اخر الروايات

رواية لن افلت يدك الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم الكاتبة تقي حامد

رواية لن افلت يدك الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم الكاتبة تقي حامد



                                              
"دار حول مكتبه وراح يدور في الغرفة ذهابًا وإيابًا، دق الباب فأمر للطارق بالدخول، وحينما دخل قال بجدية:
-اقعد.

+


جلس ممتثلًا لأوامره، والقلق أخذ طريقه لوجهه، فسأله:
-إيه، حصل إيه؟

+


جلس أمامه، ونظر لعينيه مباشرةً، وقال بنبرة متشككة:
-ورق الصفقة الأخيرة، اختفى.

+


ارتعب الأخير، وسأله بانفعال:
-إزاي! مين يستجري يعمل كدا؟!

+


رمقه بنظرات ثاقبة، وأردف:
-معرفش، اسأل روحك.

+


نظر إليه بعدم تصديق لبرهة، ومن ثم قال بلوم:
-اخص عليك يا خليل، بتشُك فيا يا راجل! دا احنا عِشرة عُمْر.

+


زفر "خليل" باختناق واستغفر ربه، وراح يخفف من عقدة رابطة العنق، متمتمًا بقلة حيلة:
-أعمل إيه يا جاسر، أعمل إيه الشركة بتضيع!

+


ربت "جاسر" على فخذه، وابتسم بهدوء، ومن ثَم قال بصوتٍ رزين:
-استهدى بالله بس وكله هيتحل.

+


أغمض خليل عينيه بتعب وهو يتنهد بعدم راحة."

+


✦❥❥❥✦

+


تستند برأسها على كفها، في حين عينيها تزوغان في كل حينٍ وآخر، جاء داغر وجلس بجوارها يُعدِّل من وضعية نظارته، ابتسم بهدوء وتحدث:
-بصي بقا، مقدامكيش إلا إسبوعين، هنآكل الورق دا فيهم أكل.

+


أومأت بلا مبالاة وهي تغمض عينيها بنعاس، فصاح بصوتٍ جهوري:
-فوقي.

+


انتفضت في جلستها وأصبحت تجلس كالتمثال، في حين هدر داغر وهو ينادي على أمه:
-ماما، كوباية قهوة سادة للهانم.

+


سمعها تقول: حاضر.

+


وآسيا تذمرت:
-أنا عايزة كابتشينو.

2


-طب ركزي وهجيبلك مصاصة يلا.

+


زفرت حانقة، فتحدث بهدوء:
-متهوفيش، قولي أستغفر الله.

+


أومأت بعدم اكتراث، فبرق بعينيه يرمقها بحدة هاتفًا:
-قولي أستغفر الله.

+


صكت على أسنانها وهي تتمتم بصوتٍ مسموع:
-أستغفر الله.

+


بدأ بجدية يخبرها بما هو مكرر عليها، فأضحت تعلم ما عليها في المنهج، صبَّت جام تركيزها على المذاكرة، وللغرابة هجرت الهاتف الذي كان بمثابة ابنها الروحي، خاصةً عندما زجرها داغر لمَّا رآها تعبث به، فزفرت بضيق وركنته جانبًا، ومن يومها وباتت آسيا لا تهتم بشيء سوى بدراستها فقط، ولا ترتاد للجامعة كثيرًا، فما تلبث أن تحصل على الأوراق المهمة من هناك حتى تعود لتدرس، وفي نهاية اليوم تنتظر داغر حتى يعود لتسأله عما لا تدركه.

+


عاد داغر من العمل مبكرًا تلك المرة، وجلس بجوارها بعد أن خلع سترته وشمر عن ساعدي قميصه، وفك الأزرار الأولى منه، عدّل نظارته التي انزلقت بفضل عرقه، ونظر بتركيز للورقة التي أعطته إياها متذمرة؛ لأنها لم تفهم شيء كما المعتاد، وبعد ساعتين نهض داغر وأعطاها ورقة تحل ما بها، ورتب الأوراق المبعثرة على الطاولة، وحمل كئوس العصير وقدحيّ القهوة التي أعدتهم لها زينات، وقبل أن يدخل المطبخ ابتسم في وجهها، وتحدث بصوته الهادئ الذي يجعل عقلها المضطرب يهدأ:
-أنا واثق فيكي.

+




                
وتركها تحاول، تنفست بقوة واستعداد، ونظرت للورقة بنظرة حاسمة، وكأنها تخبرها "لن أترككِ إلا بعد أن أُنهيكِ.".

+


بدّل داغر ملابسه وارتدى ملابس بيتية، حضّر لها طعام صحي خالي من اللحوم وأعطاها إياه، أكلته بشهية كبيرة وهي تترصد للورقة، بينما جلس بجوارها وبيديه يحمل قدح من الشاي، يرتشفه ببطء وهو يتأمل تعبيراتها وانفعالاتها على كل سؤال تُقابله، بعد مرور ساعتين كان داغر غافيًا على الطاولة، وآسيا تنظر للورقة بعدم تصديق، وعندما استوعبت صرخت بقوة أفزعته فانتفض ينظر لها بهلع، نهضت واقفة على قدميها وهي تنظر للورقة صارخة بسعادة:
-Unbelievable! 

+


رمقها بقلق وسألها:
-فيه إيه!!

+


قلبت الورقة فظهر أمامه حلولها فيها، فقالت بعدم تصديق:
-أنا حليت الورقة! والله حليتها!

+


التقط منها الورقة ونظر لاجاباتها، قائلًا:
-لسه التصحيح، متفرحيش أوي.

+


زمت شفتيها بحنق، وخمدت فرحتها، بينما مرر داغر عينيه على إجاباتها، مرت خمس دقائق على هذا الحال، حين قال داغر:
-هو unbelievable فعلًا.

1


رفع نظره إليها وكذلك الورقة، وابتسم بهدوء:
-كل الاجابات صح للأسف!

+


شهقت بسعادة وراحت تقفز في مكانها بفرحة، قلبها يقفز معها، اندفعت تُلقي نفسها بين أحضانه بسعادة وهي تلهث بينما تقف على أطراف أصابعها، تجمد جسده وشعر بالرعشة تسري في أوصاله، ابتعدت عنه ونظرت إليه بعينين لامعتين وهي تقول باِبتسامة:
-أنت ساعدتني، Thank you.

+


وتلى جملتها قبلة طبعتها على وجنته اليمنى بلا تفكير، فتوسعت عينيه توسع بسيط وطغت الحُمرة على وجهه، شعر بالخجل بعد تلك القبلة، شعر بالحرارة تنبعث من وجنتيه، راحت ترقص هنا وهناك بسعادة، حتى أنها تجرأت ودخلت غرفة زينات توقظها من النوم خصيصًا لتُخبرها أنها استطاعت حل ورقة أسئلة! وكأنه إنجاز عظيم! لا يُنكر داغر دهشته مما تفعله وتعجبه الشديد من مبالغتها، لقد ظلت طوال الليل تمدح في نفسها، حتى أنها نظرت لنفسها في المرآة وطفقت تمدح نفسها وتبتسم بخيلاء وغرور! لدرجة أنه ظنها مختلة عقليًّا أو ما شابه! أثارت حركاتها تساؤلات عديدة بداخله، تغلب عليها بصعوبة، وخلد إلى النوم بعد تفكير طويل، في حين ظلت آسيا تجلس أمام المرآة وتُطرأ على نفسها بمبالغة!

1


✦❥❥❥✦

+


مر أسبوعين، وآسيا منكبة على دراستها، إجبار داغر لها جعلها تتعلق بالدراسة، ودفعها لذلك أنها بالسنة الأخيرة، في آخر يوم درست فيه، وقبل أن تخلد للنوم، توترت وقالت بصوتٍ عالٍ مرتجف:
-أنا..أنا خايفة!

+


ووجدت حولها الكثير، زينات وداغر يدفعونها، زينات تبتسم وتقول ببشاشة:
-متقلقيش، ربنا معاكي يا حبيبتي يا رب.

+



        

          

                
وداغر يرمقها بثقة قائلًا:
-مفيش حاجة تستدعي الخوف، أنتي عملتي اللي عليكي، والباقي على ربنا.

+


ربنا؟! هي لم تدرك يومًا قدرات الله! لم تفكر يومًا بأن كل ما وصلت إليه هو بفضل الله! وجودها في منزلٍ عامر بذكر الله جعلها تضطرب! فهي التي لم تعرف الله يومًا!

+


حتى والدها هاتفها واعتذر عن إهماله لها، ثم شجعها باسم الثغر:
-آسيا الجوادي متخافش، آسيا الجوادي تثق في نفسها وبس.

1


هي التي لم تعلم للثقة معنى، كيف يمكنها أن تثق إذًا؟!

+


عندما استلقت على الفراش، وحدقت في السقف المتصدع، تُراقب خيالات لا وجود لها، غفت بسرعة..

+


"زم شفتيه وقال:
-عندك exam بكرا؟ ومقولتليش؟

+


تحدثت السيدة الأم بنبرة ضاحكة:
-خايفة جدًّا ومتوترة، قولتلها هتعدي مسمعتش كلامي.

+


رمقها بغموض، وابتسم قائلًا:
-هي محتاجة تشوف عملي يا باكي، وساعتها كل توترها هيتبخر.

+


تلى جملته تنفيثه لدخان سيجارته، فازدردت الفتاة لعابها، وابتسمت باِرتجاف وهي تتلاعب بالشوكة في الطبق ولا تأكل، تكاد تقسم أنها تشعر بنظراته تخترقها.

+


وفي الظلام الحالك وقف أمامها، ينظر إليها بذات النظرة الغامضة، يبتسم بمكر، ويتحدث بهمسات خافتة:
-أولًا لازم تبصي للورقة كويس.

+


وحدق فيها أكثر، ومن ثم تابع:
-تلمسيها وتحسي بالحروف.

1


ومد يده يتلمس ذراعها فارتجفت وسرت رعشة في سائر جسدها، بينما تابع:
-وتغمضي عينك.

+


وأغمض عينيه، ومن ثم فتحهما سريعًا يبتسم بسمته المبهمة:
-وتحِلي بهدوء.

1


ودون أن تدرك أي شيء، كان ينقض على شفتيها، ينهشهما بلا رحمة، وأظافره تنبش في جلدها بلا شفقة، وما عليها سوى أن تصرخ صرخات مكتومة، وتحاول دفعه، فيُقيد يديها، وينتهك حرمة شفتيها ثانيةً."

2


انتفضت جالسة وهي تلهث، وضعت يدها على صدرها، ومن ثم رفعت يديها تدسهما في خصلاتها وتشد عليهما بعنف، تنكس رأسها وتبكي بلا صوت، دموعها تنساب ببطء، لم تكن تلك هي المرة الأولى، هذا الشهر الذي قضته مع عائلة داغر أيضًا كانت تُعاني من تخيلاتها وكوابيسها المُفزعة! وكأن كل كوابيس البشر تأتي لها هي! تُطاردها كالجاثوم.

+


التقطت من درج الكومود عُلبة الدواء، سكبت حبتين على كفها، لم تقتنع بهما، فسكبت أكثر، وضعتهم بفمها مع رشفة ماء، ارتوت بالدواء، وحاولت التنفس بهدوء.

+



        
          

                
مرضها يكمن في ماضيها، والماضي مرض لا يُداويه دواء.

2


✦❥❥❥✦

+


"-أسمهان، أسمهان أنتي فين.

+


لهثت بقوة، وتأوهت متألمة وهي تدور بعينيها في المكان، لا ترى سوى نيران تأكل المكان بوحشية، وصوت أحدهم يُناديها، يأتيها نداءه على هيئة صوتٍ بطيء، زاغت عينيها، وشعرت برأسها يثقل، أوصدت جفنيها، واستسلمت."

+


ارتشفت من كأس العصير وهي تنظر للخلاء بشرود، المرة الأولى التي تحلم بها بأحدهم يناديها، والصوت مألوف، منذ شعرت بالدوار عند زيارة آسيا وتلك الحالة تتكرر، لا تدري لِمَ، ولكن يبدو أن هناك شيئًا خفيًّا يعبث بعقول الجميع!

1


✦❥❥❥✦

+


لم تستطع العودة للنوم مرة أخرى، فنهضت وعزمت أن تنظر في الأوراق قليلًا قبل أول امتحان لها، ظلت على هذا الحال حتى سمعت صوت صياح خشن لرجل فانتفضت وصرخت بعنف مفزوعة، فانتفض داغر على صيحتها ونهض متسائلًا بأعين شبه مُغمضة:
-ايه، فيه ايه.

+


أشارت على النافذة:
-في حد بيزعق برا!

+


نظر للنافذة بترقب ولم يسمع شيء فقال وهو يفرك عينيه:
-تلاقيكي بتتخيلي بس.

+


هزت رأسها بنفي هستيري:
-لا والله.

+


عاد الصوت مجددًا فقالت بهلع:
-أهو..سامع؟

+


زفر بنفاذ صبر، ومسح على وجهه مستغفرًا، ومن ثم رفع بصره إليها مبتسمًا باصفرار:
-دا الأذان يا هانم.

+


تنحنحت بحرج، وعادت تنظر في الأوراق مرة أخرى، بينما نهض داغر وهو يتمتم وراء الأذان، لم تفهم ما يقول ولكنها لم تهتم، شمر عن ساعديه وخرج من الغرفة ليتوضأ، وبعد لحظات عاد وقد انتهى الأذان، وكان أيضًا يتمتم بشيءٍ ما، فرش سجادة الصلاة على الأرض وتمتم بدعاءٍ آخر، وآسيا تتابعه بفضول وترقب، حتى التفت لها وقال بنبرة هادئة مُريحة:
-مش هتصلي؟

+


غمغمت بشيءٍ مُبهم، فقال:
-ايه؟

+


تنحنحت وهتفت بينما تنكس رأسها:
-مـ..مبعرفش.

+


عاد برأسه للخلف رافعًا حاجبيه بتذكر، تلك ليست فتاة عادية، هي آسيا الجوادي ذات الحسب والنسب والمال، شبّك كفيه خلف ظهره، ونظر لها بترقب هاتفًا:
-قومي.

+


نهضت ببطء ترتدي خُفها، فمد كفه لها، نقلت بصرها بين وجهه وكفه باستفهام، سرعان ما أدركت حين التقط كفها فجأةً، سحبها للمرحاض ووقف بها أمام الحوض، شبك كفيه خلف ظهره مرة أخرى، وقال:
-اغسلي إيدك.

+



        
          

                
امتثلت لأوامره وفعلت، بينما طفق داغر يُرشدها بلطف إلى خطوات الوضوء، حتى أتى لآخر خطوة وهي القدم، حاولت رفع قدمها لتغسلها تحت الصنبور كما قال ولكنها لم تستطع، فأحضر جردل صغير ملأه بالماء وسكبه على قدمها اليمنى ومن ثم اليسرى وأخبرها أن تمسحهما ببعض ففعلت، كانت كالمُغيبة تمامًا، خرجا من المرحاض ودخلا لغرفتهما، أخبرها أن تنتظره وخرج قليلًا، ثم عاد بشيءٍ ملفوف حول بعضه لم تدرك كنهة، حتى فرده أمامها وكان اسدال زاهي اللون، علمها كيف ترتديه، وفرش لها سجادة بالخلف، أخبرها أن تهدل كتفيها فرفضت بتعنت! وعندما رمقها بحدة زمت شفتيها وفعلت، وقف أمامها وقال:
-هعلي صوتي وأنتي ما عليكي إلا تسمعي.

+


أومأت بخنوع، وكأن قلبها كمم عقلها فلم تعد تتذكر أنها المغرورة التي لا تسمع أوامر أحد! شعور طاغي مر عليها، نسمة هبَّت إلى صدرها فشعرت بعدها بالارتياح الشديد، عندما كانت تقلده في حركاته وسجدت، تعجبت من الهواء اللطيف الذي داعب قلبها قبل وجهها! لم تدرك معنى ذلك الشعور! خاصةً وأن صوته العذب طغى على كل ذرة تفكير تدور بعقلها.

+


انتهيا من ركعتي الفجر، فجلس داغر متربعًا على السجادة ومواجهًا لها، تأملها قليلًا، سرعان ما تمتم:
-سبحان الله.

+


ازدردت لعابها، وسألته:
-سبحان الله على ايه؟

+


افتر ثغره عن بسمة لطيفة هادئة:
-سبحان الله على الخِلقة الجميلة دي، وشك حلو من غير الأضرار اللي بتحطيها عليه.

+


توردت وجنتيها وشعرت بحرارتهما، فوضعت كفيها الباردين عليهما وهي تبتسم بخفة، جذب داغر كفها، وفركه بكفه، ومن ثم بدأ يحرك اصبعه على عناقيد أصابعها، وهو يتمتم بثلاث جُمل تعجبت منهما:
-سبحان الله، الحمدلله، الله أكبر.

+


ظلت صامتة ترمقه بتوهان، داغر لطيف، داغر قريبٌ من الله، داغر هادئ، داغر حَسِن المظهر، داغر لبق، داغر لطيف المعشر، داغر...ينظر إليها!

+


سألته بتردد وصوتٍ مرتجف:
-أنتَ..أنت بتعمل إيه؟

+


-بسبَّح.

+


تململ في جلسته وتابع:
-بيقولك بقا لما تسبح على ايد مراتك بتآخد انت وهي حسنات.

+


ضحكت بخفة، وما زالت أصابعه تعبث بعُقل أصابعها، وقالت:
-ولو سألتك مين اللي قال كدا هتقولي انت!

+


وعادت تضحك من جديد ظنَّا أنها خفة دم منه، ولكنه ابتسم بهدوء وأردف بينما يديه لا تكف عن التسبيح:
-لأ ..دي حقيقة يا آسيا، انا وانتي دلوقتي بنآخد حسنات، سبَّحي معايا يلا...خلينا نزود الحسنات يا شيخة. 

+


وتوقفت عن الضحك، ونظرت له بتعجب..
فاتسعت بسمته الهادئة وأكمل التسبيح، وقُضيّ الليل حتى الشروق بين "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم" 
"الحمدلله"
"الله أكبر" 
وانتهى بـ "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك..وله الحمد ..وهو على كل شيءٍ قديـر"

+



        
          

                
وكان قديرٌ بالفعل، قدير بأن يجعل قلوبهما مأوى لبعضهم، ويجعل من كل قلب ملجأ ودفء للآخر، قديرٌ بأن يزرع بداخلها شعورًا غريبًا لم تدرك كنهة، ولكنه غمرها بالدفء!

3


✦❥❥❥✦

+


نظر داغر لساعته وزفر بضيق مستغفرًا، مرت أكثر من ساعة منذ تركها لتبدل ثيابها ولم تخرج حتى الآن، سرعان ما خرجت ترتدي قميصًا طويل الأكمام واسع مما يُسمى (أوڤر سايز) وبنطال أسود ضيق بينما عقدت خصلاتها ذيل حصان، كانت طبيعية المنظر فلم تضع على وجهها مسحوق تجميلي واحد مما دفعه للتبسم! التقطت عنقود عنب من الموضوعين على طاولة الطعام وهتفت بعجلة:
-يلا أنا جاهزة.

+


هز رأسها بإيماء:
-هلبس الكوتشي بس.

+


رمقته بضيق قائلة:
-هو أنت لازم تأخرنا كدا؟!

+


رفع حاجبه بحدة وأشار على نفسه، فرفعت ذقنها بكبرياء وأشاحت ببصرها عنه، فابتسم وهز رأسه بقلة حيلة، وفتح باب الشقة وخرج ليرتدي حذائه، وبينما آسيا تخرج خلفه أوقفتها زينات، فاستدارت لها ووجدتها تمُد يدها لها بحقيبة بلاستيكية فسألتها بتعجب:
-ايه دا؟!

+


ابتسمت زينات بحنو:
-دي شوية ساندويتشات تتقوتي بيهم بعد ما تخرجي من الامتحان.

1


هزت آسيا رأسها نفيًا وقالت:
-No, 
هجيب من الكافتيريا.

+


لوت زينات شفتيها:
-كفتيرية إيه بس، هتجيبي فلوس منين.

+


هزت كتفيها بعدم اكتراث:
-معايا الكريدت كارد بتاعي.

+


ضرب داغر جبهته فسمعت صوت الطرقعة واستدارت له، فقال بينما يجز على أسنانه معاتبًا نفسه:
-يقطعني نسيت أقولك، مش أنا قولت لأبوكي يوقف الكريدت بتاعك!

1


توسعت عينيها بصدمة، وصرخت فيه منفعلة:
-أنت إزاي تعمل كدا!

+


دس يديه في جيبي بنطاله ببرود:
-إيه، مراتي وأنا حُر فيها وفي فلوسها.

+


رمقته بغضب دفين، فابتسم ببرود، وهنا تدخلت زينات قائلة:
-وحدوا الله، خدي يا حبيبتي الساندوتشات دي وابقي اعملي اللي انتي عايزاه، دا حتى ساندوتشات بطاطس وفول.

+


ضيقت آسيا عينيها، وسألتها بتوجس:
-فول بطماطم؟

1


أومأت مبتسمة:
-بطماطم.

+


تنهدت والتقطت منها الحقيبة متمتمة:
-Thanks, aunt.

+


ووضعتها في حقيبتها، خرجت من الشقة وودع داغر والدته، وسارا الاثنين إلى الرصيف لا يتحدث أحدهما إلى الآخر.

+



        
          

                
✦❥❥❥✦

+


أوقف السيارة أمام بوابة الجامعة، نظر إليها مبتسمًا بتفاؤل وقال:
-يلا يا كتكوتة، ارفعي رآسي.

+


كانت أسمهان بجواره تفرك يديها بتوتر، وعندما قال تلك الجملة انفجرت قائلة:
-أنا خايفة أوي يا تميم، حاسة إني أول مرة أمتحن!

+


ربت على متفها بحنو:
-عشان آخر سنة بس، هتعدي يا حبيبي.

+


والتقط كفها ورفعه إلى شفتيه، وقبّله بأناقة مبتسمًا بحلاوة:
-شِدي الهِمة عشان فيه مأذون عايز يجوزنا.

+


ضحكت بخفة:
-هو برده اللي عايز؟

+


ضيق عينيه بحدة مصطنعة:
-أومال أنا؟!

+


تجمدت الضحكة وبدت بسمة، لم تتمالك نفسها واحتضنته بقوة متمتمة:
-أنا بحبك أوي يا تميم.

+


تنهد وربت على خصلاتها:
-والله ما حد بيحبك قدي.

+


فابتسمت بسعادة وهي تتنفس براحة، وأغمضت عينيها، وأمام نافذة أسمهان كانت هناك عينان تثقبان هذا العناق.

+


✦❥❥❥✦

+


منذ دقائق..

+


دخلا الميكروباص وكان مكدسًا، فاضطر داغر للجلوس أمام بجوار السائق وآسيا في الخلف بجوار سيدة سمينة الجسد تحمل بين يديها طفل رضيع، وأثناء الفترة تلك تحدثت السيدة:
-خدي يا حبيبتي الواد دا معلشي على ما أطلع حاجة.

+


كادت آسيا تتحجج لولا أن ألقت السيدة الطفل عليها! لم تدري كيف تحمله فحاولت أن تفعل كما شاهدت بالأفلام، وفي أثناء ما هي تُحركه وتضعه على كتفها شعرت بسائل بارد يُغطي على سخونة كتفها، عقدت حاجبيها بغرابة بينما أخذت السيدة الطفل:
-تسلمي يا عسل.

+


وما إن ابتعد حتى نظرت آسيا لكتفها، فوجدت سائل أبيض لزج، صرخت باِشمئزاز، لتضحك السيدة قائلة:
-يوه، يادي الكسوف، الواد أشط عليكي، كنت لسه هكرعه، يلا كويس إنه عملها.

1


وراحت تضحك بسماجة، فهدرت آسيا بغضب:
-إيه القرف دااااا

+


رفعت السيدة حاجبيها بحدة:
-جرا إيه يا حبيبتي مكانش عيل يعني.

+


أشارت آسيا عليها بإصبعها قائلة بعصبية:
-ابقي خليه يشقط عليكي مش عليا أنا.

1


توسعت عين السيدة بصدمة:
-يشقط؟ ابني يشقط؟ 

+


تدّخل داغر من الأمام قائلًا:
-محصلش حاجة يا جماعة وحدوا الله.

+


وكان لا بد من تدارك الأمر خاصةً حينما شهقت السيدة بحدة من وقاحة آسيا، فنظر للسائق قائلًا:
-وقفنا هنا يا عم الحج.

+



        
          

                
وعندما وقف صعدت امرأة تحمل قفصًا ذو رائحة عفنة، وجلست أمام آسيا التي نظرت لها باشمئزاز، سرعان ما صرخت حين شعرت بمن يقرض ساقها، نظرت لمن فعل لتجد كائن يشبه الدجاج يقرض ساقها، فصرخت برعب وحاولت الخروج، ولحسن الحظ كان داغر يمد يده لها من الأسفل، فنهضت بسرعة إليه وهبطت بمساعدته، غادر الميكروباص ووقفت آسيا أمام داغر برعب قائلة بتلعثم:
-كان معاها كائن غريب..عور..عورني في رجلي! والشقط على كتفي و..وأنا...

+


احمر وجهه وكان يضغط بشفتيه على بعضهما مانعًا ذاته من الضحك، وعندما لاحظت آسيا رمقته بغيظ هادرة وهي تلكمه في صدره:
-أنت بتضحك على إيه

2


وهنا لم يتمالك نفسه وراح يضحك بهستيرية واضعًا كفه على شفتيه، فطفقت تلكمه في صدره وبطنه وكتفه بغيظ حتى يكُف، فحاول تقييدها وما زال يضحك، ظل يصد ضرباتها حتى تعبت وتخطته ذاهبة وتاركة إياه، فذهب خلفها صائحًا:
-طب استني هقولك.

+


صرخت وما زالت تُدير ظهرها إليه وتتابع طريقها:
-Shut up.

+


هرول خلفها وهو يضحك:
-يا عبيطة استني.

+


ومن الجهة الأخرى للطريق كانت هناك سيارة زرقاء، بداخلها من يُراقب، ويضغط على المِقود بغل، ويصك على أسنانه حاقدًا على من سَلب حبيبته.

8


✦❥❥❥✦

+


وما إن وصلا إلى بوابة الجامعة كانت بقايا الضحكة على وجه داغر، حتى وقعت عينيه على ذلك الشاب خطيب أسمهان، وبجواره كانت هي، وفي اللحظة التالية ارتمت في أحضانه، ورأه يبتسم، فخبت بسمته، وراح يرمقهما بشرود وترّقب، سرعان ما أدار وجهه عنهما، وعاد ليرى ذات الشخصية المنفصمة آسيا.

2


زمجرت آسيا بغل:
-وأنا هشيل القرف دا إزاي بقا!

+


أخرج من جيبه منديلًا، واقترب منها، ومن ثم مسحه من على كتفها برفق، حتى بقى مبللًا فقط، فقال:
-استحمليها بقا لحد ما نروح.

+


زفرت حانقة واستدارت لتذهب، فأوقفها في منتصف الطريق مناديًا عليها، فالتفتت له بحاجبين معقودين باِنزعاج، ورأته يبتسم، ويضع كفه في جيب بنطاله، و
وقال بصوتٍ عالٍ كي يصلها:
-لا إله إلا الله.

+


لا تدري ما الرد، فقالت بعلو وارتباك:
-Thanks!

+


ضحك بخفة، فاستدارت هي نحو المبنى وهرولت لتدخل، وقرر الانتظار في المقهى الخاص بالجامعة.

+


✦❥❥❥✦

+


في المطبخ بمنزل داغر، حينما كانت زينات تعد الطعام وتدعو لآسيا بتيسير الحال، دخلت عليها سمر وهي تأكل من ثمرة الخوخ بيدها، فتحت الثلاجة بلا هدف وهي تتمتم بسخرية:
-ادعي للهانم اوي ادعي، ما أصلك خلفتيها ونستيها.

+



        
          

                
ألقت مغرفة الطعام وتخصرت قائلة:
-انتي عايزة ايه يا بت انتي؟ ما انا بدعيلك انتي كمان ولا هو أي حقد وخلاص.

+


أغلقت الثلاجة وقالت بملامح شبه باكية:
-لا يا اختي بتدعيلها هي بضمير اوي، أنتي أصلًا بتحبيها هي وداغر أكتر مني.

1


رمقتها زينات بصدمة:
-أنا عملت كل دا؟!

+


أومأت سمر بحزم وتابعت:
-أيوه، وعلى فكرة بقا انتي عنصرية ووحشة.

+


ابتسمت بسخرية وقالت باستهجان:
-مش خلفتك، لازم أبقا وحشة.

1


فغرت سمر فاهها والثمرة بفمها، انقلبت الطاولة عليها في لحظة، بينما عادت زينات تباشر عملها بهدوء وكأن شيئًا لم يكن.

+


وبعد قليل خرجت سمر ملتقطة حقيبتها وودعت والدتها وخرجت للدروس، وفي طريقها قبل المبنى الخاص بالدرس قابلت "صبا" تسير بشرود، فاستوقفتها وابتسمت لها سائلة عن حالها، فأجابتها بكلماتٍ مقتضبة وابتسامة مرتجفة، فتعجبت سمر لأمرها وسألتها:
-بقالك مدة مش كويسة، فيه حاجة؟

+


هزت رأسها بنفي قاطع، ولم تعقب، فتابعا السير دون أن تتحدثا حتى، وعندما وصلا للمبنى دخلت سمر أولًا، بينما كادت صبا أن تدخل حتى لمحت من بعيد سيارة بيضاء تحفظها جيدًا، ازدردت لعابها بتوجس، ونفت تلك الأفكار عنها ودخلت المبنى.

1


✦❥❥❥✦

+


سحب تميم المقعد وجلس عليه أمام داغر، ابتسم ببشاشة وقال:
-السلام عليكم.

+


أجابه داغر بينما يتململ في جلسته معتدلًا:
-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

+


مد تميم كفه ليصافحه قائلًا:
-تميم، خطيب أسمهان لو فاكرني.

+


أومأ داغر بهدوء وصافحه هاتفًا:
-فاكر طبعًا، أهلًا وسهلًا.

+


أخرج تميم من جيب سترته عُلبة سجائره، وضع واحدة في فمه ومد يده بها لداغر، فرفع كفه معتذرًا بلطف:
-لا مؤاخذة مبشربش.

+


أومأ تميم مبتسمًا بمجاملة، ومن ثم أعادها لجيبه وأشعل الأخرى، نفث دخانها وهو ينظر إلى الأجواء، قرر فتح حوار مع داغر علهما يتقربا:
-صحيح مبروك جوازكم.

+


ابتسم داغر وهز رأسه، فتابه تميم ممازحًا:
-أنا عارف إن آسيا متتطاقش، بس استحملها بقا مراتك.

+


وضحك بعدها بخفة، وداغر يرمقه بجمود دون أن يعقب، فأدرك تميم أنه قال ما لم يروق للآخر، ففي الأخير هي زوجته ولا يجوز ما قال، غيّر محور الحديث بأن قال:
-والشغل عامل معاك إيه بقا؟

1


أومأ داغر وقال:
-الحمدلله، ماشي.

+


امتص تميم من سيجارته ونفثها قائلًا:
-محتاج آخد أجازة زيك كدا، بعد الامتحانات على طول هتجوز أنا وأسما.

+


ابتسم داغر، وهتف:
-مبارك ليكم.

+


رمقه تميم بجمود، يبدو له شخصية مبهمة، غامضة، هادئة ولكنها تحمل بداخلها فوران، لا يبدو له الأمر على ما يرام، يشعر بشيء غريب في هذا الشخص الماثل أمامه خاصةً وهو يرمقه بتلك النظرات الصلبة الصلدة، مال برأسه ونظر إليه بثبات، وسأله:
-عايشين في حارة دلوقتي؟

+


أومأ داغر دون حديث، فتابع تميم:
-بتقبض كام؟

1


عقد داغر حاجبيه من صيغة السؤال، فابتسم تميم وقال:
-عايز أعرف الشغل مع حاتم بيه مُربح ولا لأ.

+


أجابه داغر وقد باتت عينيه مثبتة بخاصة تميم:
-10 تلاف.

+


عاد تميم لمرحه بأن قال:
- لأ كدا هفكر أسيب شغلي وآجي أشتغل معاكم.

+


سأله داغر بينما يرمقه بنظرات صلبة:
-ليه بتقبض كام؟

+


أجاب تلقائيًا:
-15 ألف.

+


نظرا لبعضهما لبرهة، سرعان ما ضحك الاثنان معًا.

2


✦❥❥❥✦

+


ودعتها صديقاتها وسارت في اتجاه مُعاكس لهم، وبينما هي تُسرع من خطاها وازتها تلك السيارة البيضاء، وطل من نافذتها أبشع من تريد رؤيته:
-صبا، اركبي هوصلك.

+


تجاهلته، وعادت تسير بخطى أسرع، ودقات قلبها تتواثب داخل صدرها، وظل يوازي خطواتها ويبتسم بخبث:
-صبا، اسمعي الكلام يا روحي عشان متزعلنيش.

1


ارتجف جسدها، وارتعش كفها الممسك ببعض الكتب، وفجأةً توقفت السيارة، وهبط منها يسير نحوها بخطى بطيئة، فتراجعت بتوتر واحتبست أنفاسها داخل صدرها، وكلما اقترب، كلما شعرت بأنها تختنق.

1


______________________

+


نعود للاعترافات العظيمة تاني:
أنا أكره المعاناة، وأكره وجع القلب والفرهدة في أي رواية أقرأها، لدرجة إني ممكن أقفش من الرواية لمجرد إنها كئيبة، لكن لو أنا اللي كتبت المعاناة ووجع القلب ببتهج جدًّا، وشكرًا.♥

18


الفصل خلص امبارح وكنت هنزله بس نمت.🐥

+


#دمتم_بخيـࢪ.🕊

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close