اخر الروايات

رواية لن افلت يدك الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم الكاتبة تقي حامد

رواية لن افلت يدك الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم الكاتبة تقي حامد



                                              
متنساش الڤوت يا كتكوت.🐥

+


_______________________

+


تترقبه بعينين الهلع يقفز منهما، وكل خلية في جسدها تنتفض وكأنها تحترق، إذ بصوتٍ أنجدها وفتح شُعبتيها الهوائيتين للتنفس:
-صبا!

+


اقتربت سمر منهما ووقفت بجوارها عاقدة الحاجبين، ومتسائلة:
-فيه حاجة؟

+


تدّخل وقال:
-أنتي صاحبة صبا؟ أنا مروان خطيب اختها.

+


أومأت سمر وابتسمت بلطف:
-آه، أهلًا وسهلًا.

+


نقلت بصرها لصبا ومدت يدها بالكشكول:
-نسيتي دا معايا.

+


التقطته صبا بأيدي مرتجفة وهي تبتسم شاكرة، ضيقت سمر عينيها بشك ونظرت لمروان، سرعان ما قالت:
-العيال مشيوا، وأنا لسه عايزة اروح المكتبة اجيب حاجة، ما تيجي معايا؟

+


نظرت لها بلهفة وأومأت سريعًا، تأبطت سمر ذراعها واستأذنت من مروان، وذهبتا في الاتجاه المعاكس له، فتنفست صبا الصعداء وغمرها الارتياح.

+


✦❥❥❥✦

+


خرجت آسيا مع أسمهان من المدرج بعد إنهاء الاختبار، سارتا معًا إلى الكافتيريا، وفي طريقهما أوقفتهما دليلة، سارت بمحازاتهما وقالت:
-حليتوا كويس؟

+


زفرت آسيا حانقة ولم تعقب، بينما أومأت أسمهان:
-آه الحمدلله.

+


مالت دليلة برأسها نحو آسيا وابتسمت بخبث:
-How are you يا آسي.

5


رمقتها بازدراء وهتفت باندفاع:
-أحسن منك.

+


توسعت عين أسمهان ونظرت لآسيا بدهشة، بينما رفعت دليلة حاجبها بسخرية:
-واضح إن الحارة أثرت عليكي أوي يا آسي.

1


احمر وجهها غضبًا، وكادت تندفع لتلكم وجهها بابتسامته المستفزة إلا أن داغر تدّخل حينما قفز يقف بجوارها مبتسمًا:
-إيه يا حبيبة قلبي عملتي ايه؟

+


نقلت بصرها إليه بحاجبين معقودين، توسعت عينيها حينما حاوط كتفيها رافعًا حاجبه بتحذير، فقالت بينما تجز على أسنانها:
-Fine.

+


ابتسم بهدوء وهتف:
-الحمدلله.

+


اقترب منها وطبع قبلة على جبينها متمتمًا:
-عقبال الباقي.

+


تجمدت بين يديه بذهول، بينما اقترب تميم من أسمهان وكرر سؤال داغر، فأومأت مبتسمة، في حين كانت آسيا تهمس من بين أسنانها لداغر:
-ابعد عني..now.

+


اعتلى ثغره بسمة متهكمة وهتف:
-يا سلام، دا على أساس إني ميت عليكي أوي جاتك نيلة.

1



                                      

          

                
ودفعها بعيدًا عنه، فرمقته بعدم تصديق، هندم ملابسه غير مباليًا بنظراتها التي تخترقه، رفع عينيه تلقائيًا فاصطدم برؤية ذلك السمج يقترب منهم وعينيه تقدحان شررًا، فتنهد مللًا، أما أنس فاقترب يبتسم باصفرار:
-هاي يا بنات.

1


ضحك داغر متهكمًا وقال:
-هاي؟ فيه راجل شلِحف زيك يقول هاي؟

+


حدجه أنس بنظراته الغاضبة، ثم تخطاه وهو يبتسم ناظرًا لآسيا:
-آسي، miss you so much يا عمري.

2


ومن ثم مد يده ليملس على خدها في حركة رومانسية، فوجد داغر من العدم أمامه وتلقائيًا بدلًا من أن يملس على خد آسيا كان يملس على خد داغر الذي كان رافعًا حاجبه بحدة ويرمقه بنظرات صارمة حازمة، وأنس يقف مشلولًا ومصدومًا من هول المفاجأة، من أين يظهر له هذا؟!

1


فك تجمده صوت داغر الساخر:
-هنفضل كدا كتير؟ هنتفهم غلط يا عم الحَبْيبْ.

1


توسعت عينيه بذهول وأبعد يده سريعًا، فأخرج داغر منديلًا من جيبه ومسح مكان لمسة أنس، تنحنح أنس حرجًا وحاول النظر لآسيا التي أخفاها داغر خلفه بوقوفه هكذا، وكلما حاول النظر لها من مكانٍ أخفاها داغر خلفه، فتحدث أنس متعجبًا:
-What?! 
عايز أشوفها وأتكلم معاها!

+


رفع داغر حاجبه باستنكار، ومن ثم قال بهدوء يتنافى مع ما يعتمل صدره من غضب:
-طب ممكن بعد إذنك تبعد عنها عشان أنا متعصب دلوقتي؟

+


كشّر أنس عن أنيابه وصاح غاضبًا:
-أنت ملكش الحق تبعدها عني، سامع أنت متقربلهاش حاجة.

1


ابتسم ساخرًا وأجاب:
-أنت أهبل يالا؟ دي مراتي!

+


دمدم أنس منفعلًا:
-متقولش مراتي.

1


ابتسامته الساخرة كانت رد، مع قولٍ مستهجن:
-خلاص مش هقول مراتي، هقول زوجتي، حلو كدا؟

1


رمقه أنس بكراهية، وداغر في المقابل ينظر إليه ببرود، وكأنه لا يساوي إصبع له، تدخل تميم لينهي الجدال قائلًا:
-شباب إحنا في الجامعة.

+


مد أنس يده ليمسك كف آسيا قائلًا:
-تعالي يا آسي نتكلم بعيد.

4


وكردة فعل طبيعية من زوج طبيعي قبض داغر على ساعد أنس، وصك على أسنانه بوحشية، بينما نظراته تعبر بوضوح عن مكنون صدره:
-شيلها بدل ما أعلقهالك في قفاك.

+


ومن قوة الضغط لم يتحمل أنس وابتعد صارخًا بغضب:
-أنت متعرفش أنا ممكن أعمل فيك إيه؟

2


اقترب منه داغر خطوة فعاد أنس ألف مفزوعًا، بينما هتف داغر وهو يتنفس بعنف:
-وأنت متعرفش إني متعصب؟ مش لسه متنيل قايلك؟ ولا هي تناحة وخلاص؟! 

+



        
          

                
لُجم لسان أنس وشعر بالخطر لوهلة، بينما حاوط داغر كتفي آسيا وسار في اتجاه معاكس واستأذن من تميم وأسمهان بلطف وغادرا، حدجتهم دليلة بحاجبين معقودين بتعجب، آسيا تغيرت في هذا الشهر كثيرًا منذ زواجها من داغر! ردة فعلها أصبحت غريبة! ردودها باتت وقحة متشردة! وكأنها أخذت طبعاهم مع حذف الكاف!

2


✦❥❥❥✦

+


يقفان على الرصيف في إنتظار الحافلة، رمقته آسيا بغموض، ومن ثم قالت:

+


-أنت عاملت أنس كدا ليه انهاردا؟

+


كور قبضته، ونظر أمامه قائلًا بجمود:

+


-عاملته إزاي يعني.

+


هزت منكبيها وأردفت:
-عاملته بوقاحة، طريقتك كانت وحشة، مش طريقة إنسان متحضر!

1


اعتلى ثغره بسمة ملتوية، واستدار ينظر إليها بسخرية:
-وأنا كان المفروض أسيبه يحسس عليكي عشان أبان متحضر؟

+


تململت في وقفتها وأردفت بحنق:
-مقصدش كدا، المفروض كنت عاملته باحترام أكتر، حاول تـ show respect to my friends شوية.

1


انفلتت أعصابه فصاح:
-ريسبكت إيه وزفت إيه على دماغك يلمسك بتاع إيه!

+


انتفضت مذعورة، واحمر وجهها غاضبًا، فبادلته الصراخ:
-أنت بتزعقلي ليه؟!

+


أغمض عينيه وأخذ شهيقًا وأطلق زفيرًا، فتحهما وابتسم بهدوء:
-حقك عليا، المرة الجاية هبقى أسيبه يآخدك شقته.

1


صكت على أسنانها بغل، وصاحت غاضبة بصوتٍ عالٍ:
-Watch your language يا داغر.

2


رمقها بتحذير:
-وطي صوتك.

+


عاندته ورفعت نبرتها أكثر هادرة:
-لأ مش هوطيه، ووريني هتعمل إيه! عشان دي مش طريقة تتعامل بيها معايا في نص الشارع وتـ...

+


بترت جملتها بصرخة عنيفة مُتفاجئِة صدرت منها حينما حملها في لمح البصر لتستقر بين ذراعيه تتلوى كالأفعى وتبخ سمومها في وجهه بغضب:
-نزلني، نزلني يا حيوان بتعمل إيه نزلني.

+


سار بها في الطريق دون أن يجيب مُحكمًا ذراعيه حولها حتى لا تنفلت منه أثر تحركها فتقع، ظلت تتلوى بين يديه راغبة في النزول وهو مستمر في سيره السريع، الجميع ينظر إليهم بغرابة ولم يجرؤ أحد على التدخل، ولن يجرؤ، سواء أكان زوجها أو لا، إذا رأوها تُذبح أمامهم..لن يتدخلوا إلا بعدما تلفظ أنفاسها الأخيرة.

4


وفي زقاق ضيق بأحد الشوارع أنزلها، عدلت ملابسها ولكمته في صدره صارخة:
-How dare you, 
إزاي تسمح لنفسك تشيلني قدام الناس كدا دي قلة أدب وحيونة منك يا قليل الـ...

1



        
          

                
توسعت عينيه بانفعال وهو يكمم فمها هادرًا بوحشية:
-اخرسي شوية دا أنتي بؤقك بينقط مازوت.

+


ضربت يده المكممة لفمها فلم يُبعدها وفتح فمه قائلًا:
-اخرسي بقا يخربيت الرغي.

+


يضغط بكفه على فمها وهي تضربه بيديها الاثنين؛ ليبعد كفه مصدرة تأوهات غاضبة، وهو يرمقها بغل هادرًا بضيق:
-يا بت لمي لسانك بدل ما أحرمك منه.

+


وفي ظل هذه المجادلة الرومانسية بين داغر وزوجته فُتح أحد نوافذ ذلك الزقاق فطلت منه سيدة أربعينية ما إن رأتهما شهقت بقوة ولطمت على صدرها هاتفة:
-إيه قلة الحيا اللي أنتو فيها دي، بتبوسوا بعض في الشارع؟ وقدام شباكي؟

1


هز داغر رأسه وأنكر:
-والله لأ حضرتك فاهمة غلـ...

+


قاطعته هادرة بحدة:
-غلط، وأنتو خليتو فيها غلط وصح، جاتكو نيلة مليتوا البلد.

+


وعادت تصفع ضلفتي النافذة بحدة بعدما أطلقت كلماتها السامة، فنظر داغر لآسيا التي ما زال يكمم فمها:
-عاجبك كدا فضحتينا.

+


لكمته بقوة في ساعده فأبعد كفه، لتصرخ بغضب:
-أنت السبب أنت اللي جبتني هنا وعملت فيها ڤان ديزل وعايز تسكتني غصب عني وكنت هتخنقني وتموتني، قول إنك عايز تخلص مني عشان مبقتش طايقني، تعرف؟ ولا أنا كمان بقيت طيقاك، بقولك إيه، طلقني..طلقني دلوقتي حا...، أنت رايح فين؟

1


كان طوال حديثها يفرك عنقه بملل، وقبل أن تتابع حديثها استدار وسار بهدوء واضعًا يديه في جيب بنطاله، ومن خلفه راحت تركض وهي ترغي وتزبد حتى أوجعت رأسه فراح يصفر لعله يخبرها بذلك أنه مل حديثها دون أن يدخل معها في مجادلات، ولكن ما إن أطلق خذا الصفير حتى سمع صرختها، فاستدار سريعًا ليجدها تضع كفيها على أذنها وتضغطهما بقوة بينما تلتصق بالحائط من خلفها، بدأ كفيها يرتجفان والعرق يتجمع على جبينها ودقات قلبها زادت اضطرابًا، والصفير المتناغم يؤرق عقلها، والصوت البغيض يتحدث بخبث:

+


"تاك تيك توك، إنذار خطر."

1


والخطر منها يقترب، ليقوم بروتينه اليومي في تعذيبها وإيلامها.

+


مجرد أن لمسها حتى انتفضت بذعر ونظرت له بعينين مرتجفتين وجبين متغضن غارق في العرق، سألها داغر بقلق:
-حصل إيه؟

+


ازدردت لعابها، وتحكمت في أعصابها بصعوبة قبل أن تردد بتلعثم:
-عا..عايزة أمشي.

+


أومأ برفق، ورفع يديه مقربًا إياهم من ذراعيها متمتمًا بصوتٍ دافء حانٍ:
-تسمحيلي؟

+


أومأت بهدوء؛ فهي الآن تحتاج للدعم، وبالفعل دعمها بيد وأوقف بالأخرى سيارة أجرة، حالتها تستدعي أن يدفع الكثير قليلًا.

1



        
          

                
وصلا البيت بسلام، دخل داغر على الفور للمرحاض، بينما بقت آسيا بالخارج وهي تشعر بالتعجب من حالته، جلست بجوار سمر التي تدرس على الأريكة، نظرت إليها وهي تدرس فأخذها الفضول وسألتها:
-أنتي عندك exams زيي؟!

+


رفعت سمر شِفتها باستهجان، وقالت:
-أيوه يا أختي عندي exams

+


-سنة كام؟

+


قالت لها سمر وهي تسجل شيئًا في كشكولها:
-تالتة ثانوي.

+


شهقت آسيا وهي تضع كفها على فمها بصدمة وهتفت:
-Really?
دي صعبة أوي، أكيد أنتي خايفة من الـ exams

1


نظرت لها سمر وابتسمت بثقة:
-اللي معاه ربنا ميخافش.

+


لمحت آسيا في عينيها تلك النظرة الواثقة، ودار بخلدها سؤال، لماذا لم تشعر بالثقة مرة واحدة في حياتها حتى؟ دومًا تشعر بالاضطراب، بالخذلان.

1


وجدت حالها تبتسم لسمر وترفع يدها المرتجفة وتربت على كتفها، كأن يدها تأبى لمس أحد، ولكن قلبها أراد، فانتصر القلب:
-هتنجحي وتدخلي الكلية اللي أنتي عايزاها، أنا...أنا واثقة فيكي!

1


أنهت كلماتها وعقدت حاجبيها بتعجب، هناك جزئين بداخلها يتصارعان، أحدهما مستسلم للمشاعر، والآخر متعجب من تلك المشاعر، أليست هي من كانت دومًا تتكبر على الجميع؟ أبعدت كفها عن سمر سريعًا، وانتفضت واقفة بهلع، ومن ثم ركضت للغرفة سريعًا وكأن الشياطين تطاردها، بينما عقدت سمر حاجبيها وتمتمت:
-مالها الهبلة دي!

1


رفعت كتفيها بلا مبالاة وعادت لدراستها.

+


دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها مستندة بظهرها عليه، لاحظت التغير الذي طرأ عليها في الآوانة الأخيرة، ولكنها لم تبدي رأيًا ظنًا أنها اعتادت على البيئة التي تعيش فيها، كما أنها كانت دومًا تسعى للتغيير، تغيير بيئتها وروتينها، وها قد وجدت البيئة، ليست مناسبة تمامًا، ولكنها حتمًا...مختلفة!

+


دقات رقيقة تلاها دخول داغر باسم الثغر يحمل بين يديه صنية صغيرة بها بعض الأطباق مرصوصة، وضعهم على مكتبه وقال:
-أمي بعتالك دول وبتقولك شِدي الهِمة.

+


تلقائيًا وجدت نفسها تُشير على الرفوف المُعلقة على الحائط أمام الأريكة وسألته:
-كل دي كتب أنت قرأتها؟

+


فرك كفيه ببعضهما وهو يمضغ من الطعام ما الاقطته من الصنية:
-مش كلهم، لسالي القليل.

+


تساءلت بفضول:
-كلها Arabic.

+


تلاعب بحاجبيه عابثًا مع ضحكة مرحة:
-لا أدعم الـForeign.

+



        
          

                
ضحكت بخفة وتابعت تساؤلاتها الفضولية:
-يعني هما نفس النوع؟

+


هز رأسه نافيًا، واتجه ليجلس بجوارها:
-فيه منهم التاريخي والفلسفي والعلمي وفيه روايات وقصص، البعض كان من والدي رحمه الله، والبعض أنا اللي جمعتهم بمصروفي من أيام الدراسة وحاليًا اللي بيعجبني بجيبه.

+


زمت شفتيها، ومن ثم بسطتهما قائلة بحماس وهي تنهض إلى المكتبة:
-عايزة أقرأ.

+


عقد حاجبيه متعجبًا:
-ودا من امتى؟

+


هزت منكبيها ببساطة مبتسمة بلطف:
-من دلوقتي، مش أنت بتحب تقرأ؟

+


أومأ بملامحه ذات التعابير المذهولة، فتابعت برقة:
-Fine, 
يبقى أنا كمان هحب أقرأ.

+


إذا جاءه أحدهم منذ شهر وأخبره أن آسيا الجوادي ستكون هكذا لما صدق!

1


نهض واقترب منها خطواتٍ غامضة ونظراته إليها أكثر غموضًا، سرعان ما وقف أمامها وابتسم قائلًا بعبث بينما يحرك رأسه بخفة بمشاكسة:
-حبتك العافية يا عسلية.

+


توردت وجنتيها خجلًا لم تعرفه من قبل، وتنحنحت قائلة بصوتٍ خافت مبحوح بينما عيناهما على اتصال عميق:
-عايزة أقولك حاجة.

+


هز رأسه متسائلًا، وما زال يحاصرها بتلك البسمة المربكة، فتمتمت بصوتٍ منخفض:
-الآدان.

+


مبتسمًا يجاوبها:
-ماله؟

+


تنحنحت تجلي حنجرتها من الحشرجة التي تعرضت لها:
-أدن.

+


تنحنح داغر وتململ في وقفته قائلًا بجدية:
-آه، تمام.

+


فسألته سريعًا:
-هتصلي؟

+


نظر لها لبرهة، وأجاب بإيماءة، ففركت كفيها بارتباك وقالت:
-ممكن أصلي معاك زي الصبح؟

+


نظر إليها لحظتها بنظرة ناعمة، قال بعدها في سرور:
-اتفضلي.

+


هرولت خارجة من الغرفة إلى المرحاض، بينما بقى داغر مطرحه يبتسم باتساع بسمة لطيفة رقيقة. 

+


عندما وقفت ثانيةً خلفه، تقول "الله أكبر" كما يقول، شعرت بنسمة تهب إلى صدرها، يبدو أنها شعرت بوجوده، استشعرت قوته، وجلاله، وعظمته، ومع تكبيرة أخرى وسجدة، توقف بها الزمن، وعادت النسمات اللطيفة تداعبها مرة أخرى، شعرت بهالة من الراحة تُحيطها، أحبت هذا الشعور، فباتت تطلب منه أن يصليا سويًّا في كل مرة حتى تشعر فقط باللطف.

+


انتهت اختباراتها وكان الأخير، وداغر كعادته ينتظرها خارج الجامعة، يستند بظهره على الحائط بجوار بوابة الجامعة، يقف برأسٍ منكس وذهن شارد، حتى اندفع من البوابة بعض الفتيات والذكور، انتظرها لتخرج، وانتظر كثيرًا، حتى شعر بها تبحث عنه فرفع عينيه ووجدها تقف أمام البوابة بجوار أسمهان التي تتحدث معها، بينما هي ذهنها شارد وتبحث عنه، أصدر صوت "بسبسة" فالتفتت له، ما إن رأته حتى ابتسمت وطار قلبها يرفرف كالطيور في صباحٍ مشرق، انطلقت صوبه وحولها هالتها الخاصة، هالة أصبحت تلازمها في هذه الفترة، مزيج من اللطف والجمال والرقة، مع القليل من المحبة والخصلات البنية متوسطة الطول، وعينين عسليتين تلتمعان في الشمس فيتغير لونهما، شعرت قبل آخر خطوة تخطوها نحوه أنها بحاجة لعناقه، وقد فعلت؛ إذ اندفعت تعانقه بقوة، ذراعيها يلتفان حول عنقه ورأسها تدفنه فيه، ومن أثر المفاجأة اضطر لمحاوطتها مصدومًا.

+



        
          

                
بعيدًا عن نبضات قلبه التي شعر بها تكاد تقتلع قلبه من محجره، وبعيدًا عن وجنتيه محمرتيّ اللون من الخجل، وبعيدًا عن أنهما بالشارع والبعض يُشاهدهما، وبعيدًا عن رقة جسدها بين ذراعيها، فعناقها...دافء!

+


ابتعدت عنه ونظرت إليه بعينين لامعتين، ومن ثم طبعت قبلة على وجنته بشفتيها الرقيقتين قائلة بسعادة غامرة:
-خلصت الأسئلة كلها وراجعتها مع أسمهان وطلعوا كلهم صح، وخلاص I finished the University.

+


قفزت أمامه بفرحة، بينما هو يراقبها بذهول، وعندما توقفت تضحك بسعادة استغربت ذهوله وأيضًا تلك الحُمرة التي تغزو وجنتيه، فسألته بتعجب:
-داغر أنت..أنت وشك أحمر ليه؟

+


وضع كفيه على وجنتيه فاستشعر حرارتهما، لذلك رد عليها بمرحٍ واهٍ:
-ما..ما أنتي نقعاني في الشمس ساعتين أكيد لازم أتشوي.

+


عادت تضحك بسعادة وقبل أن تتابع حديثها تدخلت أسمهان قائلة بابتسامة ساحرة:
-ازيك يا داغر.

+


خرج من ذهول عناق وقبلة، إلى ذهول بسمة ساحرة وفتاة لطيفة ذات وجه أبيض يشع رقة، ازدرد لعابه ونكس رأسه متمتمًا:
-مبارك يا آنسة أسمهان.

5


ضحكت:
-الله يبارك فيك، أنا بصراحة مش مصدقة إنه خلاص كفّارة.

+


سار ثلاثتهما بجوار بعضهما، آسيا في المنتصف بين أسمهان وداغر، وأسمهان لا تعي لانتواءة الرصيف غير المستوي، فتكاد تسقط، إلا من انتبه لأن رأسه شبه ملتصق بالأرض، فرفع يده بسرعة يُسندها فلمسها، وآسيا تُسند ذراعها، فشعرت أسمهان بشعاع ضوء قوي يعمي عينيها ويشوش الرؤية فتترنح ورأسها يدور، تنظر جهة الشعاع لتجد داغر ينظر إليها بقلق، وأذنها تلتقط صوت ضاحك ينادي من بعيد:

+


"-وأنتي فِكرك إكده عتُهرُبي مني، هچيبك بردك.

+


تستدير وتخرج لسانها قائلة بضحكات تقرقر في المكان كالفراشات:
-لو جدع اعملها.

2


وكان "جدع"، وفعلها."

+


ترنحت ثانيةً وهي ترفع كفها تُدلك رأسها وقد غزا الصداع رأسها، فسألتها آسيا بتعجب:
-مالك؟

+


تمتمت بصوتٍ متحشرج:
-كويـ..كويسة.

+


-أوقفلك تاكسي تروحي على طول؟

+


هزت رأسها نافية وهتفت بتعب:
-لأ، تميم هيجي دلوقتي.

+


وعلى ذِكره كان يمر من الجهة الأخرى إليهم، يقترب فيجد خطيبته محاطة من قِبل ابنة خالها وزوجها، فيقترب أكثر بهلع مهرولًا ومتسائلًا بهلع وهو يحتل مكان داغر ملتقطًا كفها:
-مالك يا حبيبي

+



        
          

                
تبتسم بانهاك وتقول:
-كويسة متقلقش، شكلي جالي ضربة شمس بس، بقالنا فترة واقفين بنراجع الامتحان.

+


أسندها وقال بحنان:
-طب تعالي أما أوصلك وأبقي عرفيني عملتي إيه في الطريق.

+


نظر لآسيا وداغر وابتسم بلطف مستأذنًا:
-عن إذنكم.

1


هتفت آسيا قبل أن يغادرا:
-خد بالك منها.

+


-أكيد مش هتوصيني عليها.

+


قالها ساخرًا، فلوت شفتيها متهكمة وراحت تحركهما يمينًا ويسارًا بحركة شعبية، ففغر تميم فاهه مذهولًا، وأسمهان التي كانت متعبة توسعت عينيها باندهاش! في حين رمقها داغر بابتسامة فخورة، فقد استطاعت تعلم الكثير في غضون هذا الشهر الذي قضته مع والدته بالذات.

1


وحينما دخلت الشقة كانت كالإعصار، حتى أنها هرولت للمطبخ حيث زينات التي توطدت علاقتها معها بشكلٍ واضح، وراحت تُثرثر لها عن الاختبار وكيف اجتازته، وداغر يستند بكتفه على إطار الباب باسم الثغر، بينما زينات تحاول أن تُذيق آسيا من الملوخية:
-خدي بس دا أنا شهقت عليها شهقة سمعت أهل الحارة.

+


فتحت آسيا فمها، فلابد من التجربة، وحينما ذاقتها همهمت متلذذة، وقالت بذهول:
-Delicious.

1


ابتسمت زينات بثقة وقالت وهي تُربت على كتف آسيا:
-خشي أنتي غيري وحصليني ع السفرة أكون حضرتلك طبق أنتي وداغر.

+


أومأت واستدارت مهرولة للغرفة، في حين تابعها داغر حتى اختفت، ونظر لوالدته متلاعبًا بحاجبيه بعبث:
-متعرفش اللي فيها ولا إيه؟

+


حركت يدها على فمها هاتفة بخفوت:
-ششش، مفهماها إن هي خالية من اللحوم المهم تآكل.

1


ضحك داغر بعبث واستدار متجهًا إلى الغرفة، مستمعًا لوالدته تنادي على شقيقته، وقف أمام باب الغرفة لوهلة قبل أن يطرق الباب طرقتين بخفة ويدخل، ظن الغرفة فارغة حينما لم تصطدم عينيه بها، حتى وجدها تجلس أرضًا وأمامها علبة صغيرة وبيدها اليمنى حبوب كثيرة، فاقترب منها بسرعة وأبعد يدها فسقطت الحبوب أرضًا، لتنظر إليه بفزع، ومن ثم تصرخ:
-إيه اللي إنت بتعمله دا.

+


وبهدوء ما قبل العاصفة قال:

+


-إيه الدوا دا؟

+


ارتبكت وأشاحت وجهها بحدة، وصرخت فيه بوقاحة:
-It's not your business.

+


رفع حاجبه بحدة، وكرر السؤال ثانيةً بحزم أكبر:
-إيه الدوا دا انطقي؟! دي مخدرات؟! أنتي مدمنة!

2


هزت رأسها نافية، وانفعلت عليه هادرة بهستيرية:
-لأ لأ لأ، قولتلك ملكش دعوة، ملكش دعوة بيا سيبني في حالي.

+



        
          

                
لم يكن السؤال يستدعي كل هذه الضجة، هو فقط سألها عن ماهية الدواء! 

+


لمس ذراعها يحاول لفها له، لكنها انتفضت مذعورة وزحفت للخلف، فنظر إليها بغرابة وتحدث:
-إنتي كويسة؟

+


هزت رأسها عدة مرات نافية بهستيرية، حينما دخلت الغرفة شعرت باختناق وقلق، فراحت تبحث عن دواءها لتهدئة توترها، وحينها دخل داغر فنفض يدها، وها هي تقف أمامه لا تدري ما تقول وما ستفعل! إدريس في كلِ مكان، يحاوطها حتى في أسعد لحظاتها، لا تنفك عن نسيانه حتى يعود كالقنبلة الموقوتة يقتحم عقلها بلا استأذان.

+


تنهد داغر متعبًا، تعب من كثرة التفكير فيما يؤرقها، استند على ركبتيه ونهض متجهًا إلى الخزانة، وفي طريقه نهضت آسيا تستند على قوة واهية، حتى تحركت صوبه بخطوات بطيئة متمهلة حتى وقفت خلفه وهو يعبث في ثيابه بالخزانة التي تركت هي له ضرفة فيها لملابسه، ازدردت لعابها على ما هي مقبلة عليه، وألقت بنفسها على ظهره، تحاوط خصره بذراعيها، تستند برأسها على ظهره، وتُغمض عينيها فتسمح لدموعها بالانطلاق، ينتفض داغر ويحاول التحرك ليسألها، فتتشبث بقميصه قائلة بتصميم:
-خليك، عايزة أفضل كدا شوية.

1


فتوقف، وضمته أكثر بقوة، وحينما شعر بقوتها تنهار، استدار لها فوجدها تعتصر جفنيها والدموع تنساب بغزارة، فزم شفتيه بعدم رضا، وضمها إليه فاستقرت أذنها على موضع قلبه، وراحت تبكي بلا صوت، فقط جسدها يهتز، وتتشبث بأصابعها في قميصه، كأنه طوق النجاة، وعلى سبيل الدُعابة قال:
-مكنتش أعرف إن عندك دم وبتعيطي زينا.

+


كانت هذه من دعاباته السخيفة، ولكنها وللمفاجأة ضحكت وهي تتمسح في قميصه كقطة وجدت صاحبها بعد فراق، فأغرقت وجهه بدموعها، غمغم داغر بعدها وهو يمضها أكثر:
-أيوه، بتحضنيني عشان تمسحي دموعك فيا، ظهرت آلاعيبك يا آنسة.

+


واهتز جسدها تلك المرة ضاحكة ثانيةً، فابتسم داغر بهدوء وتحدث بصوتٍ منخفض رخيم لم يخلو من نبرة المرح:
-اعتبريني منديل، وهسيبك تمسحي دموعك فيا بكل صدرٍ رحب.

+


رفعت رأسها ونظرت إليه، بداخل عينيه أمواج متلاطمة كأمواج البحر، زرقاء اللون كالسماء في صباحٍ مشرق، دافئتين كالشمس في فصل شتاءٍ قارص البرودة، لامعتين كابتسامتها الآن تمامًا، ونابضتين بشعورٍ مبهم كقلبها تمامًا.

+


تمتم بصوتٍ خافت وكفيه يحتويان كتفيها:
-إيه الدوا دا.

+


ازدردت لعابها، وحاولت إبعاد بصرها عنه فرفضت عينيها التحرك، وانسحب لسانها بقولٍ لم تدري أي سحر جعله يتكلم:
-مهدئات.

+


وبعد الكلمة..ألقى الصمت عباءته عليهما، وبين نظراتٍ هادئة وعينٍ متوجسة..سُطرت الحكاية.

+



        
          

                
✦❥❥❥✦

+


لولا ما تُعانيه من أفكار مشوشة لظنت أنها جُنت، لا تعلم أتلك ذكريات أم خيالات! ولكنها تشعر بشعورٍ غريب تجاه داغر ووالدته، ربما شعور بالحنين!

+


التقطت هاتفها الذي رن لتوه، ازدردت لعابها وفتحت الخط:
-السـ..السلام عليكم يا جدي.

+


-كيفك يا بتي، عملتي إيه في امتحاناتك انهاردا.

+


زاغت عينيها بتوتر:
-الحمد..لله يا جدي.

+


-إكده عال جوي، أني بعتلك حسّان ابن عمك.

+


عقدت حاجبيها بقلق:
-ليه؟

+


-وه، عشان تيچي هنه بجا وتريحي جلبي بشوفتك.

+


تسارعت دقات قلبها وبهت لون وجهها إذ أصبح شاحبًا شحوب الموتى.

+


-إچهزي إكده هو خلاص جرب يوصلك عند بيت خالك.

+


لطمت على وجهها بقوة فسمع صوت طرقعة فتساءل:
-فيه إيه يا بتي؟

+


هتفت بسرعة:
-أ..أنا مش عند خالي.

+


تساءل بتشكك وحاجبين معقودين يغرابة:
-أومال فين؟

+


فكرت قليلًا، عصرت عقلها حتى نظرت للأمام باصرار، وهتفت بقوة:
-عند آسيا.

1


✦❥❥❥✦

+


لأنها حبيبته ستقاوم، لأنها تربية يديه ستقاوم، ولأنه يعشقها عشقًا لا يفنى ولا يزول سيقاوم، لأنه علّمها معنى الحياة ولا يريد سلبها منها مجددًا سيقاوم؛ لأجلها..لأجل رؤية عيناها العسليتين تلتمعان في ضوء الشمس ثانيةً.

+


مع آخر صدمة كهربائية بالجهاز، شهقت بقوة وصدرها يعلو ويهبط بتنفس سريع، حتى هدأت، وبؤبؤتيها تجوبان المكان بتشوش، وذكريات متآكلة تحوم بداخل عقلها، دقيقتين ظلت تنظر حولها فيهم وهي متشتتة، وكل ما يمكن لأذنها أن تلتقطه هو مزيج من كل كلمات ماضية على كلمات تُقال في هذه اللحظة:
"اعتبريني منديل، وصدقيني هسيبك تمسحي دموعك فيا بكل صدرٍ رحب.

+


-قناع الأكسجين بسرعة."

+


حركات حولها وضجة لا تعي منها شيء، سوى أقوالٌ أخرى:

+


"منبع خوفك هو عقلك، اهزمي عقلك يا آسيا.

+


-مبحبش مراتي تبقى ضعيفة.

+


-أنا بعلمك اللي ينفعك، خديه مني واتصرفي بعدين"

+


خطواتٍ تحتل مخيلتها المشوشة بصوت حذاء مدبب، وذلك البغيض يقول:

+


"مرحبًا سيتا، اشتقتُ لكِ يا صغيرتي.

+


والصغيرة...قد كبُرَتْ على يدي عشيقها، فباتت أكبر مما يتخيله عقل ذلك الفاجر."

+


أُنهكت قواها من تضخم عقلها بالذكريات والأحاديث المختلفة، فسقطت في الغيبوبة مرة أخرى، ولكن تلك المرة..بتنفس طبيعي، وقلبٍ عاد ينبض بالحياة مرة أخرى، بفضل دعوات عاشق..استجاب لها الرب.

2


_________________________

+


تأخير too much بس خلاص بقيت طالبة ثانوية مسئولة بقا وكدا فمش هتشوفوني كتير.😂

1


اعذروني في التأخير، مشاغل الدنيا كتير.

+


#دمتم_بخيـࢪ🕊

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close