اخر الروايات

رواية لن افلت يدك الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة تقي حامد

رواية لن افلت يدك الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة تقي حامد




                                              
نازل بدري تعويضًا عن التأخيرات السابقة♥

+


________________________

+


انتهت سمر من بعض إختباراتها، وجاء عيد الأضحى فأخذت إجازة لذلك، ثلاثة أيام وبعدها ستعود لآخر إختباراتها، وفي هذا اليوم كانت زينات بالمطبخ ودخلت آسيا عليها لتشرب ماء، فتأففت بقرف ووضعت كفها على أنفها هاتفة باشمئزاز:
-إيه الريحة المقرفة دي!

2


ضحكت زينات بمرح وهتفت:
-دي اللحمة، عجوزة دبحت انهاردا وجابتلنا.

+


خرجت من المطبخ سريعًا مشمئزة، فوجدت سمر بالخارج تدرس، ثم رن الجرس فذهبت لتفتحه، لتصطدم بعجوزة تقف أمامها بجسدها الضخم تسد عليها الطريق، فازدردت لعابها بخوف وظلت تنظر إليها بتوجس، فصاحت فيها بخشونة:
-إيه يا بت هتفضلي تبحلقي فيا كدا، وسعي.

+


تنحت آسيا جانبًا فدخلت عجوزة، جلست بجوار سمر وربتت على عضدها بخشونة:
-شدي حيلك يا بت، ارفعي رآسنا

1


ابتسمت لها سمر بارتباك، بينما نظرت عجوزة لآسيا من أعلى لأسفل بحاجب مرفوع ونظرات ثاقبة، سرعان ما هتفت:
-خشي يا شاطرة ناديلي حماتك.

+


عقدت آسيا حاجبيها بغضب:
-أنا مش شاطرة ولا بت، أنا آسيا الجوادي، مش كل حد يكلمني ينسى اسمي!

1


توسعت عين عجوزة، وأشارت على نفسها:
-بتزعقيلي يا بت؟

+


دبدبت على الأرض بتذمر:
-أنا مش بت!

+


خرجت زينات على أثر الصوت، ورأت المعركة التي على وشك الاندلاع، فوقفت بينهما تمنع ذلك بقولها:
-نورتي يا اختي نورتي.

+


أشارت عجوزة على آسيا بغلظة:
-البت المبقعة دي بتزعقلي!

+


ربتت زينات على صدرها هاتفة:
-معلشي يا اختي عيلة مش فاهمة حاجة.

+


صاحت آسيا باحتجاج:
-بطلوا تهزقوني كدا!

+


انتفضت عجوزة واقفة وصاحت بشراسة:
-لأ دي عايزة تتربى بقا، وربنا لا أنتف شعرها شعراية شعراية.

1


واقتربت لتنال منها، فمنعتها زينات بينما تتململ عجوزة بين يديها بانزعاج صارخة بغضب:
-وسعي يا زينات هدوسها تحت رجلي المعفنة أم شعر ناعم دي.

3


وصوتهم يعلو فيصل للجميع بالخارج، والجارات الفضوليات يخرجن من نوافذهن وشُرفهن ليروا ما الأمر، بينما آسيا ترد على عجوزة الرد بالأفظع:
-تدوسي مين يا ست إنتي، إنتي عارفة أنا مين؟ أنا آسيا الجوادي يعني ممكن أدوسك أنا تحت رجلي!

1


زمجرت عجوزة بغضب وقد احمر وجهها وكادت تنقض على آسيا تنهشها نهشًا إلا أن جسد زينات الضعيف كان يحول بينها وبين هدفها، ولم تجد سوى لسانها تناطح به آسيا:
-تدوسي مين يا عرة يا زبالة، يا زينات وسعي يا زينات.

+



                                      

                
تتململ وتزمجر، بينما تتحدث بجرأة تتنافى مع إختبائها خلف زينات:
-So vulgar behaviour على فكرة.

1


توسعت عين زينات بهلع وتمتمت:
-ودا وقتك.

+


بينما شهقت عجوزة ولطمت على صدرها بصدمة:
-بتشتميني كمان؟ ورحمة أمي ما أنا عتقاكي.

+


وهنا دفعت زينات وانقضت على آسيا التي صرخت بفزع، ثم جذبت خصلاتها البنية وحركتهما بين يديها وكأنها تعجن ثم صاحت:
-وقعتي تحت ايدي ومش هيعتقك حد.

+


وثبتت رأسها أمامها ثم ضربتها بجبهتها بقوة، فدار رأس آسيا وشعرت بالدوار يجتاحها، ثم سقطت في اللحظة التالية مغشيًّا عليها، وعجوزة تشمر عن ساعديها مستعدة لبدء القتال فقط! 

2


✦❥❥❥✦

+


فاغرة الفاه متجمدة الجسد، تنظر للجهاز بيدها الذي يحتوي على خطين من اللون الأحمر، تلطم على وجهها بخفة والدموع تأخذ مجراها على ملامحها المصدومة، عندما شكت منذ أسبوع بسبب الأعراض التي تشعر بها من غثيان ودوار انخلع قلبها هلعًا، وانتظرت أسبوعًا آخر حتى تتأكد، والآن تقف أمام الجهاز في المرحاض تتطلع إليه بعدم تصديق وصدمة.
لا يكفي خسارتها لشرفها، بل وُصِمَت للأبد بنطفة بشرية زُرعت بداخل رحمها وهي من ستحصدها وحيدة، ازدردت لعابها وأخفت الجهاز أسفل المناشف بالمرحاض، غسلت يديها ووجهها، ثم خرجت وجلست على الفراش بتيه وتوتر، تحرك ساقيها بارتباك، مشوشة هي لا تدري ما تفعل، التمعت عينيها بشخصٍ واحد يمكنه مساعدتها، والتقطت هاتفها وقررت الحديث معها.

1


✦❥❥❥✦

+


زفرت سمر بسخط وهتفت بينما تُقرب البصلة من أنف آسيا:
-كدا يا خالتي، حد يعمل كدا؟!

+


لوت عجوزة شفتيها بتهكم:
-وأنا إش عرفني إن السَنيورة بسكوتة أوي كدا!

1


فتحت آسيا عينيها بملامح انكمشت بانزعاج، فأبعدت سمر البصلة عن مرمى أنفها وابتعدت من فوقها، ومع ابتعادها اتضحت الرؤية لآسيا فإذا بعجوزة تقف أمامها ترمقها بنظرة أخافتها، فانتفضت جالسة ونظرت إليها برعب فتأوهت متألمة وهي تملس بأصابعها على المنطقة الزرقاء في جبهتها أثر الضربة، انطلقت زينات من هنا تضمها إليها وتربت على خصلاتها بحنو، فسخرت عجوزة بنظراتها وقولها:
-يا اختي، احضنيها احضني، ما أصلي هآكُلها.

+


لوت شفتيها بتهكم:
-قُصرُه، كنت جاية اتطمن عليكم، وزياراتي هتكتر أما نشوف أخرة الهانم.

2


وركزت بصرها على آسيا المختبئة بين أحضان زينات تنتفض برعب، وواجهتها بكلماتٍ تحذيرية:
-يا أنا يا أنتي.

+


ورمقتها بنظرة مترقبة، ثم هتفت وهي تستدير مستعدة للرحيل:
-سلامو عليكو.

+


وفتحت الباب بقوة ثم خرجت وأوصدته خلفها، فتنفست آسيا الصعداء وابتعدت عن أحضان زينات التي ربتت على كتفها هاتفة بحنو:
-متزعليش، هي عجوزة اختي غشيمة حبتين، بس والله طيبة وقلبها أبيض، متخافيش منها.

+



        

          

                
أومأت آسيا بتوجس، هي لا تخاف منها...هي مرعوبة منها!

+


✦❥❥❥✦

+


-حامل يا دليلة؟ 

+


هتفت ياسمين بصدمة وهي تنظر إلى صديقتها بذهول، فككمت دليلة فمها هاتفة بتوسل:
-وطي صوتك.

+


أبعدت كفها واستقرت بهما على خديها هاتفة بمرارة:
-ضعت يا ياسمين، أنا ضعت.

+


تحدثت ياسمين بتوتر:
-طب..طب جربي تاني!

+


جلست دليلة بانهاك على الفراش والاعياء بادي على وجهها:
-جربت خمس مرات وكل مرة نفس النتيجة، أنا حامل يا ياسمين!

+


عضت ياسمين شِفتها السفلية، وراحت تفكر، حتى هتفت فجأةً:
-طب ما تكلميه، يمكن يحن!

+


اعتلى ثغر دليلة بسمة ساخرة وأجابت:
-يحن؟ وهو دا بيحن؟ إنتي مشوفتيش نظرته ليا وقتها، مشوفتيش رماني إزاي لدرجة خلتني أحتقر نفسي، دخلت عربيتي بسرعة خايفه حد يشوفني، غيرت هدومي فيها وحرقت الغطا اللي عليه..اللي عليه دمي!

+


وهاجمتها نوبة بكاء عنيفة انخرطت فيها بقوة واضعة كفيها على وجهها، فاقتربت منها ياسمين بإشفاق وربتت على كتفها بلطف هاتفة:
-إنتي غلطتي من الأول يا دليلة لما روحتيله بيته، غلطتي لما استسلمتي.

1


صرخت دليلة بلوعة وهي تضرب موضع قلبها:
-حبيته، الزفت دا حبه، حبه ووثق فيه، مقدرتش يا ياسمين..مقدرتش!

1


وألقت بنفسها بين أحضان صديقتها التي تلقتها بصدرٍ رحب، وراحت تربت على ظهرها بملامح مشفقة حزينة، ولسانٍ لم يكف عن الدعاء على أنس!

+


أبعدتها ياسمين ونظرت لعينيها بحزم، ثم قالت بجدية:
-دليلة، هتنزليه.

1


توقفت عن البكاء، ونظرت إليها بتيه ووجنتيها محمرتين كما عينيها، هزت ياسمين رأسها نافية:
-مفيش حل تاني، نزليه و..واعملي العملية اللي الكل بيعملها!

1


لم تجد حلًا إلا هذا، كلاهما أخطأ وفي تلك الحالة لا يوجد حلًّا، ودليلة شاردة بشحوب، تائهة لدرجة الشفقة، ووجهها رسم المرارة بمهارة.

+


✦❥❥❥✦

+


قال محمود درويش ذات مرة:
شيئان لا يجتمعان، عيناكِ وهدوء نبضي.

+


وهذا بالفعل ما حدث معه فجعله يقتدي بذلك القول، إذ أنه كلما يراها تتصاعد ضربات قلبه ومن قوتها تُنَّحي عقله جانبًا، فيستمتع القلب بالشعور وتستمتع العين بالرؤية، شعورٌ يغمره كلما يراها وشعورٌ آخر يشعره حينما تبتسم له بلطف لم يراها تبتسم بمثله من قبل!

+



        
          

                
هزته سمر هاتفة بسخط:
-فيه إيه يا ابني إنت جاي تِسْرح جانبي! عايزة أذاكر!

+


هز رأسه بانتباه، ثم ابتسم لها بسمة منطفية، وسار في الرواق ناحية غرفته كما المسحور، ملأ صدره بالهواء ودخل عليها متسائلًا بنبرة جاهد لتظهر هادئة:
-السلام عليكم، مشوفتيش قميصي؟

+


الحقيقة لا يدري ما علاقة قميصه بالأمر، ولكن لسانه أخرجها! 

+


-أي واحد؟

+


قالتها وهي تتأمل مكتبته التي تحتل الحائط، فحمحم منظفًا حلقه وهتف بما ينقذه:
-خلاص هدور أنا.

+


ثم اتجه للخزانة، وفتحها بعدم تركيز، ومن خلف ضلفتها كان يراقبها وهي تتأمل المكتبة بانبهار وتجذب منها كتابًا يروقها غلافه.

+


سقطت منه العلّاقة بالثوب من أثر شروده، فغمغم مستغفرًا وانحنى ليلتقطها من قاع الخزانة ويضعها مطرحها، فإذا بيده تصطدم بزجاجات، عقد حاجبيه بتعجب وفرّق بين الملابس ليرى، فإذا به يجد صندوق مفتوح وُضع فيه زجاجات كثيرة من محلول ذهبي اللون من الدرجة الفاتحة، التقط واحدة وقرأ ما عليها بحاجبين معقودين، ثم اتسعت عيناه بصدمة ونظر لآسيا بعدم تصديق، ثم عاد ببصره للزجاجة، نهض واقفًا على قدميه وأغلق ضلفة الخزانة مقتربًا منها، فرفعت عينيها عن الكتاب مبتسمة بحماس:
-الكتاب دا شوقـ....

+


بترت جملتها بشحوب وقد اصفر وجهها عندما رأته ماثل أمامها ممسكًا بإحدى طُرقها في النسيان!

+


-إيه دا؟

+


سألها بهدوء خطير، ونبرة في طياتها تحمل حذر بعده ستندلع عاصفة.

+


-آ..دي...

+


ارتبكت لأول مرة في حياتها، تتصرف بوقاحة منذ لقائه، والآن لُجم لسانها!

+


-أقولك أنا...دي خمرة، مراتي المحترمة بتشرب وتسكر!

+


ازدردت لعابها بتوجس، وحاولت التبرير هاتفة:
-والله معدتش بشرب والله.

+


هز رأسه نافيًا، وأردف بينما نظرته تتبدل فتحمل نظرة مزدرية تحطم قلبها:
-إنتي كدابة.

+


اقتربت خطوة معلقة:
-والله بطلت.

+


تابع شكه بكلماتٍ تطعن قلبها:
-كنتي بتصلي معايا وإنتي قبلها شاربة القرف دا؟!

+


نظرتها تحمل رجاءً ألا يخذلها ويُكذِّبها، توسل صادق التمع في حدقتيها، فتابعت بضعف:
-أحلفلك بإيه إني من ساعة ما جيت هنا وأنا بطلت! والله العظيم بطلت.

+


تعجب ضعفها المفاجئ، وصُدم من دموعها التي أغرقت وجنتيها فزادت ضعفها، وكم أغضبه ضعفها!

+


-متعيطيش.

+


قالها بهدوء كما المعتاد، فتابعت قولها بهستيرية ونحيب:
-وربنا بطلتها، بطلتها معدتش بشرب صدقني!

1


ألقي الزجاجة على الفراش واقترب منها متنهدًا ومستعيذًا بالله من الشيطان على شكه وتهوره الذي لم يعرف له طريقًا يومًا، ثم فتح ذراعيه بخفة متسائلًا:
-تسمحيلي؟

+



        
          

                
ولم يتمها فإذا بها تُلقي جسدها بين ذراعيه بسرعة مهولة فاجئته، تبكي وتتمسح به كقطة وجدت صاحبها بعد غياب، فتنهد وربت على خصلاتها بهدوء ويديه الحانيتين تبثان بداخلها الثقة المفقودة، والحنان الضائع.

+


-خلاص، مصدقك، متعيطيش، أنا متأسف!

+


كلماتٍ متعددة والمعنى واحد، لا تبكي!

+


-أنا..أنا اللي المفروض أتأسف!

+


رفعت عينيها إليه وما زالت تتشبث في قميصه الخلف، تنظر إليه من على ارتفاع كبير بين طوليهما:
-أنا آسفة يا داغر، آسفة لو في مرة دايقتك بكلامي! أو هزأتك، أو استفزيتك ومعرفتش تنتقم مني! آسفة إني ظلمتك معايا.

+


لم تكن تتخيل يومًا أنها ستتفوه بتلك الجُمل، بينما ابتسم داغر ابتسامة حنون بسيطة توازي حركة أصابعه التي تُزيح خصلاتها عن جبهتها:
-كان ممكن أنتقم بس مبـ...إيه دا؟

+


لَمس العلامة الزرقاء على جبهتها وسألها:
-مين عمل كدا؟

+


تنحنحت وهي تُعيد خصلاتها إلى جبهتها:
-خالتك.

+


رفع حاجبه بحدة:
-خالتي أنا ضربتك إنتي؟

1


ابتسمت ابتسامة مرتجفة:
-كانت بتهزر.

+


زفرت بسخط ثم تابعت:
-بصراحة أنا اللي دايقتها.

+


تحدث مندفعًا:
-حتى لو محدش لُه الحق يضربك!

+


-خلاص متكبرش الموضوع.

+


أشهر إصبعه أمام عينيها قائلًا بتحذير:
-متسمحيش لحد يتمادى معاكي، إنتي بسكوتة ومتستحمليش اللمسة! 

1


يستنكر عليها وهو لا يدري أنها لُمست بدل المرة مائة مرة وأكثر، يتعجب من العلامة التي من المفترض أن تؤلمها ولا يعلم كم عانى جسدها من علاماتٍ زرقاء ملتهبة قاست ألمها وحيدة، يستعلم عن السبب ولا يدري أنها في كلِ مرة كانت تُضرب بلا سبب، يأمرها ألا تسمح لأحدهم أن يتمادى معها وماضيها الأسود تمادى مع جسدها بأكثر من لمسة! ينصحها وهو لا يدري، يخشى عليها وهو لا يعلم!

+


-إنتي بتدمعي ليه؟

+


غشاءٌ رقيق يغلف حدقتيها، تنظر إليه بتشوش أثر الدموع التي تُرهق عينيها، تهز رأسها بلا معنى وتبتسم برعشة:
-محدش نصحني قبل كدا.

+


بجمودٍ أصدر فرمانه:
-أنا موجود ومحدش هينصحك قدي!

+


ضحكت بخفة فأدى ذلك لانزلاق دمعة، أكلته أصابعه ليمسحها ولكن آسيا كانت قد فعلت، فتنهد بتعبٍ وعينيه لا تُبرحانها.

+


✦❥❥❥✦

+


ابتسمت برجفة وهي تستقبل ترحيبهم بها وعناقاتهم الدافئة وكلماتهم السعيدة بوجودها، استيقظت وقررت إنهاء الأمر بالخضوع للواقع، فحزمت أمتعتها وتركت رسالة لتميم تُخبره بأنها تُصلح أمرًا تأخر إصلاحه، وبعثت لخالها تخبره بالحقيقة، لم تقوى على المواجهة.

+



        
          

                
-منورة يا حبيبتي.

+


تهتف بها زوجة عمها بحبور وهي تضع في صحنها الطعام وتربت على كتفها بحنو مشجعة إياها لتأكل، وعمها الكبير يجلس بجوار جدها الذي يحتل المقعد الرئيسي، بينما أبناء عمومتها يتناثرون حولها، أسمهان لديها عمين..
واحدًا أكبر من أبيها وهو "الكل في الكل" ولديه خمس أبناء، ثلاثة أولاد وفتاتين إحداهما في ما زالت طالبة والأخرى انتهت من دراستها وجلست بجوار أمها تنتظر العريس.
عمها الأصغر توفى منذ سنتين بمرض السرطان الخبيث تاركًا زوجة وثلاث أبناء منهما فتاة..

+


تنهدت أسمهان بعمق وعينيها شاردتين في الخضرة الطبيعية في حديقة القصر، راحت تسير وتستنشق رائحة الخضرة الممزوجة برائحة الصعيد الحبيب، رائحة المخبوزات التي تُخبز في مطبخ القصر ويوزع منها على الفقراء تخترق أنفها، فتُغمض عينيها، وتعقد حاجبيها باستغراب، ثم يمر على ذهنها مشهد..أو ربما ذكرى!

+


"-شامم الريحة اللي تفتح النِفس.

+


ضيق عينيه بشك:
-أسمهان، الأكل دا للمحتاجين مش ليكي!

+


ضيقت عينيها بالمثل وهتفت بمكر:
-وفيها إيه لو أخدنا حبة صغنيين لينا؟

+


استعدت للركض فمنعها بكفه هاتفًا بحذر:
-أسمهان اوعي!

+


تململت بين يديه بينما بطنها تصدر كركرة تنم على مدى جوعها:
-ابعد يا غُدفان هآخد شوية بس ريحتهم تشهي.

+


يمنعها فتتململ ضاحكة، ويقطع خُلوتهم صوتًا بغيضًا:
-والله عال، جاعدين إهنه تتمسخروا وتتدلعوا والكل بيشتغل چوا!

+


قلّب "غدفان" عينيه بملل، ثم أدار رأسه إليها مبتسمًا بسماجة ومجيبًا:
-سيبنالك الشقا والتعب يا محمود.

+


عض محمود على شفتيه مغتاظًا، ثم أردف بحدة:
-أسمهان، تعالي إهنه.

+


تركها غدفان واستدار للمدعو محمود بكامل جسده يرمقه بنظراتٍ هادئة ثلجية:
-إنت مين عشان تأمرها؟

+


نفخ صدره بتكبر:
-أني ابن عمها! إنت تبجا مين ليها؟

+


وبعندٍ ناطحته غدفان:
-هنتجوز.

+


تجمد جسد محمود مصدومًا، وكذلك تصلبت أسمهان من خلفه هامسة بعدم رضا:
-لأ وسعت منك دي!

+


تمتم مغتاظًا:
-اخرسي إنتي.

+


اشتعل وجه محمود غضبًا، ثم اقترب من غدفان بخطواتٍ غاضبة تتلوى الأرض أسفلها من فرط قوتها، يقف أمامه وقفة صلبة شامخة، ثم يكيل له لكمة عنيفة يترنح على أثرها، فتصرخ أسمهان بصوتٍ عالٍ وتتراجع بخوف، ثم يدير غدفان رأسه لخصمه، وتبدأ المشاحنة! "

1



        
          

                
-أسمهان!

+


انتبهت على الصوت، فترنح جسدها وحاوطت رأسها بكفيها في إعياء، فأسندتها ابنة عمها الصغيرة هاتفة بقلق:
-إنتي مليحة يا أسمهان؟

+


ازدردت لعابها بتوتر، وأومأت ثم استقامت واقفة وهي تتنفس باضطراب، فسألتها ابنة عمها:
-لونك مخطوف وشكلك تعبان! أناديلك أمي؟

+


هزت رأسها بنفي قاطع هاتفة بتحشرج:
-متقلقيش يا دلال، شوية صداع ودوخة بس من السفر.

+


التقطت دلال كفها وأردفت باصرار:
-يبجى تطلعي ترتاحي في أوضتك أحسن، چدي يجطعنا جطيع لو چرالك حاچة.

+


تقولها بمرح، فتبتسم أسمهان لعفويتها وتربت على كتفها، ثم تتشبث بها لتنقلها إلى غرفتها وهن يتسامرن.

+


✦❥❥❥✦

+


يطرق أحدهم على الباب، فتنهض زينات من أمام التلفاز لتفتح، فإذا بشابٍ طويل القامة قوي البنية، تبتسم في وجهه بترحاب متسائلة:
-اؤمر يا حبيبي؟

+


رمقها ببرود وقيّمها من أعلاها لأسفلها، ثم أشاح ببصره للداخل مردفًا:
-آسيا هنا؟

+


عقدت زينات حاجبيها بتعجب، ثم أومأت وأشارت له ليدخل، فدخل ببطء وهو يتأمل الشقة بملامح مزدرية مشمئزة، فلوت زينات شفتيها والتقطت جهاز التحكم تُطفئ التلفاز، ثم تحركت إلى غرفة داغر ليستقبل ضيف زوجته!

+


بعدما انتهت المعركة الطاحنة بينهما من شد وجذب ومناقشات غفت بين ذراعيه تتلمس دفئه وحنوه، وهو يتلمس خصلاتها البنية الناعمة التي لابد أنها ورثتها عن والدتها الأجنبية ثم ينتقل إلى المنطقة المكورة في جبهتها ويتلمسها بحذر ثم يبتسم.
كل شيءٍ بها جميل..رائع..خلّاب.

+


هي امرأة خُلقت لتُعامل بحنان، خُلقت لتُدَلل وتبتسم لا لتحزن وتبكي، هي امرأة خُلقت لتتواضع على الجميع لا لتتكبر، خُلقت لتكون حسناء القلب عفيفة الرَمق!

+


قاطع سيل أفكاره طرق على باب الغرفة، فانسل من على الفراش بخفة يراقبها كي لا يُوقظها، فلت منها واتجه للباب يفتحه ليجد والدته تخبره بوجود زائر، فينسحب تمامًا من الغرفة موصدًا الباب خلفه ببطء، ثم يخرج ليرى من الزائر.

+


والزائر لم يكن غريبًا عليه، فيبتسم داغر بتوعد، ثم يستقبله بذراعين مفتوحين وكأنه على وشك احتضانه:
-يا مراحب يا مراحب بالنايتي الهايتي.

1


يصك أنس على أسنانه غيظًا، ويتحدث بوقاحة:
-أنا عايز آسيا! إنت هنا ليه؟

+


هز داغر كتفيه بغرابة وقال:
-جايلي في بيتي وعايز مراتي وجاي تقولي أنا هنا ليه؟ يا ابني لو إنت هربان من العباسية قولي أرجعك ليها بصاروخ.

+



        
          

                
تنفس أنس بغضب، فجلس داغر أمامه هاتفًا بابتسامة هادئة:
-خير؟ منورنا ليـ...

+


وقبل أن يتم الجملة عم الظلام الشقة، فزم داغر شفتيه متمتمًا:
-الكدب وحش فعلًا.

3


نهض ليُحضر شمعة من المطبخ، فإذا بوالدته في الممر تُعطيه إياها، يشكرها بهدوء ثم يتجه لأنس ويضعها أمامهم على الطاولة هاتفًا بسماجة:
-معلش بقا، أصل النور عندنا بيجي ويروح حسب تقبل صاحب البيت للشخص الموجود.

+


تنحنح ثم جلس ثانيةً أمامه وتابع:
-خير.

+


جز أنس على أسنانه بعنف، ثم هدر عاليًا:
-فين آسيا؟!

+


وملامح داغر الهادئة تواجهه، وقولٍ بارد يُشعل صدر الأخير غضبًا:
-آسيا مين؟

+


وأنس لم يمل:
-أنا عايز أتكلم مع آسيا حالًا.

+


اعتلى ثغر داغر بسمة ساخرة وقال:
-طيب أنا مالي ما تروح لوكالة ناسا قولهم عايز أطلع الفضاء أكلم قارة آسيا!

1


غضب أنس أكثر من سخريته فصاح بانفعال شديد:
-متستهبلش! ناديلي آسيا دلوقتي!

+


يبتسم داغر ابتسامة ثلجية ويخبره:
-معرفش حد بالاسم دا.

+


أغمض أنس عينيه متنفسًا بعنف في محاولة فاشلة منه لتهدئة غضبه والسيطرة عليه، ثم فتحهما وأردف بنفس هدوء داغر:
-آسيا مر...مراتك.

+


كانت صعبة الجملة عليه، وعند قولها هز داغر رأسه نافيًا وقال بجدية تحمل بين طيَّاتها السخرية:
-لأ أنا مراتي ما اسمهاش آسيا مراتي اسمها تفاحة الزحلاوي وليك متنطقش اسمها أصلًا.

+


ضرب أنس بكفيه على الطاولة أمامه بغضبٍ أعماه وصاح مستنكرّا استهزاء داغر به.
-خد بالك إنت متعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه! 

1


تخلى داغر عن رداء الهدوء وألقى لأنس نظرة مُخيفة مُرعبة تلاها قوله:
-خد بالك إنت إنها نايمة جوا في هدوء ولو صحيت على صوتك المسرسع دا مش هيحصلك طيب!

+


يهدده بوقاحة فيشتعل أكثر، ثم يواجهه بنقاطٍ يعلم أنه سيخسر أمامها:
-إنت متستحقاش، إنت متعرفش حاجة عنها! متستحقش إنها تكون ملكك!

+


-اسأل

+


عقد حاجبيه، فتابع داغر:
-اسأل عن أي حاجة تخُصها وانا أجاوب، عشان نرضي سعادة النايتي.

+


ابتسم أنس بوعيد وأردف:
-Fine

1


لحظات وقال بعد تفكير وعينيه مركزة على تعبيرات وجه داغر التي لم تتغير عن النظرات القاتمة:
-لونها؟

+



        
          

                
تمطع بخمول وأجاب:
-وردي.

+


صمت أنس واشتعلت النيران بداخله، ولكنه لم يستسلم وتابع:
-أفلامها؟

+


نظر له مبتسمًا بهدوء:
-رومانسي، بتموت في الرومانسي حبيبة قلب زوجها.

+


تنفس أنس بغضب وأردف بعضلات وجهٍ متشنجة:
-تاريخ ميلادها؟

+


قلَّب عينيه بملل:
-7/3/1999...
أسئلة تعبانة أوي يعني.

+


زفر أنس حانقًا ومن ثم هتف متابعًا أسئلته الحمقاء:
-امتى آخر مرة عملت شوبينج؟

+


ابتسم ساخرًا من هذا السؤال الـ "تافه" على حد قوله ولكنه خضع وأجاب ليُنهي النقاش:
-قبل جوازنا ...

+


وشدد على الجملة ومن ثم تابع بوضعٍ مسترخٍ:
-بيوم، إنت عارف طبعًا عروسة وكدا كانت لازم تتجهز طبعًا.

+


جز أنس على أسنانه بغل وتابع بإنفعال:
-أكلتها؟

+


رفع داغر ساقه ووضعها على أختها وزم شفتيه بعدم رضا:
-والله أكلتها ضعيفة الأيام دي، مع إنه خطر ع اللي ف بطنها بس هنقول ايه.

+


توسعت عينيه بصدمة وصاح منفعلًا:
-She is pregnant? 

1


ضحك داغر بصوتٍ عالٍ ضحكة ذات رنة رجولية بحتة:
- لا يا راجل حامل إيه، إحنا مأجلين الموضوع دا شوية، أقصد خطر على أعضاءها الداخلية يعني.

1


تململ أنس في جلسته بعدم إرتياح ووجه يعتليه الغضب الشديد ومن ثم تابع:
-رد ع السؤال، أكلتها المفضلة ايه؟

+


تنهد داغر مطولًا وقال وهو يلعب في يديه:
-والله على حسب ..بعد الجواز ولا قبله؟

+


عقد أنس حاجبيه بإستفهام فابتسم داغر بسمة مبهمة وأردف:
-قبل الجواز كانت بتحب الأكلات المايصة دي أم معلقة رز وشوية خضار، دلوقتي بتحب الملوخية والبسلة والفول بطماطم، حبيبة قلب زوجها بتحب كل اللي يحبه زوجها.

+


ابتسم أنس ساخرًا:
-بتأكلها فول؟ للدرجادي الفقر جاب أخرك؟

+


هز داغر رأسه بإيماءة خفيفة:
-لأ إنتت اللي جاهل ومتعرفش فوايد الفول.

+


اعتلى ثغره بسمة ساخرة ونظر له بإستهزاء:
-ما أصل عيل نايتي زيك عايد السنة خمس مرات هستنى منه ايه؟!

+


انتفض أنس واقفًا وصاح بتهديد:
-احترم نفسك يالا ومتعصبنيش!

1


صدرت ضحكة متهكمة من داغر وهو يقول بعد جملة أنس على الفور:
-يالا؟ دا انت خدت عليا أوي!

+



        
          

                
رمقه أنس بازدراء، ثم أخرج من جيبة دفترًا وقلمًا، وهتف بينما يخط على الورقة شيئًا ما:
-شوف أما أقولك عشان ننهي الحوار دا.

+


قطع الورقة ومدها له هاتفًا:
-دا شيك بتلاتة مليون، خُده وطلقها من غير كلام كتير.

+


نهض داغر ووقف قبالته، والنظرات هي من تتحدث وسط الظلام المخيم:
-شيل يا شاطر الورقة دي من وشي.

+


دس يديه في جيبي بنطاله وتابع متمردًا:
-هآخدك على قد عقلك وهسايرك، زي ما اتجوزتها برضاها هطلقها برضاها، مش غدر، أنا مش زيك.

+


قال جملته الأخيرة ساخرًا، فعقد أنس حاجبيه باستفهام وسأله:
-يعني؟

+


رفع داغر ذقنه بعنفوان:
-يعني تكلمها وتسألها في الموضوع دا، أنا ماليش دعوة.

+


رفع أنس حاجبيه بتحدي:
-Done.

+


وكاد يتجه للداخل فأوقفه داغر بدفعه في صدره هاتفًا باستماتة:
-رايح فين يا غالي! هتكلمها دلوقتي وتفتح المكبر، إنت داخل غُرزة!

+


زفر أنس حانقًا وأخرج هاتفه من جيب بنطاله، ثم بحث عن رقمها ووجده فاتصل وفتح المكبر، لحظاتٍ وسمع صوتها الناعس يتحدث، فابتسم بوله وأردف:
-إزيك يا آسيا، I miss you.

+


لكمه داغر في صدره ورماه بنظرة حادة مزمجرًا بعدم رضا، فتأفف أنس وقال:
-آسيا هسألك سؤال وجاوبيني بصراحة.

+


صراخها أفجعه:
-وحياة أمك؟ مصحيني من أحلاها نومة عشان تقولي هسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة؟ إنت عندك خال أهبل يالا!

1


صدر من داغر صوتًا يدل على كتمه لضحكة وشيكة، ثم تمتم بفخر وهو يضحك بدون صوت:
-وربنا حبيبة قلب زوجها.

+


بينما فغر أنس فاهه مشدوهًا من طريقة آسيا السوقية والمندفعة في الحديث!

+


ابتلع الإهانة وأردف بحذر:
-إنتي هتطلقي امتى؟

+


لحظتين صمت مرت على ثلاثتهما، إلا من صوت أنفاس آسيا المتسارعة التي أكدت لهما أنها ما زالت على الخط، ومن ثم قولها الهادئ:
-أتطلق من مين؟

+


جز أنس على أسنانه بغيظ:
-الزفت اللي اسمه داغر.

+


والزفت يقف أمامه يتوعده بنظراته، وأنس ينتظر على أحر من الجمر، فيأتيه الجواب بصوتٍ نتحشرج:
-معرفش!

+


ابتسم أنس بظفر حينما استشعر ضعفها، فحاول الضغط غلى الوتر الحساس:
-آسيا الشخص دا مينفعكيش، إنتي فين وهو فين، دا فقير ومعيشك في مكان مش من مستواكي!

+



        
          

                
وداغر ينظر للهاتف بترقب، لا ينكر ارتباكه، وانتظاره ردها!

+


-إيه اللي عرفك؟

+


تقول فيتعجب أنس:
-What?!

+


ثم تحتد نبرتها:
-إيه اللي عرفك إنه مينفعنيش؟ إيه اللي عرفك إنه معيشني في مكان مش من مستوايا؟ أنا هنا لقيت نفسي، أنا هنا آسيا الحقيقية، داغر أكتر شخص ينفعني، داغر الوحيد اللي شاف آسيا الحقيقية وخرّجها من جحرها، داغر أحسن منك يا أنس، وفي أحلامك إني أسيبه وأجيلك إنت، وداغر مش زفت ولا فقير إنت اللي زفت وفقير، فقير النفس والروح، فقير رغم فلوسك، إنت اللي فقير يا أنس مش هو.

2


تنفست بقوة تملأ صدرها بهواء جدد فيها الشجاعة:
-ويا ريت تنساني وتنسى الرقم دا، لأني لو لمحت رقمك أو لمحتك إنت شخصيًا ولو صدفة ههينك جامد يا أنس.

1


ومن ثم سمع الصوت الذي أثلج صدر داغر، صوت إغلاق الخط! 

+


فظل ينظر للهاتف مشدوهًا مصدومًا من ردها العنيف، فاغرًا فاهه لا يستوعب ما قيل للتو! بينما كوّر داغر شفتيه هازئًا، ومن ثم تحدث آسفًا:
-أهانتك أوي الصراحة.

1


وأمام صدمته لم يجد سوى أن يتابع:
-يلا زُق عجلك من هنا وملمحش ضُفرك جنب مراتي حتى.

+


استغل دهشته والتقط هاتفه سريعًا، يمسح رقم زوجته من على هاتفه تمامًا بخبرته القليلة في الهاتف، وسيحرص على إبعاد آسيا عنه بكل الطرق، أعطاه الهاتف فأخذه أنس وهو ينظر إليه بتوعد:
-مش هرحمك.

1


أشاح داغر برأسه بلا مبالاة وسخرية بحتة:
-يلا يالا يا نايتي من هنا يالا.

+


ويخرج أنس مُهانًا مذلولًا، وينتشي داغر مبتسمًا بفخر فيُضئ المنزل ثانيةً وكأن برحيل ذلك البغيض عم الضياء، هرول ناحية غرفته وفتح بابها ببطء، فتستقبله آسيا الجالسة في الواجهة على الفراش بابتسامة ودودة:

+


-كنت فين؟

+


أكل الخطوات الفاصلة بينهما ثم جذبها من كفها لتنهض واحتضنها برفق، اعتصرها بين ذراعيه بلين وهو يتنهد مرتاحًا، فتعجبت لذلك وظلت ساكنة حتى أبعدها عنه، فرأته باسم الثغر بشوش الوجه، فسألته مبتسمة بتعجب:
-فيه إيه؟

+


هز كتفيه بخفة:
-مفيش، حسيت إني لازم أحضنك!

+


وقلبها، آه من قلبها الذي خفق بسرعة جنونية مع تلك الكلمات ومع العناق الدافئ، ماذا يفعل بها ليجعلها هائمة على وجهها في كلِ مرةٍ ومرة!

+


✦❥❥❥✦

+


-تعالي يا أسمهان يا بتي.

+


قالها الجد بنبرة سعيدة وملامح مبتهجة، فاقتربت منه أسمهان وجلست بجواره تراقب "محمود " الجالس أمامها يبتسم بخبث، ازدردت لعابها بتوجس وانتظرت حديث جدها الذي جاءها سريعًا:
-إنتي خلصتي علامك، وبعدتي عني سنين وأني استحمَلت، ودلوك نحط النجط ع الحروف.

+


ابتسم ابتسامة مرتجفة، وسألته بارتعاش نبرة:
-تقصد إيه يا جدي.

+


رفع ذقنه بعنفوان، وتحدث بجدية وابتسامته جامدة:
-وِلد عمك محمود طلب يدك مني، وأني وافقجت.

1


هل نَصِفْ المشهد بالدلو البارد الذي سقط على المصدوم؟ أم نخترع وصفًا جديدًا نقول فيه أنها شعرت بالدماء تنسحب من جسدها تمامًا؟ أم من الأفضل أن نصف بدون مبالغة، هي شعرت بتصلب جسدها.

+


-قولتي إيه يا حبيبة چدك؟

+


حان وقت المواجهة، رفعت عينيها تنظر لمحمود بنظراتٍ ثاقبة، تُقسم أنها ستمحي تلك البسمة الظافرة من على وجهه، وأنها ستحمي حُبها دائمًا.

+


-مش موافقة.

+


ينفعل العم الجالس بهدوء ويصرخ بانفعال:
-إيه الكلام الماسخ ديه!

+


والجد هادئ الانفعالات يسألها برفق:
-أجدر أعرف السبب؟

+


ازدردت لعابها الذي جف بتوتر، وأردفت باصرارٍ يشوبه بعض الارتباك مع فركها كفيها ببعضهما:
-أنا...أنا بحب واحد تاني، وهنتجوز قريب.

+


وهنا..الأنظار سُلطت عليها من أول جدها حتى عمها إلى ابن عمها، والصفعة المدوية كانت من نصيبها، ومن يدٍ غليظة تلقتها على وجهها!

1


____________________________

+


#دمتم_بخيـࢪ🕊

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close