رواية هي والدنجوان الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم اسراء محمد
32=قبل الاخيــــــر من الجزء الاول =
٣٢- العودة /
بسم الله
أوقفت "مها" صديقتها التي دنت من الباب وعانقتها قائلة :
- حافظي على نفسك "لانا" .
والدة "مها" : لا تجعلي السفر ينسيك زيارتنا .
لانا : أعدك يا أمي .
تبسمت بصعوبة وفتحت الباب ..
مها : "لانا" !
عقبت بصوت منخفض :
- ألا يمكنك العودة ل"فهد" ؟ أراك بالغت في ظلمه وظلم نفسك .
تنهدت الأخيرة وقالت :
* هو من ظلمني ، وظلم الأحبة كالطعنة لا تشفى بسهولة .
- ويبقى الحب خير شفاء لها ، أخبرتيني عن اشتياقه لك آخر مرة رآك بها ، كما أنني أرى بعيناك اشتياقا لا حدود له !
* بالأخير لن أتزوج شخص قلبه معلق بغيري .
- على كل أتمنى لك السعادة .
شكرتها "لانا" وانصرفت حيث فيلتها لجمع أشياء السفر ، صدر رنين جوالها المنسي داخل الغرفة .. أجابت على والدتها :
- أمي كيف حالك اشتقت لك .
* "لانا" أخيرا الحمد لله ، أنت بخير ؟!
- أجل ما بال صوتك أتبكين ؟!
* أخبر أحد الذين فصلهم والدك من العمل بأنه انتقم منه عن طريقك ومنذ الحين ونحن نتصل بك ولا تجيبين حتى أصابت والدك الأزمة ومنعتنا من السفر إليك .
- وكيف حاله الآن ؟؟
* أخبرني الطبيب بتحسنه هو الآن نائم .
- أخبريه أنني بخير سأسافر حالا إليكما .
وضعت الهاتف بجيبها وجمعت أشياؤها بسرعة ثم خرجت من الفيلا بعد إحكام غلق منافذها لتفاجأ بمن قابلها وقد أخفى يديه خلفه !
**
جاورت "روفان" والدتها أثناء مشاهدة التلفاز لتسألها سؤال مفاجئ :
روفان : ماذا ستسمين أخي الجديد ؟
جلنار : ماذا تظنين سوى "زيد" ؟
روفان : لربما يود سيد "مالك" اسم آخر!
جلنار : "مالك" أول من وافقني عليه .
صدر رنين هادئ لتنظر "جلنار" جهة الباب قائلة :
- ها قد أتى .
فتحت "روفان" الباب ثم صمتت لبرهة قبل أن تسأل الشاب الأشقر الذي قابلها بعلبة شيكولا كبيرة :
* نعم ؟
- هلا سمحتِ لي بالدخول ؟
* مَن حضرتك ؟!
- يبدو أنكِ العاملة الجديدة .
* أنت محصل الكهرباء ؟
- محصل الكهرباء يحمل شيكولا ؟!
* والعاملة ترتدي ثوب منقوش ؟!
- من أنتِ ؟!
* بل من أنت ؟!
أتت "جلنار" تسأل :-
¤ من الطارق "روفان" ؟!
- لا أعلم حقا !
¤ "ياسين" ؟ أهلا وسهلا تفضل !
دلف "ياسين" وهو ينظر ل"روفان" لتتعجب بدورها !
جلنار : اجلس بني "مالك" قارب على الوصول .
ياسين (مقدما العلبة لها) : مبارك لحضرتك الحدث السعيد ، أتمنى سلامتك في الحمل والوضع .
جلنار (أثناء استلام العلبة) : سلمت يداك ، أتمنى أن يكن "زيد" بأخلاقك وخلقك .
ياسين : اخترتم "زيد" إذا ، اسم جميل لصحابي جليل .
جلنار : دقيقة واحدة .
دلفت المطبخ لتحضير العصير وإذا ب"روفان" تهمس لها :
- من "ياسين" هذا ؟
¤ انه ابن "مالك" من زوجته الراحلة ، قمة في الأخلاق والتدين فهو لا يزال يبر والده ويزوره على عكس بقية إخوته .
- لماذا لم تخبرينني من قبل ؟!
¤ هههههه يبدو أنكِ تحدثتِ معه بجفاء .
- ماذا أفعل الآن ؟!
¤ اذهبي له بالعصير فقط !
- فقط ؟!
¤ أجل .
(بإبتسامة ثقة)
قدمت له "روفان" العصير لتتحدث "جلنار" من خلفها :
¤ أقدم لك "روفان" ابنتي ، لم تكن تعلم أنك ابن "مالك" .
ياسين (مبتسما) : لا بأس بدت لطيفة على العموم .
روفان (بخجل) : تسخر ؟
ياسين : ههههه كلا ، أنا أيضا لم أكن أعلم أن لسيدتي فتاة تشبهها لهذا الحد .
أصدر الجرس رنينه ففتحت "روفان" ليلقي "مالك" عليها التحية ..
روفان : تفضل ، إبن حضرتك بإنتظارك .
**
عاد "فهد" من عمله وعاد "رسلان" من ديلي فأخذ الإثنين يتحدان بعضهما على جهاز (البلاى ستيشن) في لعبة كرة القدم حتى عادت "أريج" من جامعتها ..
أريج (وقد اقتحمت عليهما المكان) : أجزم أنكما أطفال .
فهد : جول جول جوووول التعادل هههه.
رسلان (وهو يقذف بالذراع) : ليتك ما دخلت "أريج" .
أريج (تصيح بهما) : هلا تناولنا الغداء ﻷنني جوعانة ؟!
اجتمع الأخوة الثلاث على مائدة الغداء ليسأل "فهد" كل من اخوته عن يومه ، آجابت "أريج" ضاحكة :
- أثناء شرح الدكتور استأذن أحدهم ودلف فانقطع النور ، أعطى لزميله كراس وذهب ليعود النور في الحال ، كان الموقف مضحكا .
رسلان : حمدا لله أنه لم يطيل التواجد وإلا تصدعت جدران القاعة !
فهد : ههههه وأنت "رسلان" كيف كان يومك ؟
رسلان : عرض على اليوم بالشركة أن أغني بعرس لكنني رفضت .
أريج : لماذا ترفض ؟!
رسلان : لا أريد الغناء عن الحب مجددا .
فهد : سأقول لك شيئا تعلمته يا أخي ، الحياة فرص .. فرصة تذهب وتأتي غيرها وفرصة تجعلك تندم عليها بقية العمر فلا تضيع أى فرصة بحياتك ﻷنك لا تدري إن كنت ستحصل على غيرها يوما .
أريج : "فهد" معه كل الحق ، يجب أن تهزم همك ولا تجعل له سلطان عليك ، إن أتاك عرض آخر فاسمح لذاتك بالتجربة !
أومأ الأخير بصمت قطعته احدى الخادمات بقول :
- هناك سيدة بالخارج تسأل عن سيادتكم .
فهد : ما اسمها ؟
- لم تذكر .
رسلان : وماذا تريد ؟
- رؤية سيادتكم !
نظر الثلاثة لبعضهم قبل أن يسمحوا لها بالدخول ..
دلفت سيدة نحيلة متأنقة الثياب انسدل شعرها الخفيف من أسفل قبعة سوداء ، تأملها الأخوة قبل أن ترفع رأسها ببطء .
أريج : من أنتِ ؟!
اكتفت المرأة بنزع نظارة الشمس عن عينيها ليقع فك "أريج" أرضا !!
**
توقفت "لانا" عن السير لحظة انطلقت تكمل خطواتها بعدها ليتحدث "عمر" :
- أنا الشخص الذي قام والدك بفصله عن العمل فانتقمت منه عن طريقك .
توقفت عن السير ليردف :
- كنت أنوي أن أفقدك صوابك وخطيبك وعملك ، ساعدتني الظروف ببعض الأمور ، سبقت النتائج ما كنت سأكمله .
التفت له بدورها ليتأمل تعابير وجهها ويقترب منها مردفا :
- لست شبحا ولا اسمي "عمر" ولم أرتبط بأى فتاة يوما .
حررت "لانا" الحقيبة من يدها لتعانق الأرض ، سألته بصوت يكاد يسمع :
¤ كيف أخبرني الضابط بوفاتك وكيف لم يعثر عليك ؟!
- هذا الضابط هو أخي .
¤ كل شئ كان مدبر ؟!
- بالأخير أتمنى أن تسامحينني فوالدك هو من فعل بك هذا ولست أنا .
مرت برهة صمت تحدثت بها النظرات لتنطق "لانا" آخيرا بمقت :
¤ لن أسامحك أبدا .
انطلقت من أمامه ليلحق بها قائلا :
- أهذا كل شئ ؟!
¤ ماذا انتظرت أن أصفعك أن أصرخ بوجهك أو أتوعد لك ؟ وقتي أثمن من أن أضيعه مع شيطان مثلك كما لدى ما هو أهم منك .
(أثناء السير)
- "لانا" إن كنت شيطانا لما واجهتك بالحقيقة وطلبت منك السماح !
¤ بالأخير لست أدمي ، سأتركك لضميرك وللأيام فانتقامهما أشد من انتقامك .
أسرعت من خطواتها ليقف الأخير مطرقا رأسه أرضا ، ما لبث أن رفعها نحوها وقال:
- سأعرف كيف أجعلك تسامحينني .
**
(رقت عيناى شوقا ولطيبة زرفت عشقا فأتيت إلى حبيبي فاهدأ يا قلب ورفقا صل على محمد ..)
اهتز جوال "ياسين" مرددا الأغنية الدينية ليجيب بقول :
- سلام عليكم .
(صوت امرأة) : أذهبت تبارك لزوجة "مالك" ؟!
- أجل .
* هل جننت ؟! تزوج بعد خروجه من المصحة غير آبها لوفاة والدتنا ولازلت تزوره بحجة الإطمئنان عليه فلم نكترث ،أما أن تذهب إليه بعد حمل امرأته أيضا فتلك إهانة لنا قبل أن تكن لك يا أحمق .
- تأكدي أنني أعرف الصواب من الخطأ .
* أنت لن تعلمه حقا إلا بعد زواجك ، فالفراغ يجعلك لا تميز بين الحرية والفوضوية .
أغلقت الخط بإنفعال ليتنهد بدوره .
مالك : "منى" ؟
ياسين : ههه كانت تحدثني بأن أتزوج وأشياء من هذا القبيل .
مالك : أول مرة تحدثك بحكمة ، أنت حقا تنقصك زوجة صالحة .
ياسين (بضحكة) : إن وجدتها لي سأكون شاكرا ، على الإستئذان .
رحل ليسأل "مالك" زوجته :
- ما رأيك ؟
جلنار (أثناء النظر لإبنتها) : الرأى يعود للعروسة .
روفان : أتحدثينني ؟!
جلنار : لن يقلل مرارة نبأ وفاة أخيك بحلقي سوى زواجك "روفان" ، فها أنت عروس جميلة و"ياسين" شاب صالح تتمناه أى فتاة !
روفان : لكن يا أمي .. .
قطعت جملتها حين أشارت "جلنار" لها خفية نحو "مالك" الذي نظرت إليه "روفان" لترى مدى اشتياقه لموافقتها على الزواج من ولده .
جلنار : لكن ماذا ؟
روفان : لا شئ .
مالك (بفرحة) : أى موافقة ؟؟
ساد الصمت لتقطعه آخيرا بقول :
روفان : أجل .
**
تسارعت أنفاس "أريج" في حين أكتفى الأخوين بالتحديق في المرأة التي سال الدمع من عينيها وهى تغمغم :
- إفتقدكم كثيرا أبنائي ♡
رسلان (بألم) : ما الذي أتى بك بعد كل هذا الغياب ؟! أتوفى زوجك أم تزوج عليك ؟؟
أمسك "فهد" بذراع أخيه لتحدثه :
- دعه فهو محق ، أستحق هذا وأكثر .
أريج (وهى تبكي) : نحن أيضا افتقدناك كثيرا ، لماذا تركتيننا بعد وفاة والدنا ؟
- أردت تخطي أزمة الوفاة بأى شكل ، تركني بسن صغيرة لم أكن أدرك بعد معنى المسئولية ورعاية الأولاد ، أغراني السفر والمال ومتاع الحياة ، أنا لم ألوث إسم زوجي بفعل محرم بل حفظته بزواجي كما ينص الشرع ! تركتم ولم أنساكم يوما .. تطلقت من زوجي الخائن وبقيت حائرة في العودة إليكم لسنوات حتى هزمني اشتياقي ووجدت ذاتي أمتثل أمامكم ، طلبت من الله رؤيتكم فقط وبعدها فاليكن ما يكون ، أعلم أنني أم سيئة لكنني بالنهاية أم .
دفنت رأسها أرضا ليحدثها ولدها الأكبر :
فهد : غفر الله لك يا أمي ، مرحبا بك على كل حال .
رفعت رأسها إليه بإبتسامة دافئة وقالت بنبرة حنين :
- أصبحت رجلا يافعا "فهد" ، وأنت يا "أريج" تغيرت ملامحك كثيرا لكنها لا زالت محتفظة بطفولتها ، "رسلان" .. كنت الأكثر تعلقا بي .
دنت منه ليذهب تاركا إياها مع أخويه ، علقت نظرها عليه ليربت "فهد" على كتفها قائلا :
* سيعتذر لك بعد قليل .
التفت له بشجن وقالت :
- حدثني عن حالكم "فهد" ، احكي لي يا "أريج" كل ما حدث منذ أن تركتكم .
شرع الأخوان بسرد كل شئ لوالدتهم التي صمتت طويلا قبل أن تقول :
- سأعمل على تصحيح خطئي بحقكم سأساعدكم إن سمحتم لي بالبقاء معكم مدة أطول .
أريج : ما هذا الكلام يا أمي ؟ أتنوي الرحيل مجددا ؟!
فهد : تلك المرة لن نجعلك تبتعدي عنا ثانية .
- إعطني عنوان "لانا" على الذهاب لها فورا .
فهد : حقا ؟ انتظري سآتي معك .
أريج : وأنا أيضا ، سأخبر "رسلان" .
- بل سأصعد إليه بنفسي .
طرقت الوالدة الباب ثم فتحته ، نظر إليها "رسلان" وتبسم لتقابله قائلة :
- أسامحني المطرب المحبوب ؟
نهض وعانقها قبل أن يجيبها :
* بل سامحيني أنت يا أمي .
**الحمد لله
انتظـــــــــروا الأخير
