اخر الروايات

رواية ظلال متقابلة الفصل السابع 7 بقلم خضراء القحطاني

رواية ظلال متقابلة الفصل السابع 7 بقلم خضراء القحطاني


البارت السابع**ظلال متقابلة **
الساعة كانت تقترب من منتصف الليل، عندما تلقّى إياد اتصالاً من زميله في القسم:المكان اللي كانت ساكنة فيه ليلى فاضي الجيران بيقولوا إنها سابت الشقة من يومين.
تجمد مكانه.
ترك الأوراق من يده، واتجه بسرعة إلى السيارة،القَلق كان يخ*نق أنفاسه وهو يقود في الشوارع الخالية إلا من أنوار المصابيح الباهتة.
وصل إلى البناية وصعد الدرجات بسرعة.
الباب كان مفتوحًا قليلًا دخل بحذر.
البيت ساكن، صامت، وكأن الحياة انسحبت منه بهدوء.
في غرفة المعيشة، وجد حقيبة صغيرة فارغة على الأرض، وصورة مكسورة على الطاولة.
رفعها بيده، كانت تجمع ليلى وسامي ابتسم بخفة مؤلمة.
جلس على الكرسي، يمرر أصابعه على الصورة، ويتمتم:هربتِ من مين المرة دي يا ليلى؟ مني؟ ولا من الدنيا كلها؟
لكن قبل أن يغادر، لاحظ ورقة صغيرة على الطاولة، مكتوبة بخطها:أحيانًا الهروب مش ضعف بيكون نجاة.
أغمض عينيه، زفر بعمق، ثم قال بهدوءٍ حزين:بس النجاة دي من غيري مؤلمة قوي يا ليلى.
عاد إلى القسم صباحًا، لكنه فوجئ بقرار رسمي على مكتبه:إيقاف مؤقت عن العمل لحين انتهاء التحقيق في قضية سامر اليوسف.
كان سامر قد بدأ يحرّك نفوذه لت*شويه سمعته هو الآخر.
لكنه لم يهتم.
كل ما كان يعنيه هو أن يجدها، حتى لو اضطر لترك كل شيء خلفه.
في مدينة صغيرة هادئة على الساحل، كان النسيم يحمل رائحة المطر والبحر.
جلست ليلى على مقعد خشبي أمام شرفة شقتها الجديدة، ترتشف قهوتها وهي تنظر إلى سامي يلعب بقطع الخشب الصغيرة على الأرض.
وجهها بدا أكثر هدوءًا، لكن في عينيها ظلّ ح*زنٍ لا يختفي.
كانت تحاول أن تبدأ، أن تبني جدارًا من السكينة حولها،
لكن كلما سمعت ضحكة سامي، عادت لتتذكر خ*وفه وبكاءه تلك الليلة في الميناء.
اقترب منها سامي وقال بخجل:ماما، هنا هنعيش على طول؟
ابتسمت وربتت على شعره:أيوه يا حبيبي هنا بيتنا الجديد. محدش يعرفنا، ومفيش حد هي*أذينا تاني.
قال ببراءةٍ وهو يرسم خطوطًا على الورق:طب وبابا؟ وإياد؟
تجمدت للحظة، ثم أجابت بصوتٍ خافت:بابا عنده شغل كتير يا سامي وإياد بعيد دلوقتي.
لكن قلبها كان يت*مزق من الداخل.
كم تمنت أن تخبره الحقيقة أن إياد لم يكن مجرد غريب، بل الشخص الوحيد الذي حاول إنقاذهم جميعًا.
لكنها خاف*ت أن تُعيد له الخ*وف.
نهضت، سحبت الستائر، وقالت بابتسامةٍ مصطنعة:يلا نجهز للعشاء، النهارده نبدأ صفحة جديدة، ماشي؟
هز رأسه بحماس، بينما هي أخفت دمعة سقطت دون إذن.
في تلك الليلة،بينما كانت تغفو على صوت الموج، وصلها إشعار على هاتفها الجديد رقم غريب أرسل رسالة واحدة فقط:ظننتِ أنكِ بعيدة بما يكفي، لكن الماضي يعرف طريقه جيدًا.
شهقت بخ*وف، ضمّت سامي إلى صدرها.
الهواء في الغرفة صار ثقيلاً، والنافذة تُصدر صريرًا كأنه همس.
رفعت عينيها نحو السماء المظلمة، وهمست بصوتٍ مرتجف:يا رب مش عايزة غير الأمان.
في الوقت نفسه، كان إياد يجلس في سيارته على طريق السفر،يحمل ملفًا عليه اسمها وصورة قديمة لها.
عيناه على الطريق، وصوته الداخلي يردد:مهما اختفيتِ أنا هلاقيك.
في مكتبٍ فخم بأعلى برجٍ زجاجي يطل على المدينة،
كان صالح اليوسف يقف أمام النافذة،يداه خلف ظهره، ووجهه العجوز يحمل ملامح رجلٍ أنهكه الندم أكثر مما أضعفته السنوات.
دخل نادر، مدير مكتبه، بخطواتٍ مترددة وقال:باشا الأستاذ سامر مستني برا، بيقول لازم يقابلك فورًا.
لم يلتفت صالح، ظل يحدق في الأفق للحظات ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه حاد:خليه يدخل.
فتح الباب، ودخل سامر بثقةٍ مصطنعة، عينيه تلمعان بغض*بٍ مكتوم، وصوت خطواته يملأ الغرفة كأنه قادم للمعركة.
بابا قالها بابتسامة جانحة، واضح إنك كنت بتتابع الأخبار زَيّنا كلنا.
استدار صالح ببطء، نظر إليه نظرة ح*ادة مليئة بالخيبة.
عارف يا سامر؟ طول عمري كنت فاكر إن الط*مع ممكن يتحكم فيك بس ما كنتش متخيل إن الح*قد نفسه هو اللي هيأكلك.
تجمدت ملامح سامر للحظة ثم قال ببرود:أنا دافع عن اسم العيلة عن ش*رفنا اللي هي فض*حته! البنت دي ما تستحقش اسم اليوسف.
اقترب صالح منه خطوة بخطوة، صوته بدأ يرتجف بغضبٍ عميق:البنت دي أختك، سامر. من د*مي! واللي حصل لها كان بسببك بسبب جنونك!
ضحك سامر بخفة، تلك الضحكة التي تخفي وج*عًا عميقًا خلف الكبرياء:أختي؟! أختي اللي أمي م*اتت بسببها؟ اللي كنت بتبعتلها فلوس وتسيبني أتع*ذب أنا وأمي في بيت مهدود؟!
رفع صالح صوته لأول مرة منذ سنوات:كفاية! مامتك م*اتت بمرضها، وأنا غلطت لما بعدت عنكم بس مش هسمح لك تكرر غلطتي معاها!
اقترب سامر حتى صار وجهه أمام وجه أبيه تمامًا،
وقال بصوتٍ منخفضٍ مليء بالت*هديد:يعني دلوقتي بعد كل اللي عملته عشانك، هتختارها هي؟ بنت الخط*يئة؟
رفع صالح يده وص*فعه ص*فعة مدوية، جعلت الأوراق تتطاير من المكتب.
قال بصوتٍ غاض*بٍ ارتجف له الجدار:كلمة تانية زي دي عنها، والله يا سامر، أطلعك بره الشركة والبيت والاسم!
تراجع سامر وهو يضع يده على خده، ملامحه احمرّت من الغ*ضب.
إنت فعلاً اتجننت يا صالح اليوسف عشان بنت غريبة تهدد كل اللي بنيته؟!
اقترب منه والده بخطواتٍ بطيئة، لكن صوته كان ثابتًا كالسيف:مش بنت غريبة، دي بنتي ولو فتحت بُقّك عليها تاني، هقفل الشركة، وأسحب كل دعمي المالي، وأخليك تبدأ من الصفر زي الغرباء.
ساد صمت ثقيل.
سامر نظر إليه بعيونٍ تشتعل ن*ارًا،ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ يخن*ق الغيظ:هتندم يا صالح هتندم لما تعرف إنك بتحمي الشخص الغلط.
وغادر بخطواتٍ سريعة، الباب ارتطم خلفه بقوة حتى ارتجّ الزجاج.
بقي صالح وحده، جلس على الكرسي، وضع يده على جبينه وقال بصوتٍ مبحوحٍ يحمل وج*ع السنين:سامر يا ابني، ما كنتش عايز أوصل معاك للنقطة دي.
بس لو كان الثمن إنقذ بنتي، هادفعه بدون تردد.
نظر إلى صورة قديمة على مكتبه تجمعه بطفلة صغيرة،
ابتسم بحزنٍ وقال همسًا:استحملي شوية يا ليلى يمكن المرة دي أقدر أصلّح اللي ك*سرته بإيدي.
لم تكن المدينة الجديدة تعرف اسمها الحقيقي.
قدّمت نفسها باسمٍ مستعار في أوراق العمل، واستأجرت شقة صغيرة تطل على شارعٍ مزدحم في أطراف المدينة.
كانت ليلى كل صباح تُوقظ ابنها برفق، تلبسه سترته الصغيرة، وتوصله إلى المدرسة قبل أن تتوجه إلى مكانها الجديد مكتبة صغيرة في إحدى الجامعات، حيث تعمل مساعدة أمينة مكتبة.
كانت المكتبة عالمًا مختلفًا صامتًا، دافئًا، مليئًا برائحة الورق القديم التي تمنحها نوعًا من الطمأنينة الغريبة.
الطلاب يمرون بابتسامات عابرة، لا أحد يعرف قصتها، ولا أحد يسألها أكثر من اللازم.
كانت هذه أول مرة منذ سنوات تشعر أن الحياة يمكن أن تسير بهدوء، حتى لو كان قلبها محطمًا.
ذات صباح، بينما كانت ترتب رفوف الكتب، اقتربت منها طالبة شابة بابتسامة لطيفة:مدام ليلى، ممكن أساعدك؟ شكلك تعبانة شوية النهارده.
ابتسمت بخفة وقالت: تعب بسيط، شكراً يا سارة.
لكن خلف ابتسامتها كانت هناك حرب.
كل إش*اعة جديدة تظهر عنها على الإنترنت كانت تم*زقها من الداخل.
الصور المفبركة، المقالات المليئة بالأكاذيب، والاته*امات التي صنعها سامر ليكمل انت*قامه.
كانت تمسك هاتفها أحيانًا، تتردد في الاتصال بإياد، ثم تتراجع.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close