رواية عرف صعيدي الفصل التاسع عشر 19 بقلم تسنيم المرشدي
عُرف_صعيدي
الفصل التاسع عشر
( وعد الحر دين عليه )
______________________________________
_ أوشكت الشمس في الغروب ، أجواء ساكنة للغاية ، تعلوا تغريدات العصافير علي الأشجار القريبة ، لم يصدر أي نقاش بينهم منذ عودتها ، تعابيرها مشدودة فانتبهت لها السيدة ''سنية'' وسألتها مهتمة لأمرها :-
مالك يا ست نادرة كانك مهمومة ، خرجي اللي في جوفك يمكن ترتاحي هبابة
_ انتبهت "نادرة" من سؤالها المفاجئ فشعرت "سنية" بخطئها الذي اقترفته من خلف نظراتها وأردفت معتذرة :-
مجصدش ادخل اني كنت..
_ قاطعتها "نادرة" ببكائها الذي انسدل كالشلال علي مقلتيها دون توقف ، شهقت "سنية" بذعر من تحول حالتها المبهمة ، اقتربت منها دون تردد وربتت علي ظهرها محاولة تهدئة روعها :-
استهدي بالله يا ست نادرة ايه اللي حوصل فجاءة أكده لا حول ولا قوه الا بالله ؟
_ مسحت "نادرة" عبراتها بأناملها وبنبرة موجوعة وقلب يعتصر حزناً أردفت من بين بكائها :-
جلبي عيتمزع علي ولدي اللي هملني ، من يوم موته مدوجتش طعم الراحة ، مخابراش كيف يعني اكل وهو يا حبة جلبي مياكلش ، كيف أدوج الفرح وهو في جبره مردوم بالتراب ، تعرفي يا ست سنية اني مش اول مرة أجول الحديت ديه اني مموافجاش علي جوازة مصطفي من ورد!
_ تفاجئت "سنية" بتصريحها بعدم رضاها لزيجة ولدها من ورد ، استشفت "نادرة" ما يدور في عقلها فأدلت موضحة أسبابها :-
بس اللي محدش يعرفه إن جلبي مراضيش إن حد ياخد مكان ولدي ، حتي لو كان ولدي التاني ، عجلي ممتجبلش أن هلال يروح وغيره ياخد حاجة كانت تخصه ، ورد مرت هلال عجلي واجف علي أكده ، جلبي هيوجعني كل ما اتخيل أن ولدي مات واندفن وحجه راح لغيره ، يمكن تشوفيني عحب هلال اكتر من مصطفي بس لاه ربنا يعلم أن معزتهم عندي واحدة ، بس هو ضميري اللي مبينمنيش يا تري ولدي موافج علي حوصل ؟ يا تري راضي ؟ ولا حزنان علي مرته اللي ملحجش يفرحوا بيها
_ أوصدت السيدة "نادرة" عينيها هاتفة 'بـأااه' مكلومة من شدة حزنها المتبدد داخل قلبها ، عادت لتواصل حديثها بنبرة متحشرجة أشد ألماً :-
نار جايدة في صدري مبتنطفيش واصل ، مرضياش عن اللي بعمله في مصطفي وورد من جيهة ومن جيهة تانية صورة هلال وهو يا حبة عيني عريس معتفارجش عيوني التنين ، اني عايشة في مرار محدش شايفه ولا حاسه ، شايفين نادرة الجوية وجحود جلبها ، ميعرفوش إني بعمل أكده من جهرتي وجلة حيلتي ، ميعرفوش أن نار جلبي مبتبردش واصل واللي يزيد ويغطي إن حج ولدي راح هدر واللي جاتله عايش إبيتهني ولا علي باله وولدي مرمي تحت التراب عياكله الدود!
_ كلماتها كانت بمثابة خنجر تغرزه في قلبها كلما تعمقت في حديثها ووصفت مآساتها التي تعيشها بسبب إنسان بلا رحمة لم يفكر في قلبها ولا الحزن الذي سيتدد داخلها بفعلته الدنيئة ، شعرت بمشاركته في القتل بعدم الإبلاغ عنه وتسليمه الي رجال الشرطة ..
_ لم تستطع حتي التخفيف من حزنها وآلامها فهي تعلم الجاني ولا تشي عليه فكيف ستنافقها وتربت علي قلبها بكلمات طيبة وهي عامل أساسي في حالتها تلك!!
_ شعرت "نادرة" بالراحة ما أن أخرجت ما تخفيه طيلة الشهور الماضية داخل جوفها ، إلتقطت أنفاسها لكي تعدل من حالتها المزاجية السيئة ثم وجهت بصرها نحو السيدة "سنية" قائلة :-
الواحد حس براحة لما اتحدتت وخرج اللي في جوفه ، بس رايدة منك ياريت متبلغيش ورد بالحديت اللي جولته ديه مريدهاش تزعل مني
_ أخفضت بصرها وابتسمت بتهكم وتابعت مضيفة وهي تفرك أصابعها :-
هي أصلا شايلة مني ياما
_ أعادت النظر إلي "سنية" ممتنة لسعة صدرها التي تقبلت تراهاتها دون انزعاج ورددت :-
اني خابرة زين أنك مهتجوليش اللي جولته ديه لاي مخلوج عشان أكده اني فضفضت معاكي بس سايج عليكي النبي تسامحيني
_ هربت "سنية" بنظريها بعيداً عنها فلن تجرأ على مواجهة حزن عينيها وهي تحمل كل الذنب علي عاتقها ، أخرجت تنهيدة مهمومة ورددت بآسي :-
مسامحينك يا ست نادرة مسامحينك
______________________________________
_ بعدم استيعاب للأمر بعد سألته في فضول :-
وااه ايه الاوراج ديي؟
_ غمز إليها "مصطفي" بتعالي موضحاً لها :-
ديه الورج اللي يثبت حجك في ورث بوكي ، ديه حجك ياورد عاودلك من تاني!
_ رمقته بطرف عينيها غير مصدقة ما أردفه للتو ، أخذت شهيقاً عميق وأخرجته بتمهل وهي تعيد كلماته في ذهنها بصوت عالٍ :-
حجي! عاودلي من تاني!
_ كتمت "ورد" شهقتها المندهشة براحتي يدها التي وضعتهم أمام فمها حين استشفت الأمر كاملاً ومازالت تطالعه بعدم تصديق ، تحولت تعابيرها الي الخوف الشديد وأسرعت في سؤاله بتوجس :-
أنت زين ، عملك حاجة ؟
_ أضاق "مصطفي" بسودتاه عليها وهتف مستاءً من عدم معرفتها لما يستطيع فعله بعد :-
كاني عيل صغير عشان يعملي حاجة ، فوجي يا ورد أني مصطفي ولد خليل الجبلاوي علي سِن ورُمح محدش يجدر يطلع فيا مش يفكر يعملي حاجة ، وبعدين عمك ديه أجل من أنك تخافي منيه ديه مخدتش في يدي خمس دجايج حتي وكان ناخخ وجايب لي الورج!
_ غمز إليها بعجرفة وواصل قائلاً :-
عشان تعرِفي بس إني جامد
_ قهقهت "ورد" عالياً وهي تنظر إلي "مصطفي" بنظرة مختلفة تماماً عن ذي قبل ، كانت المرة الأولي لأن تلاحظ مدي قوة صنيعته ونفوذه ، نظرتها له مليئة بالامتنان والفخر ، شعور قوي داخلها يرغمها علي معانقته
_ انتبهت علي نبرته التي قطعت عليها حبال شرودها بقوله :-
ساكتة ليه عاد؟ ديه من تأثير الصدمة ولا الفرحة؟
_ أجابته بحماس مختلط بلهفةٍ مشرقة وهي تشير بيدها علي ذاتها :-
حاسة اني رايدة احضنك
_ إلتوي ثغر "مصطفي" بإبتسامة عذبة ثم مط ذراعيه في الهواء مرحباً بها في حضنه :-
يا أهلا بيكي اتفضلي
_ انفجرت "ورد" ضاحكة ولم تتردد لحظة في تضيع تلك الفرصة الثمينة وأقبلت علي صدره متشبثه بعنقه بكل ما أوتيت من قوة ، شد مصطفي علي ظهرها بذراعه لكي يشعر باحتواء عناقها الصغير ..
_ قطع عليهم لحظتهم رنين الهاتف الممل ، حاولت ورد الابتعاد عنه لكي يجيب علي مكالمته الواردة لكنه أبي تراجعها ، دس يده في جيب جلبابه وأجاب :-
فينك يا مصيبة راسي مختفي ليه ؟
_ أجابه الطرف الاخر بجمودٍ :-
اني رايح الاسطبل تعالي جابلني ..
_ بهدوءٍ قال :-
اني هنكة هروح الجماعة اللي معايا وهعاود لك ..
_ أنهي المكالمة فسألته "ورد" بفضول أنثوي :-
مين اللي هعتاود ليه؟
_ سحب نفساً وضاق بعينه عليها متسائلاً :-
ديه فضول المتزوجين بدأ بجا
_ أصدرت "ورد" شهقة قوية وبحركة عفوية ازاحت وشاحها عن وجهها مبدية تزمجرها من حديثه لكنها فوجئت بتلك القُبلة التي اخترقت شفتيها فتجمدت مكانها بصدمة ، طالعت المكان من حولها تتأكد من خلوه فظهر التهكم علي تقاسيم مصطفي فلم ليكن يفعل ما فعله إذا لم يتأكد من بُعد الأناس منهم بقدر مسافة بعيدة ..
_ عادت "ورد" بنظرها عليه حين شعرت بالراحة تجتاجها من عدم وجود مارة علي مقربة منهم مستاءة من تصرفه :-
انت كيف تبو..
_ لم تكمل جملتها بعد حتي فاجئها بقُبلته الثانية علي التوالي ، اتسعت حدقتيها مذهولة من وقاحته فقابلها هو بغمزة متشفية من حدتيه ، دنت منه ورد متوعدة له بأن ترد له قبلاته لكن بواحدة أكثر نعومة لتضعف من قواه أمامها ..
_ عاتبته بضيق زائف حتي تصل إلي مرادها :-
أنت معتختشيش اا..
_ قطعت كلماتها بقُبلتها التي طبعتها في عنقه أسفل أذنه وطالت مدتها حتي أوصد مصطفي عينيه مستمتعاً بتلك اللحظة الرائعة يا حبذا تصرفاتها العفوية التي تأسر قلبه ..
_ فتح "مصطفي" أهدابه بتهمل تحول إلي سرعة فائقة حين رأي هطول السيدتان عليهم ، دفع ورد بعيداً عنه مردداً بصدمة :-
امي وامك..
_ خفق قلب ورد رعباً فور سماعها لكلماته ، چحظت عينيها بذهول وهي لا تجرأ علي الالتفاف ومواجهتهم بعد ما فعلته هي بوقاحة في منتصف الطريق ..
' عتعملوا ايه يولاد '
_ هتفت بهم السيدة "سنية" فأجاباها كليهما في نفسٍ واحد :-
هو..
هي..
_ تبادلا النظرات غير مصدقين أنهم قد فتن كليهما علي الآخر ، لم تتقبل "ورد" وصاحت بتذمر بالغ :-
انت اللي بديت
_ أسرع "مصطفي" في تحسين صورته أمامهم بقوله :-
انتي اللي ما صدجتي!
_ إزدادت بؤبؤتي ورد في الاتساع بصدمة من هجومه وكأنها السبب ، كادت أن تجيبه إلا أن السيدة "سنية" تدخلت لتنهي تلك السخافة :-
أباه مالكم عاد مين اللي بدأ إيه ومين اللي مصدج ايه مفهمينش حاجة واصل
_ مالت برأسها للجانب حيث تقف نادرة وسألتها بحيرة من أمرهم :-
فاهمة حاچة منيهم يا ست نادرة؟
_ أماءت نادرة نافية فألقي "مصطفي" سؤاله ليتأكد من حدسه :-
يعني انتوا مشوفتوش ايتها حاچة ؟
_ هتفت "نادرة" بنفاذ صبر :-
حاجة ايه اللي كلتوا عجولنا بيها؟
_ حاول "مصطفي" إنهاء الحوار بهروبه الي السياره وهو يتمتم :-
اني بجول يلا نعادوا الليل داخل علينا
_ وافقته ورد الرأي وهي تفر هاربة من نظراتهم المحملة بعشرات من الأسئلة حول تصرفاتهم الخرقاء ، لحقت بها "نادرة" بقولها :-
اركبي انتي جدام يا ورد سبيني اني جار أمك
_ عقدت ورد ما بين حاجبيها بغرابة ، فالأمر بدي مريب بعض الشئ لكنها لم تعقب وامتثلت ما قالته سريعاً فهي في حالة لا تحسد عليها بالمرة ، صغت إلي تمتمت "مصطفي" فور استقلالها إلي جواره :-
اركبي يا واكلة ناسك..
_ كانت متفاجئة من إلقائه للحديث في الوسط والذي يزيدها غضباً أنها لا تستطيع الرد عليه فكلتاهن قد ركبن في الخلف وقُطعت أي سُبل لها في إيقافه عما يردفه..
_ وصلا بعد عشر دقائق ، صف مصطفي سيارته أمام باب السرايا من الداخل بعدما قام بتوصيل السيدة سنية الي منزلها ، انتظرت "ورد" ترجل نادرة من السيارة ثم التفتت بثائر جسدها نحو مصطفي هاتفة بحنق :-
بجا اني اللي ماصدجت! بجا اني واكلة ناسي! معتش فيه بيني وبينك حديت تاني واصل جلبي جفل منك يلا عاود لصاحبك
_ ترجلت من السيارة بعبوس مرسوم علي تعابيرها وتابعت سيرها الي الداخل دون أن تلتفت ، تفاجئت بجسدها الذي يعلوا عن الأرض وساقيها التي حلقت في الهواء بحركة سريعة منه كانت بين ذراعيه ..
_ رمقته بذعر فعقلها لم يستوعب بعد تصرفه المفاجئ ، طالعته لبرهة وأردفت معاتبة :-
وجعت جلبي في رجليا يا مصطفي حرام عليك حد يعمل أكده بردك!
_ ابتسم لها بعذوبة مردفاً بأسف :-
أني آسف يا وردتي مهانش عليا أسيبك مضايجة
_ تبخر حزنها فور تصريحه بعدم تحمله لحزنها ، فما يمكن أن يكون هناك أجمل وأسمي من ألا يهون زعلك علي أحدهم ويفعل مافي وسعه لكي يطيب خاطرك ولا يبيت قلبك حزين مكسور ..
_ وضعها علي الفراش برفق ثم طبع قُبلة علي جبينها وهو يطالع زرقاوتيها اللتان ظهرا بوضوحٍ لعينيه بعدما أزاح عنها وشاحها ، أخرج تنيهدة حارة وهو لا يطيق الإبتعاد عنها هاتفاً بقلة حيلة :-
أدخلي أبحثي علي جوجل أكده عن كيفية ابتعاد مصطفي عن وردته مُهجة جلبه!!
_ حتماً يمازحها! لن تستطيع الصمود أمام كلمات الغزل التي تخرج من فاهه فقط لها وحدها دون غيرها ، عضت علي شفتيها مُشكلة إبتسامة ناعمة علي ثغرها تليق مع رقة ملامحها ، حاوطت عنقه بذراعيها وردت عليه بنبرة مُتيمة :-
جوجل عيجول أن مفيش طريجة واصل لبُعد مصطفي عن ورد ، عيجول الطريجة الصحيحة أنه ميهملش حضنها واصل
_ لم يكن هناك داعي لأن يبتعد عنها في تلك الأثناء ، حاوط ظهرها بذراعيه وجذبها لصدره ومال برأسه علي كتفها يشم عبيرها الذي بات يعشق رائحته ولا يقدر العيش بدونه
_ مرت مدة ليست بقصيرة لم يتغير وضعهم حتي ألقت "ورد" سؤالها في الوسط قائلة :-
حضنك حلو جوي
_ باختصار أردف :-
لأنه حجك وحدك
_ رفعت ورد بصرها في عينيه تريد أخذ وعداً قاطعاً منه :-
إوعدني يا مصطفي أن حضنك ديه محدش يدوج حلاوته غيري
_ قطب "مصطفي" جبينه بغرابة وسألها مستاءً :-
عندك شك ولا ايه ؟
_ حركت رأسها يميناً ويساراً نافية سؤاله وأوضحت سبب أخذها لوعده :-
لاه بس وعد الحر دين عليه والدين ميسدهوش الا الرجالة واني رايدة اطمن أكتر
_ لم يرفض لها طلباً بل ظل يردد كلماته بنبرة رخيمة :-
أوعدك إن مفيش واحدة عتعرف ريحة ولا طعم حضن مصطفي ولد خليل الجبلاوي
_ لا شئ يضاهي تلك اللحظة ، تفشل في وصف مشاعرها حينذاك لكنها تشعر بإمتلاكها للأرض بمن عليها ، سكنت قلبها السكينة والطمأنينة بعناقه المختلط بتصريحه لعدم سماحه لآخري في حياته..
_ شعرت ورد بإهتزازة مريبة تكاد تشعر بقوتها في يمينها ، تراجع مصطفي للخلف وسحب هاتفه من جيبه ، قطب جبينه مستاءً من تناسيه لأمر لقائهم وأجابه بحرج :-
جاي لك طوالي معلاش
_ بنبرة تميل إلي الاختناق هتف بتجهم :-
جوام يا مصطفي أني مطايجش حالي
_ قلق "مصطفي" من لهجته المحتقنة ورد عليه مختصراً :-
مسافة السكة هكون جدامك
_ أغلق الهاتف ثم عاود النظر إلي وردته معاتباً إياها بلطف :-
ناسيت حالي ومالي وصحابي بسبب عيونك الزرج دولهما هتوديني علي فين تاني يابت الناس؟!
_ غزت ابتسامة العجرفة ثغرها وهمست ببحتها الأنثوية التي يعهدها الآخر :-
من حضني والي حضني تعود يا صاصا
_ رفع حاجبيه متفاجئاً من ذاك الإسم الجديد :-
كماني!!
_ نهض مبتعداً عنها وهو يردد مازحاً :-
ألحج أني بجا أنفِد بجلدي ، سلام
_ دلف للخارج والإبتسامة تغزو شفتيه غير مصدق ما يعيشه حقاً ، من حياة عاذب حاد الطباع إلي زوج مراهق تناديه زوجته ' صاصا '
_ انفجر ضاحكاً حين تردد ذاك الاسم في مخيلته ولم يتوقف إلا علي صوت تغريدها وهي واقفة خلف الباب لا تُظهر سوي رأسها فقط :-
مصطفي يا مصطفي أني بحبك يا مصطفي
_ التفت بجسده وركض نحوها فأسرعت هي بإغلاق الباب فعاد الي وجهته التي كان يسير عليها قبل أن يصغي لنداء آخر منها..
' مصطفي يا ولدي رايدة اتحدت معاك '
_ أردفت بهم السيدة "نادرة" بهدوء معانق للندم ، رد عليها مصطفي وهو يطالع الوقت في ساعة يده :-
مينفعش بعد ما اعاود ياما ضيف مستنظرني
_ أماءت رأسها بقبول وقالت :-
ماشي يا ولدي المهم تبجي تفوت عليا اني مهانمش
_ ردد مصطفي مختصراً :-
تمام
_ تابع هبوطه للاسفل ومن ثم الي الخارج حتي استقل في سيارته وتحرك بها مبتعدا عن المكان قاصداً طوالة الخيل حتي يلتقي بصديقه ويعلم ما يوجد خلفه..
______________________________________
_ شعرت بالضجر يتغلغل داخلها رويداً رويداً إلي أن سيطر علي خلاياها بالكامل ، تشعر بالملل الشديد يجتاحها من لا شيء ، لا تملك فعل أي شئ سوي مشاهدته وهو نائم ..
_ أيعقل أنها عروس لم يمر على زفافها سوي عدة ساعات! هل هذا ما يفعلانه العروسين في أول أيامهم ؟ فقط يشعرون بالملل لعدم فعلهم اي شئ ، أهم يقضون أغلبية أوقاتهم في النوم وعدم خلق أي محادثة طيلة اليوم كما يحدث معها أم هناك ثمة امورٍ تجهلها..
_ نفخت بضيق يعتلي صدرها وبحثت ببندقيتها علي ماء في الغرفة لكن الزجاجة قد نفذت ، تعالت أصوات زمجرتها فجميع متطلباتها بها خلل يمنعها من ممارسة حياتها علي النهج الصحيح ..
_ نهضت مروة مبتعدة عن الفراش وأبدلت ثيابها بعباءة مطرزة يدوياً ودلفت للخارج بعدما تناولت الزجاجة لكي تعيد ملئها ..
_ دلفت صباح هي الأخري مهرولة فور سماعها لحكة باب غرفة أخيها الذي أصدره أثناء فتحه وغلقه ، تهللت أساريرها بسعادة حين رأت مروة وليس طاهر كما تمنت تماماً ، أقبلت عليها مُشكلة بسمة عريضة علي محياها وقالت :-
علي فين أكده يا عروستنا؟
_ بادلتها "مروة" ابتسامة خجولة واجابتها بإرتباك حرِج :-
المُية خلصت راحة أملاها
_ أماءت لها صباح بتفهم ثم استأذنت مروة في الهبوط للطابق الأول ، حاول صباح التفكير سريعاً مستعينة بشيطان أفكارها الخبيث في إيجاد أي فكرة داهية تفعلها حتي تأتي بضيف في أقرب فرصة ..
_ حمحمت وهتفت قبل تغادر الأخري قائلة :-
ابجي تعالي اجعدي ويايا لو طاهر مش موجود او نايم نتسلوا ويا بعض
_ كانت كلماتها فقط لتجذب أنتباه مروة إليها لحين استطاعتها من رفع طرف البساط بأطرافها ، تنهدت بانتصار حين نجحت في ذلك وانتبهت علي رد مروة مرحبة بفكرتها :-
أكيد طبعاً هعمل أكده
_ أولاتها مروة ظهرها وخطت بقدميها للأمام فانحشرت إحداهن داخل الثغرة التي فعلتها صباح وبمجرد أخذها للخطوة الثانية انزلقت قدميها وتعثرت في الدرج ولم تسطيع إمساك طرابيزين السُلم من هول سرعة الموقف حتي توقف جسدها من تلقاء نفسه فور أنتهاء درجات السُلم علي بقايا حطام الزجاجة التي تناثرت اشلائها في الوسط حين لم تجيد مروة مسكها ..
_ أصدرت صباح شهقة قوية متصنعة الخوف عليها ، هرولت إليها وهي تصيح عالياً :-
يا واجعة مربربة غيتونا يلي في بيت
_ تجمع من في المنزل إثر استغاثة صباح بهم ، صعق طاهر بوقوع مروة وهرول إليها في ذعر كذلك ثريا لم تكن أقل منه صدمة
_ انحني طاهر عليها وجلس القرفصاء أمامها بعدما أزاح قطع الزجاح الصغيرة من الأرض بقدميه متسائلاً باهتمام ممزوج بالقلق حيالها :-
ايه اللي حوصل ، انتي زينة عتتوجعي من حاجة؟
_ أمسكت مروة ساقها اليسري متألمة منها بينما شرحت لهم صباح ما حدث ببرائة طاغية علي نبرتها :-
كنا وافجين نتسامروا وهي كانت راحة تجيب مُية ويا حبة جلبي رجليها اتعسرت في السجادة ووجعت ملحجتش حتي ألحجها
_ آنت مروة بألم شديد يجتاح ثائر جسدها وكأن قطع الزجاج باتت داخل جلدها ، صرخت بنبرة موجوعة حين لمس طاهر يدها مرددة :-
الازاز في يدي ااه
_ شعر طاهر لوهلة بإنهيار قوته التي تضعف أمام أنينها الموجوع ، سحب شهيقاً وقال متوسلاً :-
حاولي تتحملي معايا يا مروة علي لما اشيلك من إهنه
_ أوصدت مروة عينيها وسمحت لعبراتها في الإنطلاق خشية الألم الذي ستعيشه ما أن ضغط طاهر علي جسدها لكن لا يوجد في يدها سوي الرضوخ لكي تنهي ذلك الأمر سريعاً فأماءت له بقبول ..
_ بحذر شديد حملها طاهر عن الأرض فصرخت مروة بكل ما أوتيت من قوة حين شعرت بالألم يتضاعف كلما ضغط بيده علي أماكن بها زجاج..
_ عاد بها إلي الغرفة ثم وضعها برفق علي الفراش فأنت هي بألم ، حاول طاهر جمع شتات وجدانه لكي يمسك بزمام الأمور ، جلس أمامها وسألها بشفقة :-
فين المكان اللي عتتوجعي منيه؟
_ أجابته بتلعثم من بين بكائها المرير :-
ضهري ورجليا
_ أمسك طاهر بطرف ثوبها حتي يري قدميها أولاً فأسرعت هي باللحاق به ممسكة بيده وأشارت بعينيها علي ثريا وصباح الواقفتين خلفه فاستشف هو ما ترمي إليه وتردد في إخراجهم فحتماً لن يفعل ذلك
_ بحكمة عقله الناضجة تعامل مع الموضوع بسلاسة ، سحب نفساً عميق ثم نهض وحملها بحذر بين ذراعيه موجهاً حديثه إلي والدته بحرج :-
خدي راحتك ياما مروة لازم تخلع خلجاتها جوا الحمام
_ بلهفةٍ قالت لكي تمحي الحرج بينهم :-
علي راحتك انت يا ولدي المهم نطمنوا عليها
_ ولج بها طاهر داخل المرحاض وأوقفها أرضا فشعر بألمها ما أن ضغطت علي ذراعه بقوة ، حاول أن يهدئ روعها بقوله :-
اهدي ، وحاولي تتحملي معايا
_ رمشت بعينيها فبدأ هو بخلع عبائتها وهو لا يستوعب ما يفعله ، فحيائه يمنعه لكن الموقف يحتم عليه فعل ذلك ، تفاجئ طاهر بالجروح التي تتناثر في ثائر ظهرها وذراعيها ..
_ حرك رأسه بآسي ثم اقترب منها وحاول يلتقط شظايا الزجاج من جسدها بأنامله وبعضهم بالملقاط الحديدي لصغر حجمهم ، كان جسدها يرتجف بشدة كلما أخرج قطعة زجاج فزادته تأثراً بحالتها المذرية وكان يحاول تخفيف يديه قدر المستطاع ..
_ أنهي ما يفعله وأخبرها بذلك :-
خلاص أكده
_ جهشت مروة باكية بشدة فور انتهائه ، فلقد تماسكت فقط لكي لا تفقده تركيزه وينهي عمله سريعاً ، فوجئ طاهر ببكائها الذي انفطر قلبه الحنون إثره ، التفتت إليه مروة بحركة من يديه وطالعته بأعين تترقرق فيهما العبرات ، مد أنامله ومسحهم برقة مردداً بشفقة :-
خدي بالك بعد أكده ياورد وانتبهي اكتر لحالك
_ طالعته بحزن جلي علي تقاسميها وقالت بنبرة منكسرة :-
بس اني مش ورد!
_ فغر طاهر فاهة بصدمة ، ازدرد ريقه بصعوبة وهو يفكر في كلمات ما يبرر به خطئه الفادح ، هرب بعينيه بعيداً عنها وحاول جاهداً أن يصلح ما اقترفه وحين فشل في إيجاد الكلمات حاول نفي ما قاله :-
اني مجولتش ورد انتي سمعتي غلط!
_ أصرت مروة علي حديثها فلن تكدب أذنيها وتصدقه :-
لاه انت جولت ورد أني متوكدة كيف ما اني متوكدة انك واجف جدامي دلوك
_ أوصد طاهر عينيه هارباً منها مستاءً من زلة لسانه اللعينة التي أوقعت به في ذاك المأزق ، أنتبه علي كلماتها التي خرجت متلعثمة :-
بينك كنت عتحبها جوي
_ لم يرغب طاهر في الخوض عن سيرتها ونفي ما تحاول مروة الوصول إليه بنبرة صارمة :-
اني محبتش حد وجفلي علي الموضوع ديه
_ لم تكترث مروة لطلبه فلن تتراجع قبل أن تكن علي دراية تامة بحقيقة الأمور ، دنت منه وأردفت خشية من إجابته :-
ورد ديي نفسها ورد بت عمك صوح؟
_ لم يتحمل طاهر سماع إسمها يتردد مرة أخري فلقد قطع عهداً مع ذاته بأنه يقتلعها من عقله ويحاول قدر المستطاع أن يتعايش مع حياته الجديدة مهما كانت درجة نفوره منها..
_ تفاجئت مروة بدفعه لها حتي وصل بها إلي الحائط وأجبرها علي الاستناد عليه وصاح غاضباً :-
جولت مفيش ورد.. مفيش ورد!
_ سمح لنفسه بإفراغ شحنة غضبه في تلك القُبلة الشرهة التي آلمت الأخري كثيراً من قوتها ، ومن بين قبلاته كان يردد بإنفعال شديد :-
مفيش ورد.. مفيش مكان ليها
_ اعتقدت مروة أنه يثبت لها بتلك الطريقة عدم وجود مكاناً في قلبه لورد لم تكن تعلم أنه يردد الحديث لنفسه علي أمل إخراجها من عقله وقلبه مع خروج كلماته ..
_ ابتعد عن خاصتها حين طالبت رئتيها بالهواء كذلك هو قد انحشرت أنفاسه داخله في هذا الوضع الحابس للانفاس ، إلتقط أنفاسه وبنبرة تميل اللي اللين المختلط بالهدوء همس أمام شفتيها :-
سيرة ورد متجايش علي لسانك بعد أكده يا مروة لو ليا خاطر عنديكي
_ لم يكن أمامها سوى الرضوخ أمام نبرته التي يتوسلها بها ناهيك عن قُبلته التي مازال أثرها لم يختفي بعد ، ضبط طاهر من حالته ثم أولاها ظهره واقترب من المغطس الرخامي وقام بفتح صنبور المياه فانسدلت قطراته مرتطمة بالارضية..
_ أعاد النظر إليها وهو يقول :-
ادوشي عشان الدم اللي علي جسمك ديه يروح علي لما اجيب لك مرهم يعالج الچروح ديي
_ دلف الي الخارج ما إن أنهي كلماته وتفاجئ بخلوا الغرفة فحمد الله علي عدم وجودهم فحتماً لم ليكن يستطيع النظر في أعينهم بعد فعلته المتهورة مع مروة ..
_ حرك رأسه يطرد أفكاره التي ليست في وقتها وتوجه نحو درج الكومود التي سحبه للخارج وبحث عن أحد المراهم التي سيضمد بها جروح مروة ، التقطه وجلس علي الفراش في انتظار دلوفها الي الخارج ...
______________________________________
_ إلي الأن لم يهضم ما أخبره به صديقه ، المفاجأة المختلطة بالصدمة مسيطرة عليه بالكامل ، حرك الآخر رأسه مستاءً حين تأخر عن الرد عليه هاتفاً بحنق :-
هتفضل ساكت أكده لميتي؟
_ خرج مصطفي من ذهوله وتمتم بدون تصديق للأمر :-
مخابرش اجول ايه يا ضيف ، انت جاي تجولي بعد كل الوجت ديه ورايدني اعملك ايه يعني مفاهمش؟
_ ألقي ضيف ما في جوفه بإنفعال شديد فهو لا يحتمل أي عتاب الأن فقط يريد حلول قاطعة يحسم بها أموره :-
رايد مني أخبرك اني علي علاجة بصفاء عشان تكون نظرتك ليها كيف نظرتك لصباح! لاه يا مصطفي أني مهسمحش لايتها حد يفكر فيها حاجة عفشة أو ينظر لها بصة مش اللي هي ، صفاء اني رايدها مرتي حلالي ولا يمكن اتحدت عنيها وأجيب في سيرتها حتي لو معاك انت ، كيف اكده ما انت معتسمحش لحد يجيب سيرة مرتك لأنها مينفعش تتجاب من أساسه ، فهمت دلوك ليه مجولتش طول المدة اللي فاتت ديي ، اني حكيت لما فاض بيا لما كل الابواب اتجفلت في وشي ، صباح من جيهة ومروة من جيهة وأبوي من جيهة وأني مخابرش اعملوا ايه جيت لك يمكن الاجي عنديك الحل
_ جاب مصطفي المكان من حوله ذهاباً وجيئا وهو عاقد ذراعيه خلف ظهره محاولاً إيجاد فكرة ما ترضي صديقه ، توقف عن سيره وأردف متسائلاً :-
رايد تسمع مني اي حديت يرضيك ولا رأيي الشخصي؟
_ أسرع ضيف مجيباً إياه علي مضضٍ :-
خلص يا مصطفي وجول رأيك
_ أزفر مصطفي أنفاسه وسحب مقعده الخشبي وجلس أعلاه ثم وضع قدم علي الأخري تحت نظرات ضيف المغتاظة التي لا تحتمل الإنتظار وبدأ حديثه مردفاً بنبرة رزينة :-
اللي انت فيه ديه انت تستاهله يا ضيف
_ چحظت عيني ضيف بصدمة وهتف بتجهم :-
استاهله كيف يعني ؟
_ رد عليه مصطفي بنبرة جامدة :-
كيف ما سمعت إكده ، انت لعبت بصباح ومشاعرها فاللي بيحوصل ديه عقابك من ربنا
_ سحب ضيف مقعداً آخر ووضعه أمام مصطفي مباشرةً وجلس أعلاه بعنف في طريقة جلوسه وصاح به هدراً رافضاً تحمل ذنب تلك الدنيئة :-
علي يدك كانت هي اللي بتاجي لي الغيط محدش ضاربها علي يدها وجالها تعالي صاحبيني
_ بصرامة وحزم قاطعه مصطفي :-
بس كان ممكن تصدها بس انت كان عاجبك أنها هي اللي بتركض وراك ، معلوم الرجالة اللي عتركض ورا الحريم فلما الوضع اتبدل جاريتها انت في غلطها وياريتها علي كد المجابلات يا ضيف شكل فيه وعود انت وعدتها ليها!!
_ اتسعت حدقتي ضيف بدهشة فلقد أصاب مصطفي ولم يخطئ ، لاحظ مصطفي ذهول ضيف من سماعه لما قاله للتو وواصل مصطفي بثقة أكبر قد استمدها من خلف نظراته :-
متتعجبش أوي أكده ، أصل يعني ايه اللي يخليها متمسكة بيك للدرجة ديي الا إذا أنت وعدتها بحب أو جواز! حوصل ولا محوصلش؟
_ نكس ضيف رأسه بخذي وأجابه بنبرة خافتة :-
حوصل..
_ إلتوي ثغر مصطفي للجانب بتهكم وتابع ما يحاول توصيله لصديقه :-
شوف يا ضيف مينفعش نحلل الحرام ونزيدوا فيه لانه بيجرنا لحاجات تانية كاتيرة ، يعني انت استحليت ركضها وراك وديه أول إثم وبعدين جومت مجرور لوعد وعدته ليها وموفتش بيه وديه الإثم التاني والاثم التالت لما هربت منيها وهي مسكورة الخاطر وكسر الخاطر من سهل أبدا عند ربنا ، ديه ربنا سبحانه وتعالي نزل أية لما كُسر خاطر السيدة عائشة في حادثة الإفك
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ}
فاللي بيحوصل ديه عقاب من ربنا يا صاحبي ..
_ وضع ضيف كلتي يديه أمام وجهه بقلة حيلة ، تملك منه الضيق كذلك انتابه شعور الاختناق الذي أطبق علي صدره لعدم وصوله إلي حل لمشاكله بعد بل تعقدت الأمور بتوضيح مصطفي لذنبه الكبير..
_ أزاح يده عن وجهه وأخرج تنهيدة مهمومة وبنبرة خافتة قال :-
بس اني معحبش صباح ديي اخر واحدة ممكن افكروا فيها وهي مسكاني من يدي اللي عتوجعني معارفش اتحرك خطوة واحدة وأني ممطمنش علي أختي اللي معاها في دار واحدة ، وصفاء لا يمكن اتخلي عنيها حتي لو أبوي رفض تاني اني مستعد اكتب عليها من غير موافجة لا أبوي ولا عمها بس اطمن علي أختي لاول!!
_ سكون مريب سيطر علي الأجواء قطعه مصطفي بقهقهته غير مصدق ما يتحدثان فيه :-
بجا ضيف بجلالة جدره اللي مدوخ بنتة البلد غرجان لوشوشته في العسل ، والله عجايب يا زمن
_ حك ضيف مؤخرة رأسه بعصبية وأضاف ساخراً علي حديث مصطفي :-
البطيخة مبينلهاش شج يا صاحبي
_ ازدادت ضحكات مصطفي أضعافاً وردد من بين ضحكاته المتواصلة :-
مش لما تشتريها لاول يا ناصح ، لاه وانت بالصلي علي النبي جدامك بطيختين وخابر زين انهين الحمرة وانهين الجرعة والخيبة أنك وافج تتفرج عليهم ومخابرش تشتري انهيين فيهم
_ حرك ضيف رأسه مستنكراً تشبياته الغريبة وشاركه مزاحه :-
يخربيت أم البطيخ اللي وكلت دماغنا بيه ديه ، اومال لو مانجة كنت عملت فينا ايه؟
_ توقف مصطفي عن الضحك وانعكست ملامحه الي الضيق معلقاً علي آخر قاله :-
متفكرنيش بالمانجا
_ قطب الآخر جبينه بغرابة وسأله مستفسراً :-
ليه عاد ؟
_ بفتورٍ أجابه مصطفي :-
أكده جالي فوبيا من سماع إسمها ، جول فاكهة تانية إلا ديي
_ أصدر ضيف ضحكات متهكمة علي حالة مصطفي الغير مفهومة ، ثم تابع كليهما تناول أطراف الحديث الذي لا يعرفون له نهاية فور بِدأه...
______________________________________
_ عاد مصطفي بعد مدة طويلة بعد أن قضي سهرةٍ لطيفة مع صديقه ، كاد أن يولج لغرفته إلا أن كلمات والدته ترددت في عقله في اللحظة الأخيرة ، تراجع عن الدخول وتوجه الي غرفة والديه وبرفق حذِر طرق بابهم ووقف في انتظار إجابة أحدهم..
_ لم يحتاج لتكرار فعلته فلقد فتحت له والدته واستقبلته بإبتسامة هادئة ، دلفت للخارج وأغلقت الباب خلفها ثم دعته إلي غرفة الضيافة وبدأت حديثها بتردد بعد أن اعتلت طرف الفراش :-
اني اسفة يا ولدي
_ قطب مصطفي جبينه بغرابة من أمر اعتذارها التي قدمته دون أسباب واضحة ، عدل من وقفته وسألها مستفسراً :-
عتتأسفي علي ايه ياما؟
_ فركت السيدة نادرة أصابعها بخجل شديد وأجابته بنبرة لا تشبهها إطلاقاً :-
اني غلطت في حجك كاتير ، اني كنت انانية معاك ومفكرتش غير نفسي وبس ، اني رفضت جوزاتك من ورد رغم انك جولتلي أنك راضي بيها وأني بنفسي شوفت أنك عتحبها وبرده مبطلتش مرازية فيكم اني اسفة جوي يا ولدي سامحني
_ سقطت عبرات نادرة وكأنها سكيناً غرزت في قلب مصطفي ، انفطر قلبه حزناً ببكائها الذي لم يعتاده فتلك كانت المرة الثانية علي التوالي يراها تبكي من بعد وفاة هلال ..
_ أسرع نحوها وجلس القرفصاء أمامها ثم طبع قبلة علي يدها معاتباً إياها بلطف :-
متبكيش ياما ، نادرة الحفناوي تبكي متبكيش ، أني مسامحك ياما بس وغلاوتك عندي بلاها الدموع ديي بضايجني
_ مسحت نادرة عبراتها وشكلت إبتسامة راضية علي محياها ، ربتت علي يده الموضوعة علي يدها وأردفت بحنو :-
جوم عاود لمرتك وتاني مرة متعوجش عليها وتسبيها لحالها كل المدة ديي ، خلي مجابلاتك في النهار والليل تكون جارها
_ وضع مصطفي قُبلة أخري علي راحة يدها وقال بمرح :-
سمعاً وطاعة يا سيدة الجصر
_ قهقهت نادرة عالياً فشعر مصطفي بالراحة تتغلغل داخله حين نجح في إستعادة ضحكاتها من جديد ثم نهض من جلسته وانحني بقامته علي جبينها وضعاً قُبلة عليه مردداً :-
تصبحي علي خير ياما
_ ردت عليه متمنية له كل الخير :-
وانت من أهل الخير كلاته يا ولدي
_ أولاها مصطفي ظهره وعاد بأدراجه إلي غرفته بخطي مهرولة فهو لا يطيق الإنتظار لرؤية وردته ، اختفت إشراقة وجهه حين رآها غافية ، لوي شفتيه بتزمجر متمتماً :-
وااه انتي نمتي يا ورد
_ أزفر أنفاسه بملل وتجرد من الثياب إلا من شورت قطني قصير ، أستلقي بجوار ورد وجذبها برفق إلي حضنه ثم دفن رأسه في عنقها وأوصد عينيه هامساً بلوعة الشوق :-
لو خابرة اني عاشجك كد إيه!
_ ترك العنان للنعاس في التغلب عليه حتي بات في ثُباتٍ عميق غير آبه لما يدور حوله فلتحترق النجوم فالسكينة التي تبددت داخل قلبه بقربها تكفيه..
______________________________________
_ قلق من نومته علي رنين الهاتف المستمر الذي لا يتوقف ، أعدل وضعية جلوسه وسحب هاتفه من أعلي الكومود فإذا به رقم مجهول ، تردد في الإجابة أولاً وفي النهاية قرر الإجابة فيمكن أن يكون هناك خطبً ما ، أجاب علي المكالمة بتوجس شديد لما سيقع علي آذانه متسائلاً :-
مين معايا ؟
_ صغي إلي نبرة من الجانب الآخر يكاد يسمعها بسبب الضجة من حوله :-
إلحج يا سي طاهر...
الفصل التاسع عشر
( وعد الحر دين عليه )
______________________________________
_ أوشكت الشمس في الغروب ، أجواء ساكنة للغاية ، تعلوا تغريدات العصافير علي الأشجار القريبة ، لم يصدر أي نقاش بينهم منذ عودتها ، تعابيرها مشدودة فانتبهت لها السيدة ''سنية'' وسألتها مهتمة لأمرها :-
مالك يا ست نادرة كانك مهمومة ، خرجي اللي في جوفك يمكن ترتاحي هبابة
_ انتبهت "نادرة" من سؤالها المفاجئ فشعرت "سنية" بخطئها الذي اقترفته من خلف نظراتها وأردفت معتذرة :-
مجصدش ادخل اني كنت..
_ قاطعتها "نادرة" ببكائها الذي انسدل كالشلال علي مقلتيها دون توقف ، شهقت "سنية" بذعر من تحول حالتها المبهمة ، اقتربت منها دون تردد وربتت علي ظهرها محاولة تهدئة روعها :-
استهدي بالله يا ست نادرة ايه اللي حوصل فجاءة أكده لا حول ولا قوه الا بالله ؟
_ مسحت "نادرة" عبراتها بأناملها وبنبرة موجوعة وقلب يعتصر حزناً أردفت من بين بكائها :-
جلبي عيتمزع علي ولدي اللي هملني ، من يوم موته مدوجتش طعم الراحة ، مخابراش كيف يعني اكل وهو يا حبة جلبي مياكلش ، كيف أدوج الفرح وهو في جبره مردوم بالتراب ، تعرفي يا ست سنية اني مش اول مرة أجول الحديت ديه اني مموافجاش علي جوازة مصطفي من ورد!
_ تفاجئت "سنية" بتصريحها بعدم رضاها لزيجة ولدها من ورد ، استشفت "نادرة" ما يدور في عقلها فأدلت موضحة أسبابها :-
بس اللي محدش يعرفه إن جلبي مراضيش إن حد ياخد مكان ولدي ، حتي لو كان ولدي التاني ، عجلي ممتجبلش أن هلال يروح وغيره ياخد حاجة كانت تخصه ، ورد مرت هلال عجلي واجف علي أكده ، جلبي هيوجعني كل ما اتخيل أن ولدي مات واندفن وحجه راح لغيره ، يمكن تشوفيني عحب هلال اكتر من مصطفي بس لاه ربنا يعلم أن معزتهم عندي واحدة ، بس هو ضميري اللي مبينمنيش يا تري ولدي موافج علي حوصل ؟ يا تري راضي ؟ ولا حزنان علي مرته اللي ملحجش يفرحوا بيها
_ أوصدت السيدة "نادرة" عينيها هاتفة 'بـأااه' مكلومة من شدة حزنها المتبدد داخل قلبها ، عادت لتواصل حديثها بنبرة متحشرجة أشد ألماً :-
نار جايدة في صدري مبتنطفيش واصل ، مرضياش عن اللي بعمله في مصطفي وورد من جيهة ومن جيهة تانية صورة هلال وهو يا حبة عيني عريس معتفارجش عيوني التنين ، اني عايشة في مرار محدش شايفه ولا حاسه ، شايفين نادرة الجوية وجحود جلبها ، ميعرفوش إني بعمل أكده من جهرتي وجلة حيلتي ، ميعرفوش أن نار جلبي مبتبردش واصل واللي يزيد ويغطي إن حج ولدي راح هدر واللي جاتله عايش إبيتهني ولا علي باله وولدي مرمي تحت التراب عياكله الدود!
_ كلماتها كانت بمثابة خنجر تغرزه في قلبها كلما تعمقت في حديثها ووصفت مآساتها التي تعيشها بسبب إنسان بلا رحمة لم يفكر في قلبها ولا الحزن الذي سيتدد داخلها بفعلته الدنيئة ، شعرت بمشاركته في القتل بعدم الإبلاغ عنه وتسليمه الي رجال الشرطة ..
_ لم تستطع حتي التخفيف من حزنها وآلامها فهي تعلم الجاني ولا تشي عليه فكيف ستنافقها وتربت علي قلبها بكلمات طيبة وهي عامل أساسي في حالتها تلك!!
_ شعرت "نادرة" بالراحة ما أن أخرجت ما تخفيه طيلة الشهور الماضية داخل جوفها ، إلتقطت أنفاسها لكي تعدل من حالتها المزاجية السيئة ثم وجهت بصرها نحو السيدة "سنية" قائلة :-
الواحد حس براحة لما اتحدتت وخرج اللي في جوفه ، بس رايدة منك ياريت متبلغيش ورد بالحديت اللي جولته ديه مريدهاش تزعل مني
_ أخفضت بصرها وابتسمت بتهكم وتابعت مضيفة وهي تفرك أصابعها :-
هي أصلا شايلة مني ياما
_ أعادت النظر إلي "سنية" ممتنة لسعة صدرها التي تقبلت تراهاتها دون انزعاج ورددت :-
اني خابرة زين أنك مهتجوليش اللي جولته ديه لاي مخلوج عشان أكده اني فضفضت معاكي بس سايج عليكي النبي تسامحيني
_ هربت "سنية" بنظريها بعيداً عنها فلن تجرأ على مواجهة حزن عينيها وهي تحمل كل الذنب علي عاتقها ، أخرجت تنهيدة مهمومة ورددت بآسي :-
مسامحينك يا ست نادرة مسامحينك
______________________________________
_ بعدم استيعاب للأمر بعد سألته في فضول :-
وااه ايه الاوراج ديي؟
_ غمز إليها "مصطفي" بتعالي موضحاً لها :-
ديه الورج اللي يثبت حجك في ورث بوكي ، ديه حجك ياورد عاودلك من تاني!
_ رمقته بطرف عينيها غير مصدقة ما أردفه للتو ، أخذت شهيقاً عميق وأخرجته بتمهل وهي تعيد كلماته في ذهنها بصوت عالٍ :-
حجي! عاودلي من تاني!
_ كتمت "ورد" شهقتها المندهشة براحتي يدها التي وضعتهم أمام فمها حين استشفت الأمر كاملاً ومازالت تطالعه بعدم تصديق ، تحولت تعابيرها الي الخوف الشديد وأسرعت في سؤاله بتوجس :-
أنت زين ، عملك حاجة ؟
_ أضاق "مصطفي" بسودتاه عليها وهتف مستاءً من عدم معرفتها لما يستطيع فعله بعد :-
كاني عيل صغير عشان يعملي حاجة ، فوجي يا ورد أني مصطفي ولد خليل الجبلاوي علي سِن ورُمح محدش يجدر يطلع فيا مش يفكر يعملي حاجة ، وبعدين عمك ديه أجل من أنك تخافي منيه ديه مخدتش في يدي خمس دجايج حتي وكان ناخخ وجايب لي الورج!
_ غمز إليها بعجرفة وواصل قائلاً :-
عشان تعرِفي بس إني جامد
_ قهقهت "ورد" عالياً وهي تنظر إلي "مصطفي" بنظرة مختلفة تماماً عن ذي قبل ، كانت المرة الأولي لأن تلاحظ مدي قوة صنيعته ونفوذه ، نظرتها له مليئة بالامتنان والفخر ، شعور قوي داخلها يرغمها علي معانقته
_ انتبهت علي نبرته التي قطعت عليها حبال شرودها بقوله :-
ساكتة ليه عاد؟ ديه من تأثير الصدمة ولا الفرحة؟
_ أجابته بحماس مختلط بلهفةٍ مشرقة وهي تشير بيدها علي ذاتها :-
حاسة اني رايدة احضنك
_ إلتوي ثغر "مصطفي" بإبتسامة عذبة ثم مط ذراعيه في الهواء مرحباً بها في حضنه :-
يا أهلا بيكي اتفضلي
_ انفجرت "ورد" ضاحكة ولم تتردد لحظة في تضيع تلك الفرصة الثمينة وأقبلت علي صدره متشبثه بعنقه بكل ما أوتيت من قوة ، شد مصطفي علي ظهرها بذراعه لكي يشعر باحتواء عناقها الصغير ..
_ قطع عليهم لحظتهم رنين الهاتف الممل ، حاولت ورد الابتعاد عنه لكي يجيب علي مكالمته الواردة لكنه أبي تراجعها ، دس يده في جيب جلبابه وأجاب :-
فينك يا مصيبة راسي مختفي ليه ؟
_ أجابه الطرف الاخر بجمودٍ :-
اني رايح الاسطبل تعالي جابلني ..
_ بهدوءٍ قال :-
اني هنكة هروح الجماعة اللي معايا وهعاود لك ..
_ أنهي المكالمة فسألته "ورد" بفضول أنثوي :-
مين اللي هعتاود ليه؟
_ سحب نفساً وضاق بعينه عليها متسائلاً :-
ديه فضول المتزوجين بدأ بجا
_ أصدرت "ورد" شهقة قوية وبحركة عفوية ازاحت وشاحها عن وجهها مبدية تزمجرها من حديثه لكنها فوجئت بتلك القُبلة التي اخترقت شفتيها فتجمدت مكانها بصدمة ، طالعت المكان من حولها تتأكد من خلوه فظهر التهكم علي تقاسيم مصطفي فلم ليكن يفعل ما فعله إذا لم يتأكد من بُعد الأناس منهم بقدر مسافة بعيدة ..
_ عادت "ورد" بنظرها عليه حين شعرت بالراحة تجتاجها من عدم وجود مارة علي مقربة منهم مستاءة من تصرفه :-
انت كيف تبو..
_ لم تكمل جملتها بعد حتي فاجئها بقُبلته الثانية علي التوالي ، اتسعت حدقتيها مذهولة من وقاحته فقابلها هو بغمزة متشفية من حدتيه ، دنت منه ورد متوعدة له بأن ترد له قبلاته لكن بواحدة أكثر نعومة لتضعف من قواه أمامها ..
_ عاتبته بضيق زائف حتي تصل إلي مرادها :-
أنت معتختشيش اا..
_ قطعت كلماتها بقُبلتها التي طبعتها في عنقه أسفل أذنه وطالت مدتها حتي أوصد مصطفي عينيه مستمتعاً بتلك اللحظة الرائعة يا حبذا تصرفاتها العفوية التي تأسر قلبه ..
_ فتح "مصطفي" أهدابه بتهمل تحول إلي سرعة فائقة حين رأي هطول السيدتان عليهم ، دفع ورد بعيداً عنه مردداً بصدمة :-
امي وامك..
_ خفق قلب ورد رعباً فور سماعها لكلماته ، چحظت عينيها بذهول وهي لا تجرأ علي الالتفاف ومواجهتهم بعد ما فعلته هي بوقاحة في منتصف الطريق ..
' عتعملوا ايه يولاد '
_ هتفت بهم السيدة "سنية" فأجاباها كليهما في نفسٍ واحد :-
هو..
هي..
_ تبادلا النظرات غير مصدقين أنهم قد فتن كليهما علي الآخر ، لم تتقبل "ورد" وصاحت بتذمر بالغ :-
انت اللي بديت
_ أسرع "مصطفي" في تحسين صورته أمامهم بقوله :-
انتي اللي ما صدجتي!
_ إزدادت بؤبؤتي ورد في الاتساع بصدمة من هجومه وكأنها السبب ، كادت أن تجيبه إلا أن السيدة "سنية" تدخلت لتنهي تلك السخافة :-
أباه مالكم عاد مين اللي بدأ إيه ومين اللي مصدج ايه مفهمينش حاجة واصل
_ مالت برأسها للجانب حيث تقف نادرة وسألتها بحيرة من أمرهم :-
فاهمة حاچة منيهم يا ست نادرة؟
_ أماءت نادرة نافية فألقي "مصطفي" سؤاله ليتأكد من حدسه :-
يعني انتوا مشوفتوش ايتها حاچة ؟
_ هتفت "نادرة" بنفاذ صبر :-
حاجة ايه اللي كلتوا عجولنا بيها؟
_ حاول "مصطفي" إنهاء الحوار بهروبه الي السياره وهو يتمتم :-
اني بجول يلا نعادوا الليل داخل علينا
_ وافقته ورد الرأي وهي تفر هاربة من نظراتهم المحملة بعشرات من الأسئلة حول تصرفاتهم الخرقاء ، لحقت بها "نادرة" بقولها :-
اركبي انتي جدام يا ورد سبيني اني جار أمك
_ عقدت ورد ما بين حاجبيها بغرابة ، فالأمر بدي مريب بعض الشئ لكنها لم تعقب وامتثلت ما قالته سريعاً فهي في حالة لا تحسد عليها بالمرة ، صغت إلي تمتمت "مصطفي" فور استقلالها إلي جواره :-
اركبي يا واكلة ناسك..
_ كانت متفاجئة من إلقائه للحديث في الوسط والذي يزيدها غضباً أنها لا تستطيع الرد عليه فكلتاهن قد ركبن في الخلف وقُطعت أي سُبل لها في إيقافه عما يردفه..
_ وصلا بعد عشر دقائق ، صف مصطفي سيارته أمام باب السرايا من الداخل بعدما قام بتوصيل السيدة سنية الي منزلها ، انتظرت "ورد" ترجل نادرة من السيارة ثم التفتت بثائر جسدها نحو مصطفي هاتفة بحنق :-
بجا اني اللي ماصدجت! بجا اني واكلة ناسي! معتش فيه بيني وبينك حديت تاني واصل جلبي جفل منك يلا عاود لصاحبك
_ ترجلت من السيارة بعبوس مرسوم علي تعابيرها وتابعت سيرها الي الداخل دون أن تلتفت ، تفاجئت بجسدها الذي يعلوا عن الأرض وساقيها التي حلقت في الهواء بحركة سريعة منه كانت بين ذراعيه ..
_ رمقته بذعر فعقلها لم يستوعب بعد تصرفه المفاجئ ، طالعته لبرهة وأردفت معاتبة :-
وجعت جلبي في رجليا يا مصطفي حرام عليك حد يعمل أكده بردك!
_ ابتسم لها بعذوبة مردفاً بأسف :-
أني آسف يا وردتي مهانش عليا أسيبك مضايجة
_ تبخر حزنها فور تصريحه بعدم تحمله لحزنها ، فما يمكن أن يكون هناك أجمل وأسمي من ألا يهون زعلك علي أحدهم ويفعل مافي وسعه لكي يطيب خاطرك ولا يبيت قلبك حزين مكسور ..
_ وضعها علي الفراش برفق ثم طبع قُبلة علي جبينها وهو يطالع زرقاوتيها اللتان ظهرا بوضوحٍ لعينيه بعدما أزاح عنها وشاحها ، أخرج تنيهدة حارة وهو لا يطيق الإبتعاد عنها هاتفاً بقلة حيلة :-
أدخلي أبحثي علي جوجل أكده عن كيفية ابتعاد مصطفي عن وردته مُهجة جلبه!!
_ حتماً يمازحها! لن تستطيع الصمود أمام كلمات الغزل التي تخرج من فاهه فقط لها وحدها دون غيرها ، عضت علي شفتيها مُشكلة إبتسامة ناعمة علي ثغرها تليق مع رقة ملامحها ، حاوطت عنقه بذراعيها وردت عليه بنبرة مُتيمة :-
جوجل عيجول أن مفيش طريجة واصل لبُعد مصطفي عن ورد ، عيجول الطريجة الصحيحة أنه ميهملش حضنها واصل
_ لم يكن هناك داعي لأن يبتعد عنها في تلك الأثناء ، حاوط ظهرها بذراعيه وجذبها لصدره ومال برأسه علي كتفها يشم عبيرها الذي بات يعشق رائحته ولا يقدر العيش بدونه
_ مرت مدة ليست بقصيرة لم يتغير وضعهم حتي ألقت "ورد" سؤالها في الوسط قائلة :-
حضنك حلو جوي
_ باختصار أردف :-
لأنه حجك وحدك
_ رفعت ورد بصرها في عينيه تريد أخذ وعداً قاطعاً منه :-
إوعدني يا مصطفي أن حضنك ديه محدش يدوج حلاوته غيري
_ قطب "مصطفي" جبينه بغرابة وسألها مستاءً :-
عندك شك ولا ايه ؟
_ حركت رأسها يميناً ويساراً نافية سؤاله وأوضحت سبب أخذها لوعده :-
لاه بس وعد الحر دين عليه والدين ميسدهوش الا الرجالة واني رايدة اطمن أكتر
_ لم يرفض لها طلباً بل ظل يردد كلماته بنبرة رخيمة :-
أوعدك إن مفيش واحدة عتعرف ريحة ولا طعم حضن مصطفي ولد خليل الجبلاوي
_ لا شئ يضاهي تلك اللحظة ، تفشل في وصف مشاعرها حينذاك لكنها تشعر بإمتلاكها للأرض بمن عليها ، سكنت قلبها السكينة والطمأنينة بعناقه المختلط بتصريحه لعدم سماحه لآخري في حياته..
_ شعرت ورد بإهتزازة مريبة تكاد تشعر بقوتها في يمينها ، تراجع مصطفي للخلف وسحب هاتفه من جيبه ، قطب جبينه مستاءً من تناسيه لأمر لقائهم وأجابه بحرج :-
جاي لك طوالي معلاش
_ بنبرة تميل إلي الاختناق هتف بتجهم :-
جوام يا مصطفي أني مطايجش حالي
_ قلق "مصطفي" من لهجته المحتقنة ورد عليه مختصراً :-
مسافة السكة هكون جدامك
_ أغلق الهاتف ثم عاود النظر إلي وردته معاتباً إياها بلطف :-
ناسيت حالي ومالي وصحابي بسبب عيونك الزرج دولهما هتوديني علي فين تاني يابت الناس؟!
_ غزت ابتسامة العجرفة ثغرها وهمست ببحتها الأنثوية التي يعهدها الآخر :-
من حضني والي حضني تعود يا صاصا
_ رفع حاجبيه متفاجئاً من ذاك الإسم الجديد :-
كماني!!
_ نهض مبتعداً عنها وهو يردد مازحاً :-
ألحج أني بجا أنفِد بجلدي ، سلام
_ دلف للخارج والإبتسامة تغزو شفتيه غير مصدق ما يعيشه حقاً ، من حياة عاذب حاد الطباع إلي زوج مراهق تناديه زوجته ' صاصا '
_ انفجر ضاحكاً حين تردد ذاك الاسم في مخيلته ولم يتوقف إلا علي صوت تغريدها وهي واقفة خلف الباب لا تُظهر سوي رأسها فقط :-
مصطفي يا مصطفي أني بحبك يا مصطفي
_ التفت بجسده وركض نحوها فأسرعت هي بإغلاق الباب فعاد الي وجهته التي كان يسير عليها قبل أن يصغي لنداء آخر منها..
' مصطفي يا ولدي رايدة اتحدت معاك '
_ أردفت بهم السيدة "نادرة" بهدوء معانق للندم ، رد عليها مصطفي وهو يطالع الوقت في ساعة يده :-
مينفعش بعد ما اعاود ياما ضيف مستنظرني
_ أماءت رأسها بقبول وقالت :-
ماشي يا ولدي المهم تبجي تفوت عليا اني مهانمش
_ ردد مصطفي مختصراً :-
تمام
_ تابع هبوطه للاسفل ومن ثم الي الخارج حتي استقل في سيارته وتحرك بها مبتعدا عن المكان قاصداً طوالة الخيل حتي يلتقي بصديقه ويعلم ما يوجد خلفه..
______________________________________
_ شعرت بالضجر يتغلغل داخلها رويداً رويداً إلي أن سيطر علي خلاياها بالكامل ، تشعر بالملل الشديد يجتاحها من لا شيء ، لا تملك فعل أي شئ سوي مشاهدته وهو نائم ..
_ أيعقل أنها عروس لم يمر على زفافها سوي عدة ساعات! هل هذا ما يفعلانه العروسين في أول أيامهم ؟ فقط يشعرون بالملل لعدم فعلهم اي شئ ، أهم يقضون أغلبية أوقاتهم في النوم وعدم خلق أي محادثة طيلة اليوم كما يحدث معها أم هناك ثمة امورٍ تجهلها..
_ نفخت بضيق يعتلي صدرها وبحثت ببندقيتها علي ماء في الغرفة لكن الزجاجة قد نفذت ، تعالت أصوات زمجرتها فجميع متطلباتها بها خلل يمنعها من ممارسة حياتها علي النهج الصحيح ..
_ نهضت مروة مبتعدة عن الفراش وأبدلت ثيابها بعباءة مطرزة يدوياً ودلفت للخارج بعدما تناولت الزجاجة لكي تعيد ملئها ..
_ دلفت صباح هي الأخري مهرولة فور سماعها لحكة باب غرفة أخيها الذي أصدره أثناء فتحه وغلقه ، تهللت أساريرها بسعادة حين رأت مروة وليس طاهر كما تمنت تماماً ، أقبلت عليها مُشكلة بسمة عريضة علي محياها وقالت :-
علي فين أكده يا عروستنا؟
_ بادلتها "مروة" ابتسامة خجولة واجابتها بإرتباك حرِج :-
المُية خلصت راحة أملاها
_ أماءت لها صباح بتفهم ثم استأذنت مروة في الهبوط للطابق الأول ، حاول صباح التفكير سريعاً مستعينة بشيطان أفكارها الخبيث في إيجاد أي فكرة داهية تفعلها حتي تأتي بضيف في أقرب فرصة ..
_ حمحمت وهتفت قبل تغادر الأخري قائلة :-
ابجي تعالي اجعدي ويايا لو طاهر مش موجود او نايم نتسلوا ويا بعض
_ كانت كلماتها فقط لتجذب أنتباه مروة إليها لحين استطاعتها من رفع طرف البساط بأطرافها ، تنهدت بانتصار حين نجحت في ذلك وانتبهت علي رد مروة مرحبة بفكرتها :-
أكيد طبعاً هعمل أكده
_ أولاتها مروة ظهرها وخطت بقدميها للأمام فانحشرت إحداهن داخل الثغرة التي فعلتها صباح وبمجرد أخذها للخطوة الثانية انزلقت قدميها وتعثرت في الدرج ولم تسطيع إمساك طرابيزين السُلم من هول سرعة الموقف حتي توقف جسدها من تلقاء نفسه فور أنتهاء درجات السُلم علي بقايا حطام الزجاجة التي تناثرت اشلائها في الوسط حين لم تجيد مروة مسكها ..
_ أصدرت صباح شهقة قوية متصنعة الخوف عليها ، هرولت إليها وهي تصيح عالياً :-
يا واجعة مربربة غيتونا يلي في بيت
_ تجمع من في المنزل إثر استغاثة صباح بهم ، صعق طاهر بوقوع مروة وهرول إليها في ذعر كذلك ثريا لم تكن أقل منه صدمة
_ انحني طاهر عليها وجلس القرفصاء أمامها بعدما أزاح قطع الزجاح الصغيرة من الأرض بقدميه متسائلاً باهتمام ممزوج بالقلق حيالها :-
ايه اللي حوصل ، انتي زينة عتتوجعي من حاجة؟
_ أمسكت مروة ساقها اليسري متألمة منها بينما شرحت لهم صباح ما حدث ببرائة طاغية علي نبرتها :-
كنا وافجين نتسامروا وهي كانت راحة تجيب مُية ويا حبة جلبي رجليها اتعسرت في السجادة ووجعت ملحجتش حتي ألحجها
_ آنت مروة بألم شديد يجتاح ثائر جسدها وكأن قطع الزجاج باتت داخل جلدها ، صرخت بنبرة موجوعة حين لمس طاهر يدها مرددة :-
الازاز في يدي ااه
_ شعر طاهر لوهلة بإنهيار قوته التي تضعف أمام أنينها الموجوع ، سحب شهيقاً وقال متوسلاً :-
حاولي تتحملي معايا يا مروة علي لما اشيلك من إهنه
_ أوصدت مروة عينيها وسمحت لعبراتها في الإنطلاق خشية الألم الذي ستعيشه ما أن ضغط طاهر علي جسدها لكن لا يوجد في يدها سوي الرضوخ لكي تنهي ذلك الأمر سريعاً فأماءت له بقبول ..
_ بحذر شديد حملها طاهر عن الأرض فصرخت مروة بكل ما أوتيت من قوة حين شعرت بالألم يتضاعف كلما ضغط بيده علي أماكن بها زجاج..
_ عاد بها إلي الغرفة ثم وضعها برفق علي الفراش فأنت هي بألم ، حاول طاهر جمع شتات وجدانه لكي يمسك بزمام الأمور ، جلس أمامها وسألها بشفقة :-
فين المكان اللي عتتوجعي منيه؟
_ أجابته بتلعثم من بين بكائها المرير :-
ضهري ورجليا
_ أمسك طاهر بطرف ثوبها حتي يري قدميها أولاً فأسرعت هي باللحاق به ممسكة بيده وأشارت بعينيها علي ثريا وصباح الواقفتين خلفه فاستشف هو ما ترمي إليه وتردد في إخراجهم فحتماً لن يفعل ذلك
_ بحكمة عقله الناضجة تعامل مع الموضوع بسلاسة ، سحب نفساً عميق ثم نهض وحملها بحذر بين ذراعيه موجهاً حديثه إلي والدته بحرج :-
خدي راحتك ياما مروة لازم تخلع خلجاتها جوا الحمام
_ بلهفةٍ قالت لكي تمحي الحرج بينهم :-
علي راحتك انت يا ولدي المهم نطمنوا عليها
_ ولج بها طاهر داخل المرحاض وأوقفها أرضا فشعر بألمها ما أن ضغطت علي ذراعه بقوة ، حاول أن يهدئ روعها بقوله :-
اهدي ، وحاولي تتحملي معايا
_ رمشت بعينيها فبدأ هو بخلع عبائتها وهو لا يستوعب ما يفعله ، فحيائه يمنعه لكن الموقف يحتم عليه فعل ذلك ، تفاجئ طاهر بالجروح التي تتناثر في ثائر ظهرها وذراعيها ..
_ حرك رأسه بآسي ثم اقترب منها وحاول يلتقط شظايا الزجاج من جسدها بأنامله وبعضهم بالملقاط الحديدي لصغر حجمهم ، كان جسدها يرتجف بشدة كلما أخرج قطعة زجاج فزادته تأثراً بحالتها المذرية وكان يحاول تخفيف يديه قدر المستطاع ..
_ أنهي ما يفعله وأخبرها بذلك :-
خلاص أكده
_ جهشت مروة باكية بشدة فور انتهائه ، فلقد تماسكت فقط لكي لا تفقده تركيزه وينهي عمله سريعاً ، فوجئ طاهر ببكائها الذي انفطر قلبه الحنون إثره ، التفتت إليه مروة بحركة من يديه وطالعته بأعين تترقرق فيهما العبرات ، مد أنامله ومسحهم برقة مردداً بشفقة :-
خدي بالك بعد أكده ياورد وانتبهي اكتر لحالك
_ طالعته بحزن جلي علي تقاسميها وقالت بنبرة منكسرة :-
بس اني مش ورد!
_ فغر طاهر فاهة بصدمة ، ازدرد ريقه بصعوبة وهو يفكر في كلمات ما يبرر به خطئه الفادح ، هرب بعينيه بعيداً عنها وحاول جاهداً أن يصلح ما اقترفه وحين فشل في إيجاد الكلمات حاول نفي ما قاله :-
اني مجولتش ورد انتي سمعتي غلط!
_ أصرت مروة علي حديثها فلن تكدب أذنيها وتصدقه :-
لاه انت جولت ورد أني متوكدة كيف ما اني متوكدة انك واجف جدامي دلوك
_ أوصد طاهر عينيه هارباً منها مستاءً من زلة لسانه اللعينة التي أوقعت به في ذاك المأزق ، أنتبه علي كلماتها التي خرجت متلعثمة :-
بينك كنت عتحبها جوي
_ لم يرغب طاهر في الخوض عن سيرتها ونفي ما تحاول مروة الوصول إليه بنبرة صارمة :-
اني محبتش حد وجفلي علي الموضوع ديه
_ لم تكترث مروة لطلبه فلن تتراجع قبل أن تكن علي دراية تامة بحقيقة الأمور ، دنت منه وأردفت خشية من إجابته :-
ورد ديي نفسها ورد بت عمك صوح؟
_ لم يتحمل طاهر سماع إسمها يتردد مرة أخري فلقد قطع عهداً مع ذاته بأنه يقتلعها من عقله ويحاول قدر المستطاع أن يتعايش مع حياته الجديدة مهما كانت درجة نفوره منها..
_ تفاجئت مروة بدفعه لها حتي وصل بها إلي الحائط وأجبرها علي الاستناد عليه وصاح غاضباً :-
جولت مفيش ورد.. مفيش ورد!
_ سمح لنفسه بإفراغ شحنة غضبه في تلك القُبلة الشرهة التي آلمت الأخري كثيراً من قوتها ، ومن بين قبلاته كان يردد بإنفعال شديد :-
مفيش ورد.. مفيش مكان ليها
_ اعتقدت مروة أنه يثبت لها بتلك الطريقة عدم وجود مكاناً في قلبه لورد لم تكن تعلم أنه يردد الحديث لنفسه علي أمل إخراجها من عقله وقلبه مع خروج كلماته ..
_ ابتعد عن خاصتها حين طالبت رئتيها بالهواء كذلك هو قد انحشرت أنفاسه داخله في هذا الوضع الحابس للانفاس ، إلتقط أنفاسه وبنبرة تميل اللي اللين المختلط بالهدوء همس أمام شفتيها :-
سيرة ورد متجايش علي لسانك بعد أكده يا مروة لو ليا خاطر عنديكي
_ لم يكن أمامها سوى الرضوخ أمام نبرته التي يتوسلها بها ناهيك عن قُبلته التي مازال أثرها لم يختفي بعد ، ضبط طاهر من حالته ثم أولاها ظهره واقترب من المغطس الرخامي وقام بفتح صنبور المياه فانسدلت قطراته مرتطمة بالارضية..
_ أعاد النظر إليها وهو يقول :-
ادوشي عشان الدم اللي علي جسمك ديه يروح علي لما اجيب لك مرهم يعالج الچروح ديي
_ دلف الي الخارج ما إن أنهي كلماته وتفاجئ بخلوا الغرفة فحمد الله علي عدم وجودهم فحتماً لم ليكن يستطيع النظر في أعينهم بعد فعلته المتهورة مع مروة ..
_ حرك رأسه يطرد أفكاره التي ليست في وقتها وتوجه نحو درج الكومود التي سحبه للخارج وبحث عن أحد المراهم التي سيضمد بها جروح مروة ، التقطه وجلس علي الفراش في انتظار دلوفها الي الخارج ...
______________________________________
_ إلي الأن لم يهضم ما أخبره به صديقه ، المفاجأة المختلطة بالصدمة مسيطرة عليه بالكامل ، حرك الآخر رأسه مستاءً حين تأخر عن الرد عليه هاتفاً بحنق :-
هتفضل ساكت أكده لميتي؟
_ خرج مصطفي من ذهوله وتمتم بدون تصديق للأمر :-
مخابرش اجول ايه يا ضيف ، انت جاي تجولي بعد كل الوجت ديه ورايدني اعملك ايه يعني مفاهمش؟
_ ألقي ضيف ما في جوفه بإنفعال شديد فهو لا يحتمل أي عتاب الأن فقط يريد حلول قاطعة يحسم بها أموره :-
رايد مني أخبرك اني علي علاجة بصفاء عشان تكون نظرتك ليها كيف نظرتك لصباح! لاه يا مصطفي أني مهسمحش لايتها حد يفكر فيها حاجة عفشة أو ينظر لها بصة مش اللي هي ، صفاء اني رايدها مرتي حلالي ولا يمكن اتحدت عنيها وأجيب في سيرتها حتي لو معاك انت ، كيف اكده ما انت معتسمحش لحد يجيب سيرة مرتك لأنها مينفعش تتجاب من أساسه ، فهمت دلوك ليه مجولتش طول المدة اللي فاتت ديي ، اني حكيت لما فاض بيا لما كل الابواب اتجفلت في وشي ، صباح من جيهة ومروة من جيهة وأبوي من جيهة وأني مخابرش اعملوا ايه جيت لك يمكن الاجي عنديك الحل
_ جاب مصطفي المكان من حوله ذهاباً وجيئا وهو عاقد ذراعيه خلف ظهره محاولاً إيجاد فكرة ما ترضي صديقه ، توقف عن سيره وأردف متسائلاً :-
رايد تسمع مني اي حديت يرضيك ولا رأيي الشخصي؟
_ أسرع ضيف مجيباً إياه علي مضضٍ :-
خلص يا مصطفي وجول رأيك
_ أزفر مصطفي أنفاسه وسحب مقعده الخشبي وجلس أعلاه ثم وضع قدم علي الأخري تحت نظرات ضيف المغتاظة التي لا تحتمل الإنتظار وبدأ حديثه مردفاً بنبرة رزينة :-
اللي انت فيه ديه انت تستاهله يا ضيف
_ چحظت عيني ضيف بصدمة وهتف بتجهم :-
استاهله كيف يعني ؟
_ رد عليه مصطفي بنبرة جامدة :-
كيف ما سمعت إكده ، انت لعبت بصباح ومشاعرها فاللي بيحوصل ديه عقابك من ربنا
_ سحب ضيف مقعداً آخر ووضعه أمام مصطفي مباشرةً وجلس أعلاه بعنف في طريقة جلوسه وصاح به هدراً رافضاً تحمل ذنب تلك الدنيئة :-
علي يدك كانت هي اللي بتاجي لي الغيط محدش ضاربها علي يدها وجالها تعالي صاحبيني
_ بصرامة وحزم قاطعه مصطفي :-
بس كان ممكن تصدها بس انت كان عاجبك أنها هي اللي بتركض وراك ، معلوم الرجالة اللي عتركض ورا الحريم فلما الوضع اتبدل جاريتها انت في غلطها وياريتها علي كد المجابلات يا ضيف شكل فيه وعود انت وعدتها ليها!!
_ اتسعت حدقتي ضيف بدهشة فلقد أصاب مصطفي ولم يخطئ ، لاحظ مصطفي ذهول ضيف من سماعه لما قاله للتو وواصل مصطفي بثقة أكبر قد استمدها من خلف نظراته :-
متتعجبش أوي أكده ، أصل يعني ايه اللي يخليها متمسكة بيك للدرجة ديي الا إذا أنت وعدتها بحب أو جواز! حوصل ولا محوصلش؟
_ نكس ضيف رأسه بخذي وأجابه بنبرة خافتة :-
حوصل..
_ إلتوي ثغر مصطفي للجانب بتهكم وتابع ما يحاول توصيله لصديقه :-
شوف يا ضيف مينفعش نحلل الحرام ونزيدوا فيه لانه بيجرنا لحاجات تانية كاتيرة ، يعني انت استحليت ركضها وراك وديه أول إثم وبعدين جومت مجرور لوعد وعدته ليها وموفتش بيه وديه الإثم التاني والاثم التالت لما هربت منيها وهي مسكورة الخاطر وكسر الخاطر من سهل أبدا عند ربنا ، ديه ربنا سبحانه وتعالي نزل أية لما كُسر خاطر السيدة عائشة في حادثة الإفك
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ}
فاللي بيحوصل ديه عقاب من ربنا يا صاحبي ..
_ وضع ضيف كلتي يديه أمام وجهه بقلة حيلة ، تملك منه الضيق كذلك انتابه شعور الاختناق الذي أطبق علي صدره لعدم وصوله إلي حل لمشاكله بعد بل تعقدت الأمور بتوضيح مصطفي لذنبه الكبير..
_ أزاح يده عن وجهه وأخرج تنهيدة مهمومة وبنبرة خافتة قال :-
بس اني معحبش صباح ديي اخر واحدة ممكن افكروا فيها وهي مسكاني من يدي اللي عتوجعني معارفش اتحرك خطوة واحدة وأني ممطمنش علي أختي اللي معاها في دار واحدة ، وصفاء لا يمكن اتخلي عنيها حتي لو أبوي رفض تاني اني مستعد اكتب عليها من غير موافجة لا أبوي ولا عمها بس اطمن علي أختي لاول!!
_ سكون مريب سيطر علي الأجواء قطعه مصطفي بقهقهته غير مصدق ما يتحدثان فيه :-
بجا ضيف بجلالة جدره اللي مدوخ بنتة البلد غرجان لوشوشته في العسل ، والله عجايب يا زمن
_ حك ضيف مؤخرة رأسه بعصبية وأضاف ساخراً علي حديث مصطفي :-
البطيخة مبينلهاش شج يا صاحبي
_ ازدادت ضحكات مصطفي أضعافاً وردد من بين ضحكاته المتواصلة :-
مش لما تشتريها لاول يا ناصح ، لاه وانت بالصلي علي النبي جدامك بطيختين وخابر زين انهين الحمرة وانهين الجرعة والخيبة أنك وافج تتفرج عليهم ومخابرش تشتري انهيين فيهم
_ حرك ضيف رأسه مستنكراً تشبياته الغريبة وشاركه مزاحه :-
يخربيت أم البطيخ اللي وكلت دماغنا بيه ديه ، اومال لو مانجة كنت عملت فينا ايه؟
_ توقف مصطفي عن الضحك وانعكست ملامحه الي الضيق معلقاً علي آخر قاله :-
متفكرنيش بالمانجا
_ قطب الآخر جبينه بغرابة وسأله مستفسراً :-
ليه عاد ؟
_ بفتورٍ أجابه مصطفي :-
أكده جالي فوبيا من سماع إسمها ، جول فاكهة تانية إلا ديي
_ أصدر ضيف ضحكات متهكمة علي حالة مصطفي الغير مفهومة ، ثم تابع كليهما تناول أطراف الحديث الذي لا يعرفون له نهاية فور بِدأه...
______________________________________
_ عاد مصطفي بعد مدة طويلة بعد أن قضي سهرةٍ لطيفة مع صديقه ، كاد أن يولج لغرفته إلا أن كلمات والدته ترددت في عقله في اللحظة الأخيرة ، تراجع عن الدخول وتوجه الي غرفة والديه وبرفق حذِر طرق بابهم ووقف في انتظار إجابة أحدهم..
_ لم يحتاج لتكرار فعلته فلقد فتحت له والدته واستقبلته بإبتسامة هادئة ، دلفت للخارج وأغلقت الباب خلفها ثم دعته إلي غرفة الضيافة وبدأت حديثها بتردد بعد أن اعتلت طرف الفراش :-
اني اسفة يا ولدي
_ قطب مصطفي جبينه بغرابة من أمر اعتذارها التي قدمته دون أسباب واضحة ، عدل من وقفته وسألها مستفسراً :-
عتتأسفي علي ايه ياما؟
_ فركت السيدة نادرة أصابعها بخجل شديد وأجابته بنبرة لا تشبهها إطلاقاً :-
اني غلطت في حجك كاتير ، اني كنت انانية معاك ومفكرتش غير نفسي وبس ، اني رفضت جوزاتك من ورد رغم انك جولتلي أنك راضي بيها وأني بنفسي شوفت أنك عتحبها وبرده مبطلتش مرازية فيكم اني اسفة جوي يا ولدي سامحني
_ سقطت عبرات نادرة وكأنها سكيناً غرزت في قلب مصطفي ، انفطر قلبه حزناً ببكائها الذي لم يعتاده فتلك كانت المرة الثانية علي التوالي يراها تبكي من بعد وفاة هلال ..
_ أسرع نحوها وجلس القرفصاء أمامها ثم طبع قبلة علي يدها معاتباً إياها بلطف :-
متبكيش ياما ، نادرة الحفناوي تبكي متبكيش ، أني مسامحك ياما بس وغلاوتك عندي بلاها الدموع ديي بضايجني
_ مسحت نادرة عبراتها وشكلت إبتسامة راضية علي محياها ، ربتت علي يده الموضوعة علي يدها وأردفت بحنو :-
جوم عاود لمرتك وتاني مرة متعوجش عليها وتسبيها لحالها كل المدة ديي ، خلي مجابلاتك في النهار والليل تكون جارها
_ وضع مصطفي قُبلة أخري علي راحة يدها وقال بمرح :-
سمعاً وطاعة يا سيدة الجصر
_ قهقهت نادرة عالياً فشعر مصطفي بالراحة تتغلغل داخله حين نجح في إستعادة ضحكاتها من جديد ثم نهض من جلسته وانحني بقامته علي جبينها وضعاً قُبلة عليه مردداً :-
تصبحي علي خير ياما
_ ردت عليه متمنية له كل الخير :-
وانت من أهل الخير كلاته يا ولدي
_ أولاها مصطفي ظهره وعاد بأدراجه إلي غرفته بخطي مهرولة فهو لا يطيق الإنتظار لرؤية وردته ، اختفت إشراقة وجهه حين رآها غافية ، لوي شفتيه بتزمجر متمتماً :-
وااه انتي نمتي يا ورد
_ أزفر أنفاسه بملل وتجرد من الثياب إلا من شورت قطني قصير ، أستلقي بجوار ورد وجذبها برفق إلي حضنه ثم دفن رأسه في عنقها وأوصد عينيه هامساً بلوعة الشوق :-
لو خابرة اني عاشجك كد إيه!
_ ترك العنان للنعاس في التغلب عليه حتي بات في ثُباتٍ عميق غير آبه لما يدور حوله فلتحترق النجوم فالسكينة التي تبددت داخل قلبه بقربها تكفيه..
______________________________________
_ قلق من نومته علي رنين الهاتف المستمر الذي لا يتوقف ، أعدل وضعية جلوسه وسحب هاتفه من أعلي الكومود فإذا به رقم مجهول ، تردد في الإجابة أولاً وفي النهاية قرر الإجابة فيمكن أن يكون هناك خطبً ما ، أجاب علي المكالمة بتوجس شديد لما سيقع علي آذانه متسائلاً :-
مين معايا ؟
_ صغي إلي نبرة من الجانب الآخر يكاد يسمعها بسبب الضجة من حوله :-
إلحج يا سي طاهر...
