اخر الروايات

رواية لن افلت يدك الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم الكاتبة تقي حامد

رواية لن افلت يدك الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم الكاتبة تقي حامد



                                              
اقتحم الغرفة بلا استئذان، فارتبك الأخير وأسقط الابرة، لكمه في أنفه فسالت منها الدماء، وقاومه بأن حاول لكمه، ولكنه سيطر على الموقف حينما لكمه مرة أخرى وجذبه من تلابيبه يُبعده عن فراش آسيا الراقدة، وقد جاء الطبيب لينقذ ما يُمكن إنقاذه، ومن وراءه الممرضات ورجال الأمن، قيّد حركته وثبته على الأرض بحذاءه صارخًا بعروق بارزة ووجهٍ محتقن:
-مين باعتك انطق.

1


سعل الأخير ولم يعقب، فغضب الآخر ولكمه ثانيةً يصرخ فيه بهستيرية وجنون:
-انطق يا حيوان مين اللي باعتك.

+


أبعده رجال الأمن بصعوبة عنه، وقيدوه جيدًا، أخذوه إلى حيث لا يستطيع الهروب، فهرول الآخر وراءهم ولم يتركه، طرحه على الأرض في ردهة المستشفى وراح يلكمه بقوة وقد أعماه الغضب، ولا يردد سوى السؤال عن هوية من بعثه، حتى قال الرجل بصوتٍ متقطع:
-جميل النشار.

1


ركله بقدمه فأخذه رجال الأمن يجرونه جرًّا على الأرض، ومن خلفه سمع صوت خطوات كثيرة تقترب، وقف حاتم أمامه وسأله بهلع:
-إيه اللي حصل.

+


سأله بلهاث:
-تعرف حد اسمه جميل النشار؟

+


شهقت زينات بصدمة، فنظرت لها سمر متسائلة وكذلك حاتم، تمتمت بتلعثم:
-جـ..جميل!

+


سألها الشاب عن سيرته الذاتية ومن يكون، فترنحت بجسدها لذلك أسندتها سمر إلى أقرب مقعد، فجلست وعينيها مخضلتان بدمع الماضي، فجثى الشاب على ركبتيه أمامها وتحدث بهدوء:
-مدام زينات، لازم نعرف مين جميل، دي محاولة اغتيال، حد عايز يخلص من آسيا.

2


تشوش عقلها، وجالت حدقتيها في كل مكان عدا عينيه، تمتمت باِرتباك:
-جميل..خيري..و..وخليل، أنا..أنا مش عارفة!

+


كلمات غير مترابطة تلاها وضعها ليدها على موضع قلبها وتنفسها المضطرب، فتدخلت سمر وقالت بذعر:
-ماما..ماما أنتي كويسة؟

+


زاغت عينيها، فلم تعلم أهي من التعب أم من الدموع، عادت برأسها للخلف ورفعت عينيها للسقف، غير واعية بما يُقال حولها، شعرت برأسها يدور، فاستسلمت وأغمضت عينيها متقبلة الإغماء بصدرٍ رحب لعله يمحي هذا الكابوس السيء.

+


بالإضافة لذلك صدح صوت الطبيب بقوة وهو يصيح في إحدى الممرضات، وبالمستشفى عَلَى صوت صفير قادم من غرفة محددة، صفير صادر من جهاز القلب، من غرفة آسيا.

4


✦❥❥❥✦

+


انقضى الأسبوع سريعًا وعادت زينات وابنتها لدارهم، مر يومين على ذلك الحدث، حتى أن آسيا من كثرة تفكيرها فيما أوقعت نفسها به لم تهتم بكونهم يُشاركونها حياتها، فقط لم يسلم أيًّا منهم من عجرفتها وخاصةً سمر التي كانت متعطشة لسفك دماءها لولا أخيها وأمها، وضعت زينات طعام الغداء ودعت الجميع للحضور، جلس كلًا من سمر وداغر وزينات، بينما جاءت آسيا من غرفة داغر ترتدى شورت چينز قصير وكنزة بنصف كم بينما خصلاتها الناعمة تنسدل خلفها، وقفت أمام طاولة الطعام لبرهة تتأمل ما وُضع عليها، فإذا بها ترى لحوم من كثرة أنواعها، تراجعت بذعر وصرخت:
-إيه دا.

+



                
انتفض الجميع، وسألتها زينات:
-ايه يا حبيبتي اصمالله عليكي، دي فراخ مشوية.

+


صرخت آسيا مشمئزة:
-I know but, انتو ازاي بتاكلو الأكل دا!

+


تحدثت زينات بحيرة:
-نعمة ربنا يا بنتي!

+


هدرت آسيا فيها بغضب:
-نعمة ايه..ترضي حد يآكل وركك كدا!

3


وأشارت لما تأكل فأمسكت زينات وركيها بهلع صائحة:
-وانا حد ياكل وراكي ليه هو انا فرخة! ايه يا داغر شوف مراتك!

2


صرخت مشمئزة وهي تدبدب على الأرض باعتراض
وقد وضعت يدها على أنفها:
-شيلوا القرف دا من قدامي.

+


رفعت زينات حاجبها بحدة:
-نعمة ربنا مش قرف.

+


دبدبت على الأرض بقدميها مرة أخرى وصاحت:
-I'm vegan. 

+


همست زينات لسمر الجالسة بجوارها:
-يعني إيه اللي قالته دا.

+


كانت سمر تأكل غير مبالية بوصلة آسيا المتذمرة:
-تقصد إنها نباتية مبتآكلش لحوم وبيض وجبن وكدا يعني.

1


شهقت زينات، ونظرت لآسيا قائلة باِستنكار:
-مبتآكليش لحوم ولا بيض ولا جبن؟ أومال بتآكلي إيه؟ بتآكلي من خشاش الأرض!

3


كتم داغر ضحكته بكفه، بينما ضحكت سمر بصخب وهي تردد:
-حلوة يا ماما..لأ حلوة والله.

+


عقدت آسيا حاجبيها متعجبة، ونظرت لداغر بعدم فهم مُشيرة على زينات:
-What the meaning of غشاش الأرض?!

+


تحدث داغر بهدوء ليُنهي النقاش:
-معلش يا أمي هاتيلها شوية خضار من اللي عندنا.

+


تأتأت باعتراض:
-أيوه يا ابني بس البت هتتشفط أكتر، أنت مش شايف جسمها عامل إزاي! دي مبتآكلش.

1


ربت على صدره:
-معلشي هي عايزة كدا، يلا بقا.

+


هزت رأسها بقلة حيلة، وقالت باستسلام:
-أمري لله، حاضر.

+


تكبرت آسيا وقالت:
-وشيلوا اللحمة دي من وشي.

+


هدرت سمر بفمٍ ممتلئ:
-يشيلوا إيه شالوا دماغك من على جسمك، مش فيه بني آدمين بيطفحوا هنا ولا أنتي اتعميتي.

1


انكمشت آسيا بهلع، لطالما كانت تلك الفتاة تُرعبها!

+


حل داغر الأمر بأن جعلها تجلس على الأريكة وتضع طعامها أعلى الطاولة التي هي أمام التلفاز، وتأكل ولا لها صلة بهم ولا هم.

+


✦❥❥❥✦

+


ابتسمت أسمهان بسعادة، ونظرت لآسيا قائلة:
-أنا فرحنالك أوي.

+


جلست أمامها على الفراش وتنهدت بحالمية:
-عقبالي.

+


لوت آسيا شفتيها بنزق ولم تعقب، فسألتها أسمهان بغمزة:
-طب بذمتك الجواز مش حلو؟

+



        
          

                
امتعضت ملامح آسيا وصاحت:
-Euu، مش حلو نهائي.

+


سرعان ما نظرت لأسمهان برجاء:
-بليز يا أسما حاولي تخرجيني من هنا، أنتي متعرفيش الناس دي عاملة إزاي، إمبارح أكلوا سمك ميت وريحته تقرف، أنا كنت هرجع.

2


رفعت حاجبها بتعجب:
-سمك ميت؟ ليه عايشة مع vampires؟!

+


ردت آسيا بصوتٍ باكٍ:
-تقريبًا.

+


ضحكت أسمهان بقوة حينما فهمت، وقالت وسط ضحكاتها:
-تقصدي فسيخ؟

+


أومأت آسيا بهستيرية:
-أيوه أيوه الفسيخ دا، أنا عايزة أمشي من هنا بسرعة يا أسما.

2


هزت أسمهان رأسها بقلة حيلة، وصمتت قليلًا تتابع توتر آسيا، سرعان ما ضربت جبهتها وهي تقول:
-أوف نسيت، الكلية قدمت الإمتحانات، لسه قدامنا أسبوعين بس.

+


جحظت آسيا بعينيها وصاحت:
-What!

+


عضت شِفتها السفلية وتمتمت:
-ما هي كانت ناقصة الكلية الزفت.

+


ربتت أسمهان على ذراعها قائلة بود:
-معلش، عامةً أي ورق هيجيبه هعمل حسابك، وإن شاء الله ناجحين ونتخرج بقا ونغور من وش دي كلية.

+


أومأت آسيا بشرود، فنهضت أسمهان تهندم ثوبها قائلة:
-هروح دلوقتي وأبدأ أدح، خدي بالك مفيش تلكيع المرادي، لازم تذاكري.

+


أشهرت إصبعها أمامها بتحذير، فقلبت آسيا عينيها باستهانة:
-Fine fine.

+


واستدارت راحلة، فنهضت آسيا خلفها حتى خرجتا من الغرفة، وفي طريقهم كانت زينات تتجه إلى المطبخ، فتوقفت قليلًا أمام أسمهان، وعقدت حاجبيها بذهول، ومن ثم قالت بصوتٍ مبحوح:
-أسمهان؟!

+


ابتسمت أسمهان بغرابة، وأشارت على نفسها متسائلة:
-حضرتك تعرفيني؟

+


ازدردت زينات لعابها، سرعان ما ابتسمت باِرتجاف وقالت:
-أ..أيوه طبعًا، أنتي مش صاحبة آسيا مرات ابني.

3


ضحكت أسمهان بلطف، ومدت يدها لتصافحها، فمدت زينات كفها واحتضنت كف أسمهان بالكف الآخر، فتجمدت البسمة على شفتي أسمهان، هذا الكف الناعم، وهذه النظرة الحنون، شعرت برأسها يدور، وقلبها يزداد خفقانًا، اختل توازنها ووضعت يدها الحُرة على رأسها وهي تنظر لزينات بتشوش، فأسندتها آسيا الواقفة خلفها وتساءلت بقلق:
-أسمهان؟ مالك؟

3


تمتمت أسمهان بتوتر:
-مـ..مفيش، آ..أ..أنا..لازم أمشي، خدي بالك من نفسك، وآ..وابقي كلميني.

+


وسارعت بالخروج من الباب المفتوح شاعرة بأن هناك من يُطاردها، بينما ابتسمت زينات بحزن، وتنهدت متألمة.

1



        
          

                
✦❥❥❥✦

+


فُتح باب الغرفة مصدرًا أزيز خافت، ورأسٌ طلت تنظر للأجواء بالداخل، سرعان ما فتحت الباب على مصرعيه وقالت مذهولة:
-صبا أنتي نايمة؟ مش عندك مذاكرة يا بنتي.

+


جففت عبراتها وشرقت بأنفها، وقالت من أسفل الغطاء:
-تعبانة شوية عايزة ارتاح.

+


زمت والدتها شفتيها بشفقة، وربتت على ذراعها بحنو:
-ربنا معاكي يا حبيبتي وينولك اللي في بالك.

+


ومن ثم استدارت وأوصدت الباب، فنهضت صبا معتدلة على الفراش وراحت تُكمل بكاءها ضاممة قدميها إلى صدرها.

1


✦❥❥❥✦

+


في المساء جلست آسيا على الفراش وحولها الكثير من الأوراق المتناثرة، حكت فروة رأسها بجهل، وهي تنظر للأوراق بتيه، وعندما لم تفهم شيئًا زمت شفتيها ومسحت وجهها بعصبية مفرطة، طرق داغر الباب ودخل، فرآها تجلس هكذا وضحك قائلًا:
-ايه الورق دا كله، ناوية تبيعيني اللي ورايا واللي قدامي؟!

+


رمقته بغيظ وصاحت غاضبة:
-خليك في حالك.

3


رفع كتفيه بعدم اكتراث، واتجه ناحية الخزانة ليُخرج منامة له، أخذها وخرج من الغرفة إلى المرحاض، فزفرت آسيا بحنق واتصلت بأسمهان التي أجابتها فورًا، فهدرت آسيا بانفعال:
-مش فاهمة حاجة.

+


أبعدت أسمهان الهاتف عن أذنها باِنزعاج بينما دوى صوت صياح آسيا، أعادت الهاتف وقالت بهدوء:
-مش فاهمة إيه وأنا أشرحهولك.

+


تمتمت آسيا بصوتٍ باكٍ وهي تفرك جبينها باِرهاق:
-كل حاجة.

+


اندفع داغر من الباب بعدما تحمم وبدّل ثيابه، في حين كانت آسيا تصيح لأسمهان بأنها لا تفهم شيئًا، وأسمهان تحاول تهدئتها، وعندما شعرت آسيا بالتعب قالت:
-Okay يا أسما, 
أنا هنام معدتش قادرة.

+


وأغلقت معها، في حين اعتدل داغر في وقفته بعدما هندم فرشته، وسألها بحاجبين معقودين وهو يُشير بعينيه على الأوراق المتناثرة:
-مش عارفة تذاكري ولا إيه؟!

+


نظرت إليه وزفرت بحنق، ومن ثم أخفضت بصرها باستسلام:
-يب.

+


غمغم واقترب من الفراش، مال برأسه قليلًا لينظر في الأوراق، هز رأسه متفهمًا ومال أكثر ليلتقط الأوراق المرصوصة جوارها، فتساقطت بعض قطرات الماء من خصلاته على وجه آسيا، على عينيها تحديدًا، فأغلقت عينيها بتلقائية، وشعرت حينها بالإنتعاش!

+


غمغم داغر ببساطة:
-سهلة إن شاء الله.

+


ازدردت لعابها وفتحت عينيها ببطء، ورمقته بتيه هامسة بصوتٍ مبحوح:
-إزاي.

+



        
          

                
تحدث بجدية وعينيه ما زالت تنتقل بين الأوراق:
-هساعدك.

+


رفع عينيه إليها وأشار باصبعه محذرًا:
-بشرط.

+


هزت رأسها متسائلة وما زالت ترمقه بنظرة غريبة تائهة، فأجاب:
-تنزلي معايا من بكرا نجيب هدوم أكثر حِشمة من اللي بتلبسيهم دول.

+


هزت كتفيها بعدم اكتراث وأومأت:
-Fine, 
بس قولي هتساعدني إزاي؟ أنت متعرفش حاجة في دراستي!

+


ابتسم بتكاسل، وقال بنبرة ظنتها لوهلة دافئة:
-هعرف عشانك.

+


والتفت لينام، بينما تشنجت آسيا مكانها، وتوسعت عينيها بجحوظ بسيط، فغرت فاهها مذهولة، وتصاعدت دقات قلبها، ثم رفعت كفها تلقائيًا تضعه على خدها الذي شعرت باِشتعاله أسفل أصابعها!

+


✦❥❥❥✦

+


ضحكات مجلجلة تنتشر هنا وهناك، وفتاة في سن الخامسة عشر عامًا تركض في الحقل الواسع ذو المحاصيل الخضراء، وصلت لآخر الحقل ووقفت تلهث أمامه منحنية ومستندة بكفيها على ركبتيها، ابتسم بهدوء ورفع معصمه لينظر إلى الساعة، وقال:
-اتأخرتي عشر دقايق.

1


زفرت بملل وقلّبت عينيها قائلة:
-أنا جاية جري.

+


عقد ساعديه أمامه ورفع حاجبه:
-أسمهان، متتأخريش تاني.

+


عقدت حاجبيها بانزعاج وتململت غاضبة:
-طيب يا غُدفان..طيب.

3


أردف محتدًا:
-مسمهاش طيب، اسمها حاضر.

+


رفعت حاجبها بحدة، فرفعه أيضًا، فزفرت ثانيةً، فقال بنبرة عابثة تظهر للوهلة الأولى أنها حادة:
-ومتهوفيش، قولي استغفر الله.

+


-أنت محسسني أنك أبويا فيه إيه؟!

+


"يا ولاد الغدا اتحط تعالوا بقا."

+


أدار رأسه لمصدر الصوت، فأشار له:
-الغدا.

+


تحركت أمامه بعنجهية وهي ترفع رأسها بغرور مصطنع، فضحك بخفة وسار خلفها حتى وصلا للقصر الكبير ذو التراث العتيق.

+


احتد عليها الأمر حينما حادثها جدها وأمرها بالمجيء حين خُلاصة الاختبارات، وهي تسمعه بتوتر وقد خفق قلبها بقوة حينما تأكدت بقُرب المواجهة، سيُحتم عليها الأمر بالكذب ثانيةً، أو بقول الصدق، وحينما ستقع بحفرة لن تخرج منها البتة!

+


زفرت بقوة وهي تتمتم بالاستغفار، مالت برأسها على الأوراق حولها وطفقت تُفكر، حتى أخذها سلطان النوم وخلدت إليه في الحال.

+



        
          

                
✦❥❥❥✦

+


في صباح يوم جديد، خرجت آسيا وخلفها داغر من البيت ليُنفذا شرط داغر الأساسي قبل البدء بمساعدتها، لا تدري كيف خضعت له، ولمَ، ولكنها أوهمت نفسها بأنها مُضطرة، والمُضطر يركب الصِعاب.

+


خرجا من الحارة تمامًا، ومرت من أمامهم سيارة أجرة فمدت آسيا يدها لتُشير له بالوقوف، فأوقفها داغر هاتفًا:
-أنتي بتعملي إيه!

+


عقدت حاجبيها بتعجب وهتفت:
-بوقف تاكسي!

+


-لأ تاكسي إيه، إحنا هنركب دا.

+


وأشار إلى شيئًا ما، فنظرت لما يُشير، وجحظت بعينيها هاتفة بصدمة:
-دا؟!

+


أومأ مغمغمًا، فهزت رأسها بنفي متمتمة:
-Noway!

+


أوقف داغر "الميكروباص" وركض له حين وقف بعيدًا عنهم وصعد، ومن ثم مد يده لآسيا المتجمدة في مكانها، وعندما لم تُبدي أي رد فعل صاح حتى يصلها صوته:
-اخلصي مش ميكروباص ابونا هو، اجري.

+


نظرت ليده الممدودة، وتحركت ببطء إليه، حتى بدأت تُسرع في مشيها وتركض، وفي طريقها إليه افتر ثغرها عن بسمة مذهولة، مستمتعة، لصدمتها شعرت بـ..بالحرية!

+


تشبثت بكفه وهمت بالصعود، وعندما صعدت تحركا لآخر الميكروباص، جلس على الأريكة الأخيرة وعندما جلسا همس لها:
-الأحسن تقعدي ورا خالص عشان متوجعيش دماغك بلم الأجرة.

+


نظرت إليه بذهول وما زالت تلك البسمة مرتسمة على مُحياها، سأل الرجل الجالس في المقعد أمامهم عن الأجرة فأجابه، شكره داغر وأخرج من جيبه أموال نقدية، عدّ أربعة قطع وأعطاها لمن أمامه فأخذها، وهمس وهو يعود بظهره لظهر الأريكة ويتمدد بأريحية:
-لما تودي الأجرة حاولي تخليها زي ما بيقول بالظبط، عشان متضطريش تستني الباقي وتحسبي عليكي كام وليكي كام.

+


التمعت عينيها وهي تسمع لنصائحه في كيفية التعامل مع "المكيروباصات"، سرعان ما احتشد الميكروباص بالناس، ووصلا إلى وِجهتهما فهبطا، تخصرت آسيا وسألته وهي تهندم ثوبها:
-هنروح فين.

+


غمغم بتفكير:
-غالبًا هنضطر نمشي قدام شوية نشوف فيه محلات فاتحة ولا لأ، الساعة لسه 10 معتقدش حد هيفتح دلوقتي.

+


عقدت حاجبيها وسألت:
-ولو محدش كان فاتح؟

+


ابتسم بتفاؤل وهز كتفيه ببساطة:
-هنجرب، والله المُعين.

+


دس كفيه في جيبي بنطاله، وسار في الشارع وهي خلفه، سارا قليلًا ومن ثم زم شفتيه بقلة حيلة وهمس بحسرة:
-يا خسارة الأربعة جنيه.

+



        
          

                
نظرت آسيا حولها فوجدت المحلات جميعها مُغلقة، فزفرت بضيق وتخصرت:
-هنعمل إيه دلوقتي؟

+


استدار للطريق ووقف يتابع حركة السيارات القليلة، سرعان ما أوقف سيارة أجرة وتمتم:
-هنضطر نركب التاكسي للأسف.

+


ابتسمت آسيا بانتصار كمن ظفر بالفوز في حربٍ دامية وقالت قبل أن تدخل السيارة:
-ما كان من الأول.

+


جز على أسنانه بضيق، ودلف خلفها إلى السيارة، همس لنفسه بصوتٍ مسموع:
-المفروض نروح فين!

+


بادرت آسيا بحديثٍ لا مبالي:
-الأحسن نروح نون، أو أتش أند إم، أو كايرو فستيفال مول، كلهم براندات، وبصراحة إتش أند إم the best فـ يلا نروح.

1


نظر إليها بصمت وهي تعد عليه كل تلك الأماكن في جملة سريعة، في حين حدد هو في ذهنه المكان المناسب في هذا الوقت، انتقل ببصره للسائق وهتف:
-العتبة يا أسطا لو سمحت.

1


أومأ الرجل وانطلق بالسيارة، في حين تمتمت آسيا بتعجب:
-إيه العتبة دي؟ مول جديد؟

+


ضحك داغر بتسلية:
-طبعًا، وبعدها نروح موسكي، مولات جديدة أوريچينال.

1


تململت في جلستها بعدم ارتياح، ورفعت ذقنها متمتمة:
-Okay.

+


✦❥❥❥✦

+


واقفة في منتصف الطريق، فاغرة الفاه وعينيها متسعتين تحدقان ببلاهة في الرجال والنساء الذين يفترشون الأرض الصلبة بفرشة مليئة بكافة أنواع وألوان الملابس، نظرت لداغر بتساؤل فأشار عليهم قائلًا بابتسامة:
-Welcome to العتبة.

+


جذبها من كفها برفق وسار معها بين الناس ينتقي لها الملابس التي تُعجبه، وهي تسير خلفه بذهول وعينيها تدوران هنا وهناك، لم تكن في وعيها فما تراهُ الآن أقرب للخيال! لم تكن تتوقع أبدًا أن تأتي إلى هنا وتشتري من تلك الملابس البالية التي لطالما سخرت منها! كانت دومًا تسخر من ياسمين على ملابسها وكذلك فتيات كثيرات من الجامعة مالهن لا يسمح لهن إلا بالشراء من العتبة!

+


-بص بص بص الڤيست دا مش هيليق على حد غيرك.

+


وضعه على جسدها، فرمقته بازدراء ونقلت نظرها لداغر:
-ڤيست؟ أنت قديم أوي.

+


نقلت بصرها بين الملابس، سرعان ما وقع بصرها على بلوزة قصيرة إذا ارتدتها ستصل لمنتصف البطن، سألت البائع على يعرها فأجاب:
-دي 100 جنيه يا أبلة، أي حاجة ع الفرشة دي بـ 100.

+


وأشار على لوحة مكتوب عليها بالأحمر الأسعار، فهتفت آسيا بينما تدقق في البلوزة:
-أوريچينال؟

+



        
          

                
سألها بتعجب:
-بتقولي إيه يا أبلة؟

+


نظرت له باشمئزاز وصاحت:
-إيه أبلة دي أنت فاكر نفسك في مدرسة! 

+


برق البائع بعينيه بحدة، فلكزها داغر هامسًا:
-عايزين نطلع سُلام من المكان دا.

+


ألقت البلوزة وصاحت بغطرسة:
-خليهالك، قال أبلة قال، local أوي.

+


جذبها داغر من ذراعها وذهبا لفرشة أخرى، فانتقت آسيا فستان أسود بأكمام ومن الخلف عاري الظهر كما أنه قصير بعض الشيء، أعجبها فسألت على سعره، وقررت شراءه، فالتقطته داغر ودقق النظر به، سرعان ما ألقاه شاكرًا البائعة وجذب آسيا ثانيةً بعنف، فصرخت فيه بقوة وهي تضرب كتفه:
-ما براحة يا حيوان أنت جارر جاموسة وراك.

+


وقف فجأةً واستدار لها يرمقها بحدة، سرعان ما تابع السير وهي خلفه. 

+


دخلا متجر وأخذ داغر يخرج لها الكثير من الملابس المحتشمة ولكنها تعنتت ورفضت! حتى استقرا على فستان مُحايد، محتشم ولكنه ضيق بعض الشيء وحينما سألت آسيا عن سعره أجابت البائعة:
-200 يا اختي.

+


أومأت بلا مبالاة ونظرت لداغر كي يدفع، فتحدث داغر للبائعة:
-200 ايه يا آنسة دا آخره 90 جنيه!

+


شهقت وقالت:
-90 ايه أنت عايز تخرب بيتي، آخره 190.

+


-120 ومش هرفع أكتر.

+


-يا أستاذ دا أكل عيش.

+


-140 وهنبقى زباين واصحاب مكان.

+


زفرت حانقة:
-يادي النيلة السودا، يا أستاذ ميصحش كدا.

+


أخرجم من جيبه ورقتين وأعطاهما لها:
-150 آخر كلام، لفيهولنا لفة عرايس يلا

+


هزت رأسها بقلة حيلة، وأخذت المال وأخرجت حقيبة وضعت بها الفستان، التقطته داغر وأعطاه لآسيا، فرمقته بذهول قبل أن تأخذه منه وتسير خلفه قائلة:
-أنت عملت إيه دلوقتي؟!

+


ابتسم ابتسامة جانبية، ورمقها من أعلى كتفه هاتفًا:
-اديتلها بقشيش 50 جنيه بحالهم.

+


عقدت حاجبيها بعدم فهم:
-What the meaning of بكشيش?!

+


قلّب عينيه بملل وقال:
-أما تكبري هقولك.

+


هزت كتفيها بلا مبالاة وتابعت السير خلفه.
كان اليوم شديد الصعوبة على آسيا، فبين التنقل هنا وهناك والشراء شعرت بالإنهاك، وعندما انتهيا وقفا على الرصيف في إنتظار وسيلة، تشاغل داغر باللعب في هاتفه في حين راحت آسيا تجوب الشارع من حولها بانبهار، كانت تلك هي المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها خرجت حقًا، دومًا كانت تخرج من المنزل إلى الجامعة إلى الملهى والعكس! ملابسها تجلبها عبر الإنترنت، حينما تتسوق تخرج من المتجر على سيارتها، لا تبالي بالسير في الشوارع هكذا!

+



        
          

                
شعرت بمن يجذب السترة الخاصة بها فأنزلت عينيها قليلًا، لتجد فتاة صغيرة تبتسم ببشاشة، لها سِنْة مكسورة أظهرت لُطفها، رفعت الصغيرة الزهرة أمام عيني آسيا قائلة بصوتٍ حُلُو:
-ورد يا أبلة؟

+


لم تدري آسيا ماذا تفعل! بقت تنظر لها بذهول وكأنها كائن فضائي هبط لتوه من كوكبٍ مجهول! تدّخل داغر وجثى على ركبتيه أمام الصغيرة مبتسمًا وقال:
-بكام الوردة يا جميلة.

+


أعادت خصلة من شعرها الأشعث خلف أذنها مبتسمة بخجل من نعته لها بالجميلة:
-الوردة بجنيه يا عمو. 

+


أخرج محفظته، وجلب منها عشرين جنيهًا، أعطاها المال وأخذ منها ثلاث، فابتهجت ونظرت له داعية بابتسامة سعيدة:
-ربنا يخليك يا عمو.

+


نظرت لآسيا الواقفة تنظر للمشهد بتأثر وقالت:
-ربنا يخليلك الأبلة وتدوموا لبعض على طول.

+


ابتسم داغر بهدوء وربت على وجنتها متمتمًا بصوتٍ مُبهم:
-يا رب يا جميلة.

+


ركضت الصغيرة بعدها مبتعدة عنهم، فوقف داغر وتنهد، بينما تنحنحت آسيا وقالت بصوتٍ خافت:
-ممكن واحدة.

+


نظر لها بتساؤل، فأشارت بيدها على الزهور، فانتبه وأعطاها واحدة، أخذتها منه ودققت النظر بها، ابتسمت بخفة وقالت:
-دي طبيعية.

+


رفعت بصرها إليه وتابعت:
-مش بلاستيك.

+


أومأ وهو يراقب تعبيرات وجهها بدقة، آسيا تبتسم، آسيا تتلاعب بالزهرة، آسيا وجهها طبيعي دون مساحيق تجميل تُعكر جمالها، آسيا طبيعية، آسيا عفوية، آسيا اليوم مختلفة، آسيا سرقت قلبه!

4


هل يمكن لخاطف أن يُحب الضحية؟ هل يجوز أن يحب الطبيب مريضته؟ هل يمكن أن يقع العاقل في حب المجنون؟ إذا تمت كل تلك الإفتراضات فإن مشاعره في محلها، لقد تحركت مشاعره تجاهها، ومال إليها، ربما هي مجرد مشاعر هوجاء ستذهب مع الريح حينما تُدرك آسيا نفسها، وربما كانت في محلها حقًا، وربما هو مجرد اعجاب!

+


-بتحبي غزل البنات؟

+


ابتسمت بغرابة وسألته:
-يعني إيه غزل بنات؟

+


رفع إصبعه السبابة ودار بالآخر حوله:
-عصاية كدا فوقها شعر مسكر.

+


توسعت عينيها بدهشة:
-شعر مسكر إزاي؟!

+


ضغط شفتيه ببعضهما، ونظر لساعة يده، سرعان ما جذبها من يدها قائلًا:
-تعالي.

+


وقفا أمام عربة غزل البنات، وطلب من البائع اثنين منها في عصا، ففعل، وأثناء ما هو يُحضِّرهما كانت آسيا تنظر بعينين متسعتين كيف يلتف الشعر حول العصا بطريقة شهية، انتهى البائع فأخذهما داغر منه وأعطى واحدة لآسيا التي ظلت تنظر لها بذهول، بعدما حاسب البائع سار معها على الكورنيش، بعدما أخذ قضمة قال لها:
-كليها بسرعة قبل ما الهوا يطيرها.

+


نظرت له بعجز:
-إزاي!

+


-كدهو.

+


وفتح فمه لآخره وقضم منها قطعة كبيرة، فحاولت تقليده ونجحت، قفزت عدة مرات بسعادة وعادت تكررها، وهو يرمقها بابتسامة هادئة مبهمة المعنى، حينما انتهيا كادت تلقي العصا بلا مبالاة في مياه النيل، فالتقطتها قبل أن تفعل وقال وهو يضعهما في سلة المهملات بجوار الكورنيش:
-مترميش حاجة في الشارع.

+


زمت شفتيها بعدم رضا:
-كل الناس بتعمل كدا!

+


نظر إليها بهدوء، وابتسم:
-وإحنا مش زي الناس.

+


سألته:
-يعني إيه؟

+


سارا معًا وهو يُجيبها:
-يعني البشر اتخلقوا عشان يعمروا الأرض مش يخربوها، دلوقتي البشر نوعين، نوع بيسعى يعمر الأرض ونوع بيتلذذ بخرابها، خلينا إحنا النوع الأول، علشان لما نقابل ربنا نقوله إحنا نفذنا وصيتك يا الله، تعرفي إن سيدنا آدم وستنا حواء لما نزلوا على الأرض كان بسبب إبليس، إبليس حلف إنه هيغوي كل نسل آدم إلا القليل اللي هيصطفاهم ربنا....

+


التمعت عينيها بفضول وقاطعته:
-يعني إيه يصطفاهم؟

+


تابعا السير وهو يشرح لها أن يصطفاهم أي يختارهم لكي يكونوا من الصالحين، وراح يشرح لها الكثير عن سيدنا آدم ونسله وعن قصة قابيل وهابيل وكيف قتل أحدهما الآخر باغواء إبليس، مع بعض الدُعابات البسيطة التي أضحكتها، وهكذا قُضي اليوم.

+


وفي طريقهم للعودة ركبا ميكروباص آخر واختارا الأريكة الأخيرة، ولأنها كانت متعبة جدًّا كما أن الهواء المنبعث من نوافذ الميكروباص لثمتها فتثائبت وغفت على كتف داغر، وقبل أن تغفو تمامًا ابتسمت وقالت بصوتٍ غير واعٍ:
-اليوم كان حلو، حبيته.

2


وتثائبت للمرة الأخير قبل أن تنغلق جفونها، وتنام براحة، بينما يدها متشبثة بكم قميص داغر، ولم تفك حصاره أبدًا.

+


______________________

+


متثقوش فيا أوي عشان ممكن أخدعكم وأموت آسيا عادي جدًّا وأقلبها نكد وانسى بقا كل الدلع اللي فوق، أصلي ماليش أمان.♥

4


أنا شغفي بيوجعني، ما تعملولي كومنتات حلوة بقلوب كدا يمكن أتعافى؟
وشاركوا برأيكم في القصة لحد دلوقتي.

13


#دمتم_بخيـࢪ🕊

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close