رواية حارة الربيع الفصل الخامس 5 بقلم خضراء القحطاني
البارت الخامس ~حارة الربيع ~
ياسين ينظر لهم لحظة، ثم يفتح باب العربة.
الهواء البارد يضرب وشّهم بس قلبهم دافي بالشجاعة.
يدخلوا الزقاق الضيق، وأقدامهم تتسلل وسط صمت قات*ل، كل واحد شايل روحه على كفه.
سلمى بتقف جنب الباب الحديدي، تدي إشارة بكوعها.
كريم يك*سر الباب بضربة قوية.
ص*رخة من جوّه، ناس بتجري، دخ*ان أبيض طالع، وريحه حش*يش تقيلة تضرب الوش.
واحد من العصابة بيطلع من جوّه ماسك طب*نجة، لكن سلمى بتسبق، تض*ربه في دراعه وتصفيه بسرعة، وتكبل إيده.
كريم بيلاحق شخص بيجري ناحيه السلم، ويقفله الطريق بحركة جسد جريئة، يوقعه أرضًا، ويشده من قميصه:كل ده عشان شوية باكيتات؟ بتبيع عمر عيال زيك؟!
في الدور التاني، ياسين يلاقي المعمل كامل أكياس، أدوات، ومراهق مربوط في زاوية، باين عليه مجبر يشتغل معاهم.
يفك وثاقه، ويبصله بحنان نادر:إنت خرجت من الن*ار ما ترجعش تاني.
بعد 30 دقيقة:الهواء بيرجع يمرّ المكان بقى هادي، والرجالة ربطوا كل أفراد العصابة، وتم التحفّظ على المواد.
كريم بيجلس على الرصيف، يخلع الخوذة، ويمسح العرق من جبينه.
سلمى واقفة، لسه قلبها بيدق، لكنها ما اتراجعتش لحظة.
ياسين واقف في منتصف الزقاق، ساجد لله شكرًا على النجاة.
ياسين، بصوت مبحوح، يقول لهم:الناس ما تعرفش عننا غير صورة في الجرايد لكن الحقيقة؟
إحنا بنعيش كل لحظة على الحافة
واللي بيحارب الشر مش دايمًا بينتصر،
بس عمره ما بيهرب.
الساعة كانت لسه تسعة الصبح، والشمس داخلة من شبابيك بيت الحاجة وداد، بتطبطب على الحيطان اللي حافظت أسرار العيلة دي سنين.
في الركن القريب من المطبخ، كانت وداد واقفة في وشّ البوتجاز، لابسة عبايتها الغامقة وطرحتها على كتفها، بتقلّب في طاسة الفول، وبتكلم نفسها:كده الطشة جهزت بس يا ترى سامي جه؟
أم نادين قالتلي هتجيب الفطير وهيام دايمًا تيجي آخر واحدة.
دخلت نجلاء، بنتها الكبيرة، وهي شايلة معاها طبقين: واحد بطاطس في الفرن، والتاني سلطة بلدي.
نجلاء وهي بتنادي:يالا يا ولاد قوموا سلموا ع تيتا، وكل واحد يحط فرشته جنب السفرة.
آدم الصغير وهو لسه نايم:بس يا ماما أنا لسه في الحلم، كنت باكل كنافة بالعسل!
ضحكت وداد وقالت:قوم يا عريس هو اللي بيحلم بالكنافة لازم يصحى يغسل وشه الأول!
السفرة اتمدّت على الأرض، والمفارش المفروشة بعناية ماما وداد كانوا شبه طقوس يوم الجمعة.
كريم، حفيدها، رصّ الكوبايات وهو بيهرّج:اللي يوقع كوباية، يغسل المواعين بعد الفطار!
هيام بضحك:يا ريت، كده نعرف مين المج*رم كل أسبوع!
دخل سامي، الأخ الأوسط، وهو شايل رغيفين عيش بلدي ولسانه سبق خطاه:أنا جاي بأكل الشعوب يا ست الكل!
وداد وهي بتبص له:هاه، وأم الشعوب؟ جت معاك؟
سامي:ورايا بخطوتين، بتحط الكُحل قالت لازم تدخل على الحاجة متوضبة.
ضحك الجميع، وجلسوا حوالين السفرة.
الأكل اتحط، والريحة غطت المكان فول بالشطة، فطير مشلتت، جبنة قديمة، وعسل أبيض نازل من البرطمان كإنه دهب.
وداد بابتسامة:قبل ما تأكلوا قولوا الحمد لله.
نجلاء:يا ماما، إحنا حافظين، بس انتِ بتحبي الطقوس دي.
وداد:أنا بحب اللي بيخلّي الجمعة مش زي أي يوم.
الستات انتقلوا على الكنبة الكبيرة، بيشربوا شاي النعناع، وكل واحدة ماسكة في إيدها شغل يدوي.
نجلاء بتطرّز منديل،هيام بتلف صوف،وداد بتعدّ خرز السبحة.
هيام بفضول:ماما تفتكري أيام زمان كانت أسهل؟
وداد وهي بتعدّ على صوابعها:أسهل في القلوب مش في الظروف.
كان الفقر كتير، بس الدفا كان دايمًا حوالينا.
كلمة طيبة، سلام من القلب، والست ما كانتش تدخل بيت حد من غير طبق فطير.
نجلاء:ودلوقتي؟
وداد:دلوقتي كل واحد عامل بيت لوحده بس الخير لسه بينا،طول ما في جمعة تلمّنا.
الرجالة كانوا في السطح، بيلعبوا كورة مع العيال.
سامي شاط الكورة فوق، ونادين صرخت:ده أنت هتك*سر السخان يا سامي!
سامي بيضحك:أهو نك*سر السخان أحسن ما ننك*سر جوا!
الظهر أذن، والكل وقف.
وداد قامت، مسكت مصحفها، وبصّت حواليها.
همست لنفسها:الحمد لله كل اللي بحبهم حواليا،
والبيت لسه فيه حياة.
كانوا لسه قاعدين بعد صلاة الظهر، الجو بدأ يهدى، والكل قاعدين ف القاعة الكبيرة، الشباب فاتحين المروحة والستات لِمين في الشاي.
الحاجة وداد قعدت على كرسيها اللي جنب الشباك، ضهرها مستند، وإيدها بتلف في السبحة، وبصت لولادها وحفيدتها اللي بيضحكوا ويسخروا من بعض كعادتهم.
لكن في لحظة، الجو اتغير.
هيام قالت بنبرة فيها مزاح، لكنها ج*رحت:هو كريم بقى بيشتغل بجد؟ ولا لسه شايف شغل البيت عيب؟
كريم متضايق:أنا مش عاطل يا هيام الشغل مش كل حاجة، واللي يفضل يلمّح بالكلام دايمًا بيكون ناقص.
نجلاء:يا جماعة، خلّونا ناكل العيش بالملح اللي بينا، مش نك*سره!
لكن الجو سخن، وصوت كريم علي، وسامي اتدخل، وقال بصوت عالي:كفاية بقى! في كل قعدة لازم حد يرمي كلمة، وناس تتضايق هو دا بيت العيلة ولا ساحة معركة؟
صوت وداد يرتفع لأول مرة
وداد ضربت الأرض بعصاها، وقالت بصوت فيه رعدة من الغضب والهيبة:اسكتوا كلّكم اسكتوا!
سكت الكل حتى الأطفال وقفوا اللعب.
عارفين ليه كنت بخلي الجمعة دي قعدة مقدسة؟
عشان نفتكر إن الد*م واحد، والرزق بيتقسم، والسيرة الحلوة أهم من الطبل والزفة.
إنتم كبرتوا، بس قلوبكم بقت صغيرة وكل كلمة بتوجّ*ع، وكل نظرة بتبني جدار بينك وبين أخوك.
أنا شفت أيام صعبة، كنت أطبخ في الطشت وأغرف بإيدي، ولا حد حس بالنقص.
وإنتوا دلوقتي تتع*اركوا ع شغل ومكانة؟
سكتت وبكت دمعة واحدة نزلت، لكن كانت تقيلة.
كريم قام، باس إيدها، وقال:حقك عليا يا تيتا أنا اللي قصرت.
أنا اتربيت في حضنك ودي القعدة اللي بترجعني بني آدم.
هيام:وأنا آسفة كنت بهزر، بس نسيت أوزن كلامي.
الحاجة وداد اتنهدت، ومسحت دمعتها، وقالت:تيجوا أقولكم حكاية؟ حكاية من زمان؟
كلهم قالوا: قولي يا تيتا!
حكاية من زمان كان في واحد اسمه عبد المقصود، جارنا كان فقير أوي، وبيته من طين، وولاده في مدارس الجيران.
بس لما مراته ولدت، جت ستات الحارة كلهم، من أغنى واحدة لأفقر واحدة، كل واحدة جابت لقمة، وشالوا معاه الولادة.
وبعد سنين عبد المقصود دا بقى صاحب سوبر ماركت،
عارفين أول ناس شغّلهم؟
ولاد الحارة اللي وقفوا معاه زمان.
وسكتت، وقالت:العيلة مش بس د*م، العيلة مساندة يا نكسبها يا نخ*سر نفسنا.
الجميع سكت، لكن الجو بقى أنضج.
ياسين ينظر لهم لحظة، ثم يفتح باب العربة.
الهواء البارد يضرب وشّهم بس قلبهم دافي بالشجاعة.
يدخلوا الزقاق الضيق، وأقدامهم تتسلل وسط صمت قات*ل، كل واحد شايل روحه على كفه.
سلمى بتقف جنب الباب الحديدي، تدي إشارة بكوعها.
كريم يك*سر الباب بضربة قوية.
ص*رخة من جوّه، ناس بتجري، دخ*ان أبيض طالع، وريحه حش*يش تقيلة تضرب الوش.
واحد من العصابة بيطلع من جوّه ماسك طب*نجة، لكن سلمى بتسبق، تض*ربه في دراعه وتصفيه بسرعة، وتكبل إيده.
كريم بيلاحق شخص بيجري ناحيه السلم، ويقفله الطريق بحركة جسد جريئة، يوقعه أرضًا، ويشده من قميصه:كل ده عشان شوية باكيتات؟ بتبيع عمر عيال زيك؟!
في الدور التاني، ياسين يلاقي المعمل كامل أكياس، أدوات، ومراهق مربوط في زاوية، باين عليه مجبر يشتغل معاهم.
يفك وثاقه، ويبصله بحنان نادر:إنت خرجت من الن*ار ما ترجعش تاني.
بعد 30 دقيقة:الهواء بيرجع يمرّ المكان بقى هادي، والرجالة ربطوا كل أفراد العصابة، وتم التحفّظ على المواد.
كريم بيجلس على الرصيف، يخلع الخوذة، ويمسح العرق من جبينه.
سلمى واقفة، لسه قلبها بيدق، لكنها ما اتراجعتش لحظة.
ياسين واقف في منتصف الزقاق، ساجد لله شكرًا على النجاة.
ياسين، بصوت مبحوح، يقول لهم:الناس ما تعرفش عننا غير صورة في الجرايد لكن الحقيقة؟
إحنا بنعيش كل لحظة على الحافة
واللي بيحارب الشر مش دايمًا بينتصر،
بس عمره ما بيهرب.
الساعة كانت لسه تسعة الصبح، والشمس داخلة من شبابيك بيت الحاجة وداد، بتطبطب على الحيطان اللي حافظت أسرار العيلة دي سنين.
في الركن القريب من المطبخ، كانت وداد واقفة في وشّ البوتجاز، لابسة عبايتها الغامقة وطرحتها على كتفها، بتقلّب في طاسة الفول، وبتكلم نفسها:كده الطشة جهزت بس يا ترى سامي جه؟
أم نادين قالتلي هتجيب الفطير وهيام دايمًا تيجي آخر واحدة.
دخلت نجلاء، بنتها الكبيرة، وهي شايلة معاها طبقين: واحد بطاطس في الفرن، والتاني سلطة بلدي.
نجلاء وهي بتنادي:يالا يا ولاد قوموا سلموا ع تيتا، وكل واحد يحط فرشته جنب السفرة.
آدم الصغير وهو لسه نايم:بس يا ماما أنا لسه في الحلم، كنت باكل كنافة بالعسل!
ضحكت وداد وقالت:قوم يا عريس هو اللي بيحلم بالكنافة لازم يصحى يغسل وشه الأول!
السفرة اتمدّت على الأرض، والمفارش المفروشة بعناية ماما وداد كانوا شبه طقوس يوم الجمعة.
كريم، حفيدها، رصّ الكوبايات وهو بيهرّج:اللي يوقع كوباية، يغسل المواعين بعد الفطار!
هيام بضحك:يا ريت، كده نعرف مين المج*رم كل أسبوع!
دخل سامي، الأخ الأوسط، وهو شايل رغيفين عيش بلدي ولسانه سبق خطاه:أنا جاي بأكل الشعوب يا ست الكل!
وداد وهي بتبص له:هاه، وأم الشعوب؟ جت معاك؟
سامي:ورايا بخطوتين، بتحط الكُحل قالت لازم تدخل على الحاجة متوضبة.
ضحك الجميع، وجلسوا حوالين السفرة.
الأكل اتحط، والريحة غطت المكان فول بالشطة، فطير مشلتت، جبنة قديمة، وعسل أبيض نازل من البرطمان كإنه دهب.
وداد بابتسامة:قبل ما تأكلوا قولوا الحمد لله.
نجلاء:يا ماما، إحنا حافظين، بس انتِ بتحبي الطقوس دي.
وداد:أنا بحب اللي بيخلّي الجمعة مش زي أي يوم.
الستات انتقلوا على الكنبة الكبيرة، بيشربوا شاي النعناع، وكل واحدة ماسكة في إيدها شغل يدوي.
نجلاء بتطرّز منديل،هيام بتلف صوف،وداد بتعدّ خرز السبحة.
هيام بفضول:ماما تفتكري أيام زمان كانت أسهل؟
وداد وهي بتعدّ على صوابعها:أسهل في القلوب مش في الظروف.
كان الفقر كتير، بس الدفا كان دايمًا حوالينا.
كلمة طيبة، سلام من القلب، والست ما كانتش تدخل بيت حد من غير طبق فطير.
نجلاء:ودلوقتي؟
وداد:دلوقتي كل واحد عامل بيت لوحده بس الخير لسه بينا،طول ما في جمعة تلمّنا.
الرجالة كانوا في السطح، بيلعبوا كورة مع العيال.
سامي شاط الكورة فوق، ونادين صرخت:ده أنت هتك*سر السخان يا سامي!
سامي بيضحك:أهو نك*سر السخان أحسن ما ننك*سر جوا!
الظهر أذن، والكل وقف.
وداد قامت، مسكت مصحفها، وبصّت حواليها.
همست لنفسها:الحمد لله كل اللي بحبهم حواليا،
والبيت لسه فيه حياة.
كانوا لسه قاعدين بعد صلاة الظهر، الجو بدأ يهدى، والكل قاعدين ف القاعة الكبيرة، الشباب فاتحين المروحة والستات لِمين في الشاي.
الحاجة وداد قعدت على كرسيها اللي جنب الشباك، ضهرها مستند، وإيدها بتلف في السبحة، وبصت لولادها وحفيدتها اللي بيضحكوا ويسخروا من بعض كعادتهم.
لكن في لحظة، الجو اتغير.
هيام قالت بنبرة فيها مزاح، لكنها ج*رحت:هو كريم بقى بيشتغل بجد؟ ولا لسه شايف شغل البيت عيب؟
كريم متضايق:أنا مش عاطل يا هيام الشغل مش كل حاجة، واللي يفضل يلمّح بالكلام دايمًا بيكون ناقص.
نجلاء:يا جماعة، خلّونا ناكل العيش بالملح اللي بينا، مش نك*سره!
لكن الجو سخن، وصوت كريم علي، وسامي اتدخل، وقال بصوت عالي:كفاية بقى! في كل قعدة لازم حد يرمي كلمة، وناس تتضايق هو دا بيت العيلة ولا ساحة معركة؟
صوت وداد يرتفع لأول مرة
وداد ضربت الأرض بعصاها، وقالت بصوت فيه رعدة من الغضب والهيبة:اسكتوا كلّكم اسكتوا!
سكت الكل حتى الأطفال وقفوا اللعب.
عارفين ليه كنت بخلي الجمعة دي قعدة مقدسة؟
عشان نفتكر إن الد*م واحد، والرزق بيتقسم، والسيرة الحلوة أهم من الطبل والزفة.
إنتم كبرتوا، بس قلوبكم بقت صغيرة وكل كلمة بتوجّ*ع، وكل نظرة بتبني جدار بينك وبين أخوك.
أنا شفت أيام صعبة، كنت أطبخ في الطشت وأغرف بإيدي، ولا حد حس بالنقص.
وإنتوا دلوقتي تتع*اركوا ع شغل ومكانة؟
سكتت وبكت دمعة واحدة نزلت، لكن كانت تقيلة.
كريم قام، باس إيدها، وقال:حقك عليا يا تيتا أنا اللي قصرت.
أنا اتربيت في حضنك ودي القعدة اللي بترجعني بني آدم.
هيام:وأنا آسفة كنت بهزر، بس نسيت أوزن كلامي.
الحاجة وداد اتنهدت، ومسحت دمعتها، وقالت:تيجوا أقولكم حكاية؟ حكاية من زمان؟
كلهم قالوا: قولي يا تيتا!
حكاية من زمان كان في واحد اسمه عبد المقصود، جارنا كان فقير أوي، وبيته من طين، وولاده في مدارس الجيران.
بس لما مراته ولدت، جت ستات الحارة كلهم، من أغنى واحدة لأفقر واحدة، كل واحدة جابت لقمة، وشالوا معاه الولادة.
وبعد سنين عبد المقصود دا بقى صاحب سوبر ماركت،
عارفين أول ناس شغّلهم؟
ولاد الحارة اللي وقفوا معاه زمان.
وسكتت، وقالت:العيلة مش بس د*م، العيلة مساندة يا نكسبها يا نخ*سر نفسنا.
الجميع سكت، لكن الجو بقى أنضج.
