رواية لن افلت يدك الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم الكاتبة تقي حامد
قبل أن يسألها عن السبب راحت تسعل بقوة وترشح، فابتعد عنها تلقائيًا، ازدردت لعابها ووضعت يدها على عنقها هاتفة:
-زوري بيوجعني!
+
لوى شفتيه ساخرًا:
-جالك برد يا بسكوتة.
+
ضيقت عينيها متسائلة بشك:
-إنت بتتريق عليا؟
+
رفع كفيه بجواره مستسلمًا:
-معاذ الله أنا أتريق عليكي؟ ليه البلد مفيهاش قانون.
+
ورغم سخريته ضحكت بانهاك، فاقترب منها متنهدًا ومن ثم قال وهو يفتح ذراعيه:
-تسمحيلي أساعدك؟
+
أومأت بلا تردد، فسحبها معه برفق إلى الفراش قائلًا وهو يساعدها على الاستلقاء والاعتدال:
-ارتاحي على ما أجيبلك الأكل من برا، هندلعك 3 تيام ياكش يطمر.
+
واستدار ليذهب، وعنها فاتسعت بسمتها أكثر وأكثر، وعينيها تلتمعان بشكل غريب
1
✦❥❥❥✦
+
-وه! عند بنت خالك تبجي عند خالك!
+
-لأ يا جدي، أصل..أصل اسيا اتجوزت.
+
-اتچوزت؟ أخيرًا لجولها حد يلمها.
1
عضت على شفتها السفلية بحرج:
-عيب كدا يا جدي.
+
لوى شفتيه على الجهة الأخرى وتابع:
-ما علينا، أجول ايه للواد حسان واصل!
+
توترت قائلة:
-قوله يرجع، هبقى آجي أنا لوحدي آخر الأسبوع.
+
-وأنا لسه هستنى سبوع تاني!
+
ابتسمت مرتبكة:
-معلش بقا يا جدي استحملني على ما أرتب أموري.
+
-ماشي يا بتي، عشان خاطر عيونك بس.
+
مصمصت شفتيها بارتباك، وأنهت المكالمة معه مع وعد بالمجيء قريبًا، وقريبًا يعني دقات قلبٍ ارتفع صوتها، ويعني حقيقة ستنكشف عما قريب، وتعني مواجهة حتمية مصيرها واضح.
+
✦❥❥❥✦
+
تعبث في هاتفها حتى دخل عليها بصينة عليها أطباق الطعام، وضعها ببطء أمامها على الفراش وجلس أمامها هاتفًا:
-يلا بسم الله.
+
وضعت هاتفها جانبًا وأشارت على طبق معين متسائلة:
-ايه دا؟
+
-شوربة فراخ.
+
رفعت حاجبها:
-فراخ؟! عايزني أشرب الشوربة دي؟
+
ابتسم بهدوء ووضع أمامها قطعة دجاج:
-وهتآكلي دي.
+
هزت رأسها نفيًا بهستيرية، والصرخة جاءته منها قوية:
-أنت اتجننت؟ عايزني أتخلى عن مبادئي وآكل لحمة؟
1
أشار باصبعه إليها بملامحه الهادئة دومًا:
-أولًا لمي نفسك وإنتي بتكلميني، ثانيًا دي مش لحمة..دي فراخ.
+
قالها مبتسمًا بسماجة، فهدرت بعنف رغم التعب الذي سكن خلاياها:
-No, No way.
+
تنهد ونظر إليها لبرهة، ثم قال:
-بصي يا آنسة، اللحمة نعمة ربنا، وإن كانت حرام أو مضرة للصحة كان ربنا حرمها، لكن طالما محرمهاش يبقى نغير مبادئنا شوية عشان صحتنا.
+
وعلى عنادها ظلت مستمرة، هو يحاول وهي ترفض، حتى زفر حانقًا مع استغفار وقال:
-طب كلي ملوخية ورز بلاش فراخ.
+
وضع بعض الملوخية اللزجة على الأرز، فاشمئزت من لزوجيتها وقالت:
-هي عاملة كدا ليه؟
1
-إيه هتطلعي فيها بدعة دي كمان؟ ما أنتي لسه بالعة خمس معالق في المطبخ!
+
أشار على الملعقة التي تُقطر ملوخية لزجة:
-مكانتش كدا في المطبخ!
1
وضع الملعقة بنفاذ صبر:
-أومال عايزاها شبه شوربة الماشروم بتاعتك ولا ايه؟ دي ملوخية ربنا خلقها كدا وهتاكليها كدا واخلصي عشان صبري بينفذ ودا غلط.
+
رفع الملعقة ثانيةً ففتحت فمها لتستقبلها، مضغتها بامتعاض رغم لذتها، وبدأ يُطعمها وهي مستمتعة، يمكنها التقاط الملعقة والتناول بمفردها، ولكن هناك ما دفعها لأن تتمتع بدلاله لها.
+
انتهى وأبعد الصنية قائلًا:
-ارتاحي بقا شوية.
+
أومأت بخنوع وهي تنزلق أسفل الغطاء مبتسمة بخفة، أغلق الاضاءة فتنهدت براحة وأخذها النوم..إلى كوابيسها!
+
"سعلت ورشحت، فنظر إليها بطرف عينه، وعاد بعدها ينظر للحاسوب الموضوع على فخذيه، وعندما سعلت ثانيةً سألها:
-Est ce que tu va bien?
1
عقدت حاجبيها:
-إيه؟
+
قلّب عينيه بملل وكرر السؤال بصيغة أخرى:
-Are you fine?
+
أومأت مبتسمة بارهاق:
-Yes.
+
نظر لارهاقها البادي على وجهها باقتضاب، سرعان ما وضع الحاسوب ووقف أمامها قائلًا:
-خشي ارتاحي.
+
هزت رأسها نافية وراحت تسعل وهي تحاول الاجابة:
-لأ، هبقى كويسة.
+
مد كفيه وأوقفها قائلًا بجدية:
-خشي نامي على ما أعملك حاجة سخنة، go.
+
دخلت بهدوء إلى غرفتها، واستلقت على فراشها، حتى غفت قليلًا لم تشعر بعدها بشيء، سوى بلمسات خفيفة على وجنتيها أوقظتها، ففرقت جفنيها لتجده جاثيًا بجوار فراشها، يتأمل ملامحها بافتنان، ويهمس بانبهار:
-Tu es belle!
1
(أنتِ جميلة)
+
ولأنها لا تفهم الفرنسية ظنته يخبرها بأنه جاء لها بالمشروب الساخن، فنهضت بعفوية واعتدلت على الفراش، ففاق لنفسِه ومد يده لها بالمشروب، فأخذته شاكرة ببسمة عريضة ممتنة، وما زال يتأملها بغموض نظراته، لم تعطي الأمر أكبر من حجمه، هو بمثابة والدها..كما أخبرتها أمها تمامًا!"
+
عقدت حاجبيها بانزعاج وتململت في الفراش بعدم راحة، والعرق يتصبب من جبينها
+
"-أنكل إدريس هو إيه اللي بتشربه دا؟
+
سألتها فأجاب مبتسمًا بخمول يمد يده لها بالكأس:
-جربي.
1
وكأي فتاة مراهقة وُضع أمامها سائل ذهبي اللون ارتشفت منه بفضول كي تستشف ماهيته، أبعدته عن فمها ممتعضة الوجه متمتمة باشمئزاز:
-يعع، طعمه وحش أوي!
+
التقط منها الكأس وهو على ابتسامته، يرتشف القليل ويجيب بينما يمصمص شفتيه:
-بكرا تتعودي.
+
تجاهلت تلك النبرة في كلماته كما تتجاهل الكثير، وأشاحت بوجهها ناحية التلفاز تتابع الفيلم المعروض وتلتقط من طبق الفواكه شيء لطيف الطعم بدلًا من المذاق القابض الذي تناولته منذ قليل."
+
ازدردت لعابها وشعرت بشيءٍ يجثم على صدرها، اختنقت أنفاسها وهي تتململ بانزعاج، المكان مُظلم كالغرفة القابعة بها، وتستمع لصوت أنفاس بجوارها، وكان كابوس جديد.
+
"فتحت عينيها على صوت تلك الأنفاس، لتجده جالس بجوارها على الفراش يمرر عينيه على جسدها، فانتفضت مذعورة وقالت وهي تتراجع للخلف:
-أنكل إدريس، فيه حاجة؟
+
ينظر إليها نظرة غريبة سوداوية صعب على فتاة مثلها فهمها، يقترب منها هامسًا:
-je te veux, seta.
+
(أريدكِ، سيتا.)
2
لم تفهم، ولكن النظرة المريبة بعينيه كفيلة بشرح جملته، سقطت من على الفراش في ظل تراجعها، ونظرت لباب الغرفة على أمل الهروب، فابتسم بخبث متمتمًا:
-الباب مقفول سيتا، وماما خرجت! يعني إحنا دلوقتي alone together.
1
وضحك عاليًا ضحكة أفزعتها، هبط من على الفراش وجثى أمامها، وقال:
-إنتي جميلة أوي سيتا، دراعك ناعم.
+
وملس على ذراعها ذهابًا وإيابًا فارتجف جسدها وانتفضت بذعر متراجعة أكثر حتى التصقت بالحائط، ولكنه لم يكف وتابع تحركاته على باقي جسدها متمتمًا:
-وشك بريء، وخدودك حمرا دايمًا، وعنيكي فيهم magic, وشفايفك! لسه معرفش عاملة إزاي..بس هشوف دلوقتي.
1
واقترب مزدردًا لعابه برغبة أضرمت صدره، وفي لحظة كان ينتهكهم لأول مرة، تلكمه في كتفيه بقوتها كلها، ترتجف بين يديه كالأرنب المذعور، وهو يتابع بشفتيه طريقه إلى عنقها، ويلمسها بيديه القذرتين في أبشع منظر.
+
الأنثى كالزهرة..إذا لمستها بالأذى تذبُل.
+
وهو لم يلمسها فقط، بل رَسَّخ في عقلها أبشع صورة عن الرجال، رَسَّخ في عقلها مرضًا لا يشفيه دواء، مرضًا جعلها تائهة لباقي العمر، بشفتيه أطبق على أنفاسها، وأطبق على آخر ذرة براءة تُحيط بفتاة مراهقة في مثل سنها!"
+
-ابعد عني، متقربليش، مامي تعالي..ما..مـ..مامي، مامي ابعديه عني.
+
تتلوى على الفراش كالأفعى التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وجهها يتصبب عرقًا وقلبها ينزف دمًا، نهض داغر من الجوار واقترب منها بقلق فوجدها على هذا الحال، تتلوى وتتمتم:
-مامي عشان خاطري....ابعديه عني، مامـ...مامي متمـ..شيش، متسبينيش يا مامي، مـ..مامي إدريس بيـ...بيعمل معايا حاجات وحشة!
+
عقد حاجبيه بتعجب، وآسيا تتابع بلا وعي:
-إدريس وِحش!
+
"اقتربت منها بخطوات مترددة، تقدم قدم وتؤخر الأخرى، تقف أمامها منكسة الرأس كالمذنبة، وتقول بصوتٍ مبحوح:
-مـ..مامي.
+
تغمغم بعدم تركيز وعينيها مثبتتين على الحاسوب الموضوع على فخذيها، فتتردد الصغيرة لبرهة، ثم تقول:
-مامي.. أونكل إدريس..
+
سألتها باقتضاب:
-ماله.
+
ازدردت لعابها بتوجس، ودمعت عينيها وهي تقول بصوتٍ منخفض:
-أونكل إدريس بيعمل..بيعمل...
+
ترددت في القول، فزمجرت الأم بانزعاج:
-quickly يا آسيا مش فضيالك.
+
اختنق صوتها وقد شعرت بالغصة تحرقها:
-أونكل إدريس بيعمل معايا حاجات وحشة..
+
قلّبت الأم عينيها بملل هاتفة:
-وحشة إزاي.
+
ازدردت لعاب وهمي، فقد جف حلقها واختنق صوتها:
-بيلمسني..بطريقة وحشة، وبيـ..بيبوسني!
+
ابتسمت الأم ساخرة وهي تكتب شيئًا على حاسوبها:
-عادي يا آسيا...
3
رفعت عينيها ونظرت إليها ببسمة خفيقة:
-أونكل إدريس زي بابا بالظبط.
+
شردت عينيها وهي تستطرد بعد تنهيدة عميقة:
-ويمكن أحسن من بابا.
+
هزت رأسها تمنع عقلها من الشرود قبل أن تنظر لابنتها نظرة عابرة وتنقل بصرها للحاسوب متابعة عملها:
-متخافيش من أونكل إدريس خالص وروحي يلا اتعشي ونامي عشان مدرستك بكرا.
+
أومأت بانهاك، واستدارت لتدخل لغرفتها، وفي طريقها للدخول إلى الممر اصطدمت به يقف يرمقها بنظرات ثاقبة حادة، فازدردت لعابها وشحب لونها، تبادلا النظرات لثوانٍ قبل أن تنادي الأم عليه، فيقطع هو التواصل البصري وينضم لها، يقبلها أمام ابنتها بسفور، ويرمقها بنظراتٍ عابثة متخابثة، ويتبعها بقولٍ عابث فتعلو ضحكات الأم لتصم أذني الابنة التي هرولت بخطواتٍ سريعة نحو غرفتها، تدخل من بابها، وتغلقه بالمفتاح ثم تتجه للخزانة وتجلس بجوارها ضاممة ركبتيها إلى صدرها، تهز جسدها أمامًا وخلفًا، شفتيها ترتجفان، وجسدها ينتفض، تتذكر القبلات الوحشية، واللمسات الحقيرة، الرجفة تزداد، وعينيها تتحولان للون الأحمر من شدة الرعب، بينما وجهها شاحب بشكلٍ غير طبيعي، تدفن وجهها في ركبتيها، وتظل تهز جسدها للأمام وللخلف.
1
دقائق من الصمت، تبعه صوت خطوات تقترب من بابها، فتزداد تشبثًا بركبتيها، وتتقافز دقات قلبها رعبًا، تنظر إلى الباب الذي يتحرك مقبضه ببطء، وبعدها تسمع لطرقتين هادئتين يتلوهم الصوت المريب:
-افتحي سيتا، مامي نامت وبقينا alone together تاني.
+
ويضحك بخفوت مستطردًا:
-افتحي سيتا ومتزعليش أونكل إدريس منك!
+
في بدايته هادئًا لطيفًا، لا تفتح ولن تفعل، فقط ترتجف وتنتفض، فيزمجر غاضبًا:
-قولتلك افتحي ومتزعلينيش.
+
وصراخه لا يزيدها إلا رعبًا، فتغمض عينيها وتعتصر جفنيها بقوة، متمتمة بشفتين ترتجفان:
-دا كابوس، دا كابوس، مامي هتصحيني، دا كابوس.
+
ربتت بكفها على ذراعها وتابعت بصوتٍ باكٍ:
-متخافيش يا آسيا، دا كابوس، هتصحي دلوقتي، متخافيش..متخافيش.
+
وما أحن علينا إلا نحن، نربت على أرواحنا ونطمئنها عندما لا نجد من يفعل، وفي خوفنا نتمتم بالكلمات المطمئنة، نحتضن أنفسنا بأنفسنا، ونُشجع أنفسنا، نحن دومًا الأحن على أنفسنا، دائمًا وأبدًا سنكون الأكثر احتواءً لنا، والأكثر حنوًا ورقة."
1
-إدريس..إدريس بيخبط، متخافيش..دا كابوس..كابوس، ماما هتصحيكي دلوقتي، ماما هتصحيكي.
+
وتتلوى بشكل مرعب، فهزها برفق، لم تستجيب وظلت على حالتها، فهزها ثانيةً بقوة أكبر، لتفتح عينيها فجأةً برعب منتفضة وكفيها يتشبثان بذراعه كأنه طوق النجاة، وعندما اصطدمت بعينيه هدأ تحفز جسدها، وتنفست بشكلٍ طبيعي، متشبثة بذراعه الذي يحاوطها أكثر، نظرت إليه بتشوش، حتى ابتسم لها بهدوءه الآسر، وربت على خصلاتها متمتمًا:
-متخافيش، أنا جمبك.
+
ولأنه بجوارها، سكنت. أطبقت جفنيها بارهاق مرة أخرى وراحت تُصارع كوابيسها ثانيةً، وحيدة كعادتها، لا تجد من يوقظها، والآن هو بجوارها..وكلما فُزعت سيطمئنها، ويربت على قلبها، فتهدا ضرباته وتنطفئ نيرانه، ويستكين في ظل هذا الشعور المجهول التي لا تدري ما هو!
1
✦❥❥❥✦
+
طرقات رقيقة على باب الشقة، لا تكف، فزفر ساخطًا ونهض متجهًا إلى باب الشقة بخطوات متعثرة، فتح الباب فإذا بها تقف أمامه مبتسمة بارتجاف، تتشبث في حقيبتها قائلة:
-بقالك مدة مبتظهرش بعد الامتحانات، قولت آجي اتطمن عليك.
+
وقف بجوار الباب سامحًا لها بالدخول دون أن ينطق بحرف، فدخلت ثم أغلق الباب، توجه للأريكة وارتمى عليها ملتقطًا علبة التبغ وأخرج واحدة وأشعلها ثم تابع باقي العملية، وهي تقف تنظر إليه بحرج طبيعي، فهو يجلس أمامها بلا حياء عاري الصدر وينفث تبغه وكأنها شفافة، سرعان ما أشار لها بالجلوس قائلًا:
-ما تقعدي يا دليلة إنتي محتاجة عزومة.
2
ترددت قليلًا قبل أن تتجه للمقعد المجاور وتجلس عليه، أجادت إخراج صوتها طبيعيًّا حين قالت:
-أنا بس كنت جاية أتطمن عليك، وواضح إنك كويس.
+
اعتلى ثغره بسمة ساخرة قبل أن يقول:
-لا والله أنا شاكر لكرمك.
+
تنهدت بتعب منكسة رأسها بخزي، لقد أتعبها عناده، وأرهقها حبه.
+
-تمام يا أنس، مبسوطة إنك بخير، عم إذنك.
+
ونهضت بعد جملتين، وفي طريقها للباب أوقفها بنبرة حادة:
-استني.
+
تجمدت مطرحها، أطفأ التبغ في المرمدة، ونهض بثبات مقتربًا منها، وقف خلفها تمامًا، حتى أنها سمعت صوت أنفاسه الحارة تضرب عنقها، ابتلعت لعابها بتوتر واستدارت ببطء، فواجهتها عينيه الغامقتين، ونظرته غير البريئة بالمرة، فسألته برجفة:
-فـ..فيه إيه يا أنس.
+
تجرأ ومد يده يلمس ذراعها العاري صعودًا وهبوطًا هامسًا بصوتٍ أجش:
-كنتي جاية ليه قولتيلي؟
+
خرجت الكلمات من بين شفتيها المرتجفتين بالإجابة تلقائيًا:
-أ..أتطمن عليك.
+
افتر ثغره عن بسمة رأتها جذابة، وكيف لا وهي تخصها وحدها:
-بس؟
+
أومأت باستغراب، فاقترب بوجهه منها حتى ضربت أنفاسه وجهها:
-يعني مش جاية عشان حاجة تانية؟
+
تطاولت لمساته لدرجة أنها انتفضت كالملسوعة هاتفة بحدة وهي تتراجع:
-فيه إيه يا أنس!
+
واقترب منها أكثر فحاصرها بينه وبين باب الشقة، ثم تمتم بينما عينيه لا تحيدان عن تفاصيل وجهها:
-مش إنتي بتحبيني؟
1
تصاعدت دقات قلبها، وشعرت بالسعادة تغمرها، وأخيرًا اعترف بحبها! ظنت أنه في اللحظة التالية سيعترف هو أيضًا، لذلك أومأت بهستيرية سعيدة، فمد يده لها قائلًا مع تلك البسمة:
-طالما كدا تعالي معايا.
+
عقدت حاجبيها بتعجب متسائلة:
-على فين؟
+
-اللي بيحب حد بيثق فيه...صح؟
+
أومأت، وفي اللحظة التالية كانت يده تتشبث في خاصتها، يقودها معه نحو...غرفة نومه!
2
تسير خلفه كالمسحورة ولا يهمها إلى أين يقودها، يكفي أنه معها، وصلا الغرفة فدخلها وأغلق الباب، وقف أمامها ونظر إليها لحظات بابتسامة عابثة، وعادت لمساته تأخذ مجراها، وهنا آسرتها عيناه، فهي التي ظلت تنتظر نظرة منه، عندما تحركت شفتيه نحو خاصتها شعرت بفراشات تُحلق حولهم، استسلمت له كالمُغيبة، فاستغل الفرصة وتابع ما يفعل، حتى انتهى الأمر بهما على الفراش، هو يعتليها ويهمس لها بكلماتِ الغزل غير البريء بالمرة، يتغزل في جسدها وقوامها الممشوق، يتغزل في مشيتها وطريقة حديثها بصوتٍ مبحوح مُغيب، ويختم الغزل بإبداء افتنانه بخصلاتها الطويلة البنية كلون عينيها تمامًا، فتتجمد دليلة؛ لأنها لم تمتلك يومًا خصلات بنية طويلة ولا عينين بنيتين، خصلاتها قصيرة شقراء، وعينيها زرقاوتين بخبث، وعند القبلة الأخيرة منه همس باسم غريمتها وعدوتها اللدودة:
+
-إنتي جميلة أوي يا آسيا.
+
وتنتهي الليلة بكليهما على فراشٍ واحد، عاريين، بعد ليلة ماجنة، صباحها سيهدم متعتها.
5
✦❥❥❥✦
+
فرق جفنيه عند آذان الفجر، وكانت هي ما زالت تقبع بين ذراعيه غافية براحة، تنهد بانهاك وهو يحرك عنقه يمنى ويسرى، دون أن يجرؤ على رفع يديه عنها، فهو يحاوطها بيده اليسرى وذراعه الأيمن قابع أسفل رقبتها وبين ذراعيها تحتضنه كأنه دُمية مفضلة لطفلة ذات خمس سنوات.
+
اقترب بشفتيه من جبهتها واستقرا عليها، عندما تأكد من اعتدال حرارتها تنفس براحة وقد ذهب ذلك الاختناق الجاثم على صدره أدراج الريح، انسل من بيد يديها ببطء ورفق، فتململت بانزعاج ليثبت مكانه متجمدًا، حتى انتظمت في نومتها مرة أخرى فتابع الانسلال من بين يديها، حتى فعل فنهض من على الفراش وألقى عليها نظرة أخيرة، ثم شدّ الهمة لصلاة الفجر في المسجد.
+
شعرت بالبرودة تلسعها بعدما غمرها الدفء لساعات، ومع تلك البرودة كانت الأنفاس اللاهثة بجوار أذنها تتحدث:
+
"متحاوليش تهربي مني تاني، عشان كدا كدا...هجيبك."
+
يعود الاختناق، ويتلوه التنفس السريع، ثم صدرها يعلو ويهبط بهستيرية، وأنفاسها لم تعد منتظمة بل بدأت تتسارع، تتمتم باسمه راجية أن ينقذها منه أحد، تنادي على أمها فيصلها ضحكات متغنجة من والدتها اختلطت مع كلماته:
+
"مامي نايمة، ومحدش هينقذك دلوقتي."
+
والأم تضحك بصوتٍ عالٍ، ضحكات تسمعها فقط، ضحكات أمها مع زوجها في غرفة نومهما اختلطت مع ضحكاته أثناء تحرشه بها، وهي تحارب لتغطي أذنيها بكفيها مانعة تلك الضحكات من أن تصلها، مانعة صوت حذاءه اللامع أسود اللون من الوصول إليها، تحجب بذلك صفيره المتكرر والذي يعني اقترابه منها وإرعابه لها، يضحك بمجون ثم يقول:
+
"تاك تيك توك، إنذار خطر."
1
وهي بداخل الخزانة، تضم ركبتيها لصدرها وتتأرجح للأمام وللخلف، بجبينٍ مجعد غارقًا في العرق، وعينين مهتزتين، وجسد يرتجف، هي في رعب دائم، وعذابٌ مُقيم، لن تتخلص منه أبدًا!
+
ثم يظهر أمامها فجأةً بعدما عرف مكانها، فتصرخ بهلع، وهو يضحك بعلوٍ سافر!
+
ظلت تهذي بكلماتٍ مبهمة، وحيدة بالغرفة مرة أخرى، غارقة في الظلام، ظلام كوابيسها وظلام الغرفة، قدميها يتلويان أسفلها برعب، وقد لثمها العرق حد الاختناق، أبعدت الأغطية بقدميها أملًا في إبعاد الاختناق والشعور ببعض الهواء، ظلت تنازع الأحلام وتُحارب بضراوة، تصرخ وتتألم، تتلوى وتزأر، تمنعه من الاقتراب فيلمسها، تعترض فيصفعها، يعريها أمامه فتقف مرتجفة، يُريها أدواته السادية فتنكمش في نفسها وتحاول مداراة عورتها بيديها الهزيلتين النحيلتين، وكلما صرخت يقول بتلذذ:
"اصرخي كمان، صريخك بيريحني."
1
وتصرخ..تصرخ..وتصرخ، تصرخ باسمه أن يبتعد، وتصرخ باسم أمها لتنقذها فلم تفعل، تصرخ باسم أبيها ليأتي ويحررها، فتتذكر جملته حينما هاتفته مذعورة تطلب منه المجيء وأخذها:
+
"مش إنتي اختارتي أمك؟! متجيش تشتكي منها بقا."
1
بقسوة قلب يغلق الهاتف في وجهها، بعد مكالمة تعبت كي تقوم بها، لم يعطها الفرصة لتشرح له ما تعانيه، ليخبرها أنها اختارت وعليها تحمل العواقب، وحينما يعلم زوج الأم يجرجرها من خصلاتها أرضًا وهي تتلوى بألم وتصرخ بعذاب، يقودها نحو غرفته السادية ويلقيها على الأرض كالقمامة، يُخرج من الخزانة سوطًا، ثم يقف أمامها صارخًا بغضب:
"إنتي للدرجادي مش مبسوطة معايا سيتا؟ رايحة تكلمي بابا؟"
2
ذم شفتيه بحزن مزيف، وتأتأ بأسف، وهي أمامه تلتصق بالحائط وتنحب بلا صوت وعلى وجهها الشاحب ترتسم أمارات الهلع والذعر، أعتى أمارات الرعب!
+
فيرفع يده بسوطه يميل برأسه للجانب قليلًا قائلًا بابتسامة مرتجفة مختلة:
"هنعالجك المشكلة حالًا سيتا"
+
ويهبط بقسوة يدٍ وجمود قلبٍ على ساقها، فتصرخ بقوة، يقترب منها ويغطي فمها بكفه هاتفًا من بين أسنانه:
-في اللحظة دي لو صرختي، هقتلك.
+
وبغضب وقسوة يلويها حتى أصبح ظهرها مقابلًا له، يقيد يديها بحبلٍ مُلقى أرضًا بجوارها بعنف، ويغطي فمها بخرقة بالية متسخة، يمزق ملابسها من الخلف، وينتصب واقفًا، يرفع سوطه ويهبط به على ظهرها، فتحاول الصراخ لتمنعها الخرقة التي تُغطي فمها، تتألم وتتلوى، وهو لا يكف، يتابع أكثر فأكثر، وتنحب، تصرخ بقوة حد أن قلبها كان يُنتزع من فرط الصراخ القوي، والسادي لا يكف بل يُكمل، ومع كل جلدة يبتسم بانتشاء، ويضحك منتصرًا، ومع آخر جلدة ألقى السوط لاهثًا، ثم أدارها له وجثى أمامها، مرر كفيه على وجهها الغارق في عرقه والتي التصقت خصلاتها البنية به، تمتم بصوتٍ حانٍ يحمل في طياته اختلال عقلي وجنون:
"قولتلك مبحبش اللي مبيسمعش الكلام، وإنتي..إنتي مسمعتيش الكلام سيتا، زعلتي أونكل إدريس دلوقتي، و..وشوفي عملت فيكي إيه في لحظة غضب!"
1
وسيتا تبكي بلا توقف، رغم ارهاقها وشحوب وجهها تنحب بقوة متألمة، فيتابع تمرير كفيه على وجهها مزيلًا خصلاتها عنه:
"شششش، Ne pleure pas, ma petite "
+
(لا تبكي صغيرتي.)
+
واحتوى جسدها الصغير الهزيل بين ذراعيه مشددًا على ضمها بقوة فتأوهت متألمة أكثر عندما شعرت بالألم ينخر عظامها، ربت على خصلاتها الناعمة بحنو مهدهدًا إياها:
"Ne pleure pas mon amour ....Ne pleure pas."
+
(لا تبكي حبيبتي، لا تبكي.)
+
والصغيرة قليلة الحيلة تنحب فقط في صمت، خائفة من أن تعلو بصوتها فيغضب ويتابع فيما كان يفعل، وظلت هكذا ثلاث سنوات، تخشى غضبه، وتمتثل لأوامره، ولكنها لم تخضع يومًا للمساته لها، فيغضب ويحدث ما كانت تتجنبه.
1
-بسم الله الرحمن الرحيم، سلامًا قولًا من ربٍ رحيم.
+
كانت تلك تمتمة زينات التي اقتحمت الغرفة مُضيئة الأنوار بهلع، تهرول ناحية آسيا التي تتلوى في فراشها وكأنها تغرق، فتجلس بجوارها على الفراش وتربت على جبينها بحنان متمتمة بالبسملة والحوقلة، تتمتم بالآيات القرآنية والرقية الشرعية، فتهدأ آسيا وتستكين بين ذراعيّ أم ليست بأمها، ولكنها أعطتها ما لم تُعطه أمها، احتوتها وغمرتها بالدفء، فشعرت آسيا بها وهي تحنو عليها، لتتنهد براحة، ثم تضم نفسها لصدر الأم الحنون مرتاحة لما تردده من كلماتٍ أدخلت في نفسها الرضا وراحة البال.
1
✦❥❥❥✦
+
منذ أمس تتصل بها ولا تُجيب، ظنت أنها ناعسة، وعندما أشرقت الشمس حادثتها فلم تُجيب أيضًا وجاءها صوت الهاتف الآلي يخبرها بأن الجوال مُغلق! فتتعجب أكثر وتتسائل عما حدث!
+
زفرت بحنق مستغفرة، حتى رن هاتفها فحملته بلهفة، فإذا باسم تميم يُضيء شاشته، أجابت باحباط:
-أيوه.
+
-يا صباح الجبنة الكيري ع اللي شاغلة تفكيري، عاملة إيه يا قمر.
+
والصوت الناعس يُخبرها أنه استيقظ لتوه من النوم، فاليوم اجازته، تمتمت بالرد:
-كويسة.
+
-مالك؟ هادية ليه كدا؟
+
ترددت قليلًا، عضت أناملها بتوتر، أتخبره بكارثتها أم تنتظر، هي حتى لم تخبر خالها فكيف ستخبر تميم خطيبها! في الحالتين ستخسر كل شيء، وفي ظل حسابها للمعادلة من كل الجوانب تحدث تميم:
-إيه يا أسمهان فيه إيه؟
+
أجابته بصوتٍ مختنق:
-مفيش حاجة يا تميم.
+
-خمس دقايق وأكون عندك، اجهزي وهستناكي تحت العمارة، عشان شكل الموضوع كبير.
+
وقبل أن تعترض كان الخط يُغلق بوجهها، فعلمت أنه أمرًا وليس خيار، علاقتها مع تميم قائمة على المشاكسة، هما الاثنين وجهان لعملة واحدة، كلًا منهما يُكمل الآخر، إما بتفاؤله أو ببشاشته أو بإقباله على الحياة أو بتمسكه بالآخر، كلاهما يعلمان قيمة الرِباط بينهما، ولكن كذبتها ستُدمر كل شيء إذا لم تتداركها، ولن يُساعدها سوى آسيا، رفيقة دربها وشريكتها في كل جرائمها، إلا آخر جريمة، فحتى آسيا لا تعلم كذبة رفيقتها الكبرى، وتلك...هي المشكلة العظمى.
1
✦❥❥❥✦
+
في لحظة انفصلت فيها عن كوابيسها، رأته يميل نحوها، ويبتسم ببشاشة، والحنان يلتمع في عينيه، بينما يقول بهدوء:
-اصحي يا بسكوتة اشربي الشوربة.
+
فتبتسم باطمئنان، وتتململ في نومتها، وعند هزة أخرى تفتح عيناها ثانيةً؛ لتُدرك حينها أنه ليس حُلمًا، بل إنه حقيقة، يبتسم لها بلطف، ويربت على خصلاتها بدفء، فتتنهد براحة ويساعدها على الاعتدال مستندة بظهرها إلى ظهر الفراش، وضع أمامها صنية الشوربة، وأطعمها منها متحملًا وهنها وغياب عقلها، كانت ماثلة أمامه بخصلاتٍ مشعثة وعينين ذابلتين، لكنه لم يهتم، فهذا ليس وقت تحديد من الأجمل، عندما انتهت منها تمتمت بتعب وصوتٍ غير واعٍ:
-حلوة البتاعة دي.
1
ابتسم بدفء وربت على خصلاتها وكأنها يُرتبهما:
-ربنا يحلي أيامك يا بسكوتة.
+
والبسكوتة ذابت تحت لمساته الحنونة، فانزلقت ثانيةً أسفل الغطاء، تتنعم بالدفء رغم حرارة الجو، فيعتلي ثغره بسمة هادئة، تليها تمتمة مبهمة:
-ربنا يشفيكي ويعافيكي ويردك ليا قوية زي ما عاهدتك....يا آسيا.
+
ولاسمها من بين شفتيه مذاقًا خاصًا، إذا كانت في وعيها كانت ستذوب عند سماعه.
+
_______________________
+
دخول رايق يسبب حرايق، إيه أخبار البارت معاكم؟ مشوق ولا اي كلام؟
4
رأيكم في كل شخصية بقا خلينا نحلل الرواية مع بعض.😂♥
1
#دمتم_بخيـࢪ🕊
+
