رواية سجينة الحب الفصل السادس والعشرين 26 بقلم Fatima Chouli
************
+
مرت عدة ايام و سلفادور غائب عن المزرعة ، حاولت صوفيا الاتصال به كثيرا لكنه كان يرفض الرد على أي اتصال ، كان ينظر الى الهاتف بحزن شديد يعلم جيدا لماذا تتصل به صوفيا وذلك لمعرفتها ما فعله بأرسيليا ، اغمض عيناه بالم حتى توقف الهاتف عن الرنين بعد اصرار كبير منها .
+
كان يظل جالسا في مكتبه بلندن ينظر الى الفراغ طوال الوقت ساهما و لا يتكلم مع اي احد ، حتى موظفيه استغربوا حالته تلك ، فلأول مرة يغيب مدة طويلة عن العمل ، فهو مهمى يحصل لا يتخلف عن القدوم الى فرع شركته الموجودة بلندن وبعده يعود الى اسبانيا ، و الان عاد وهو يتصرف بشكل غريب ، لا يجرؤ اي أحدا على الإقتراب منه او إرتكاب اي خطأ وان فعل يتحول الى بركان غاضب و يطرده بدون ان يناقش ، حتى صار كل الموظفين يخشونه و يتجنبونه .
+
أما هو فجل ما اراده هو الابتعاد لبعض الوقت عن المزرعة ، لذا اغرق نفسه بالعمل لعله ينسى كل ما حصل ، رغما عنه شعر بحزن شديد و بدأ يندم بشدة على ما فعله بها ، فهو ابدا لم يخطر بباله انه قد يقدم على الاعتداء على أي امرأة ، و ليست أي امرأة انها زوجته التي احبها .
3
كم شعر بالاحتقار من نفسه بعد ان هدأت شرارة الإنتقام والحقد الذي كان يكتنفه بعد عودتهم الى المزرعة ، لم يعرف اين كانت سيطرته على نفسه او عقله طوال تلك المدة التي حجزها فيها ، و كانه كان مغيب و لا يعرف كيف يتصرف ، فقد اعماه غضبه و جعله يتصرف بتلك الوحشية ، تمنى من أعماق قلبه لو انه لم يقابلها ابدا ، فأفعالها قد حولته الى مغتصب الان ، كلما تذكر وجهها الباكي و الذي فقط اشراقه بسبب عنفه يحتقر نفسه بشدة ، فكر بسخرية :
+
" الان من المستحيل ان تحبني أو تسامحني على مافعلته بها ، وانا من كنت اظن اني بعد كل شيء لم اعد احبها ، لكني كنت اكذب على نفسي فقط فانا لازلت احبها واعشقها بل اكثر من الاول "
16
سالت دمعة من عيناه و هو يشعر بالقهر و الضياع لكل ما يحصل معه ، فكر :
3
" متى يا إلهي سأحصل على السلام و تتوقف كل معاناتي متى ؟؟ فانا لم اعد احتمل هذا الألم .)
28
رمت صوفيا الهاتف بغضب و هي تصيح بحنق :
+
- لا يجيب ، اكاد اجن من افعاله لقد خيب أملي بشدة ، ماذا سنفعل الآن الفتاة بحاجة إلى طبيب هل نتركها بتلك الحالة ؟؟
+
كان غوستافو ساهما يفكر فيما عليه ان يفعل فهو أمام نارين ، من جهة حفيدته و من جهة ضميره الذي يعذبه لما يحدث لأرسيليا ، فهو عندما رأها بتلك الحالة احس بالذنب شديد و انه شارك في الجريمة بصمته ، لو انه تكلم ما كان سلفادور ليقدم على تعذيبها بذلك الشكل ابدا ، هل عليه ان يخبره الحقيقة بأنها لم تقتل الاحصنة ؟؟؟
7
زفر بحدة من أعماق قلبه و هو يتذكر تلك الليلة المشؤومة ، كان مستغرقا في النوم عندما شيء ما ايقضه ليلا ، و كأن القدر تعمد ذلك ليكشف له مدى مرض حفيدته الذي وصل الى مرحلة خطيرة من الشر ، فبعد ان ذهب الى المطبخ رأها من النافذة و هي تخرج من اصطبل و تسحب كيسا خلفها و هي تتسلل كاللص تحاول الإختباء بجانب المزرعة ، مبتعدة عن اعمدة الانارة التي تظل مشتعلة بالمزرعة ، كانت تتجه مبتعدة عن المنزل فشعر بالقلق و التوجس من تصرفها المريب ذلك فخرج مسرعا ليتبعها ، لكنه بسبب الظلام و كبر المزرعة لم يعرف أي اتجاه اتخذته ، لكن بعد مرور بعض الوقت شم رائحة شيء يحترق منبعث من مكان ما ، فاتبع رائحة التى كانت تقوى كلما اقترب الى ان وصل الى مكان الحريق ، إندهش عندما وجد الكثير من علب مبدات الحشرات ، فتسائل :
+
- لما قامت باحراقها الى ماذا تخطط له مجددا بفعلتها تلك ؟؟؟
+
كاد ان يصاب بالجنون لكثرة تفكيره من تصرفها ذاك لذا عاد الى المزرعة و دخل الى الملحق حيث يقيمان ، و اتجه الى غرفتها فوجدها تغط في نوم عميق بفعل الدواء الذي تشربه ، لذا قرر أن يكلمها بالصباح ، لكن سرعان ما اكتشف الكارثة التي اقدمت عليها ، لكن الذي كان يحيره هو كيف وجدت الشرطة بصمات ارسيليا على العلبتين و لما قالت انها الفاعلة ؟!! فهو واثق ان رومينا هي التي قتلت الاحصنة و فعلت ذلك عمدا لتسبب لها الأذى !!!!
+
- غوستافو مابك هل أنت بخير ؟؟؟
+
انتبه الى صوفيا التي كانت تناديه بقلق و هي تضع يدها على كتفه ، فابتسم لها بلطف يحاول إخفاء افكاره وحزنه :
+
- أنا بخير ، لا تقلقي ؛
+
اجابته :
+
- لا لست كذلك ، فمنذ ساعة و أنا اناديك و أنت بعالم غير عالمنا !!!
+
- أنا بخير ، كل ما في الامر أنا متعب بسبب اعمال و مشاكل المزرعة ، فسلفادور رحل و ترك كل شيء يخرب هنا ؛
+
زفرت بغضب :
+
- هو لم يترك فقط المزرعة بل ترك تلك المسكينة ايضا و التي حالتها تسوء يوما عن يوم بدون حتى ان يبالي ، منذ الصباح و أنا اتصل به لكي ياخدها الى الطبيب مختص لكنه لا يجيب على اتصالتي ، يتصرف و كان لا شيء حدث ؛
+
قال لها :
+
- لا تقلقي سوف احاول بنفسي الوصول اليه فهو لن يجيب على اتصالاتك ، سوف أحصل على رقم سكرتيرته بلندن ، حاليا علينا ان نكتفي بالطبيب الذي يزورها الى ان يتصرف سلفادور ، ففي النهاية هي زوجته و من مسؤولياته ؛
+
اومأت موافقة بامتعاض ، كان الطبيب يفحص ارسيليا بأسف فقد امتنعت عن الطعام طوال هذه الايام مما اضطره لتعليق محلول غدائي يعوضها عن الطعام قال لها بلطف :
+
- امتناعك عن الطعام ليس بصالحك عزيزتي بل يضرك أنت ، عليك أن تكوني قوية و تتجاوزي هذه المحنة ، اعرف ان الأمر ليس سهلا و ما فعله بك ذلك السافل جريمة و يجب أن يعاقب عليها ، لذا كوني قوية و حاولي الخروج من هذه الحالة لتستطيعي اخد احقك منه و صدقيني سوف اساعدك و لن ابالي بنفوذه او سلطاته ، فقط حاولي و لا تستسلمي ؛
+
لم تجبه ارسيليا لكنها قامت بالإلتفات و النوم للجهة المعاكسة له و كانها ترفض كلامه ، هذا التصرف لم يزعج الطبيب بل بالعكس ، افرحه كثيرا لأنه دليل على انها بدأت تستجيب و لم تعد غير مبالية ، ربت على كتفها فكان رد فعلها جنونيا و هي تبعد يده عنها بعنف و تنكمش بمكانها و كأن لمسته اخافتها ، فقال مهدأ :
+
- لا تخافي أنا لم اقصد ...
+
ارادت ارسيليا الصراخ به لكي لا يلمسها مجددا ، لكن الامر كان صعبا عليها . خرج الطبيب باستسلام و قابل صوفيا التي سالته بلهفة :
+
- كيف حالها اليوم ؟؟؟
+
رد بعملية :
+
- جسديا كدماتها تتماثل لشفاء اما نفسيتها كما اخبرتكم هي بحاجة إلى طبيب نفسي ليساعدها ، أنا لا خبرة لي في هذا المجال و يجب ان تحصل على الرعاية اللازمة ، يمكنني الاتصال بأحد زملائي الماهرين و المجئ ليتابع حالتها ؛
+
ظلت صوفيا صامتة لا تعرف ما الذي عليها فعله ، فأكمل الطبيب بجدية :
+
- اتظنين ان الأمر بسيطا ؟؟!!! الفتاة تعرضت لتعنيف و فقدانها النطق صعب عليها الأمر أكثر ؛
+
اجابته صوفيا :
+
- أنا أحاول الاتصال بزوجها ، و بمجرد عودته أنا واثقة انه سيأخدها .
+
ابتسم الطبيب باستهزاء :
+
- حقا ؟! بعد كل ما فعله بها ؟؟؟
+
لم تجبه صوفيا ، فأكمل الطبيب بإحباط ليقنعها :
+
- حاولوا على الاقل اخراجها من غرفتها ، لتتمشى بالمزرعة فتغيير الجو سيكون مفيد لها ، كما اني اليوم قد لاحظت أنها لم تعد لا مبالية كالايام السابقة ، فقد أبدت انزعاجها من كلامي و حتى لما لمستها .
+
في اليوم التالي دخلت ارمينيا و هي ترسم ابتسامة واسعة قصدت بها اخراجها من حالتها تلك و قالت بمرح و هي تفتح النافذة :
+
- اسمعي يكفيك النوم و حان وقت لكي تخرجي من الغرفة ، سوف اخدك بجولة في القرية ، لقد طلبت من صمويل ان يأخد يوم عطلة لكي يذهب معنا .
+
لم ترد عليها فقالت ارمينيا باصرار و قد عزمت ان تخرجها من تلك الحالة مهمى حصل ، لانها تشعر بالذنب ناحيتها و كم تتمنى لو انها لم تساعد صوفيا لجعلها تتزوج بسلفادور دون علمها ، و الذي باتت تكرهه الان و بشدة ، فلو انهما لم يساعداه لا كانت رحلت من هنا ولم يكن ليحدث لها اي شيء ؛
1
ابعدت عنها الغطاء قائلة :
+
- لن أقبل بالرفض ، سوف أجهز لك الحمام لتستحمي الآن ...
+
دخلت الى الحمام و ملأت البانيو بالماء الدافئ وسكبت فوقه عديد من المعطرات ثم خرجت لتجدها جالسة ، فاقتربت منها وساعدتها على النهوظ قائلة :
+
- هل تحبين ان اساعدك في الاستحمام ؟
+
رفضت ارسيليا وهي تشير برأسها بنفي ، استجابتها تلك أسعدت ارمينيا كثيرا .
+
دخلت ارسيليا ثم نزعت عنها ملابسها و هي تتوأه بألم بسبب كدماتها و ايضا لانها تشعر بتشنجات في عضلاتها ، وقفت امام المرآة و كم هالها منظرها المزري ، كان جسدها مملوءا بالكدمات الحمراء ، شعرت بألم و كل ذكريات تلك الايام تعود اليها ، إنهارت ارضا و دفنت وجهها بين كفيها تبكي بحرقة ، ودت لو تصرخ باعلى صوتها لعلها تتخلص من الألم الذي يكاد يخنقها و هي تتذكر معاملته السيئة ؛
+
دخلت ارمينيا مسرعة عندما سمعت صوت بكائها و هالها منظرها و هي جالسة على ارضية الحمام تبكي ، انحنت تعانقها مواسية :
+
- إهدئي عزيزتي اعلم ان الأمر ليس سهلا ، ما فعله بك ذلك الحيوان لا يغتفر ، تأكدي انه سوف يأتي يوما يندم على فعلته تلك ؛
+
استمرت ارسيليا بالبكاء لانها كانت بحاجة إلى ان تفرغ كل ذلك الألم داخلها ، أكملت ارمينيا و دموع الندم تسيل من عينها بغزارة :
+
- أرجوا ان تسامحيني ارسيليا و تغفري لي ، اقسم لك ظننت اني بذلك اساعدك ، لقد رأيت الحب بعينيه و فكرت أنكما كلاكما تستحقان فرصة لتعيشا بسعادة ، هو اخبر صوفيا انه يحبك و يريد الزواج بك و أنت كنت رافضة الموضوع بسبب معاملته السيئة لذلك رفضت ان تمنحيه فرصة ليثبت لك حبه وايضا كنت سترحلين قريبا ، و هو لم يرد ان يفقدك لذا فكر بتلك الحيلة ، و أنا الغبية فكرت برومانسية لفعله ، و لم يخطر ببالي للحظة واحدة انك تكرهينه لتلك الدرجة و لا فكرت انه قد يقدم على الانتقام منك بذلك الشكل ، صدقيني لقد صرت أكرهه بشدة لما فعله بك و نادمة بشدة على مساعدتي لصوفيا ، حتى صوفيا ندمت صدقيني ، لما اكتشفنا انك قتلت تلك الاحصنة هي لم تتردد في مساعدتك على الهرب رغم كل شيء ، فقلبها لم يطاوعها ان تتركك عرضة لغضبه و خافت عليك منه ، و هي من ساعدت جاك ليخرجك .
+
بعدها هدأت أرسيليا و توقفت عن البكاء فسالتها ارمينيا بقلق :
+
- هل تشعرين بتحسن الان ؟
+
اومأت برأسها و هي تمسح دموعها ثم نهضت لتستحم و ساعدتها ارمينيا في ذلك ، و بعد أن انتهت تركتها ترتدي ملابسها ونزلت تحضر لها الفطور ، بقيت ارسيليا جالسة على الكنبة تفكر في كل ما قالته ارمينيا ، لا تنكر أنها كانت تكرههما و حاقدة عليهما بشدة ، فلو لم يقوما بخداعها لكانت رحلت الآن و ما كان ليحصل لها كل هذه المصائب ؛
+
رغما عنها لا تستطيع محو فعلته الشنيعة بها من ذاكرتها ، فهو قد عاملها كما لو انها عاهرة و لم يبالي انها مرتها الاولى ، وكم كانت تشعر بالالم و هو يعاشرها غير مبال بصراخها و كأن رؤيته لألمها تزيد من استمتاعه .
+
تنهدت بتعب وهي تتمنى من أعماق قلبها ان ينتهي هذا الكابوس ، بينما هي غارقة في افكارها دخلت ارمينيا تحمل لها فطورها الذي تناولته هذه المرة بدون اعتراض ، وقد قررت انه عليها ان تسترجع قواها لترحل عن هذا المكان و عن حياته ، فمن المستحيل ان تظل بالقرب من وحش مثله ؛
+
خرجت مع ارمينيا و صمويل و اللذان اخداها بجولة في القرية وبعدها الى الشاطئ لتتمتع بنسيمه اللطيف ، وظلوا اليوم كله في الخارج متنقلنين من مكان الى آخر حتى احسوا بالإرهاق ، وبعدها أخدوها الى واحد من أكثر المطابخ الإقليمية الإسبانية المشهورة بمأكولاتها البحرية وبأجبانها الشهية ، كانت ارسيليا تشعر بالهناء وقد نسيت متاعبها في خضم استمتاهعا بهذا النهار ...
+
