رواية اميرة الاراضي السبعة الفصل الرابع 4 بقلم سارة القرغولي
أميرة الأراضي السبعة
الفصل الرابع
ابتسمت موريكو وقالت: جميعنا نحب ورود الليلك! لكنك ايتها الاميرة تعشقينها!
ردت رافينا: الورود تذبل أولا واخراً! لكن لماذا تقومين برميها في ماء النهر الجاري بعد ذبولها؟
فقالت زينون تنظر للحقل: كي تعود للطبيعة! مثلما جاءت من الطبيعة تعود اليها!
بعدها حان وقت عودتهن الى القلعة، ركبن العربة التي انطلقت بهن في الطريق، كانت زينون تنظر عبر فتحة في العربة الى الجبال الشاهقة والغابات المحيطة ومن بعيد لمحت حافات النهر الأسود، فخفق قلبها وسرت رعشة في اوصالها وهي تراه من بعيد كأنه بقعة موت تلونت باللون الأسود، ثبتت عينا زينون عليه بخوف يشوبه فضولٌ شديد
ظلت زينون طوال اليومين التاليين تفكر بالنهر الأسود وتذكرت انها كانت تسمع الكثير من القصص عنه في طفولتها لكن لم يسبق لها ان زارت تلك المنطقة، لذلك عقدت العزم على الذهاب الى هناك بدون علم أحدا وخصوصاً رافينا التي ممكن ان تبدأ بالبكاء والعويل اذا عرفت انها تفكر بالذهاب الى هناك
في اليوم الثالث كان هناك احتفال في المملكة، احتشد الناس يباركون ويهتفون باسم الملك الذي سار برفقة زوجته الملكة حتى وصلا منصة الاحتفال، صعدا السلالم الحجرية واتخذا مكانهما بينما تبعهما ابنهما الأمير كايال وزوجته الاميرة ميا وابنائهما الأربعة وقد تنوعت أعمارهم فقد كان اكبرهم يبلغ العشرة أعوام والاخرين نزولاً ثم تبعتهم الاميرة بالميرا لكن الاميرة زينون تأخرت بالحضور
صعدت زينون باستعجال الى العربة وقد ادركت انها تأخرت كثيراً، برفقتها موريكو ورافينا وكن يرتدين رداءاً طويلا بلون غامق ويضعن قطعة غطاء الرأس على رؤوسهن لاخفاء معالمهن بسبب السير وسط العامة من الناس، انطلق السائق بالعربة متجهين الى منصة الاحتفال فقالت رافينا بانزعاج: لن نصل في الموعد المحدد! تأخرنا كثيراً!
ناولت زينون قطعة من الورق الى موريكو وقبل ان تقول اقرأي انتفضت رافينا بحنق تقول: ايتها الاميرة! الا يكفي اننا تأخرنا والقلق ينهشنا ! الان ستجعليننا نسمع صوت موريكو خلال الطريق!
التفتت موريكو تنظر لها محدقة وتقول: وما به صوتي؟!
ابتسمت زينون تكتم ضحكتها واخفضت يدها وقررت ان تقرأ الورقة بنفسها بينما يصلون للاحتفال
بعد مدة ليست بالقليلة توقفت العربة عند المكان المقصود فطوت زينون الورقة وتطلعت الثلاثة وهن داخل العربة نحو المنصة والحشود متجمهرة هناك، ابتلعت زينون ريقها بارتباك وعيناها تتجول بين حشود الناس المتجمهرين امام المنصة وهم ساكنون يتطلعون بوالدها الملك اركاد وهو يلقي خطابه عليهم، فقالت رافينا وعيناها على الملك: هيا اميرتي، لتنضمي الى والدك!
ارتبكت زينون فبللت شفتيها وهي تشعر بالتوتر ثم فلتت من بين شفتيها بهدوء وعيناها على المنصة: لا!.. لا استطيع!
تحولت انظار رافينا وموريكو اليها غير متأكدتان ممّا سمعتاه فقالت رافينا بعدم فهم: ماذا؟!
دققت زينون النظر ثم قالت بتأكيد: لا استطيع! لقد فات الوقت كي انضم لهم! كيف سأشق طريقي بين كل هؤلاء الناس! سأشعر بالارتباك والحرج! لا استطيع رافينا!
فهمت رافينا موقف زينون وما تشعر به ولم تشأ الضغط عليها لكن موريكو قالت: ايتها الاميرة، سيغضب والداكِ الملك المعظم كثيراً وقد يقع علينا اللوم ايضاً!
نظرت لها زينون ويبدو انها لم تملك ما يمكن قوله وقد احكمت قرارها ولا رجعة فيه فقالت رافينا تختم الامر: سأنادي على السائق ليعيدنا الى القلعة
نادت رافينا تأمر السائق بالعودة الى القلعة وبينما استدارت العربة عائدين في طريقهم كانت زينون تنظر الى عائلتها واقفين وجماهير الناس تهتف حباً وتحيةً لهم
بينما سارت العربة عائدة للقلعة القت زينون نظرة على الأسواق العامة التي كانت تحوي القليل من الباعة وافراد موزعين هنا وهناك يتجولون في الطرقات في تلك الساعة من النهار، ففكرت : لا اتخيل انني ممكن ان امشي بشكل طبيعي بين العامة! نشأتُ خلف جدران القلعة ولعبتُ وسط الحقول لكنني لم اجرب يوماً ان اختلط بهم او احدثهم كأنني واحدة منهم! هل يا ترى هذا تقصير مني ام خطأ في الطريقة التي نشأتُ بها؟!
في طريق العودة كانت زينون تشعر بنوع من التقصير والخذلان التفتت تنظر عبر نافذة العربة فلاحظت انهم يقتربون من حقل ورود الليلك فاشرقت الابتسامة في روحها وقالت: لنتوقف قليلا عند الحقل!
توقفت العربة فنزلت زينون تتبعها رافينا وموريكو، القت الشمس اشعتها الدافئة عليهن فاستنشقت زينون عبير الورود بارتياح ونشوة ثم بدأت تقطف باقة من الورود بينما كانت رافينا جالسة على العشب تراقب وموريكو تساعد زينون
عند عودتهن الى القلعة اختارت زينون ان تتفرغ لكتابة بعض الخواطر، فاخذت باقة الورود التي قطفتها ووضعتها في الوعاء المخصص لها، ثم تناولت القلم والحبر وفردت الورق على المتكأ المخصص للكتابة وبدأت تكتب وسط أجواء من السكينة والهدوء، لا تعرف كم استغرق الامر من الوقت لكنها غفت وهي تكتب ولم تنتبه الا على صوت رافينا تصحيها بصوت هامس: ايتها الاميرة!... ايتها الاميرة!
جفلت زينون وفتحت عيناها ورفعت رأسها بوجهٍ ناعس فقالت رافينا تشجعها: انهضي يا ابنتي! والدكِ الملك يطلب رؤيتكِ على الفور!
عرفت زينون انه سيؤنبها لانها لم تحضر برفقتهم وعرفت ان الامر ليس سهلاً من الارتباك الواضح على رافينا وهي ترتب الاورق وتحاول ان تشغل نفسها وتتحاشى النظر اليها، نهضت زينون وهي تجر اطراف ثوبها وسارت خارج جناحها متجهة للقاء والدها الملك
كان والدها واقفاً وهو يتحدث، يشبك ذراعيه خلف ظهره أحيانا ينظر حوله ثم يعاود النظر لها، كان كلامه بصوتٍ هادئ كي لا يخيفها او يجرحها فهو يعلم كم هي رقيقة حساسة فكان يحاول إيصال الفكرة لها بهدوء لا عقابها اوتأنيبها، بينما كانت والدتها الملكة جالسة تسدد لها نظرات متوعدة فعرفت انها تحتفظ لها بكمّ من العتاب القاسي
قال والدها: انتِ الاميرة الكبرى لهذه المملكة وانتِ الابنة البكر لي! انتِ الفرحة التي هلّت على قلبي في احلك فترات حياتي! لذلك لن انكر ابداً مقدار السعادة التي سكبتها في قلبي وانتِ قطعة وردية صغيرة بين يدي هاتين!
لكن يا ابنتي فاتكِ اليوم تجمع مهم، كان ينبغي تقديمكِ بشكل رسمي على انكِ الاميرة الكبرى للمملكة!... انا اعلم جيداً مدى بساطتكِ وتصلني اخبار انكِ اثناء سيركِ بالعربة توزعين الطعام على الفلاحين المتواجدين على الطريق! وهذا امر غاية في الاحسان والكرم، لكن ماذا عن هيبتكِ كأميرة؟!...
كانت واقفة وهي مخفضة رأسها للاسفل فرفعت راسها تنظر لوالدها ولم تملك ما يمكن قوله فتابع: ممكن ان يحبكِ العامة وان يلوحوا بأيديهم لكِ وقد يهتفوا بأسمكِ!! لكن يجب ان يهابوكِ ويخافون منكِ ويحترموكِ! ان لم تصنعي مكاناً لكِ امامهم سيدوسون عليكِ بأقدامهم!
رفعت زينون عيناها تنظر الى ابيها وهي مدركة تماماً لما يقوله وتعلم جيداً مدى تقصيرها فتابع والدها: صحيح انكِ لن تتولي الحكم ولن تعتلي عرش المملكة لكن يجب ان تكسبي احترام العامة وتحوزي على اهتمامهم وبالنسبة للعائلة الملكية هذا يتم فقط عن طريق الكبرياء والهيبة لا الطيبة والتواضع!!... هل تفهمين يا ابنتي؟!
نظرت زينون نحو والدها وهزت رأسها ايجاباً وقالت بهدوء: افهم والدي الملك وسأتصرف من الان وصاعداً كما علمتني وبما تأمرني!
التكملة في الفصل القادم
