اخر الروايات

رواية عرف صعيدي الفصل الثامن عشر 18 بقلم تسنيم المرشدي

رواية عرف صعيدي الفصل الثامن عشر 18 بقلم تسنيم المرشدي


الفصل الثامن عشر
( قوة ورد السحرية )
______________________________________

_ ضحكاتهم المرتفعة التي تهتز لها أرجاء المنزل تدوي من جديد في آذانها ، صورتها المتحركة تُعاد أمام عينيها وهي تركض هاربة من والدها حريصة بألا يمسك بها فتخسر اللُعبة ، صوت والدتها يتردد صداه في عقلها وهي تحثهم علي المجئ سريعاً حتي يتناولوا الخبز المنزلي الساخن التي انتهت من صنعه للتو مع الجبنة البيضاء القديمة من صنع يديها ، تكاد تشعر بأنها تشم الرائحة ذاتها من فرط حنينها الي الأيام الماضية برفقة والديها..

_ أخرجت تنهيدة حارة فالزمان لن يعود يوماً ، اعتدلت في نومتها ورفعت بصرها علي والدتها التي تستند هي برأسها علي قدميها مرددة بشوق :-
فاكرة ياما الكماج الطري اللي كنتي عتعمليه ونتعشوا بيه

_ قهقت والدتها متذكرة تلك الأيام الجميلة وأجابتها مازحة :-
كنت اعمل العيش يكفي سبوع ميباتش لتاني يوم

_ نهضت ورد عن مقعدها وشاركت والدتها الضحك مرددة :-
كنا نجعد نتسامروا الليل بحاله ومنبطلش وكل فيه

_ تنهدت بحزن وتابعت حديثها بإفتقاد شديد لمن رحل عنهم منذ زمن طويل :-
ربنا يرحمك يا بوي اتوحشتك جوي

_ أعادتها والدتها الي حضنها وسألتها في قلق :-
مالك عاد يا ورد عتتذكري الحاجات ديي كاتير الايام ديي ، مالك يا حبيبتي فضفضي لامك يا حبة عيني

_ لم تجد ورد ما تخبرها به فقالت لتطمئنها :-
مفيهش حاجة بعينها تتجال بس اوجات الواحد عيفتكر ايام زمان وكد ايه كان مبسوط ومشايلش هم لأيتها حاجة

_ ملست سنية علي شعرها بحنو أمومي وأردفت بحكمة ناضجة :-
كل مرحلة وليها وجتها وتنتهي ، مرحلة طفولتك انتهت بعديها مرحلة مراهقتك انتهت وأديكي اهاه عروسة وديي بردك هتنتهي وهتبدي مرحلة الامومة ، كل مرحلة غير اللي جبليها ، وجبل ما تدخلي مرحلة جاديدة بتكوني خدتي منيها حاچة ، ممكن جمال ممكن حكمة ممكن نضج ممكن حنية جلب ويمكن صبر! المهم انك تتعايشي مع كل مرحلة بحلوها ومرها من غير ما تجعدي تعيدي في الماضي وتجولي كنت بعمل وكنت بسوي لانك مش هتستفادي أيتها حاچة غير الحزن لانك مش هتجدري ترجعي اللي فات ، بس ممكن تعملي الأحلي..

_ تراجعت ورد للخلف وأجبرت أذنيها علي الإصغاء جيداً فتابعت والدتها بإبتسامة عفوية :-
تبني اللي جاي ، تشكلي مرحلتك علي كيف كيفك ، ترسمي طريجها زي ما تحبي ، اني زمان كنت بضفرلك شعرك فيه دلوك مصطفي اطلبي منيه ، كنا نسهروا نتسامروا ويا بعض اعملي أكده معاه وابني اللي سبج وبنتيه اني وابوكي وانتي كبرتي عليه ولحد دلوك بتحلمي بيه ، ابني حياتك كيف ما تحبي يا ورد عشان لما تاجيكي بت أو واد يطلعوا يحبوا دارهم الدافي كيف ما انتي بتحبي دارنا أكده

_ شعرت ورد بالراحة المفرطة التي سكنت قلبها وتبخرت كل ذرة ضيق كانت تكمن داخل صدرها من خلف حديث والدتها ، وجهت بصرها في الفراغ أمامها واستنشقت عبير الذكريات التي تحول حولها في كل ركن في المنزل ..

_ انتبهن علي صوت رنين جرس ، همت ورد بفتح الباب حتماً أنه غاليها من يطرق بابها ، بالتأكيد لم يعرف للنوم سبيل في غيابها ، غزت الابتسامة شفتيها بسعادة مبالغة حين رأته أمامها ورددت بثقة :-
كنت متوكدة أنه انت

_ رفع مصطفي إحدي حاجبيه بغرابة من ثقتها وسألها مستفسراً :-
وايه اللي خلاكي متوكدة أكده؟

_ أجابته بدلال مبالغ :-
النوم في حضني له سحر خاص مينفعش اللي اتعود عليه يجيله نوم من غيره

_ اقترب منها مصطفي الي أن إلتصق بجسدها وهمس لها أمام شفتيها :-
لا وانتي الصادجة اللي يدوج العسل اللي عيشر من البرقوقتين دولهما ميعريفش للوكل طعم

_ اتسعت ابتسامتها وهي تعض علي شفتيها فلم يستطع مقاومة حركتها العفوية وانحني عليها لكن أسرعت هي بالابتعاد عنه مرددة في حياء :-
امي جاعدة ورايا

_ عدل مصطفي من وقفته وضبط من وضعية ياقة جلبابه ثم أردف أمراً :-
طيب يلا نعادوا السرايا اني سيبتك تجعدي مع امك إبراحتك اهاه

_ رفعت ورد حاجبيها للأعلي هاتفة بحنق :-
إبراحتي! اللي فين ديي انتي يدوب وصلت اهلك وعاودت ملحجتش حتي اشرب بوج مية

_ لوي مصطفي شفتيه بتهكم وقال :-
عندنا المية كاتيرة في السرايا ابجي اشربي علي راحتك

_ أولاته ورد ظهرها وأسرعت في خطاها متوجهة نحو والدتها مردفة بتوجس من ردة فعله :-
هملني أبات الليلة إهنه

_ اتسعت حدقتي مصطفي برفض تام وأبدي رفضه في إيماءاته التي أجابها بها لعلها تتراجع عما قالته فهو لن يستطع إبداء رفضه أمام والدتها ..

_ لم تهتم ورد لرفضه وأصرت علي ما تريده قائلة :-
هي ليلة واحدة اللي امي هتجضيها أهنه هملني الليلة ديي بس

_ تدخلت السيدة سنية بقولها :-
لاه أني هجعد لآخر السبوع وأعاود تاني علي جراية فتحة أسماء بت خالك

_ رمقتها ورد بذهول مرددة بعدم تصديق :-
اسماء هتتخطب محدش جال يعني ولا اني آخر من يعلم!!

_ تقوس ثغر والدتها بإبتسامة وأجابتها موضحة :-
ما اني أهاه بجولك ، المجابلة كانت لساتها امبارح والعريس حدد مع خالك يجروا الفاتحة الجمعة الجاية

_ غزت الابتسامة شفتي ورد بسعادة مهللة :-
وأخيراً بجا ربنا يسعدها يارب

_ التفتت ورد حيث يقف مصطفي الذي يتابع حديثهم بإمتعاض فهو للأن لم يتقبل طلب ورد وهتفت بحماس :-
ايه جولك تسيبني بجية السبوع مع امي؟

_ بتذمر أبدي رفضه :-
لاه يا ورد أكده كاتير

_ وجه بصره إلي سنية مطالباً بتدخلها :-
جولي حاجة يا أم ورد

_ وزعت سنية أنظارها بينهم وأردفت مشاكسة مصطفي :-
وماله ما تسيبها ديه كلاته سبوع وبعدين تعاود لك من تاني

_ أسرعت ورد في معانقتها بحبٍ مفرط بينما ذهل مصطفي من ردها الذي لم يأتي في صالحه وفضل الصمت فلن يعارض من تكبره عمراً لكن الرفض يتجلي في عينيه وبشدة..

_ خرجت السيدة سنية عن سكونها مازحة :-
اني بهزر إمعاك كنت رايدة أشوف غلاوة ورد عنديك

_ نكسي مصطفي رأسه في خجل فهو لم ينطق ويرفض بقلب جرئ بل صمت احتراماً لها وعلي ما يبدوا أنها فهمت خطأ ، أخرج تنهيدة مستاءة وردد بتهكم :-
وأني سكت..

_ قاطعته سنية بنبرة مليئة بالحيوية واللهفة :-
بس عيونك فضحتك!

_ رفع مصطفي بصره عليها مذهولاً فانفجرت سنية ضاحكة وهتفت من بين ضحكاتها :-
مشوفتش عملت كيف لما جولتلك تسيبها ، مش لازم تتحدت عشان اللي جواتك يبان العيون عتفضح علي طول ، وعموماً يا سيدي خدها من الليلة كمان اني راضية المهم تكونوا مبسوطين في حياتكم يا حبيبي

_ تراجعت ورد للخلف حتي تري وجه والدتها بوضوح مرددة بعدم استيعاب :-
ايه ياما اللي عتجوليه ديه

_ أضاف مصطفي علي حديث ورد مبدي رفضه بحرج بائن :-
لاه خليها الليلة بس الليلة ديي بس

_ حسمت الأمر السيدة سنية بقولها :-
ولا ليلة واحدة تباتها البت برا بيت جوزها

_ وجهت بصرها لورد وواصلت مضيفة :-
وديه من اللي الحاجات اللي تجدري تبنيها يا ورد متهمليش دارك لأي سبب وأني اهاه جاعدة معاكي السبوع كلاته نشوفوا بعض في أيتها وجت بس الليل يابتي يحب الونس..

_ تبادلا مصطفي النظرات مع ورد بمشاعر سامية اجتاحتهم من خلف كلمات السيدة سنية الناضجة والتي في محلها ، نهضت ورد في صمت وارتدت وشاحها ثم أقبلت علي والدتها وطبعت قُبلتين علي وجنتيها مودعة إياها والتفتت الي حيث يقف مصطفي ..

_ طالعت ملامحه التي تود الضحك ويحاول قدر المستطاع إخفائها ، أضاقت عينيها عليه بغيظ شديد وهتفت بتزمجر :-
أيوة حديتها علي هواك ..

_ خرجت ضحكاته التي حاول جاهداً السيطرة عليهم فور قولها عالياً ، تشاجر كليهما بمزاح ثقيل بعض الشئ فأسرعت سنية مصدرة تنبيه :-
وطي حسك يا ورد خالك نايم وعيصحي من بدري عشان يمشوا

_ لكزته ورد في كتفه بقوة وأردفت مغتاظة منه :-
امشي جدامي وبطل ضحكك اللي عيستفزني ديه

_ مال مصطفي برأسه لينظر الي سنية مودعاً إياها ثم أسبق خطاه الي الخارج كذلك ودعت ورد والدتها وغادرت معه في جو ملئ بضحكات مصطفي التي يصدرها فقط ليشاكسها..

_ قُضي اليوم وفي بداية اليوم الجديد عانق مصطفي ورد إلي أن غفيا علي وضعهم وكانَ خير أنيس لبعضهما...

______________________________________

_ أشرق ضوء النهار معلناً عن أحداث جديدة في حياتهم ، ظل يعاند النوم الذي يسيطر عليه بالكامل ، تثائب عدة مرات متتالية ثم شعر بذلك الصداع اللعين الذي يجتاح رأسه بألم مبالغ فيه ..

_ نهض بحذر لكي لا يزيد من ألمه ، فرك عينيه بأنامله حتي يعتاد إضاءة الشمس المتسللة من زجاج النافذة ، ابتعد عن الفراش بكسل مختلط بالتعب والإرهاق الذي يشعر بهما ..

_ توجه نحو المرحاض فتفاجئ بنحيب مسموع يأتي من الداخل ، توقف عقله في تلك اللحظة ولا يعي ما الذي يحدث أهذا حلم أم حقيقة ؟

_ طرق الباب بخفة فلم يجد إجابة بل لاحظ توقف صوت البكاء فجاءة ، أعاد طرقاته مرة أخري بقوة أكبر ولكن دون جدوي

_ فلم يكن أمامه سوي اقتحام المرحاض ليعلم ما الأمر ، أدار مقبض الباب ثم ولج للداخل ، تفاجئ بها تجلس علي حافة المغطش الرخامي متكورة في نفسها تكاد تظهر أمام عينيه ، ارتجفت هي ما إن رأته أمامها ، طالعته بنظرات متوجسة لبرهة ثم أخفت وجهها براحة يديها ما أن رآته يقبل عليها..

_ اقترب منها وجلس القرفصاء حتي يكون في نفس مستوي طولها وأزاح عنها يديها وفوجئ بتورم جفنيها ناهيك عن إحمرار عينيها وكأنما انفجرت بهم أحد عروقها...

_ بهدوء سألها متلهفاً :-
عاملة في نفسك أكده ليه ؟

_ تراجعت للخلف متوجسة منه ولم تجرأ علي محادثته ، شعر الآخر بالاختناق يطبق علي صدره لحالته المذرية وأعاد سؤاله بنبرة محتقنة :-
انطجي يا مروة ايه اللي حوصل عشان تخافي مني أكده؟

_ فغرت فاها وأجابته بنبرة خافتة لم تصل إلي أذناه :-
انت مفاكرش اللي حوصل!

_ صمت لبرهة محاولاً استعادة ذاكرته ليعلم ما الذي اقترفه ليسبب لها الذعر منه لكن لا يتذكر ، عقله واقفاً تماماً ولا يذكر شيئاً ، حاول جاهداً السيطرة علي أعصابه التي علي وشك التلف وأعاد النظر إليها وأردف بنبرة حنونة لكي يبث فيها الطمأنينة منه :-
مفاكرش أيتها حاجة ، جوليلي انتي ايه اللي حوصل اني أذيتك؟ مديت يدي عليكي؟

_ أماءت له نافية ما قاله فواصل هو أسئلته بضيق شديد :-
اومال ايه اللي حوصل؟

_ شهيقاً وزفيراً فعلت مروة وقالت بنبرة متحشرجة تهدد بالبكاء :-
طول الليل كنت عتناديلي بورد ، كانك شايف واحدة غيري جدامك ، خلتني أكره الليلة اللي أي بت عتحلم بيها بغشوم.....

_ أجبرها حيائها علي عدم تكملة الحديث وجهشت باكية كلما تذكرت الألم النفسي والجسدي الذي عانته بسببه ، لعن طاهر غبائه الذي أوصله الي تلك النقطة ، فهو لم يتوقع فعل ذلك مطلقاً فأخر ما جاء في مخيلته أنه سيفقد صوابه ولا يشعر بوجودها معه في تلك الليلة ..

_ كاد أن ينفجر غاضباً إلا أنه تحلي بالهدوء لكي لا يزيد من خوفها منه ، نهض من وضعه الذي سبب له ألم في ثائر جسده وجذبها برفق من يديها أوقفها أمامه ثم أردف بنبرة تميل إلي اللين :-
ادوشي وبدلي خلاجتك وتعالي رايد اتحدت وياكي

_ ملس بيده علي وجهها بنعومة وقال :-
تمام..

_ أماءت له بقبول ثم أولاها هو ظهره ودلف للخارج ولم يكف عن السُباب لتهوره اللعين ، أوصد الباب وانتظر أمامه حتي يري إن كانت ستفعل ما أمرها به أم لا

_ تأكد من سماعها للحديث حين صغي إلي ارتطام قطرات المياه علي أرضية المغطس ، سحب نفساً عميق وتوجه الي الفراش محاولاً تذكر اي شيء لكن بالاخير تبوء محاولاته بالفشل فهو لم يستمع إلي تنبيه صديقه وأخذ القرص كاملاً ظناً منه أن سيفقد صوابه بتلك الطريقة أسرع لكنه قد فقد صوابه وإنسانيته..

_ كور قبضته بغضب حتي بزرت عروق معصمه ، كاد أن ينفجر في تحطيم الغرفة الا ان ولوجها قد منعه من فعل ما يتمني فعله ، حاول ضبط أنفاسه المتهدجة ليتحلي بالسكينه داخله ويُصلح ما اقترفه في حقها دون وعي منه..

_ أقبل عليها مشكلاً بسمة زائفة لكي تشعر بالراحة من وجوده ، وقف مقابلها وبدأ يشرح لها سوء التفاهم الذي حدث :-
أني آسف عارف اللي إن الأسف ميكفيش بس اني كنت غايب عن الوعي اني حتي مفاكرش ايه اللي حوصل

_ رقق من نبرته وواصل حديثه المسترسل بنبرة حنونة :-
في اليوم اللي زي ديه صحاب العريس عيوجبوا معاه ببمنوعات طبعاً غلط أنه ياخدها بس بتبجي الجلالة واخداه كيفي إكده يعني كل اللي جولته ديه من خيالي الباطن اني معرفش عنيه حاجة واصل بتكون هلوسة مش حجيجة فهمتي؟

_ ارتخت ملامحها ببعض الراحة التي اكتسبتها من حديثه ، رفعت بصرها عليه وعينيها تترقرق فيهما العبرات ، وبنبرةٍ تميل إلي الشجن سألته :-
يعني مفيش ورد؟

_ فوجئ طاهر بسؤالها الذي اخترق صمام القلب مباشرةً فسبب له ارتفاع في معدل نبضاته ، ابتلع ريقه وطالعها بإيلام فلن يقدر علي قول ما تأباه كل ثغرة فيه ، تطلعاتها عليه في انتظار إجابته ترغمه علي التفكير جيداً في انتقاء كلماته لكي لا يؤذي مشاعرها فيكفي ما تسبب في فعله ...

_ هرب بسودتاه بعيداً عنها وبصعوبة بالغة قابلها في إخراج كلماته التي ترفض النطق أردف :-
مفيش ورد..

_ كز علي أسنانه بضجر ، كم يوم الصراخ عالياً ويصرح بأن القلب لا يدق إلا لاسمها ، لكن لا يسمح الزمان ولا المكان وما عليه الأن سوي الرضوخ لتلك الزيجة ومعاملة زوجته بحُسنة ..

_ تقوس ثغر مروة ببسمة بريئة عذبة ثم فاجئته بعناقها الهادئ الذي لمس شيئاً مختلف فيه ، لا يعلم أي وصف يصف تلك اللحظة لكنه يجزم بأن غضبه قد تبخر من خلف عناقها المفتقر ...

_ أحاطها طاهر بذراعيه ليكتمل عناقهم الأول ، أخذ نفساً عميقاً ورفع وجهها بسبابته ليقابل عينيها وسألها مستفسراً :-
عتتوجعي من حاجة؟

_ تلونت وجنتيها بالحُمرة الصريحة بسبب سؤاله الجرئ ، عادت إلي صدره دون أن تجيبه فاستشف طاهر خجلها لكنه لن يتراجع قبل يعلم إلي أي درجة قد مسها أذاه :-
طمانيني عليكي ، انتي زينة ؟

_ اكتفت مروة بإيماءة خفيفة من رأسها فتسللت الراحة الي قلب طاهر ، انتبهوا كليهما علي طرقات الباب الخفيفة ، ابتعد عنها وتوجه نحو الباب ليعلم هوية الطارق ، أدار مقبض الباب فإذا بها والدته ، شكلت إبتسامة عريضة علي محياها ما إن رأته وهللت بسعادة :-
صباحية مباركة يا ولدي

_ أجابها طاهر مختصراً :-
الله يبارك فيكي تسلمي ياما

_ مالت ثريا برأسها لتلتقط العروس الواقفة خلف طاهر هاتفة :-
كيفك يا عروستنا ؟

_ جائتها مروة تمشي علي استحياء شديد ، وقفت خلف طاهر من فرط حيائها وشدت علي ثيابه فسببت له القشعريرة إثر لمستها وبنبرة تكاد تصل إلي أذان ثريا هسمت :-
الحمد لله

_ اتسعت ابتسامة ثريا واخبرتهم بما جائت لأجله :-
اهلك تحت يا مروة ورايدين يطمنوا عليكي

_ أماءت لها مروة بينما قال لها طاهر :-
هنبدل خلاجتنا وننزلوا وراكي ياما

_ وافقته ثم انصرفت من أمامهم ترحب بضيوفها لحين حضور طاهر مع زوجته الحبيبة ، عاد طاهر إلي مروة وبتردد طال لبرهة أردف بإرتباك حرِج :-
ينفع محدش يعرِف باللي حوصل ليلة امبارح ، خليها بيناتنا

_ أماءت له بطاعة ثم شرعا كليهما في تبديل ثيابهم سريعاً وهبط معاً حيث توجد عائلة مروة ، رحبت أميمة بإبنتها بحفاوة شديدة وكأنهن مفترقتين منذ زمنٍ بعيد وليست سوي ساعات قليلة ..

_ لاحظت أميمة تورم جفن مروة الواضح كذلك لاحظها الجميع ، نظرت أميمة إلي ثريا واستأذنتها بلطف :-
متواخذنيش يا ثريا ينفع اعاود مع مروة الاوضة ؟

_ اتسعت حدقتي ثريا بذهول ورددت معاتبة :-
أباه انتي عتستأذني يا أميمة الدار دارك يا حبيبتي اعملي فيها ما بدالك

_ شكرتها أميمة ممتنة :-
تسلمي يا غالية عن اذنكم

_ وجهت أميمة بصرها علي إبنتها الأخري وأمرتها :-
تعالي ويانا يا بسمة ..

_ نهضت بسمة بتعب ورافقتهم إلي الاعلي بينما ظل طاهر متابعاً لتحركاتهم غير مطمئن لتلك الجلسة النسوية ودعي داخله بأنها لا تشي بفعلته..

_ أعاد انتباهه إلي ضيف ورحب به مراراً ثم سأله بفتورٍ :-
فينه الحاج حنفي مچاش وياكم ليه؟

_ رد عليه ضيف معللاً سبب عدم مجئ والده معه :-
أبوي ملوش في الحديت ديه عيجول أنه يخص الحريم ملهوش صالح بيه

_ طالعه طاهر لثوانٍ فاستشف ضيف الهدف الذي أحرزه في مرماه فانفجرا كليهما ضاحكين ، توقفوا عن الضحك حين تدخلت صباح بقولها :-
عربيتك ديي يا ضيف اللي عتجفل الطريج ، فيه ربع نقل رايد يعدي

_ رمقها ضيف بإمتعاض شديد ثم استأذن وهم بالخروج لكي يزيح سيارته عن الطريق ، فوجئ فور دلوفه بعدم وجود سيارات أخري في الارجاء ، لعن تلك البغيضة التي يكرهها وكاد أن يلتفت الي حيث جاء لكنها منعته من العودة بوقوفها أمامه ..

_ كز ضيف أسنانه بغضب عارم وبرغم نبرته المنخفضة إلا أنها كانت أشد قساوة وغضباً :-
انتي مهتجيبهاش البر أبدا يابت حمدان بعدي عن طريجي عشلن سكتي واعرة وانتي مش كدها

_ لوت شفتيها بتهكم بائن وهمست له بانتصار :-
كانك مشوفتش عيون أختك المورمة

_ دنت منه وواصلت هامسة :-
ديي البداية يا أخوها..

_ ابتعدت من أمامه مسرعة وعادت الي الداخل بينما لم يجرأ ضيف علي رفع ساقيه كأنهما التصق في الأرض ، خرج من شروده علي طيفها الذي اختفي من أمامه حين غطت والدته وشقيقاته عليها ، استأذنت أميمة من أهل المنزل ثم غادرت برفقة بسمة وضيف الذي لم يتحلي بالصبر حتي يبتعدوا عن المنزل وألقي بسؤاله متلهفاً لسماع إجابته :-
مالها مروة عاد ياما ؟

_ توقفت أميمة عن السير ورمقته متعجبة من سؤاله المريب ورددت متسائلة بحيرة :-
مالها مروة يا ضيف ؟

_ أسرع بقوله بنبرة حادة :-
عيونها مورمة كانها كانت عتبكي الليل كلاته ، هو عملها حاجة عفشة ؟

_ ربتت أميمة علي كتفه مهدئة إياه بكلماتها الخجولة :-
محوصلش حاچة عفشة يا ولدي ، حوصل كيف ما بيحوصل العادي يعني وفيه بنتة إبيتحملوا وبنته تانين لاه متشغلش عجلك انت بالحاچات ديي ، ركز في حالك ويلا هات لنا عروسة عشان نفرحوا بيك بجا

_ تذكر ضيف وعد والده في إعادة التفكير في زيجته من صفاء وهذا ما خفف القليل من غضبه ، استقل خلف مقوده وانتظر حتي ركبن الأخريات وتحرك بهم مبتعداً عن المكان عائد بهم الي منزلهم لكي يفاتح والده في الموضوع نفسه لعله يلقي ما يسُر خاطره ...

_ داخل المنزل ، بحث طاهر بعينيه في الارجاء المجاورة لعله يلمح طيف والده لكنه لم يراه ، وجه بصره علي والدته متسائلاً عنه في فضول :-
أبوي فين ياما ؟

_ قلبت ثريا عينيها بإمتعاض ممتزج بالبغض لسماع سيرته التي باتت تكرهها وبفتورٍ قاسِ أجابته :-
مخابراش ، أصلا الواحد معتش فاهم له حال من وجت ما صورة السلاح ديي ما اتبعتت له علي المحمول وهو كل يوم بحال شكل ، مرة هادي وسرحان ومعيحسش بلي يمشي جدامه ومرة غضبان وعيكسر كل اللي ياجي جدامه ، الواحد طهج يا ولدي بس سيبك انت من الموال ديه عاود لمرتك انتي عريس متهملهاش واصل ..

_ حرك رأسه موافقاً ثم انصرف من أمامها بخطي متمهلة ، لا يريد العودة لكن ضميره يرغمه علي مجاراة الحقيقة التي بات فيها فما ذنب مروة فيما لم يستطع تحقيقه؟!

______________________________________

_ اعتلاها بجسده في انتظار استيقاظها بفروغ صبر ، شعرت هي بثقل يقيد سهولة حركتها ففتحت أهدابها بتمهل وهو يتابعها باهتمام ، تماماً كالزهور المغلقة التي حان وقت تفتحها ..

_ تفاجئت ورد بظله يعلوها ، تبسمت في سعادة مرددة بنبرة متحشرجة :-
صباح الخير

_ رد عليها بعذوبة :-
صباح الفل يا وردة جلبي ، جومي اصحي يلا هنعمل picnic النهاردة

_ قطبت ورد جبينها فلم تفهم ما يرمي إليه مرددة بعدم استيعاب لكلمته :-
اييه بيك أبصر ايه ديه؟

_ قهقه مصطفي عالياً ووضح لها معناها :-
يعني نزهة يا جاهلة

_ عبست ورد وهتفت بحنق :-
يعني اكمنك باشمهندز هتشوف حالك عليا!!

_ چحظت عيني مصطفي مذهولاً من مما سمعته أذنيه وأردف ساخراً :-
باشمهندز ايه عاد ، ده أني بوست يدي وش وجفا يوم لما خدت الإعدادية

_ ذهلت ورد مما أخبرها به وأسرعت في سؤاله بفضول أنثوي :-
أباه اومال عينادوك باشمهندز في الراحة والجاية ليه عاد ؟

_ نهض مصطفي مبتعداً عنها وجلس علي طرف الفراش وبدأ يقص عليها حقيقة الأمر التي تجهلها :-
مفيش ياستي في يوم حصل مشكلة واعرة جوي في التربة بسبب الكيماوي كان فاسد وكان المحصول كلاته عيفسد فأني اقترحت حل وكنت وجتها صغير لأن حد يسمع مني وياخد حديتي علي محمل الجد بس كل كبرات البلد بشنباتهم ديي مكنش عنديهم حلول فأبوي اقترح الحل اللي جولته عليهم ووافجوا لأن مكنش جدامهم غيره

_ اقتربت منه ورد وجلست بجواره واضعة راحتي يدها أسفل ذقنها منتبهة بأذان صاغية فتابع مصطفي بقية حديثه وهو يطالع الفراغ أمامه :-
بس الحل نفع ومن وجتها عينادوني باشمهندز وأني لا اشبهُ لا من جريب ولا من بعيد

_ مال مصطفي برأسه إلي الجانب ناظراً إليها فتفاجئ بها تدقق النظر فيه وكأنها تتأكد من معالم وجهه ، عقد ما بين حاجبيه متعجباً من حالتها المريبة وسألها بفضول :-
عتبحلجي فيا أكده ليه ؟

_ دنت منه ورد حتي جلست أعلي ساقيه ولم ترفع بصرها عنه قط ، أصدرت شهقة مرتفعة وهي تقول :-
عنيك لونها اتغير يا مصطفي ، دي بجت كيف عيوني كاني شايفة نفسي فيك!!

_ حسناً ، لقد علم الآن حقيقة الحالة التي كانت عليها ، تقوس ثغره بإبتسامة عريضة وهو يردف :-
حبيت اشاركك عيونك يا وردتي

_ أضاقت عينيها عليه بعدم استيعاب بعد :-
كيف يعني مفهماش ؟

_ سمح مصطفي ليده في التسلل الي ما بين عنقها وخلف أذنها وهمس بقرب شفتيها :-
ديي لون عيوني الحجيجي البني اللي كنتي عتشوفيني بيه ديي عدسات لاصقة

_ رفُع حاجبيها تلقائياً ما أن اخبرها للتو بالحقيقة وقالت متسائلة في فضول :-
وااه وليه تخبي لون عيونك؟

_ نظر مصطفي إلي سقف الغرفة كأنه يفكر في رد يجيبها به ، أعاد النظر إليها مردداً بمرح :-
عشان معحبش اجف وسط الأرض احرثها أو وسط المواشي اشرف علي وكلها وتطعيمها ويكون ليا هيبة وسط الفلاحين والكل يعملي حساب ومن ورايا يتمسخروا ويجولوا ابو عيون ملونة عيتحكم فينا

_ طالعته بعدم اقتناع لوجهة نظره العقيمة وعارضته ساخرة :-
يعني هما عيحترموك عشان لون عيونك مش ملونة! ربنا يكملك بعجلك يا حبيبي

_ لكزها مصطفي بخفة في ذراعها رافضاً اي سخرية في ذلك الموضوع الحساس بالنسبة له :-
بطلي مجلصة يا ورد متخلنيش اندم اني جولتلك

_ ابتعدت عنه واحترمت عدم تقبله لمزاحها في تلك المسألة وحاولت تغير مسار الحوار بسؤالها :-
كنت عتجول نزهة ، تجصد ايه ؟

_ بدأ يقص عليها حول النزهة التي رتب لها جيداً وهي رحبت بالفكرة بسعادة بالغة لأنه اهتم لامرها وفعل ذلك من أجل إدخال السرور علي قلبها ، بدأت تحضر نفسها سريعاً فور انتهائه من الحديث ليكي تكون أول من ينصرف من المنزل بحماس شديد..

______________________________________

_ وصل بهم مصطفي إلي طوالة الخيل بعد الإنتهاء من صلاة الجمعة مباشرةً ، صف سيارته في الخارج ثم ترجل منها فتبعنه السيدات الذي حرص مصطفي علي تجميعهم سوياً في نزهة عائلية لكي يوطد العلاقات بينهن بينما رفض والده التواجد معهم تاركاً لهم الحرية فبالأخير لن ينضم الي جلسة نسوية..

_ تفاجئن بالخيمة المنصوبة في منتصف المكان بأمر من مصطفي لكي يجلسن علي راحتهن وخصيصاً ورد ..

_ ابتسمت ورد بسعادة مهللة بطفولة :-
المكان تحفة والشوي إهنه هيبجي جاميل جوي

_ بادلها مصطفي ابتسامة راضية ثم التفت إلي حيث السيدتات الأخريات وسألهن باهتمام :-
ايه رايكم جولت مكان باعيد عن عيون الخلج ناخدوا فيه راحتنا ونجضوا فيه النهار كلاته

_ أسرعت السيدة سنية في الرد عليه بفرحة عارمة :-
فكرة جاميلة يا ولدي ربنا يخليك لينا

_ بينما لم تجيبه والدته فهي جائت علي مضضٍ بسبب ضغطه وإصراره علي حضورها ، لكنها غير راضية عن مشاركة يوم من عمرها مع هؤلاء البشر

_ ولج جميعم الي الداخل حيث استلقت السيدتان داخل الخيمة التي تشبه خيمة البدو بينما لم تفارق ورد مصطفي وساعدته في تركيب الشواية ومن ثم بدأت في وضع قطع الدجاج عليها بعدما رأت تطاير الأدخنة من الفحم المشتعل ..

_ تعمدت نادرة عدم الاحتكاك بالسيدة سنية بقدر المستطاع مكتفية بردودها الجامدة إن وجهت لها حديثاً ، انتهوا من شواء الدجاج واجتعموا حول طاولة تكاد يرتفع طولها سنتيمترات قليلة عن الأرض وشرعا في تناول الطعام في صمت ..

_ أسبقت نادرة بالنهوض لغسل يديها ما أن أنهت طعامها ، تبعها مصطفي لكي يساعدها دون أن تقابل صعوبة في الأمر فهي تجهل معالم المكان ، أزفرت ورد أنفاسها بضجر بائن وأردفت بإزدراء :-
يا بوي علي تجل دمها سِم ، شوفتي عتتعامل معانا كيف ، ديي أسخم من أكده في السرايا اني معتش متحملة الوضع ديه وحاسة اني هنفجر فيها من كتر غيظي اللي كتماه جوايا

_ في تلك الأثناء قد عادت نادرة ووقعت كلمات ورد علي آذانها ، شعرت بالغضب الشديد يجتاحها من خلف وقاحتها وكادت أن تخرب كل شئ علي رؤوسهم إلا أنها تريثت لتسمع رد والدتها علي وقاحة ابنتها ، هل ستكون وقحة مثلها أم ماذا؟

_ نظرت السيدة سنية الي ورد بأسي وأردفت متسائلة بعتاب :-
ايه يا ورد اللهجة ديي من ميتي واحنا عنتحدت عن حد بالطريجة العفشة ديي؟ عيب يابتي

_ تأففت ورد بخنقة فصبرها علي تحمل نادرة وأفعالها الغبية علي وشك الانتهاء ، طالعت والدتها وحاولت أن تصف لها مدي ضيقها مما تفعله :-
ياما والله انتي لو مكاني كنتي هتجولي أكده ، محدش داس لها علي طرف ودايما عتبصلي بصات غريبة وتجولي اني مش من جيمة والدها ومبتسيبش اي فرصة تجدر تضايجني فيها إلا وتعملها ، أنا تحملت كاتير بس جربت أطج أنا بيجي عليا اوجات ببجي رايدة مصطفي يطربج السرايا علي اللي فيها من كتر خنجتي..

_ دمعت عيني ورد وتحشرجت نبرتها فظهر صوتها أكثر اختناقاً عن ذي قبل ، لوت سنية شفتيها بحزن مختلط بالشفقة علي ما وصلت إليه ورد الوديعة فلم تكن هكذا من قبل ، لم يسبق وأن تركت لشيطان عقلها التلاعب بها لكن علي ما يبدوا أنها بلغت ذروة تحملها بالفعل ، لكن ما عليها سوي نصحها فذلك دورها ، حمحمت سنية قبل أن تردف :-
تجاهليها يا ورد ، سبيك منيها كانها مش موجودة يابتي اوعاكي تردي الإساءة بالاساءة واصل ، اني مربتكيش علي أكده ، اني ربيتك علي احترام الصغير جبل الكابير ما بالك بأم چوزك!

_ لم تتمالك ورد عبراتها التي سقطت علي مقلتيها بعد محاولاتها الجاهدة في إخفائها ، احتضنت سنية كفوفها الصغيرة بين يديها التي ظهرت فيهما التجاعيد وواصلت مضيفة :-
ديي ام چوزك يا حبيبتي ، يعني زعلها من زعله تمام ، ترضي أنه يزعل منك عشان ضايقتي أمه بكلمة أكده ولا أكده ؟

_ حركت ورد رأسها برفض فتابعت الأخري مسترسلة :-
ولا تجولي حرف واحد من اللي عتعمله عشان ما يشيلش من أمه ويعاملها بجفا وهي تغضب عليه وتبجي خربتي بيناتهم يابتي والدنيا دوارة مسيرك هتبجي أم في يوم ووالدك هيعمل فيكي كيف ما اتسببتي انتي فيه!!

_ صعقت ورد مما تفوهت به والدتها وأسرعت بسؤالها متوجسة خيفة :-
طيب اني أعمل ايه دلوك ياما؟

_ إلتوي ثغر سنية ببسمة سعيدة لنضج عقل ورد وتقبلها لحديثها دون اعتراض ، ربتت علي يدها التي بين يديها وقالت بنبرة طيبة :-
تردي الإساءة بالحُسني ، متحاوليش تسلمي لشيطانك ابدا يا ورد عيخرب عليكي ، عامليها كيف ما تحبي مرت ولدك تعاملك ، وهي أكيد لما تشوف أنك تتمني لها الرضا هترضي وان مرضتش يابتي هي حرة نفسها المهم متزعليش مصطفي منك في الآخر هو عيحبك يا ورد وأني أن مكنتش متوكدة من حبه ليكي مكنتش جولت لك اتحملي عشان خاطره..

_ شعرت ورد بالراحة الداخلية لكلمات والدتها الحكيمة والتي أضافت لافتة طيبة داخلها بينما لم تبرح نادرة مكانها مذهولة مما وقع علي شحمتي أذنيها ، فهي إن كانت في مكان السيدة سنية لم تكن لتنصح إبنتها برد الإساءة بالحُسني بل كانت شاركتها الإساءة فلا تتحمل أن هناك من يمكنه إيذاء صغارها دون أن تأكله بشراهة!

_ يبدوا أنها كانت مخطئة في الحكم عليهم سابقاً ، فلقد أخجلتها السيدة سنية بكلماتها الطيبة وشعرت بالندم حيال أفعالها معهم ، أخذت نفساً عميقاً وتقدمت إليهم في خجل شديد وقعت بين ثناياه ..

_ انتبهن لها ولاحظن إبتسامتها التي تغزو شفتيها علي غير العادة ، تبادلن النظرات المتعجبة من أمرها المبهم لكنهم لم يعقبوا ، استأذنت ورد وانصرفت لكي تري أين مصطفي إلي ذلك الحين لم يعود..

_ وجدته داخل طوالة الجياد يصنع قهوة علي نار هادئة للغاية ، انضمت إليه محدثة ضجة لكي ينتبه لوجودها ، قابلها بإبتسامة عفوية لمجيئها وسألها باهتمام :-
بتحبي الجهوة؟

_ أسرعت ورد بالنفي :-
لاه معحبهاش واصل ولا اطيج ريحتها

_ تعجب من ردها السريع وهتف مبدي حبه للقهوة :-
ريحتها ديي أحلي مافيها كيف معتحيبهاش!!

_ توجهت ورد إلي مُهرة حين زغللت خصلاتها الطويلة الناعمة عينيها وأجابته موضحة :-
بتجلب معدتي واحس اني بصدع اول ما اشم ريحتها

_ قطب مصطفي جبينه لعدم رؤيته لما تفعله في حصانه وسألها باهتمام :-
عتعملي عندك ايه ؟

' بضفرلها شعرها '
_ قالتهم بحماس وحيوية وتابعت تجميع خصلات الحصان معاً عاقدة ثلاثتهم معاً إلي أن تنتهي من العقدة الأولي فتبدأ بالثانية ثم الثالثة الي أن انتهت من العقدة الرابعة عشر ..

_ تراجعت للخلف لتري ما فعلته بوضوح فتفاجئت بجمال مظهر الحصان بتلك التسريحة حديثة الصنع ، كان قد انتهي مصطفي من طهيه للقهوة فأقبل علي ورد وهو يرتشف القليل منها

_ تفاجئ بحُسن مظهر حصانه الجديد وأبدي إعجابه قائلاً :-
عملتي....

_ توقف مصطفي من تلقاء نفسه حين صرخت ورد بذعر وابعدته عنها في حركة عفوية يملئها الرعب ، تأوة مصطفي بألم فتسبب في ذعرها ، انسكب فنجان القهوة علي يده شاعراً بسخونة حرارتها كذلك لطخت جلبابه الأبيض..

_ أسرعت ورد نحوه بندم شديد ولم تكف عن الاعتذار بنبرة مرتجفة :-
اني آسفة ، مكنتش اعرف انك واجف ورايا..

_ حاول مصطفي أن يهدئ من روعها :-
محوصلش حاجة اني تمام

_ كان يعقد حاجبيه كلما شعر بالألم فقالت هي لاعنة غبائها :-
محوصلش حاجة كيف انت عتتألم ، تعالي اغسل يدك

_ اصطحبته الي صنبور المياه ووضعت يده أسفله وملست عليها برفق تزيل بقايا القهوة ، رفعت بصرها عليه بأسي مختلط بالندم حياله فتفاجئت به يطالعها بحب لخوفها الظاهر

_ أغلق صنبور المياه واقترب منها ولم يتردد مطلقاً في شكرها بأسلوبه الخاص الذي يبتكر في فنونه ، لم يتمالك سيطرته حين لمس شفتيها وأطبق عليهم بشراهة مستمتعاً بيدها التي تشد علي جلبابه مطالبة بعض الهواء الذي نفذ منها

_ ابتعد عنها برفق وبنبرة لاهثة قال :-
عاشجك يا ورد!!

_ التقطت هي أنفاسها ورمقته بخجل مختلط بالامتنان لحبه الذي لم يفشل في سرقة قلبها كلما صرح به..

_ أمسكت بيده الموجوعة ووضعتها أمام فمها ثم أوصدت عينيها لبرهة وهمست بنبرة خافتة :-
بقوة ورد السحرية إتعافي

_ وضعت قُبلة رقيقة علي مكان آلامه ثم عاودت النظر إليه فتفاجئت بنظراته المبهمة متسائلاً :-
المفروض ايه اللي يحوصل دلوك ؟

_ أجابته ورد بثقة عمياء :-
يدك تتعافي

_ لم يستطيع مصطفي الصمود أمام تصرفها الأبلة وانفجر ضاحكاً أسفل نظراتها عليه ، حاول السيطرة علي قهقهته لكنه يفشل دوماً كلما عاد إلي ذاكرته تصرفها الاخرق..

_ لكزته ورد في كتفه بتزمجر هاتفة بحنق :-
انت عديم الرومانسية ، اني المفروض اعمل أكده انت تتصنع أنك اتعافيت مش تتمجلص عليا

_ عادت إليه ضحكاته من جديد علي سذاجة حديثها الذي يثبت تأثرها بالافلام الكرتونية ، أولاته ورد ظهرها بضجر بائن وكادت أن تغادر الطوالة إلا أنه لحق بها وأعادها إليه بعد أن حاول جاهداً السيطرة علي قهقهته

_ أستنشق شهيقاً عميق لكي يعود إلي هدوئه ، حاوط خِصرها بيده وشد عليها فباتت هي حبيسة ذراعيه شاعرة بحرارة أنفاسه التي تضرب وجهها المحتقن فمازالت مغتاظة منه ..

_ طبع مصطفي قُبلة ناعمة علي طرف شفتيها هامساً بنبرته الرخيمة :-
ديي بجا الرومانسية علي أصولها!

_ دفعته ورد بعيداً عنها فلم تتقبل سخريته منها مرة أخري وهدرت به شزراً :-
ديي مسمهاش رومانسية ديي اسمها جلة حيا

_ أولاته ظهرها مرة أخري ودلفت للخارج والغضب يكسوا وجهها ، تبعها مصطفي وابتسامته لم تختفي بعد من علي وجهه ، عادوا الي عائلتهم فشهقت نادرة علي مظهر مصطفي الغير لائق وسألته مهتمة لأمره :-
أباه ايه اللي حوصل عاد ؟

_ رد عليها وهو يرمق ورد بطرف عينيه بغيظ :-
البركة في ورد!

_ چحظت عينيها بذهول ورددت بعصبية :-
انت فزعتني واني مكنتش اعرف انك واجف ورايا

_ تدخلت سنية مهدئة شحنة التوتر الناشئ بينهم بقولها :-
اهدوا يولاد محوصلش حاجة دلج الجهوة خير ، المهم يلا بينا نمشوا من أهنه الناموس كل يدي واني عندي حساسية وبدأت اتورم اهاه

_ رد عليها مصطفي دون تفكير مازحاً :-
خلي ورد تبوسها هتتعافي طوالي

_ الي هنا ويكفي سخافة الي هذا الحد ، استدارت إليه ورد بوجه محتقن تفور به الدماء ، لم يتوقف مصطفي مكانه بل هرول بعيداً عنها وكذلك لم تتوقف هي بل ركضت خلفه بسرعة قسوة لكي تمسك به لكنه كان أسرع منها أضعافاً..

_ تعمد مصطفي الخروج من الباب الرئيسي وتوجه الي سيارته جذب منها شيئاً ما وانتظر مجئ تلك البطيئة إليه ثم رفع ما بيده أمام عينيها لكي تكون منقذاً له من غضبها..


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close