رواية لن افلت يدك الفصل التاسع عشر 19 بقلم الكاتبة تقي حامد
عندما وصلت السيارات علت أصوات الزغاريد وارتفع صوت الأغاني الشعبية، وآسيا تجلس بالداخل تنظر للأجواء باشمئزاز، حتى خرج أمام السيارة من العدم بعض الشُبان يحملون مديات وسواطير، فصرخت بهلع وانتفضت ملتصقة بداغر:
-قُطّاع طُرق..قُطّاع طرق.
2
ابتسم ساخرًا، وبدأ الشبان يرقصون رقصة المطاوي ويقفزون بسعادة على ألحان الأغاني، عندما تغلغلت السيارة للداخل قليلًا أدارت آسيا رأسها للجانبين بحثًا عن والدها، فاصطدمت عينيها بشاب يقف أمام شاب آخر ويأخذ بيده اليمنى كل ما يُخرجه إليه بيده المرتجفة، بينما يده الأخرى مخفية في ثياب الآخر لسبب لا تعلمه! فسألت داغر بفضول:
-هو الراجل دا بيعمل ايه؟
+
ولكن السيارة كانت قد ابتعدت عنهم فلم يرى داغر ما تتحدث عنه، ولكنه فطن وقال بلا مبالاة:
-يا إما مثبت حد يا إما بيهدد حد، في الحالتين فيه حد هيمشي من الفرح معيط.
+
ازدردت لعابها بتوجس، توقفت السيارات فجأةً فارتدت آسيا للأمام بعد أن اختل توازنها، ضيّقت عينيها لترى من أعاق تحركهم، فوجدت سيدة ضخمة ترتدي عباءة رجالية تقف في منتصف الشارع تصيح بصوتٍ جهوري:
-بااااس، الليلة غير أي ليلة، الليلة فرح ابن أختي الغالي، عايزة شقلبظات تكريمًا له، سامعين يا غجر.
+
تعالت الصيحات، وعَلَا صوت الأغاني بعد أن خُفض قليلًا للسماح لعجوزة بالتحدث، ابتعدت عن مجال السيارة، فرمقتها آسيا لبرهة من خلف زجاج نافذتها إذ كانت تقف على جهتها، انتبهت لها عجوزة وهي تمر فرمقتها بجمود، أكملت السيارة مسارها حتى توقفت، فقال داغر:
-يلا.
+
وهبط منها فعلا صوت قرع الطبول والزغاريد والمزامير، حيا الجميع بابتسامة ودودة وملامح بشوشة، واستدار لها ومد كفه ليُساعدها على النزول، فقالت متهكمة:
-والله أنا متشلتش.
+
فأبعد يده باقتضاب، وهبطت هي وأثناء ذلك انزلق الشال ليدها اليسرى فأظهر ظهرها، لم تُبالي بذلك وتابعت سيرها، وما إن لاحظ داغر النظرات النافذة للشبان الذين كانوا يرقصون لآسيا وحملقتهم المذهولة بها، حتى نظر لها ليرى ما المشكلة، فأسرع يضع الشال على كتفها الآخر ويغطي ظهرها هامسًا من بين أسنانه:
-لو عايزة تطلعي من هنا سليمة خدي بالك من ضهرك.
+
رمقته بغيظ، فالتقط ذراعها قسرًا وشبكه بخاصته، تحرك به وسط الناس والطبول والمزامير، والمسكينة تكاد تنكمش ككتلة واحدة خوفًا مما تراه أمامها من مُشردين وأبناء شوارع ومديات وأسلحة حادة، تابعوا السير حتى وصلوا للكوشة المزينة بأدوات بدائية، توسعت عين آسيا وهي ترى تلك الكوشة ذات الأريكة الصغيرة الغير مهندمة بالمرة! جاءها والدها من خلفها وربت على كتفها، فاستدارت له سريعًا وألقت نفسها بأحضانه هامسة بهلع:
-بابي، بابي أنا هسمع الكلام والله، هسمع الكلام ومعدتش هزعق في حد ولا عدت هصرف فلوس كتير، بس عشان خاطري مشيني من هنا، وحياتي عندك.
2
أبعدها عنها مبتسمًا بصرامة، ربت على خصلاتها برفق وقال:
-معادش ينفع.
+
دفعها برفق لتجلس على الأريكة بجوار داغر، فبعد جملته تلك فغرت فاهها وشعرت بقدميها كالهلام لا تحملانها.
+
كان أول من أتى داغر للسلام عجوزة وبجوارها زينات وخلفهم سمر، وقف لها داغر خصيصًا باسم الثغر، فربتت على كتفه بسعادة طاغية :
-ألف مبروك يا ولا، عقبال ما أشيل عيالك.
+
احتضنته بعدها برفق وربتت على كتفه ثانيةً بصرامة وقوة، ابتعدت عنه واتجهت لآسيا فحلت زينات محلها بين أحضان داغر، ووقفت عجوزة أمام آسيا التي ظلت جالسة تضع ساق على أختها وترمق الجميع بعجرفة، مدّت عجوزة يدها إليها قائلة:
-مبروك يا مرات الغالي.
+
رمقت آسيا كفها باستهزاء، وأشحت ببصرها عنها دون أن تُجيب، فأثارت غضبها ولكن داغر تدّخل وهمس لعجوزة ببعض الكلمات، فهدأت ونظرت لآسيا من أسفلها لأعلاها بسخرية، بدأت التهاني والمُباركات تنهال على كلًا من داغر وآسيا من كل حدبٍ وصوب، داغر يتقبلها وآسيا ترمقهم باستعلاء وسخرية ولا تجيبهم، فيبتعدون مقتضبي الوجه متحدثين عنها بالسوء! حتى أن زكريا جاءت وباركت لهم، فلم تعطها آسيا وجه، فانفعلت وصاحت:
-يا أختي ردي المباركة أحسن تتسخطي قرد وأنتي قاعدالنا ببوزك دا، يا ساتر.
+
جحظت بعينيها وفغرت فاهها، بينما شكرها داغر وصرفها، وآسيا المسكينة أدركت الآن أنها أودت نفسها إلى الهلاك.
3
وكذلك أنس ودليلة جاءوا بعد ذهاب أهل الحارة الذين جاءوا ليباركوا لداغر، وصافحها أنس أولًا مبتسمًا في وجهها برقة، وبعدها صافح داغر بوجهٍ مقتضب دون أن يقول كلمة، فرده داغر بابتسامة:
-الله يبارك فيك، مكانش له لزوم تتعب نفسك وتيجي.
+
رمقه بازدراء وقال:
-كله يهون عشان خاطر عيون آسيا.
+
اختفت بسمة داغر الودودة، وحل محلها نظرة مرعبة قال بعدها:
-طب اتكل عشان مقلَّعش عيونك..اتكل.
+
ودليلة التي ابتسمت لآسيا بخبث وغمزت لها، مما زاد ارتباك آسيا وغضبها، باركت لداغر ومدت يدها لتصافحه، فربت على صدره محييًا إياها، احمر وجهها وانطلقت خلف أنس تأكل الطريق من فرط الإحراج، وآسيا تبتسم بشماتة بعدما كانت تُراقب الموقف عن كثب.
2
بينما زهرة زوجة عمها المصونة وابنتيها جاءتا باسمي الثغر، مالت زهرة لأذن آسيا، وهمست بصوتٍ مبطن بالخبث:
-مبروك، بس أوعي تعملي فيه زي ما أمك ما عملت، عشان بس الولد غلبان وباين عليه بيحبك، متكسريش بخاطره.
1
وربتت على كتفها، فنفضته آسيا بعنف وزمجرت بغضبٍ، فرفعت زهرة رأسها بانتشاء، وقالت:
-يلا يا بنات.
1
واستدارت لتعود أدراجها مع فتاتيها، تاركة آسيا تتلوى بين نيران الماضي الأليم.
+
اقترب أحد الرجال من داغر وبارك له، نظر لآسيا مبتسمًا، سرعان ما تلاشت بسمته قليلًا وقطّب حاجبيه بتساؤل واستفهام:
-ايه دا؟! لحظة واحدة، أنا شوفتك قبل كدا!
+
رفع حاجبيه بتذكر وصاح:
-آه، مش أنتي الداكتورة بتاعت الست زينات؟
+
هذا ما لم يحسب داغر له حساب، فقد رأى معظم أهل الحارة آسيا حينما جاءت لتطلب منه أن يتزوجها ذلك اليوم، نظر لسمر الواقفة بجواره لتنقذه، ففعلت بقولها:
-داكتورة ايه بس، هي أصلًا واخدة إعدادية بس وبالعافية كمان، روح شوف خالتي عجوزة عايزاك أهي.
+
أومأ وقال معتذرًا:
-اعذرني يا ابني العتب ع النظر.
+
وهبط من على المنصة، فتنفس داغر الصعداء وارتمى على الأريكة، فصرخت آسيا به:
-متترزعش هتقع بينا.
+
زفر حانقًا ورمقها بضيق.
+
في ظل المرح المخيم على الأجواء، اقتحم الحفل رجل قصير القامة، ذو كرش كبير يقوده، وعينين واسعتين تنظران لداغر بمكر، ورأسه خالية من الشعر إلا من بعض الشعيرات الخفيفة التي مشطها على الجانبين وبقى المنتصف أصلع، وخلفه يسير الكثير من الشباب يحملون المديات والسلاسل الحديدية وغيرها من الأسلحة البيضاء، اقترب من الكوشة وابتسم باتساع فظهرت أسنانه السوداء ولمعت سنته الذهبية، صعد المنصة وقال:
-الله الله الله، فرح في حتتنا وأنا معرفش؟ محدش بلغني يعني.
+
استدار للجميع وصاح بقسوة وهو ينقل بصره منهم إلى داغر:
-هو أنا كوز درة ولا ايه.
+
انتفض الجميع وانكمشوا، بينما نهض داغر وابتسم بهدوء مربتًا على كرشه:
-اخص عليك يا معلم متقولش كدا، هو فيه كوز درة حامل في كومودينو برده!
4
ابتسم ثانيةً وأجاب:
-بتعجبني ردودك يا داغر.
+
نقل بصره إلى آسيا الجالسة بخيلاء وتنظر له باشمئزاز، فحياها قائلًا:
-ألف مبروك يا مدام، عقبال البكاري.
+
رمقته بعدم فهم وتساءلت:
-مين بكاري؟!
1
ضحك بقوة مرددًا:
-دمها خفيف وحدقة.
+
أشار عليها وقال لداغر:
-لايقالك.
+
صدح من الخلف صوت صراخ جهوري:
-عايز ايه يا سناري.
+
استدار ببطء ليواجه عجوزة الواقفة بصلابة أسفل المنصة، فاتسعت ابتسامته وقال:
-يا هلا بالمعلمة، بقالنا يجي خمس شهور متواجهناش.
+
ضحكت ساخرة، وصعدت للمنصة قائلة:
-خليهم خمس شهور ويومين واتكل من هنا
+
تجشأ ومسح فمه، فقلّبت آسيا شفتيها باشمئزاز، وتابع سناري:
-قولت أجي أمسي وأبارك لابن أخت الغالية.
1
ربتت على كتفه بخشونة:
-مباركتك وصلت، خد حرافيشك واتكل.
+
رمقها بمكر، وأصدر صوتًا من حنجرته تبعه بصقَه على منصة الزفاف بلغمه المقزز، استدار لداغر ورفع كفه لجانب رأسه محييًا:
-ألف مبروك يا زعيم
+
هبط من المنصة وصاح بقوة:
-استأذن أنا، يلا يا عيال.
+
وحاوطه الشباب من كل جهة وغادروا المنطقة، بينما صاحت عجوزة:
-شغلنا حاجة بدل القرف الي هل علينا ووقف الليلة دا.
+
وعلى صوت الأغاني مرة أخرى فالتقطت عجوزة إحدى العصي وطفقت ترقص بها بمهارة، بينما نظر داغر لآسيا بطرف عينه، فوجدها ترمق ما يحدث باقتضاب.
+
وبعد أن انتهت فقرة السناري والحرافيش، وعم الفرح المكان مرة أخرى، اقتربت أمينة من داغر، وباركت له ومدت يدها لتصافحه، فغض الطرف ورفض بهدوء، فابتسمت بمرارة ونظرت لعروسته، فوجدتها جميلة، ترتدي فستان لا تحلم هي بارتدائه، وجهها ملائكي لا يشوبه حزن ولا أنهكه الزمن، جسدها نحيف وممشوق مقارنةً بها هي ذات الجسد البدين بعض الشيء، ابتعدت عنهم ووقفت في الخفاء تنحب وتبكي، ومن ثم أقسمت على تدمير تلك الليلة فوق رءوسهم، وبينما هي تخلع رباط رأسها الذي وضعته حول عنقها أدركتها سمر وهمست من بين أسنانها:
-أنتي راحة فين؟
1
أفلتت ذراعها منها وقالت بوعيد:
-راحة أطربقها على أخوكي، ما أنا مش هسيبة يضيع مني، دا أنا مجنونة وممكن أفضحكم.
1
وتركتها وتحركت خطوات قليلة ناحية المنصة، فجذبتها سمر قبل أن تظهر للجميع، وهدرت فيها بنفاذ صبر:
-بقولك اييييه.....
+
ومن ثم حاوطت رأسها وبسرعة البرق ضربت رأسها بخاصتها بقوة وشراسة، بطحتها بقسوة لطالما تمنتها، فزاغت عينيها وسقطت أرضًا على الفور، جرجرتها سمر إلى خلف الستار الفاصل بين الزفاف والشارع، وألقتها هناك وبصقت عليها متمتمة:
-حُرمة سعرانة.
9
نفضت كفيها ببعضهما وتحركت للداخل مرة أخرى، مبتسمة في وجه كل من يُقابلها برقة وبراءة وكأنها لم تفعل شيئًا.
1
اقترب تميم من آسيا باسم الثغر بسماجة:
-يا أختي بطة بتتجوز، ألف مبروك، ياكش تتربي.
2
لكمته أسمهان في ذراعه بعنف، ونظرت لآسيا مبتسمة:
-مبروك يا حبيبتي.
+
رمقتها آسيا بقسوة، وكذلك رمت تميم بنظرة حارقة، فنقلت أسمهان بصرها لداغر وباركت له، وعرَّفته على تميم، فصافحه داغر بقوة وهو يرمقه بنظرة قوية غامضة تعجب لها تميم.
+
جذب أحد الرجال داغر لينهض ويرقص معهم ففعل قسرًا، وكذلك السيدات جذبوا آسيا التي سحبت يدها باشمئزاز وحاولت الاستنجاد بأسمهان وفشلت، بينما جذبتها سيدتين للرقص وهي تعترض بقوة، أثناء اعتراضها ورقص سيدة كبيرة في السن، لم تنتبه السيدة وهي ترقص بانفعال، فضرب كفها وجه آسيا التي صرخت صرخة مدوية، كاد الجميع ينتبه لها، ولكن جاء صبي صغيرة وصرخ:
-البوفيه فتح.
1
فانسحب الجميع هرولة من حولها، وركض الجميع لمائدة الطعام الغنية بكل ما لذ وطاب، وأثناء اندفاعهم دفعت أحدهم آسيا فاضطرب جسدها بين الحشد وسقطت جالسة، بكت بحُرقة وهي تنفض آثار الضرب والاختلاط، وأثناء ذلك لمحت حذاء أسود لامع، فرفعت عينيها لصاحبه ووجدته داغر يبتسم ببرود ويضع يديه في جيبي بنطاله، أخرجهم ومدّ يده لها، فرفضتها كالعادة وحاولت النهوض بنفسها ففشلت، وقال ليُنبهها إلى يده الممدودة:
-مش هفضل مادد ايدي كتير خدي بالك.
+
زفرت بقنوط، ولأول مرة ترفع يدها وتتشبث بيد آخر، عاونها على النهوض فاندفعت بقوة تجاهه أثناء ذلك، حتى اصطدمت به والتصقت تمامًا بصدره، تنفست بعنف واضطراب، ودفعته وهي تنفض ملابسها وتهتف بغضب:
-Shit, It's disgusting
(هذا مقرف.)
+
ابتسم بتشفي:
-معلشي، الضرب للجدعان.
+
رمقته بغيظ، فسحبها من يدها بقوة قائلًا:
-تعالي تعالي دا البوفيه فتح.
+
وفي طريقها رأت والدها قادمًا وفي يده صحن يحتوي على الكثير من الطعام وفي فمه أيضًا طعام، فرمقته بعدم تصديق وصاحت:
-بابي!
+
نظر لها بذهول وبفمٍ مليء بالطعام كأنه ارتكب جُرم، فقال معتذرًا:
-اعذريني يا حبيبتي، المحشي رائع والبط فظيع مقدرتش أمسك نفسي.
+
وتميم خلفه يفترس الطعام وهو يتمتم بتلذذ:
-أخيرًا استفدنا منها بحاجة.
+
وكان يقصد آسيا، أما داغر فجذب آسيا بعيدًا عنهم جميعًا، وهرول بها إلى المنزلقبل أن يدركهم أحد ويأتوا ليطبلوا فوق رءوسهم ثانيةً، وقف بها أمام باب الشقة وفتحها بمفتاحها، أشار لها لتدخل بوجهٍ مكفهر، فسخرت:
-مش هتشيلني زي ما بيعملوا في الأفلام الهابطة؟ بس تعرف، كدا أحسن، عشان أنا مبحبش اللمس.
+
وخطت خطوتها الأولى لداخل الشقة، وقبلما تنظر حولها صرخت بتفاجؤ وهي تواجه عيني داغر الذي حملها بسرعة البرق بين يديه، يبتسم ببرود ويرمقها بجمود، بينما يقول وهو يتحرك بها للداخل:
-وأنا يَسُرُني أعمل كل حاجة بتكرهيها.
+
زمجرت غاضبة وهي تتلوى بين ذراعيه صارخة بأن يُنزلها، ففعل دون مقاومة، وقفت بعدها تُعدِّل من وضع ثيابها، ونظرت حولها نظرة أخيرة، وفُوجئت بالتغير الجذري في الشقة وعفشها، إذ غيّر داغر كل شيء حتى أنه أعاد دهنها من جديد، أُعجبت آسيا بالعفش النادر البسيط، ولكنها لم تبدي ذلك وابتسمت ساخرة:
-Nice,
المهم، أوضتي فين.
+
قالتها بغرور، فأشار إلى مكانٍ ما وقال:
-هناك آخر الطُرقة.
+
سارت إليها بخُطي سريعة، فزفر داغر وتخصر هامسًا:
-دا شكله هيبقى مرار طافح.
1
وسار خلفها، وصلت للغرفة وفتحتها، لم تكن كما توقعت، بل كانت أردئ مما تخيلت، لوت شفتيها بسخرية وبدأت تدقق في أرجاء الغرفة، غرفة قبيحة لا تُساوي غرفتها الوردية الخلابة، لكم اشتاقت لها!
+
مالت برأسها خلف الباب المفتوح، وظلت تبحث عن شيء ما، حتى جاء داغر وسألها:
-بتدوري على حاجة؟
+
أجابت:
-Yes,
الـbathe فين؟
1
عقد حاجبيه:
-باث ايه؟
+
قلّبت عينيها بملل وسألته بشكل أوضح:
-الحمام.
+
-آه، لأ الحمام برا.
+
توسعت عينيها وسألته بتوجس:
-برا فين؟
+
-برا جنب المطبخ.
+
صاحت بصدمة:
-What! جنب المطبخ إزاي!
المفروض يكون هنا!
+
ضرب جبهته بتذكر:
-آآه، نسيت أقولك، حمامنا مشترك، مش كل أوضة حمام.
+
وختم جملته مبتسمًا بسماجة، فدار رأسها وشعرت بالدوار يجتاحها وهي تتمتم بلا وعي:
-What! No no no,
أنا عايزة بابي، عايزة أروح بيتنا.
+
نظرت حولها تبحث عن نافذة، حتى وجدت شرفة في الجوار، فركضت ناحيتها وفتحتها وخرجت لتبحث عن والدها، وما إن رأته يتحدث مع تميم حتى صرخت باسمه ورفعت يدها لتشير له، ولكن داغر كمم فمها من الخلف، فراحت تتلوى حتى تستطيع الإفلات، لكنه سحبها للداخل وأغلق الشرفة، فصؤخت فيه :
-How dare you!!
+
ماثلها في الصراخ:
-How dare you أنتي,
رايحة تنادي أبوكي يجي يآخدك؟ أنتي عبيطة! أنتي عارفة الناس دلوقتي فاكريني بعمل إيه؟! أنتي عايزة تفضحيني!
3
تساءلت بجهل:
-بتعمل ايه؟
3
زفر حانقًا ومسح وجهه عدة مرات بنفاذ صبر وهو يتمتم بالاستغفار، بينما ارتمت هي على الأريكة وقالت بصوتٍ باكٍ:
-ماليش دعوة، أنا عايزة بابي.
+
وضعت رأسها بين يديها وشرعت في البكاء بصوتٍ عالٍ، فزفر داغر في ضيق، واقترب منها جالسًا بجوارها على الأريكة، أزاح رابطة عنقه وألقاها أرضًا متمتمًا بانفعال:
-مبحبش ألبس زفته.
+
رفعت رأسها، ورمقته بطرف عينيها الدامعتين وتساءلت:
-زفتة ايه؟
+
أشار بيده على الرابطة المُلقاة أرضًا:
-البتاعة دي، بتخنقني.
+
ضحكت ساخرة:
-أنت أصلًا ملاكش في الشياكة، أخرك القميص والبنتالون بس.
+
افتر ثغره عن بسمة متهكمة:
-بنتالون؟ الله يرحم جدك.
+
رمقته بغيظ، وعادت لوضعيتها، فنظر لها داغر قليلًا بصمت، حتى أن الصمت ألقى عباءته عليهم، ولكن داغر قطعه:
-ما تقومي تغيري.
+
تمسكت بثوبها ناظرة له بتوجس:
-أغير ليه؟
+
رفع كتفيه بانفعال:
-هيكون ليه، هنلعب، قومي اتنيلي خلينا نتخمد.
+
نهض وتركها واتجه للخزانة متمتمًا:
-جوازة سودا على دماغي.
1
التقط من الخزانة بيچامة ذات لون نبيتي، وهنا انتبهت آسيا وانتفضت واقفة:
-لحظة! أنت مشاركني الدولاب!
+
عقد حاجبيه باستفهام:
-أومال أحط هدومي فين؟ في عين الكبانية!
+
رمقته باشمئزاز هاتفة:
-دمك تقيل.
+
سرعان ما رفعت ذقنها بتكبر وأشارت بطرف إصبعها على الخزانة:
-شيل هدومك وخدها بعيد، عشان لسه بكرا هدوم كمان ليا هتيجي، هحطهم فين! في عين الكبانية!
+
غمزها بعبث:
-بتتعلمي بسرعة.
+
نفخت خديها بضيق، فقال بهدوء:
-يا أختي اهدي على نفسك كدا، دا أنتي خدتي شوية دعاوي انهاردا يهدوا جبل.
1
تنهد متعبًا:
-قُصرُه، يومين كدا وآخد هدومي أحطها مع سمر في الدولاب، ارتحتي؟!
+
رمقته بخيلاء، فزفر مغتاظًا وفتح باب الغرفة بقوة حتى كاد يخلع المقبض، وذهب إلى المرحاض تاركًا آسيا تستعيد توازنها وتخلع ثوبها.
+
✦❥❥❥✦
+
في الطريق كان أنس صامتًا طوال الوقت، ودليلة بجواره تحاول جذب أطراف الحديث معه، لكنه صامتًا تمامًا ولا يُشاركها سوى ببعض الكلمات المقتضبة، متجهم الوجه مكفهر الملامح، لا ينتبه لها من الأصل:
-بس آسيا كانت حلوة انهاردا.
+
اعتلى ثغره بسمة صغيرة لا تراها إلا عند ذكر آسيا:
-آسيا طول عمرها حلوة.
+
رمقته بألم، ووضعت يدها على قلبها عندما شعرت برجفته، ما يجعلها تتحمل كل ذلك الألم..هو الأمل، أملها في تغييره، أملها في أنه سيُصبح جيدًا لأجلها، وسيتزوجا ويعيشا معًا بعدما انتهى كابوسها آسيا، ولكم أخطأت اليقين في أملٍ واهٍ.
2
✦❥❥❥✦
+
وفي سيارة تميم، تجشأ بعد كم الطعام الذي ملأ به بطنه، بينما أسمهان شاردة بجانبه تنظر من النافذة إلى المناظر المتحركة في الظلام، فسألها:
-حبيبي شارد ليه؟
+
التفتت إليه، وابتسمت بهم:
-خايفة.
+
لمس كفها واحتضنه مغلغلًا أصابعه بخاصتها:
-من إيه يا عمري؟
1
بوجهٍ جامد وملامح متجهمة أخبرته:
-من أهلي، تفتكر ردة فعلهم هتبقى عاملة إزاي وأنا رايحالهم بكل برود بقولهم أنا اتخطبت!
+
ابتسم لها مُطمئنًا:
-متخافيش، هيتقبلوا الموضوع، إذا كانوا اتقبلوا فكرة إنك تعيشي لوحدك، مش هيتقبلوا فكرة جوازنا.
2
ازدردت لعابها بتوجس، وابتسمت له بتوتر بسمة مرتجفة، هو أيضًا لا يدري، ستكون العواقب وخيمة حتمًا.
+
قال تميم بمرح ليُخفف حدة تفكيرها:
-بس بنت خالك كانت جامدة إنهاردا، وجوزها حمش وهيظبطها.
+
تنهدت، وأومأت له، وأعادت رأسها للخلف والتصقت برأس المقعد، أغمضت عينيها وأراحت رأسها من تفكير سيظل عالقًا بدهاليز عقلها مهما فعلت.
1
✦❥❥❥✦
+
طرق داغر على الباب مرتين وتلك الثالثة وما من مجيب، ففزع وتمتم:
-هي انتحرت ولا إيه!
+
اندفع يفتح الباب بقوة، وجال ببصره في أرجاء الغرفة، وللغرابة لم يجدها، وقع بصره على عُقدات كثيرة رُبطت ببعضها، تبعها حتى وصل للشرفة ورآها تتدلي إلى الشارع، فوقف للحظة مشدوهًا! هربت منه ليلة زفافهم! نظر للأمام بغضب وقد اسودت عينيه.
+
وما كاد يستدير ليخرج إلى الشارع ويبحث عنها، إذ وجد صوت بسبسة من أسفل سور الشرفة، فهبط ببصره إليه ليجدها متعلقة بذلك الحبل الذي صنعته وتبتسم ببلاهة قائلة:
-Hi,
ممكن ترفعني عشان مش عارفة أرفع نفسي؟
1
قالتها بمنتهى البراءة وهي تسبل له بعينيها، فزفر براحة، ورمقها لبرهة، ومن ثم مد يده إليها، فرفعت كفها له وحاولت الإمساك به، وما فعلته زاد من تحمل الربطة لها، فانزلقت لأسفل قليلًا لتصرخ بهلع، حاول الإمساك بيدها المهتزة حتى استطاع، فجذبها للداخل بقوة، تسلقطت السور بقدميها وصعدت، وقفت أمامه تلهث بقوة وهي تضع يدها على صدرها، فربع يديه أمامه وسألها بعدم تصديق:
-أنتي كنتي بتهربي؟
+
عقدت حاجبيها بتعجب:
-أهرب؟ أنت عبيط؟ وأنا ههرب بطريقة زي دي ليه! أنا لو عايزة أهرب بجد كنت خرجت من الباب عادي؛ لأن لا أنت ولا عشرة زيك يعرفوا يوقفوني.
+
تغاضى عن استهانتها به وسألها:
-أومال ايه العبط اللي عملتيه في الكوڤيرتا (الغطاء) وفرش الكنبة دا!
+
قلّبت عينيها بسخرية، وأخرجت من جيب بنطالها البيتي الواسع شيئًا صغيرًا لامعًا، فدقق النظر به ولم يعرف ما هو، فسألها مرة أخرى:
-ودا ايه دا؟
+
تهكمت منه:
-آوف، جاهل، دا الآنسيال بتاعي، لما اتعصبت منك رميته ومن غير ما أقصد وقع في الشارع، فنزلت أجيبه، ومتقوليش كل دا عشان آنسيال، لأنك متعرفش دا بكام.
+
ضحك بعدم تصديق وأشار على الرباط الذي صنعته:
-بالشكل دا؟ ليه متجوز حرامي غسيل!
+
ضيّقت عينيها بسخافة:
-على فكرة قولتلك قبل كدا دمك تقيل.
+
فرك عينيه بتعب، ومسح على وجهه، وأشار على الفراش:
-خشي نامي، خشي نامي دي جوازة هباب.
+
تراجعت بهلع:
-أنام فين؟ أنت هتنام معايا في نفس الأوضة!
+
ضرب كفيه ببعضهما:
-البرنسيسة عايزاني أتخمد فين.
+
زمت شفتيها بعدم معرفة، ومن ثم خطر على عقلها فكرة فقالت:
-برا ع الكنبة.
+
-ولما أهلي يجوا بكرا يتطمنوا علينا أقولهم إيه؟ نمت برا عشان أسيبها تآخد راحتها؟
+
زفرت حانقة وهتفت بينما تشيح بيدها بلا مبالاة:
-اتصرف.
+
وجلست على الفراش وتابعت بكره:
-مش كفاية هنام على سرير صغير زي دا ممكن أقع منه في أي لحظة.
+
وتمددت على الفراش، ولم تبالي به، أغمضت عينيها وأمرته:
-اقفل النور والباب لما تطلع.
+
عض على شفته السفلية بغيظ، وقد زادت رغبته في لكمها، فتح الخزانة بقوة وأخرج منها لحاف سميك وغطاء، وضع اللحاف أرضًا بجانب فراشها وفرشه، والتقط وسادة من أسفل رأسها بقسوة فسقطت رأسها للوسادة التالية لتتألم صارخة، فاعتذر بابتسامة صفراء، ألقى الوسادة أرضًا واستلقى على فرشته، وآسيا تنظر إليه من أعلى بعدم تصديق، ومن ثم قالت:
-طب قوم اقفل الباب.
1
قهقه ساخرًا:
-وأنتي على رجلك نقش الحنة؟ قومي أنتي أنا تعبان من الصبح.
+
زفرت بضيق، وأبعدت الغطاء بقوة وسارت بخطى قوية تدبدب بها على الأرض ناحية الباب، فقال داغر:
-براحة أحسن تكسري البلاط محيلتناش غيره.
3
صفعت الباب بقوة أيضًا، فتنهد براحة وأغمض عينيه، وكذلك هي استلقت على الفراش واستدارت للجهة المُعاكِسة له، وأغلقت عينيها، وناجت النوم، فجاءها هرولة.
+
✦❥❥❥✦
+
تمددت سمر على الفراش بجوار أمها النائمة تصدر شخيرًا بسيطًا، وشرد ذهنها في دياب وحالته اليوم، أهو يمثل؟ أم أنه حقًا بدأ يعمل ويبني مستقبله حتى يأتي لخِطبتها ثانيةً؟ على كل الأحوال هي ستصب جام تركيزها على دراستها الثانوية حتى تصل إلى كلية "فنون جميلة" كما تتمنى، ولو أن والدتها تريدها طبيبة، ولكنها ستتفهمها وستتفهم حُلمها.
+
بينما أسمهان متسطحة على أريكتها بالمنزل، تقضم أظافرها بتوتر، وقد شعرت بأن كذبتها قد ازدادت ضخامة.
+
ودليلة التي راحت تبكي منذ عادت من الزفاف، وهي تتذكر أنس ونظراته المصوبة تجاه آسيا بحب وكأنها ليست معه، لكم ضحت وباعت كي تبقى معه، وهو بكل بساطة لا يُفكر سوى بآسيا الجوادي جميلة الجامعة.
+
وحاتم كان يجلس بغرفة آسيا، يتفحصها ويبتسم بحنين، فها قد ذهبت ابنته وتزوجت، وعاد وحيدًا كما كان، وفي تلك الأثناء طرق الباب، ودخلت منه شهيرة، جلست أمامه وابتسمت بود قائلة:
-لسه منمتش، روحت أوضتك ملقتكش، قولت أكيد أنت هنا.
+
ابتسم بحزن:
-مجاليش نوم بعد فراق آسيا، قولت آجي أوضتها يمكن يجيلي نوم.
+
رمقته بابتسامة مرتجفة لبرهة، لكم افتقدت حنان الأب! وآسيا بغطرستها وغرورها أهانت نعمة رزقها الله بها، سألها حاتم مخرجًا إياها من شرودها:
-ايه؟ فيه حاجة؟
+
أومأت وقالت:
-آه، ماما قالتلي إننا هنسافر بكرا.
+
ابتسم بلطف، وربت على خدها قائلًا:
-ترجعوا بالسلامة، الطيارة امتى؟
+
-الساعة 9 بليل.
+
أردف بحماس مفتعل:
-خلاص، تصحوا بكرا بدري نروح لآسيا، وبعدين آخدكم ونروح المطار.
+
ابتسمت:
-موافقة جدًّا.
+
فعاد بظهره للخلف مرتكزًا على ظهر مقعده الهزاز.
+
أما ياسمين فكانت على حالها، لا تأكل ولا تشرب، فقط شاحبة الوجه متجهمة الملامح، وكلما سألتها أمها أنكرت، وعادت لصومعتها من جديد.
+
وفي غرفة داغر، قد أخذ النوم كليهما إلى عالمه، وبينما آسيا تتقلب بعدم راحة، سقطت أرضًا، ورغم ذلك لم تستيقظ، فإذا بها سقطت فوق داغر الذي انعقد حاجبيه بانزعاج، وعاود النوم مجددًا، وهي التصقت به أكثر وتململت كثيرًا، فحاوطها بذراعيه ظنًا منه أنها وسادة كبيرة، ولأن وزنها ليس بالكبير فلم يشعر بها، وخلد كلاهما إلى النوم على هذه الوضعية.
+
✦❥❥❥✦
+
صباحًا كان "صباحية العروسين"، عندما أعلنت الشمس شروقها اندفعت عجوزة وزينات بصنية كبيرة مليئة بكافة أنواع الأطعمة والمشروبات إلى العمارة المجاورة التي بها داغر وآسيا، وقد أصرت زينات أن تترك له الشقة هذا الأسبوع ليستمتع مع زوجته حتى يفرج الله كربه ويحصل على شقه له ولها.
1
وفي غرفتهم، كانا نائمان براحة، هي فوقه تتقلب كيفما تشاء، وداغر عندما ينام لا يشعر بشيء، فلم يؤثر تقلبها عليه، ولكن صوت الطرقات العالية على باب الشقة أيقظت داغر أولًا، الذي ما إن استوعب أنه حي حتى شعر باختناق أنفاسه، فحاول زحزحة ذلك الشيء القابع فوقه، ورآها آسيا، فهزها بقوة هاتفًا بصوت سُلبت أنفاسه:
-قومي يا عِجْلة، قومي يا بقرة هتخنق.
3
تململت آسيا بانزعاج وزمجرت، فهزها بقوة أكبر صارخًا:
-قومي يا نيلة دا مش سرير أبوكي.
+
انتفضت آسيا ورفعت جسدها عنه لترى من الفاعل، فوجدته مواجهًا لها حتى كاد وجهه أن يلتصق بخاصتها، فصرخت متفاجئة وابتعدت عنه متراجعة للخلف في هلع، وضمت ملابسها إلى جسدها صارخة:
-أنت عملت فيا ايه؟
+
نهض وهو يهندم من وضع بيچامته الحريرية:
-هو أنا هعرف أعمل فيكي حاجة وأنتي نايمة فوقي زي العِجل.
+
نهضت ووقفت في مقابلته هادرة بجنون:
-أنت قليل الأدب، تلاقيك أنت اللي شدتني من السرير وقعتني فوقك.
+
ضحك ساخرًا وهو يفتح باب الغرفة ويخرج منه إلى الحمام بحثًا على نظارته وهو يقول:
-أصلي مُغرم بجمال سيادتك ومقدرش استغنى عنك.
+
وذهبت وراءه وقالت بتهكم ردًّا عليه وهي تتخصر:
-فعلًا، أنت مغرم بجمالي.
+
استدار لها ووقف أمامها بوجهٍ متصلب:
-بطلي كدب هتخشي جهنـ...
+
بتر جملته حينما ازداد صوت الطرق، وعجوزة تصيح من الخارج:
-ولا يا داغر قوم اصحى.
+
توسعت عينيه بصدمة، ونظر لها قائلًا:
-خشي جوا.
+
عقدت حاجبيها بتساؤل:
-ليه؟ مش داخلة طبعًا.
+
دفعها للداخل قائلًا من بين أسنانه:
-خشي جوا دا أنتي رغاية.
+
وأغلق الباب عليها، وتنحنح ومن ثم اتجه لباب الشقة وفتحه، فاندفعت الزغاريد من زينات لدرجة أنه فُزع واختل وزنه وكاد يسقط، دخل كرشة صبي عجوزة بالصنية ووضعها على الطاولة قائلًا قبل أن ينصرف:
-ألف مبروك يا معلم.
+
بينما ربتت زينات على كتفه بسعادة:
-مبروك يا قلب أمك.
+
ابتسم بمجاملة ورد عليها، بينما أخذته عجوزة من يده في الخفاء، وهمست له:
-ها..سبع ولا ضبع؟
+
رمقها بابتسامة لم تفهم أهي سعيدة أم حزينة أم متحسرة:
-بقرة، أو معزة أيهما أتقل.
1
فنظرت إليه بعدم فهم، وقاطعت زينات ذلك بقولها:
-مراتك فين نباركلها.
+
أشاح بيده بلا مبالاة:
-مرمية جوا.
+
تساءلت زينات بعدم تصديق:
-ايه؟
+
توتر وصحح كلامه:
-أقصد لسه بتفوق جوا.
+
ربتت زينات على صدره وابتسمت:
-طيب يا حبيبي، إحنا هنمشي وأنتوا افطروا، وهنزوركوا تاني بكرا.
+
اقتربت منه وهمست:
-ابقى هاتلي هدومكم وفرشكم أغسلهلكم.
1
افتر ثغره عن بسمة ممتنة وقال:
-لا يا أما متقلقيش، هي بتعرف تغسل كويس.
1
عدّل نظارته التي انزلقت حتى أنفه وتابع:
-ممكن ترجعي أنتي وسمر هنا من بكرا يا أما لو تحبوا.
+
ضربت على صدرها وقالت:
-يا نصيبتي! لأ يا حبيبي ميصحش، أسبوع كدا على ما عروستك تآخد راحتها، ولو إن والله مكسوفة تعيش معانا في بيت واحد ومتاخدش راحتها، بس ما باليد حيلة.
+
وزمت شفتيها متحسرة، فعقد حاجبيه بانزعاج وأردف:
-البيت بتاعك يا أما وملكك، وهي معترضتش.
+
ابتسمت بتصنع، والتفتت لعجوزة:
-يلا يا أختي.
+
ودعته هي وخالته وذهبتا، فزفر حانقًا وتخصر، ومن هنا خرجت آسيا بعدما بدلت ثيابها، ترتدي شورت چينز يلتصق بفخذيها، بينما ترتدي كنزة بيضاء، وتعكص خصلاتها في كعكة مُهمَلَة، جلست على طاولة الطعام وأبعدت الغطاء، لتتسع عينيها بذهول بعض الشيء:
-Wow!
+
اقترب منها داغر، فتابعت:
-أول مرة أشوف فطار كدا.
+
أشارت على طبقٍ ما:
-هو ايه دا؟
+
أجاب وهو يجلس بجوارها:
-عسل وطحينة.
+
رمقته بحدة:
-مبهزرش.
+
نظر إليها بتعجب:
-ولا أنا!
+
فغرت فاهها بصدمة وسألته:
-Wait,
هو العسل والطحينة دي أكلة؟
+
-أكيد.
+
غمغمت بعدم تصديق، ومن ثم أشارت على طبقٍ آخر، فأجاب:
-بيض بطماطم.
+
لوت شفتها السفلية باشمئزاز:
-Euu.
+
-نعمة ربنا!
+
قلّبت عينيها بسخرية وهتفت:
-I'm a vegetarian.
+
كور شفتيه بذهول، ومن ثم قال:
-حيث كدا بقا أنا هآكل الجبنة القديمة لوحدي.
1
تنهدت، فأعطاها رغيف خبز وباشر بالأكل، وقبل ذلك تمتم:
-بسم الله الرحمن الرحيم.
+
وغمس قطعة خبز في طبق الفول، وأكلها مغمغمًا باستمتاع، نظرت له آسيا بتركيز، ومن ثم حاولت فعلها، ولكن اللقمة سقطت منها في طبق الفول، فعقدت حاجبيها بانزعاج، وقطعت قطعة أخرى بعزم، وغمستها بصرامة، فسقطت أيضًا وكأنها تُعاندها! لذلك ألقت رغيف الخبز بانزعاج وأشاحت بوجهها عن الأكل،ابتسم داغر بخفة، ومن ثم غمس اللقمة برفق ورفعها لفمها قائلًا:
-بسرعة بسرعة بسرعة.
+
وتلقائيًا فتحت فمها فوضع اللقمة بها، انفكت عقدة حاجبيها وارتفعتا وهي تغمغم بتلذذ مذهولة:
-اممم.. delicious!
1
وشرع داغر في أكل طعامه، وآسيا تحاول أن تُقلده في كل ما يفعله، حتى غمس قطعة خبز في خليطٍ ما وبدأ يوزعه في الرغيف، لفه على هيئة شطيرة وأكله، فسألته بقضول:
-ايه دا؟
+
أجابها بعدما ابتلع ما في فمه:
-مورتة بمربة مشمش.
+
كشّر عن أنيابه وهدر بانفعال عندما رآها تكاد تغمس قطعة خبز فيها للتذوقها:
-أوعي تعمليها.
+
تراجعت بفزع من صراخه، فصَّرح بصرامة:
-المورتة دي بتاعتي أنا بس، مش مسموح لحد يآكلها معايا أو يآكلها مني!
2
طفل صغير يدافع بضراوة عن لعبته! هزت رأسها بعدم اكتراث، ومن ثم التقطت اصبع بطاطس مقلية بحماس، هذا هو الشيء الوحيد الذي تعرفه وسط كل هذه الأشياء، هو غير صحي..ولكن عليها بأكله، وضعت الكثير منه في رغيف بعدما قطعته لنصفين مقلدة داغر، وضعت عليه بعض الكاتشب وحاولت لفه كما فعل، فاستطاعت وابتسمت بفخر، ومن ثم قضمت قطعة منه، وكم شعرت بتلذذ وهي تأكله، وهكذا قُضي الإفطار بعدما تعلمت آسيا القليل عن تحضير الشطائر.
1
✦❥❥❥✦
+
-صبا، هاتي القهوة.
+
تنفست باضطراب، وهدأت روعها بأن حركت شفتيها الورديتين الصغيريتين بكلماتٍ مهدِئة:
-مش هيعملك حاجة، مش هيعملك حاجة، أهلك برا.
+
زفرت الهواء القابع بصدرها يتلجلج باضطراب، وحملت صنية القهوة من على الرخامة، خرجت من المطبخ تسير بتوتر وترسم على شفتيها بسمة صغيرة مرتجفة، تبخرت شجاعتها عندما رأته جالسًا يرتدي ملابسه الكاچول من بنطال چينز وقميص أبيض، ويبتسم بسمته المريبة الخبيثة المزيفة كما اعتادتها دائمًا، وشقيقتها تجلس بجواره وتنكس رأسها بخجل، وتشاركه ببعض الكلمات المبهمة، ازدردت لعابها بإرتباك، وقدمت القهوة للجميع في الخارج، ومن ثم دخلت عليهم الصالون وقدمت القهوة لشقيقتها فالتقطتها وشكرتها، وكذلك قدمت له كوب القهوة الموضوع على طبقه الصغير، وعندما كان يأخذها منه لمس يدها عمدًا، وابتسم لها تلك البسمة المريبة التي تمقتها، فارتجفت يدها وخفق قلبها بقوة، وسقطت القهوة عليه، انتفض وانتفضت شقيقتها وراحت تلومها، فقال وهو يطالعها بابتسامته التي لم تنحمي:
-دلق القهوة خير، هروح الحمام، عن إذنك يا رنا.
1
أومأت شقيقتها، بينما انصرفت صبا وهي تسير بتيه نحو غرفتها، تهرب منه ومن ألمها، وفي طريقها شعرت بأحدهم يجذبها إلى الممر المؤدي للحمام والمطبخ، وإذا به يحاصرها بينه وبين الحائط ويبتسم بخبث هاتفًا:
-ايه الجمال دا، الفستان هينطق عليكي.
+
تواثبت دقات قلبها وشعرت بالأرض تميد من أسفلها، كادت تبكي، وتصرخ فيه بأن يبتعد، ولكنها لم تستطع فعل شيء سوى أن تدفعه بيديها الضعيفتين، فتركها بإرادته والابتسامة لا تُفارق شفتيه، ركضت صبا ناحية غرفتها، دخلتها وأغلقت بابها جيدًا بالمفتاح، ألقت نفسها على الفراش، وراحت تبكي وتنحب بصوتٍ عالٍ وكتمته بأن بكت بوسادتها.
3
منذ أشهر وهي تحارب وحيدة، تراه يتقدم منها ويلمسها بتلك الطريقة القذرة ولا تستطيع أن تتحدث، تصمت لأجل شقيقتها وسعادتها به وبلطفه معها، تصمت لأجل عائلتها وفرحهم بشقيقتها، تصمت لأنها بالنسبة لهم طفلة، لأنها فتاة في السادسة عشر من عمرها وكلامها لا يُؤخذ به، تصمت لأنها فتاة، فتاة مراهقة تعرضت للتحرش على يد من ظنته سيكون أخًا لها كسائر أشقائها الثلاثة، ولرعبها لم تخبر أحد، تكتمت الأمر، وكم أخطأت بظنها.
+
_________________________
+
كل عام وأنتم بخير، عيد سعيد ويا رب ينعاد عليكم باليمن والبركة.
+
فصل امبارح نزل انهاردا لظروف قهرية، ألا وهي تنضيف البيت، حبيت أنزله انهاردا وأعايدكم بيه.♥
4
#دمتم_بخيـࢪ🕊
+
