعينين دامعتين، همست بصوتٍ مبحوح:مش قادرة يا إياد خدت كل قوتي.
اقترب منها ووضع يده على كتفها برفق:يبقى دوري دلوقتي إني أرجّعها لك.
كانت تلك أول مرة منذ زمنٍ طويل تشعر فيها بالأمان.
صوت خافت لنبضات الساعة يقطع سكون الغرفة.
شعاع شمسٍ خجول تسلل من بين الستائر وألقى خيطًا ذهبيًا على وجهها.
فتحت ليلى عينيها ببطء، تتنفس بصعوبة كما لو أنها تعود من عمق حلمٍ طويل.
لكنها لم تلبث أن شهقت بخفة كان سامي نائمًا بجانبها، رأسه الصغير على ذراعها، يتنفس بعمقٍ وهدوءٍ طفولي.
لم تصدق عينيها في البداية.
مدّت يدها بخ*وفٍ لتلمس شعره، كأنها تخ*اف أن يختفي لو لمسته بقوة.
ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي نسيتها منذ زمن.
ضمّته إلى صدرها بقوة، همست بصوتٍ متقطع بين الدموع:رجعت لي يا روحي رجعت.
شعرت بدفء جسده الصغير يعيد إليها أنفاس الحياة،
لكنها لم تكن تعلم أن هذا الصباح سيحمل لها ض*ربة جديدة، أقسى من كل ما مضى.
نهضت بهدوء، اتجهت إلى المطبخ لتعد له الإفطار،
وفجأة، سمعت صوت إشعارات الهاتف يتوالى بلا توقف.
أمسكته بفضول، لكن ما إن فتحت الشاشة حتى تجمدت ملامحها.
عناوين الصحف والمواقع الإلكترونية تتصدر الشاشات فضيحة ليلى اليوسف ابنة غير شرعية لرجل أعمال راحل.
علاقة غامضة بين ليلى وضابط الأمن إياد بعد طلاقها!
والد الطفل يطالب باستعادته بعد ثبوت عدم صلاحية الأم نفسياً!
تسمرت مكانها.
الكلمات كانت كط*عنة في صدرها، لا تعرف من أين يبدأ الأل*م.
الهواء صار ثقيلاً، والدموع تسابقت على وجهها بلا توقف.
جلست على الأرض، تضم الهاتف إلى صدرها وتبكي بصوتٍ مكتوم.
تذكرت نظرات الناس، همساتهم، الماضي الذي لم ترتكبه لكنها تُعاقب عليه.
همست بصوتٍ مبحوحٍ وهي تحدق في السقف:كفاية وج*ع خلاص.
نظرت إلى سامي النائم، وجهه البريء يطفئ ن*ارها للحظة.
اقتربت منه، قبّلت جبينه وقالت بهدوء:هنبدأ من جديد يا ماما في مكان محدش يعرفنا فيه.
لم تحتج ليلى للوقت الطويل.
جمعت حقيبة صغيرة، وضعت بها أوراقها القليلة، بعض الملابس، وصورة قديمة تجمعها بابنها.
غيّرت رقم هاتفها، تركت شقتها خالية من أي أثر يدل عليها،ونظرت للمرة الأخيرة إلى النافذة التي شهدت دموعها الكثيرة.
ثم خرجت بهدوء، تحمل ابنها النائم على كتفها،وعند باب البناية، توقفت للحظة شعرت بشيء يخ*نقها في صدرها، كأنها تترك روحها وراءها.
لكنها مضت، دون أن تلتفت.
في المطار، جلست على المقعد تنتظر موعد الصعود للطائرة.
كان سامي مستغرقًا في النوم على حضنها،بينما هي تحدق من النافذة الزجاجية إلى الطائرات التي تقلع وتختفي في السماء.
همست بصوتٍ خافت:يمكن الرحلة دي تكون خلاص البداية الجديدة أو يمكن النهاية الهادية اللي كنت بدور عليها.
حين أعلنوا عن موعد الرحلة، نهضت، أمسكت بيد ابنها بإصرار،واتجهت إلى البوابة بخطواتٍ بطيئة لكنها واثقة.
لم تلتفت خلفها، لم تبحث عن وجهٍ تعرفه،فكل ما تركته خلفها لم يعد يعني شيئًا.
الطائرة أقلعت،والمدينة التي ع*ذّبتها تقلّصت شيئًا فشيئًا تحت الغيوم،حتى صارت مجرد نقطة بعيدة في الأفق.
أغمضت ليلى عينيها،وضمّت سامي إلى صدرها،وقالت في نفسها:يمكن المرة دي أقدر أتنفس.
لم تكن الح*رب بالرص*اص هذه المرة،بل بالكلمات.
بدأ الأمر بمقال صغير على موقع إلكتروني محلي يحمل عنوانًا ساخرًا:معلمة في مدرسة النخيل متهمة بتزوير شهادات وتلقي أموال.
لم يُذكر اسم ليلى صراحة، لكن كل من يعرفها أدرك المقصود.
وفي اليوم التالي، انتشرت الصور، وتحوّل الهمس في الممرات إلى نظرات مليئة بالريبة.
حتى زميلتها الأقرب تجنبتها في الطابور الصباحي.
كانت تعرف من فعلها سامر.
لم يكن بحاجة إلى س*لاح فقط إلى نفوذٍ وكلمة.
ومع كل إش*اعة تنتشر، كانت ليلى تخ*سر جزءًا من نفسها.
في تلك الأيام، بدأ إياد يشعر بالارتباك.
الضغط من رؤسائه، والملفات التي تصل إليه عبر مصادر مجهولة كلها تتحدث عن تج*اوزات أخلاقية لليلى، وأدلة مزيفة تتهمها بالتلاعب في معاملات مالية لجمعية تعليمية.
بدأ الشك يتسلل إلى قلبه رغمًا عنه، لم يكن يريد أن يصدق، لكنه ضابط، والواجب يفرض عليه التحقيق.
ومع كل استجواب، كان يشعر أن المسافة بينه وبينها تكبر وأن صوته حين ينادي اسمها صار يحمل برودًا لم يعرفه من قبل.
أما ليلى، فقد كانت كمن تسير فوق الزج*اج.
تحاول أن تبدو بخير أمام الآخرين، لكنها حين تعود إلى شقتها، تغلق الأبواب والستائر وتجلس في الظلام.
كانت تشعر أن كل شيء فقد معناه المدرسة، الأصدقاء، حتى نفسها.
تحاول الاتصال بسامي، فيرفض كريم السماح لها بالتحدث.
أحيانًا كانت تسمع صوته من بعيد على الهاتف، لكنه لا يتكلم وكأن المسافة بينهما أكبر من عمرها كله.
وفي إحدى الليالي،انه*ارت تمامًا جلست على الأرض، أمام باب الغرفة المغلق، لم تأكل منذ يومين، صوتها مبحوح من كثرة البكاء.
فتحت ألبوم صورها مع سامي، تمرّ بأناملها على وجهه الصغير، وقالت بصوتٍ مك*سور:سامحني يا حبيبي أنا كنت ضعيفة، بس وعد مش هسيبهم ينتصروا.
لكن جسدها لم يحتمل أغ*مي عليها، وبقيت على الأرض حتى الصباح، حين وجدتها جارتها واتصلت بالإسعاف.
في المستشفى، كانت على سرير أبيض، أنابيب المصل تلتف حول يدها، وعينيها شبه مغلقتين.
إياد كان واقفًا عند الباب، صامتًا، وجهه مملوء بالن*دم.
قال له الطبيب بهدوء:
الست دي ما محتاجه دواء قد ما محتاجه أمان.
انه*يار عصبي ح*اد نتيجة ضغط نفسي لو استمر الوضع كده، ممكن توصل لمرحلة أخ*طر.
اقترب إياد ببطء من سريرها، نظر إلى ملامحها الشاحبة وقال في نفسه:غلطت لما شكّيت فيكِ وغلطت أكتر لما صدقت الناس قبلك.
ثم همس بصوت يكاد لا يُسمع:وعد مني يا ليلى المرة دي مش هسيبهم يدوسوا عليكي.
خرجت ليلى من المستشفى بعد أسبوعٍ بدا كأنه عام كامل.
المدينة كما هي، مزدحمة، صاخبة، لكن داخلها كل شيء مات.
كان إياد ينتظر عند الباب، يحمل ملفها الطبي ووجهه مليء بالذن*ب.
اقترب منها بخطوات مترددة، وقال بصوتٍ خافت:الحمد لله على سلامتك يا ليلى.
لم تردّ.
نظرت للأرض، ثم مرّت بجانبه دون أن ترفع عينيها، وقالت ببرودٍ هادئ يخفي ما بداخلها:أنا مش محتاجة مساعدتك خلاص، تعبت من الوعود.
وقف يراقبها وهي تبتعد، شعر أن بينهما ألف كلمة لم تُقال، لكنه احترم صمتها.
في بيتها، كان كل شيء على حاله إلا هي.
رائحة العطر الخافتة على الوسادة تذكرها بسامي، وصورته على الحائط تكاد تنطق.
جلست أمامها، لم تبكِ هذه المرة فقط نظرت إليه طويلاً وقالت:ما تخ*افش يا حبيبي ماما رجعت، وهتلاقيك.
بدأت تفتح هاتفها القديم، تدخل على كل رقم وكل رسالة، تبحث عن خيط يوصلها إليه.
جربت رقم كريم أكثر من مرة بلا جدوى.
ثم كتبت رسالة قصيرة ولم تُرسلها:سامي، ماما بتحبك. لو سمعت صوتي، بس قول إنك بخير.
ضغطت على إرسال وأغمضت عينيها.
مرت الأيام ببطء.
تحاول الخروج من البيت لكنها لا تستطيع.
الجيران بدأوا يتهامسون عنها، والمدرسة استبدلتها بمعلمة جديدة.
كل صباح تجلس عند النافذة، تنظر للشارع كأنها تنتظر شيئًا لا تعرفه.
في أحد الأيام، جاء إياد مجددًا، يحمل لها أكياسًا من الطعام ودواءها.
طرَق الباب، وبعد صمت طويل، فُتح الباب قليلًا.
ظهر نصف وجهها من خلفه، نظرة شاح*بة، متعبة.
قال بخفوت:مش جاي علشان أحقق ولا أتكلم عن الماضي أنا جاي أتأكد إنك بتاكلي.
ردت بجمود:أنا كويسة، ما تشيلش هم.
ثم همّت بإغلاق الباب، لكنه قال بسرعة:عرفت إن سامر وديلا لسه مش سايبينك في حالك وفي كلام إنهم بيجهزوا لحاجة تانية.
خلي بالك من نفسك.
سكتت، رفعت عينيها نحوه للمرة الأولى منذ أيام.
لو كنتَ صدقتني من الأول يا إياد، يمكن ما كنتش وصلت لكده.
ثم أغلقت الباب بهدوء، وتركته واقفًا في الممر، يشعر أن صوته لا يصل إليها بعد الآن.
في الليل، جلست ليلى وحدها، تقلب في الصور القديمة على الهاتف.
توقفت عند مقطع صوتي صغير لسامي، كان يقول فيه بصوته الطفولي:ماما، لما أكبر هبقى زيك، ما أخ*افش من حد.
دموعها سقطت دون مقاومة، وضمت الهاتف إلى صدرها كأنها تضمّه هو.
بس أنا اللي بخ*اف دلوقتي يا سامي بخ*اف أعيش يوم من غيرك.
لكن في اللحظة نفسها،وصلتها رسالة قصيرة من رقم مجهول:لو عايزة تشوفي ابنك روحي الميناء القديم بكرة الساعة 10.
رفعت رأسها ببطء، تنفّست بصعوبة،وفي عينيها لأول مرة منذ زمن اشتعلت ش*رارة صغيرة مزيج من الخ*وف والأمل.
الساعة التاسعة والنصف مساءً.
الريح القادمة من البحر تحمل رائحة الملح والصدأ، والضباب يلف الميناء كوشاحٍ رمادي يخفي كل شيء.
كانت ليلى تمسك هاتفها بيد مرتجفة، عيناها تتنقلان بين السفن القديمة وأضواء الميناء الخافتة.
خطواتها بطيئة، لكنها ثابتة.
لم تخبر أحدًا لا إياد، ولا حتى صديقتها القديمة التي اعتادت اللجوء إليها عند الأزمات.
اليوم، كانت وحدها تمامًا كما خُلقت.
الساعة عشرة.
همست لنفسها وهي تنظر للبحر،ثم فجأة، سمعت صوت خطوات تقترب من الخلف.
استدارت بسرعة رجل طويل القامة، ملامحه مألوفة رغم الظلام.
تجمدت الكلمات على شفتيها عندما تعرّفت عليه.
سامر؟!
ابتسم ابتسامة باردة، وقال وهو يقترب أكثر:اتأخرتي يا ليلى كنت متأكد إنك هتيجي.
تراجعت خطوة للخلف، تنظر إليه بارتباك ودموع في عينيها.
إنت اللي بعتلي الرسالة؟! فين سامي؟!
ضحك بخفة، تلك الضحكة التي تحمل وراءها نية خب*يثة:ابنك؟ آه هو بخير بس كنت محتاج أشوفك الأول.
رفعت صوتها بغضب مكتوم:إنت دم*رت حياتي، خدت مني كل حاجة عايز إيه كمان؟!
اقترب منها حتى كاد يلامس وجهها، وقال بصوتٍ باردٍ ق*اسٍ:عايزك تفهمي إن اللي بدأته مش هينتهي بسهولة أنتِ مش مجرد غلطة في الماضي، أنتِ ورقة بستخدمها.
تراجعت خطوة، قلبها يخفق بعن*ف.
يعني سامي عندك؟!
لم يجب.
رفع هاتفه وأراها مقطع فيديو قصير: سامي جالس في غرفة مظلمة، ملامحه متعبة لكنه بخير.
صرخت وهي تحاول أخذ الهاتف منه، لكنه أبعد يدها وقال بابتسامة جانحة:لو عايزة ترجعي ابنك هتعملي اللي أقولك عليه بالضبط.
دمعت عيناها، وصوتها خرج مرتجفًا:إنت مش إنسان!
قال ببرودٍ متعمد:أنا ابن الراجل اللي كنتي فاكرة نفسك تقدرِي تك*سريه أبوكي، صالح اليوسف، هو اللي بدأ اللعبة وأنا اللي هخلصها.
شهقت ليلى بصوتٍ مكتوم، تراجعت حتى اصطدمت بجدارٍ من الحاويات المعدنية.
إنت إزاي عرفت؟!
اقترب أكثر، وقال بهدوء مم*يت:أنا عارف كل حاجة، يا أختي.
سكتت لحظة، عيناها اتسعتا وهي تهمس بصوتٍ مبحوح:إيه؟! أختي؟!
ضحك بخفة وهو يبتعد قليلًا:نص أختي أبوكي كان كريم في العلاقات، صح؟
بس الفرق إنك كنتي بنت الحلال، وأنا كنت السر اللي خبّوه.
تقدمت نحوه، الدموع تسيل على خديها:ليه بتعمل كده؟ لو فعلاً أخويا ليه بت*ؤذيني؟!
قال بنبرة مليئة بالح*قد:علشانك السبب إن أمي مات*ت وأنا صغير، لما اختارك صالح اليوسف وتركنا.
من يومها وأنا بوعد نفسي إنك هتحسي بنفس الوج*ع.
وقبل أن ترد، سُمع صوت سيارات الشرطة وهي تقترب من الميناء، أضواؤها الزرقاء انعكست على وجهيهما.
نظر سامر حوله بحدة وقال سريعًا:مش وقته دلوقتي، بس اللعبة لسه ما خلصتش، يا أختي الصغيرة.
ثم اختفى وسط الظلال، تاركًا ليلى ترتجف في مكانها،
والبحر يصفّر بصوتٍ يشبه العويل.
كانت أصوات الموج ترتطم بجدران الميناء كأنها تحذر القادمين.
إياد كان يقف عند البوابة الحديدية، يراجع تقرير المكالمة الأخيرة التي تلقاها القسم من رقمٍ مجهول الموقع ذاته الذي شوهدت فيه ليلى قبل ساعات.
شيء ما في داخله كان يص*رخ بأن الأمر أكبر مما يبدو.
لقد رآها تتغير منذ اختفاء سامي، تذوب ببطء في عزلتها، لكنه لم يتخيل أنها ستذهب وحدها إلى هذا المكان.
فتح المصباح الصغير بيده وسار بين صفوف الحاويات، ينادي باسمها بصوتٍ خافت:ليلى لو كنتِ هنا، جاوبي.
لم يكن هناك سوى صدى البحر.
لكن حين مرّ بجانب إحدى الحاويات، لمح شيئًا يلمع
هاتفها!
التقطه بسرعة، وكانت الشاشة ما تزال تعرض الرسالة الغامضة:تعالي لوحدك، الساعة عشرة وإلا سامي هيدفع التمن.
تجمد الد*م في عروقه، أدرك أن الأمر لم يعد مجرد ته*ديد بل لعبة مدروسة.
وفي تلك اللحظة، سمع صوتًا خافتًا خلفه، التفت بسرعة ورأى ظلًا يختفي في الممر بين الحاويات.
ركض خلفه حتى وصل إلى زاوية الميناء حيث توقفت سيارة سوداء، لكنها كانت قد ابتعدت للتو وداخلها شخص يشبه سامر اليوسف.
وقف إياد يلهث، يهمس بغضبٍ مكتوم:دلوقتي فهمت يا سامر اللعبة دي ليها أصل.
في الطرف الآخر من المدينة،كان سامر يجلس في شقته الفاخرة المطلة على البحر، الضوء الخافت للغرفة يعكس ظلالًا على وجهه.
أمسك بكأس الماء ونظر إليه كأنه يرى ماضيه في انعكاسه.
على الطاولة أمامه صورٌ قديمة رجل أنيق في الثامنة والثلاثين من عمره صالح اليوسف يحتضن فتاة صغيرة بعمر السابعة.
تحت الصورة، أخرى لامرأة شابة بعينين حزينتين والدته م*مزقة من المنتصف.
تمتم بصوتٍ مبحوح:أمي وعدتك إنك هتشوفي حقك حتى لو من بعيد.
ثم قبض على الصورة بيده حتى تم*زقت أكثر.
دخل عليه أحد رجاله وقال بقلق:الخبر انتشر يا باشا، الشرطة اتحركت بعد بلاغ مجهول.
وليلى نجت المرة دي.
ابتسم سامر ببطء، عيناه تلمعان كوميض سك*ين:مافيش مشكلة دي لسه البداية.
اللي خدت مني أبوي، اللي خلّته ينساني، لازم تدفع تمن الاسم اللي بتحمله.
اقترب الرجل منه مترددًا:بس البنت دي ما تعرفش حاجة عن اللي حصل زمان، يمكن.
قاطعه سامر بصوتٍ ح*ادّ:مايهمش! الج*رح بيتوارث زَيّ الد*م وهي هتحس بنفس اللي حسّيته.
ثم اعتدل في مقعده، وأخذ هاتفه ليتصل برقمٍ مجهول.
نفذوا الخطوة التانية عايز كل وسائل الإعلام تتكلم عن فضيحة ليلى صالح اليوسف.
خليها تخسر اسمها زي ما أنا خ*سرت طفولتي.
في تلك الأثناء، كانت ليلى في غرفتها المظلمة داخل شقتها الصغيرة،
تجلس على الأرض، تحتضن معطف سامي وتبكي بصمت.
الستائر مغلقة، والضوء من الهاتف يضيء وجهها الشاحب.
رسائل الت*هديد تتوالى على شاشة هاتفها،لكن أكثر ما ي*ؤلمها هو رسالة واحدة بسيطة:ماما، أنا كويس بس مش هقدر أشوفك دلوقتي.
صوت ابنها جعلها تخ*تنق بالبكاء.
همست وهي تضغط الهاتف على صدرها:سامر، خدت مني كل حاجة، حتى نفسي.
وفجأة، رن جرس الباب.
تجمدت، ثم نهضت بخطوات مترددة وفتحت الباب
لتجد إياد واقفًا أمامها، ملامحه منهكة، لكنه بدا حازمًا أكثر من أي وقت مضى.
قال بهدوء، وصوته يخفي قلقًا عميقًا:كفاية هروب يا ليلى اللي بيحصل مش صدفة وسامر هو اللي ورا كل ده بس المرة دي مش هسيبه ي*ؤذيك تاني.
نظرت إليه بعينين دامعتين، همست بصوتٍ مبحوح:مش قادرة يا إياد خدت كل قوتي.
اقترب منها ووضع يده على كتفها برفق:يبقى دوري دلوقتي إني أرجّعها لك.
كانت تلك أول مرة منذ زمنٍ طويل تشعر فيها بالأمان.
صوت خافت لنبضات الساعة يقطع سكون الغرفة.
شعاع شمسٍ خجول تسلل من بين الستائر وألقى خيطًا ذهبيًا على وجهها.
فتحت ليلى عينيها ببطء، تتنفس بصعوبة كما لو أنها تعود من عمق حلمٍ طويل.
لكنها لم تلبث أن شهقت بخفة كان سامي نائمًا بجانبها، رأسه الصغير على ذراعها، يتنفس بعمقٍ وهدوءٍ طفولي.
لم تصدق عينيها في البداية.
مدّت يدها بخ*وفٍ لتلمس شعره، كأنها تخ*اف أن يختفي لو لمسته بقوة.
ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي نسيتها منذ زمن.
ضمّته إلى صدرها بقوة، همست بصوتٍ متقطع بين الدموع:رجعت لي يا روحي رجعت.
شعرت بدفء جسده الصغير يعيد إليها أنفاس الحياة،
لكنها لم تكن تعلم أن هذا الصباح سيحمل لها ض*ربة جديدة، أقسى من كل ما مضى.
نهضت بهدوء، اتجهت إلى المطبخ لتعد له الإفطار،
وفجأة، سمعت صوت إشعارات الهاتف يتوالى بلا توقف.
أمسكته بفضول، لكن ما إن فتحت الشاشة حتى تجمدت ملامحها.
عناوين الصحف والمواقع الإلكترونية تتصدر الشاشات فضيحة ليلى اليوسف ابنة غير شرعية لرجل أعمال راحل.
علاقة غامضة بين ليلى وضابط الأمن إياد بعد طلاقها!
والد الطفل يطالب باستعادته بعد ثبوت عدم صلاحية الأم نفسياً!
تسمرت مكانها.
الكلمات كانت كط*عنة في صدرها، لا تعرف من أين يبدأ الأل*م.
الهواء صار ثقيلاً، والدموع تسابقت على وجهها بلا توقف.
جلست على الأرض، تضم الهاتف إلى صدرها وتبكي بصوتٍ مكتوم.
تذكرت نظرات الناس، همساتهم، الماضي الذي لم ترتكبه لكنها تُعاقب عليه.
همست بصوتٍ مبحوحٍ وهي تحدق في السقف:كفاية وج*ع خلاص.
نظرت إلى سامي النائم، وجهه البريء يطفئ ن*ارها للحظة.
اقتربت منه، قبّلت جبينه وقالت بهدوء:هنبدأ من جديد يا ماما في مكان محدش يعرفنا فيه.
لم تحتج ليلى للوقت الطويل.
جمعت حقيبة صغيرة، وضعت بها أوراقها القليلة، بعض الملابس، وصورة قديمة تجمعها بابنها.
غيّرت رقم هاتفها، تركت شقتها خالية من أي أثر يدل عليها،ونظرت للمرة الأخيرة إلى النافذة التي شهدت دموعها الكثيرة.
ثم خرجت بهدوء، تحمل ابنها النائم على كتفها،وعند باب البناية، توقفت للحظة شعرت بشيء يخ*نقها في صدرها، كأنها تترك روحها وراءها.
لكنها مضت، دون أن تلتفت.
في المطار، جلست على المقعد تنتظر موعد الصعود للطائرة.
كان سامي مستغرقًا في النوم على حضنها،بينما هي تحدق من النافذة الزجاجية إلى الطائرات التي تقلع وتختفي في السماء.
همست بصوتٍ خافت:يمكن الرحلة دي تكون خلاص البداية الجديدة أو يمكن النهاية الهادية اللي كنت بدور عليها.
حين أعلنوا عن موعد الرحلة، نهضت، أمسكت بيد ابنها بإصرار،واتجهت إلى البوابة بخطواتٍ بطيئة لكنها واثقة.
لم تلتفت خلفها، لم تبحث عن وجهٍ تعرفه،فكل ما تركته خلفها لم يعد يعني شيئًا.
الطائرة أقلعت،والمدينة التي ع*ذّبتها تقلّصت شيئًا فشيئًا تحت الغيوم،حتى صارت مجرد نقطة بعيدة في الأفق.
أغمضت ليلى عينيها،وضمّت سامي إلى صدرها،وقالت في نفسها:يمكن المرة دي أقدر أتنفس.
