رواية انا وانت يساوي الفصل الخامس عشر 15 بقلم سارة محمد
الفصل الخامس عشر
صاح الديك مرددا خلف الآذان، يوقظ النيام ويفيق السرحان، ينبه المستيقظ إلى وقت فريضة المتعالى وأزوف صلاة الفجر، الأختبار اليومي لكل مؤمن بالله.
دلفت فريدة إلى داخل حجرة مرام توقظها: مرام يلا عشان تصلي الفجر
رددت فيما تمسح أثار دموعها: حاضر جايه أهو
صلت كلا الفتاتين صلاة الفجر من ثم جلستا قليلا تتسامران سويا بعد أن تلت كلتاهما أذكار الصباح، أفضت إليها فريدة متحسرة: تعرفي يا مرام إن من الفروض المتروكة هي صلاة الفجر .. مع إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" ويقصد ركعتين السنة مش الفرض كمان
- أنا قريت مرة جملة فكرت فيها كتير، كانت بتقول "لم يغب الفجر عن الأمه إلا عندما غبنا نحن عن صلاة الفجر .. حتى نعيد الفجر لأمتنا دعونا نصلي الفجر"
- أكيد طبعاً؛ لإنك بمجرد إنك تقومي تتوضي لصلاة الفجر بيبعد عنك الشيطان والكسل .. وبعد صلاة الفجر الواحد بيحس نشاط غير طبيعي زي ما يكون عنده قوة تخليه يبني عمارة لوحده
- ربنا يهدي الجميع يا ديده
- آمين .. بس إنتي مالك ؟ حاسه إن فيكي حاجه ؟
- ما نمتش طول الليل بسبب اللي عملته
سألتها بهدوء قلق: ليه ؟، عملتي إيه ؟
تنهدت مخفضة رأسها: إمبارح سامر .. دكتور زميل أكرم ف الكلية .. أتقدملي وأنا وافقت؛ عشان كنت مضايقه من كلام باريهان ليا وندمانه على قراري دا .. وسامر فاتح بابا ف الموضوع
- دا مستعجل أوي .. وبعدين مالك ومال باريهان ؟
- يـــوه يا فريدة، خلينا ف المشكلة بتاعت سامر دي .. أنا أصلا مش بأطيقه أتجوزه إزاي ؟!
- كان حد ضربك على إيدك يعني يا مرام ؟!، ماهو كله بكيفك
نهضت منزعجة من صراحة شقيقتها: خلاص حقك عليا يا ستي، أنا غلطانه إني بأحكيلك وبأخد رأيك
هتفت خلفها بصوت عالِ: طب صلي صلاة استخاره وبعدين نبقى نتكلم .. وسيبي هند ما ترخميش عليها هي صلت ونامت
- أيوه .. ماهو ناس بتتجوز على هواها وناس بتتجوز على قفاها
لحقت بها: هو فقير لدرجه إنه يعيشكوا على قفاكي ؟؟ .. هي الشقق خلصت من البلد خلاص ؟
***
يوم زفاف أحمد على هند كان في منزل والديه كما تم الإتفاق مسبقاً، كانت الفرحة تُشع من الوجوه ما عدا وجه باريهان الحاقد؛ تذكرت محاولاتها في لفت إنتباه أحمد إليها والتي بائت بالفشل، حتى إنه لم يلحظ تلك المحاولات بالمرة؛ لذلك التفتت إلى أكرم حيث كان أسهل من أخيه، فتعلق بها بشدة في البداية عندما أظهرت له ما كان يتمناه في فتاة أحلامه لكنها ملت ذلك الإدعاء وعادت لطبيعتها بعد تيقنها من وقوعه في هواها، فلم تتخيل أن يخبرها أنه لم يعد يرغب بها، فأدعت محاولتها الإنتحار،تعلم مدى رقة قلبه وكانت تسير خطتها على هدى مستقيم حتى ظهرت مرام.
حادثت باريهان نفسها وهي متوجهة إلى أكرم: دي أخر فرصة ليك يا أكرم وإلا وديني لأحرق قلبك على مرام هانم
قالت بغنج زائد: وحشتني يا أكرم
تنحنح محرجاً: تسلمي
حاولت الاقتراب منه أكثر: وأنا ما وحشتكش؟
دفعها بعيدا عنه بهدوء لكن حازم، قائلاً: ما أنا قولتلك اللي فيها يا باريهان
- يعني ما غيرتش رأيك؟
سحب يده بحدة ثم أجابها بحدة أكبر: لا يا باريهان ما غيرتش رأيي ولا هأغيره .. ريحي نفسك
بغضب مكتوم: اللي يريحك يا بيبي
انصرفت باريهان مغادرة المكان برمته، لا تعجبها الحفلات البسيطة بل تحب كل ما يعبر عن وجود المال وبذخ صاحبه: كويس إنك ما نفعتش يا أحمد وإلا كنت هتطلع عيني ببخلك دا .. أما أنت يا أكرم فحسابي معاك أنت ومرام هانم لسه ما أنتهاش
أخرجت هاتفها ودقت بضع أزراره وإبتسامة شريرة ترتسم على محياها كأنها تضع خطة مع الشيطان.
***
اقتربت مرتدية ثوبا زهريا يزيد وهج الغبطة على وجهها من فريدة بسعادة: تسلميلي يا أحلى ديده في الدنيا
قهقهت: يا عم يا عم .. إيه الكلام الحلو دا .. إيه؟ ها؟ إيه؟
ندى: هههههههه إيه انتي .. أخيرا رجع آدم بتاع زمان، بجد مش عارفه إيه اللي غيره كدا، بس كان معاكي حق شكله كان .. مستوي
ابتسمت فريدة بفرحة للسعادة البينه على وجه ندى: ربنا يهدي سركوا
رفعت رأسها تنظر إلى السماء: آمين يــــــــــــا رب .. آدم اقترح نسافر شهر عسل مع أحمد وهند ف هأسيب سيف مع بابا وماما
تعجبت: وتسيببيه معاهم ليه؟ .. هاتيه عندنا
هللت ندى بسعادة: بجد يا ديده ؟
- هههههه شكلك أما صدقتي، طبعا بجد .. هو أنا أطول أخد معايا الشخص الوحيد اللي عرف يلاقيلي اسم دلع
- أه هههههههه أصلا كنت خايفه أسيبه مع ماما وبابا .. ما إنتي عارفه بابا تعبان وماما يادوب تخلي بالها من نفسها ومن بابا
- يا ستي ولا يهمك، أديكي شايفه بابا وماما مسافرين معاكوا
- إيه دا؟ .. هيروحوا شهر عسل هما كمان؟
لكزتها في ذراعها: شهر عسل إيه إنتي كمان .. شهر شهر فلقتيني .. دول كلهم ست أيام، مش مكملين أسبوع واحد عسل
- هههههه، هيسافروا ليه بجد؟
- الراجل صاحب الشغل طلب من بابا يرجع بعد الفرح؛ عايزه على مكتبه تاني يوم الصبح .. خصوصا إنه أداله أجازه بقالها شهر ونص بحالهم تخيلي .. هههه
- طب ما قالش لأحمد ليه؟ .. كان كلمه زي أول مرة
- لا اوعي تجيبي سيرة لأحمد بحاجه .. بابا ما بيحبش يطلب من حد حاجه، وأحمد مشغول بالفرح وعروسته وبابا مش عايز يدوشه بمشاكله
- وليه كدا؟ ما احنا دلوقتي عيلة واحدة .. إخص عليكوا
- سيبك إنتي؛ بابا ادرا بمصلحته .. واحنا كدا كدا متعودين نقعد لوحدنا ومسيره يرجع عشان شغله .. المهم سيف هيجي يملى الفراغ بتاع الست هند بعد ما تسافر وهنبقى تلاتة ف الشقة بردو
- هههههههه ماشي ياختي
- ماشي يا نادو
***
تقدم سامر حتى يقف إلى جانب مرام متمتماً: مبروك
- الله يبارك فيك
- عقبالك
- شكرا
- إنتي مالك مستغلساني كدا ليه ؟
ألقت عليه نظرة من زاوية عينها وردت بملل: يعني مش عارف؟
حاول استرضاءها: خلاص المسامح كريم
- الله أكرم
- طب هتحددي معاد مع والدك إمتى ؟
- بابا مسافر بعد الفرح على طول
صُدم: وإحنا ؟!
أخذت نفسا عميقا واستدارت إليه مقررة إنهاء الموضوع بشكل تام: مافيش، بح خلاص .. بص يا دكتور سامر أنا وافقت عليك بالغلط ممكن تسميه تسرع لكن لما قعدت مع نفسي وفكرت لاقيت أن أنا ما أنفعكش ولا حضرتك تنفعني .. كفايه أنت بتحب تغلس وأنا بأحب أغلس .. فغلس على غلس ما يرولش .. عن إذنك لما أشوف الضيوف
تركته يجر أذيال الخيبة قبل أن يغادر؛ فلم يعد لوجوده معنى. سارت تزن طريقة كلامها معه وكم كانت قاسية حادة اللهجة لكنها عادت تقول إن هذا هو أسلوبها وطريقتها ولن تغيرها، أوقفها فجأة سؤال يحمل الغضب في مكمنه: كان بيقولك إيه؟
ردت بلا مبالاة: شئ ما يخصكش
- إنتي قولتيله إيه؟
تابعت سلوكها المستفز معه: بردو ما يخصكش
وقف أكرم أمامها بعصبية: ما يخصكش ما يخصكش، إنتي مافيش على لسانك غير الكلمة دي ولا إيه ؟؟
أمالت رأسها ببرود: أه وإن كان عاجبك بقى
بنفس أسلوبها: وإن ما عجبنيش ؟
أشارت إلى أحد جدران المنزل: شايف الحيطه اللي هناك دي .. روح أخبط راسك فيها
هتف بها بعصبية ملحوظة: ما تعصبينيش يا مرام .. قالك إيه ؟
هادئة حد البرود: بيسألني يتقدم لبابا إمتى .. ارتحت دلوقت ؟ عن إذنك
أمسكها من ذراعها بقوة وسألها بنبرة يشوبها الإنكسار ولكنها لم تلحظها: وإنتي رديتي عليه بإيه؟
نقلت نظراتها بين يده التي تقبض على ذراعها بشدة وبين عينيه، قالت بقوة: سيب إيدي
تركها مكرراً: رديتي عليه بإيه؟
وقفت تدلك أثر قبضته: وأنت مالك ؟
سخر: مش لازم أعرف الفرح إمتى عشان أشوف هأجيب مساعدة ليا بدالك إمتى؟
لم يكن الجواب الذي انتظرته وساءتها سخريته فأجابته متحدية بعناد: دور عليها من دلوقتي
سألها فيما الشرار يتصاعد من عينيه: قصدك إيه؟
ردت مرام بهدوء: قصدي إني مستقيله يا دوك
غادرته مرام ذاهبة إلى حيث يقف والديها وتسمع حديثهما مصادفة، قالت إيمان وبكاءها يزداد: خلاص أتجوزت ومش هأشوفها تاني
عبدالرحمن مهدئاً: ليه بس الكلام دا يا إيمان، دي أتجوزت ما ماتتش بعد الشر يعني
تابعت بكاءها: بردو، دي داخله حياة جديدة وهتنشغل بيها عننا ومش هأشوفها زي الأول
سخرت مرام: دا على أساس إننا كنا صاحيين نايمين ف حضنك مثلا ؟
نهر الأب مرام: مرام، ما تتكلميش مع أمك كدا
أكملت بنفس النبرة: خلاص خليها تبطل تمثيل دور الأم الحنون؛ لإنه بصراحه مش لايق عليها وشكلها فيه أوفر أوي
والدها بصوت عالِ: مــــــــــــــــــــــرام
كاد والدها أن يصفعها علّها تفيق وتدرك من تتحدث إليهم بهذه الطريقة، تدخلت فريدة تمنعه وأمسكت يده قائلة: معلش يا بابا حقك عليا أنا.. وإنتي يا ماما سامحيها مش قصدها
التفتت إلى مرام متابعة: مش عارفه حد قالها إيه فأضيقت .. وطلع فيكوا بالغلط، مش صح يا مرام؟
زاد إنفعال مرام لصدق تفسير أختها: والله ماحدش قالك إني محتاجه محامي .. أنا عارفه كل كلمة قولتها وإنتي عارفه كويس أوي إن كلامي صح
أصرت فريدة: لا مش صح .. ربنا -عز وجل- قال"ولا تقل لهما أوفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما"، ولا إيه يا ست مرام ؟؟
أشاحت بيدها منصرفة عنهم بينما تقول متأففة: والله ما نقصاكي إنتي كمان يا ست الشيخة
وضعت إيمان يدها فوق كتف فريدة: سيبيها .. هي معاها حق بقالي سنين سيباكوا وجايه دلوقتي أعيط على فراق بنتي اللي أنا أصلا بقالي سنين مفارقاها .. صدقيني مش زعلانه منها ولا غضبانه عليها .. أصلا أنا مش أمها أد ما إنتي أمها؛ إنتي من ساعة ما أتولدت وواخده بالك منها .. شلتي عن كتفي حملها لما كنت تعبانه بعد ولادتها ولما سفرت إنتي اللي كنتي معاها، إنتي اللي أمها .. فياريت ما تزعليش منها يا بنتي وصدقيني أنا سبتكوا غصب عني والله
عادت إيمان تستسلم لموجة البكاء لكن بمشاركة فريدة هذه المرة، ضمتها: كلنا يا ماما مش زعلانين منكوا ما تقلقيش
تلألأت عيون عبدالرحمن بالدموع: كان على عيني يا بنتي إني أفضل بس ظروفنا .. وف الأخر بنقول الحمدلله
أضاف أمرا زوجته: أقعدي مع البنات .. وأنا هأسافر لوحدي
كفكفت الزوجة دموعها فيما تشهق مستهجنة: أسيبك إزاي؟ نسيت كلام الدكتور؟ .. والأزمة ممكن تجيلك ف أي وقت ولو ما لحقتكش ع المستشفى ممكن تروح فيها بعد الشر
اندهشت فريدة: أزمة إيه ؟! .. أنا مش فاهمة بتتكلموا عن إيه
زفر عبدالرحمن مقررا الحديث والبوح بما كان يخفيه: أنا هأقولك يا بنتي
روى لها عن الأزمة الصحية التي أصابته فجأة في السكن ولولا المرأة التي تأتي لكي تنظف المنزل كل صباح لكان تُرِكَ على هذه الحالة دون أن يعلم عنه أحد، ومنذ ذلك الوقت سافرت إليه زوجته ولم تفارقه لحظة وظل شغلها الشاغل الإعتناء به وتنظيم غذاءه ومواعيد أدويته حتى لا تصيبه إنتكاسة.
همهمت بحزن: معقولة كل دا حصل وماحدش منكوا قالنا .. سبتونا نخبط أخماس ف أسداس ونخمن، ليه ما قولتوش السبب .. كنا هنساعدكوا، ع الأقل ما نظنش ظنون .. ولا كانت مرام حقدت عليكوا كدا
أجابتها والدتها بندم: معاكي حق كان لازم نقولكوا وتشاركونا المشاكل زي ما بتشاركونا الفرحة .. لإننا عيلة واحدة ومالناش غير بعض
أخفض الأب رأسه: أنا اللي قولت لأمكوا إنها ما تقولكوش؛ عشان ما تخافوش عليا .. قولت مادام عارفين إني بصحتي حتى لو بعيد .. هتبقوا حاسين بالقوة لكن لو عرفتوا إني مريض هتحسوا بالضعف والوحدة
سألته بمرارة: يعني ف رأيك إننا ما كناش حاسين بالضعف والوحدة لما كنا فاكرين إن أهلنا سابونا ؟، ولا أنت فاكر إن الأفكار دي ف دماغ مرام بس؟ .. لا دي ف دماغي كمان وف دماغ هند بس كنا بنداريها عشان ما نزودش حقدها وكرهها ناحيتكوا
عقبت عندما رأت الندم والألم يرتسم على وجهيهما: ع العموم خلاص اللي فات مات، إحنا ولاد إنهارده .. وما تقلقوش أنا هأكلم مرام، أوضحلها كل حاجه وهند لما ترجع بالسلامة هأفهمها بردو .. المهم سافري إنتي مع بابا عشان ما نقلقش عليه .. وأنا عارفه إنك مش هترتاحي لو بعدتي عنه، أكيد يعني مش بعد 26 سنة مع بعض مش هترتاحوا ف الفراق
حاول عبدالرحمن الاعتراض: بس يا بنتي ...
منعته: مابسش .. تروحوا وترجعوا بالسلامة
قالت إيمان: كان نفسي نسيب هناك ونرجع هنا على طول بس الشرط المنيل اللي ف العقد و2 مليون كتير على أبوكي أوي
- ما تقلقيش هي فترة وتلاقي مرام حصلت هند .. وأجي أنا بقى أقعد على قلبكوا
رفعت إيمان حاجبيها محدقة بابنتها غير مصدقة: لا ما إنتي هتحصلي أخواتك ولا إنتي ناويه تعنسي جنبي؟
ضحكت فريدة ومازحتها: أيوه قولي كدا عايزة تستفردي ببابا .. عصافير الحب صح؟
ضحكت إيمان خجلى: يوه جاتك إيه يا مضروبه
كتم الأب ضحكته: يا بت اتلمي دا أنا أبوكي مش عيل من سنك
غمزتهما فريدة: أيوه .. داروا وخبوا .. بس على مين
***
غادر العروسان برفقة آدم وندى كذلك والدي هند، توجه الوالدان إلى الدولة التي يعمل بها الأب بينما البقية حلقوا إلى إيطاليا؛ كان حلم هند زيارة تلك البلاد التي أجدت لغتها بل وعشقتها أيضا وزاد حبها لها أكثر لأنها ستمضي بها شهر العسل وأولى أيام زواجها بالإضافة إلى أن أول زيارة لها مع من أحبت.
وصت ندى كلا فريدة ومرام على ابنها، تتمسك بكل لحظة حتى تبقى برفقته ولا تسافر فهذه أول مرة تتركه دون أن يرافقها، استفسر أكرم مستغرباً: هو سيف مش هيقعد معانا ولا إيه ؟
أجابه سيف: لا هأروح أقعد عند ديده ومرمر
سخر مصطفى كعادته: ههههه ديدة و مرمر على وزن ظاظا وجرير .. ليكون كرتون جديد ولا حاجه
آدم لاكزا مصطفى: خف شويه يا عم مش كدا
أخرج لسانه لمصطفى: سيبه يا بابي .. دا غيران مني عشان هأنام ف حضن ديده وهو لا هههههه
هتف مصطفى بحنق ناظرا إلى الصغير بغل: شايف يا آدم ابنك بيغظني إزاي
دنى منه آدم هامسا بصوت لا يسمعه سواه: ما أنت لو كنت روحت أتجوزتها زي ما أحمد عمل مع هند لا سيف ولا غيره كان قدر يغيظك وكان زمانك معانا دلوقتي
مصطفى: يا شيخ أتلهي .. أنت رايح شهر عسل نامبر توو وجاي تدينا نصايح ؟؟ .. روح أجري إلحق مراتك روح ..!
قهقه آدم وضربه على كتفه منصرفاً: ماشي يا ضغوف .. سلام
***
أجلت فريدة الحديث مع مرام حتى الصباح حتى تكون متأكدة من هدوءها؛ فتتم المحادثة بصورة حاضرية، فلا تتفوه بكلمات جارحة، تحبها كثيرا وتفهمها وأدرى الناس بأسلوبها لكن مهما كان هي إنسانة بنهاية المطاف، تملك أحاسيسا، ومشاعر سهلة الخدش، وعلى الرغم منها قد تجرحها بالتبادل كذلك.
قرر سيف أن ينام مع فريدة فيما توجهت مرام إلى غرفتها دون أن تلقي التحية قبل النوم، اندست فريدة في مضجعها وانضم إليها سيف، حدثته: تيجي نقرأ قرآن قبل ما ننام يا سيفو؟
أومأ بسعادة: ماشي يا ديده
امسكت بالمصحف؛ فمن عادتها قراءة ولو سورة من القرآن قبل النوم، اختارت سورة صغيرة إلى حد ما حتى لا يمل الطفل، كانت سورة عبس: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ..
"عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى"
قاطعها مقطباً: يعني إيه؟ .. أنا مش فاهم حاجه
ضحكت: بس كدا؟ .. حاضر يا سيدي، هأشرحلك
-ماشي
-زمان كان جه واحد أعمى مش بيشوف -وكان فقير وغلبان- للرسول عليه الصلاة والسلام .. وقتها الرسول كان قاعد مع واحد غني أوي بيكلمه عن الدين يمكن يقتنع بيه ويدخل ف الإسلام فلما دخل عليه الفقير دا .. الرسول راح عبس ف وشه
أشارت إلى عبوسه: زيك كدا دلوقتي .. كشر و دور جسمه ناحيه الغني وساب الفقير دا
استفهم: بس كدا مش ينفع .. المفروض ما يعملش كدا
-صح يا سيفو، عشان كدا ربنا حب يعاتب الرسول براحه؛ بسبب غلطته دي .. فنزلت السورة دي وقاله أنت تعرف منين يمكن الأعمى الفقير اللي أنت أديته ضهرك دا لو كلمته يبعد عن حاجات وحشه كان بيعملها ويبقى إنسان كويس أو تقوله على خير يعمله ويعمله فعلا، لكن بقى الغني اللي أنت بتحاول تقنعه بالدين دا واحد أصلا مش فارق معاه .. أنت واقف ف صفه ومعاه ليه ؟ أنت أصلا مش المفروض تعمل حاجه غير إنك تقول الخير فين وتتكلم عن الدين وهو حر .. لكن الشخص اللي جاي خايف من عذابي وعقابي ليه أنت بتبعد عنه بتلتهي بالغني
حركت نظرها إلى سيف فوجدته قد غط في النوم، ابتسمت ثم تثاءبت تشعر بالنعاس الشديد، وضعت المصحف جانبا ومدت يدها إلى مفتاح الإضاءة لتغرق الغرفة في ظلمة الليل
صاح الديك مرددا خلف الآذان، يوقظ النيام ويفيق السرحان، ينبه المستيقظ إلى وقت فريضة المتعالى وأزوف صلاة الفجر، الأختبار اليومي لكل مؤمن بالله.
دلفت فريدة إلى داخل حجرة مرام توقظها: مرام يلا عشان تصلي الفجر
رددت فيما تمسح أثار دموعها: حاضر جايه أهو
صلت كلا الفتاتين صلاة الفجر من ثم جلستا قليلا تتسامران سويا بعد أن تلت كلتاهما أذكار الصباح، أفضت إليها فريدة متحسرة: تعرفي يا مرام إن من الفروض المتروكة هي صلاة الفجر .. مع إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" ويقصد ركعتين السنة مش الفرض كمان
- أنا قريت مرة جملة فكرت فيها كتير، كانت بتقول "لم يغب الفجر عن الأمه إلا عندما غبنا نحن عن صلاة الفجر .. حتى نعيد الفجر لأمتنا دعونا نصلي الفجر"
- أكيد طبعاً؛ لإنك بمجرد إنك تقومي تتوضي لصلاة الفجر بيبعد عنك الشيطان والكسل .. وبعد صلاة الفجر الواحد بيحس نشاط غير طبيعي زي ما يكون عنده قوة تخليه يبني عمارة لوحده
- ربنا يهدي الجميع يا ديده
- آمين .. بس إنتي مالك ؟ حاسه إن فيكي حاجه ؟
- ما نمتش طول الليل بسبب اللي عملته
سألتها بهدوء قلق: ليه ؟، عملتي إيه ؟
تنهدت مخفضة رأسها: إمبارح سامر .. دكتور زميل أكرم ف الكلية .. أتقدملي وأنا وافقت؛ عشان كنت مضايقه من كلام باريهان ليا وندمانه على قراري دا .. وسامر فاتح بابا ف الموضوع
- دا مستعجل أوي .. وبعدين مالك ومال باريهان ؟
- يـــوه يا فريدة، خلينا ف المشكلة بتاعت سامر دي .. أنا أصلا مش بأطيقه أتجوزه إزاي ؟!
- كان حد ضربك على إيدك يعني يا مرام ؟!، ماهو كله بكيفك
نهضت منزعجة من صراحة شقيقتها: خلاص حقك عليا يا ستي، أنا غلطانه إني بأحكيلك وبأخد رأيك
هتفت خلفها بصوت عالِ: طب صلي صلاة استخاره وبعدين نبقى نتكلم .. وسيبي هند ما ترخميش عليها هي صلت ونامت
- أيوه .. ماهو ناس بتتجوز على هواها وناس بتتجوز على قفاها
لحقت بها: هو فقير لدرجه إنه يعيشكوا على قفاكي ؟؟ .. هي الشقق خلصت من البلد خلاص ؟
***
يوم زفاف أحمد على هند كان في منزل والديه كما تم الإتفاق مسبقاً، كانت الفرحة تُشع من الوجوه ما عدا وجه باريهان الحاقد؛ تذكرت محاولاتها في لفت إنتباه أحمد إليها والتي بائت بالفشل، حتى إنه لم يلحظ تلك المحاولات بالمرة؛ لذلك التفتت إلى أكرم حيث كان أسهل من أخيه، فتعلق بها بشدة في البداية عندما أظهرت له ما كان يتمناه في فتاة أحلامه لكنها ملت ذلك الإدعاء وعادت لطبيعتها بعد تيقنها من وقوعه في هواها، فلم تتخيل أن يخبرها أنه لم يعد يرغب بها، فأدعت محاولتها الإنتحار،تعلم مدى رقة قلبه وكانت تسير خطتها على هدى مستقيم حتى ظهرت مرام.
حادثت باريهان نفسها وهي متوجهة إلى أكرم: دي أخر فرصة ليك يا أكرم وإلا وديني لأحرق قلبك على مرام هانم
قالت بغنج زائد: وحشتني يا أكرم
تنحنح محرجاً: تسلمي
حاولت الاقتراب منه أكثر: وأنا ما وحشتكش؟
دفعها بعيدا عنه بهدوء لكن حازم، قائلاً: ما أنا قولتلك اللي فيها يا باريهان
- يعني ما غيرتش رأيك؟
سحب يده بحدة ثم أجابها بحدة أكبر: لا يا باريهان ما غيرتش رأيي ولا هأغيره .. ريحي نفسك
بغضب مكتوم: اللي يريحك يا بيبي
انصرفت باريهان مغادرة المكان برمته، لا تعجبها الحفلات البسيطة بل تحب كل ما يعبر عن وجود المال وبذخ صاحبه: كويس إنك ما نفعتش يا أحمد وإلا كنت هتطلع عيني ببخلك دا .. أما أنت يا أكرم فحسابي معاك أنت ومرام هانم لسه ما أنتهاش
أخرجت هاتفها ودقت بضع أزراره وإبتسامة شريرة ترتسم على محياها كأنها تضع خطة مع الشيطان.
***
اقتربت مرتدية ثوبا زهريا يزيد وهج الغبطة على وجهها من فريدة بسعادة: تسلميلي يا أحلى ديده في الدنيا
قهقهت: يا عم يا عم .. إيه الكلام الحلو دا .. إيه؟ ها؟ إيه؟
ندى: هههههههه إيه انتي .. أخيرا رجع آدم بتاع زمان، بجد مش عارفه إيه اللي غيره كدا، بس كان معاكي حق شكله كان .. مستوي
ابتسمت فريدة بفرحة للسعادة البينه على وجه ندى: ربنا يهدي سركوا
رفعت رأسها تنظر إلى السماء: آمين يــــــــــــا رب .. آدم اقترح نسافر شهر عسل مع أحمد وهند ف هأسيب سيف مع بابا وماما
تعجبت: وتسيببيه معاهم ليه؟ .. هاتيه عندنا
هللت ندى بسعادة: بجد يا ديده ؟
- هههههه شكلك أما صدقتي، طبعا بجد .. هو أنا أطول أخد معايا الشخص الوحيد اللي عرف يلاقيلي اسم دلع
- أه هههههههه أصلا كنت خايفه أسيبه مع ماما وبابا .. ما إنتي عارفه بابا تعبان وماما يادوب تخلي بالها من نفسها ومن بابا
- يا ستي ولا يهمك، أديكي شايفه بابا وماما مسافرين معاكوا
- إيه دا؟ .. هيروحوا شهر عسل هما كمان؟
لكزتها في ذراعها: شهر عسل إيه إنتي كمان .. شهر شهر فلقتيني .. دول كلهم ست أيام، مش مكملين أسبوع واحد عسل
- هههههه، هيسافروا ليه بجد؟
- الراجل صاحب الشغل طلب من بابا يرجع بعد الفرح؛ عايزه على مكتبه تاني يوم الصبح .. خصوصا إنه أداله أجازه بقالها شهر ونص بحالهم تخيلي .. هههه
- طب ما قالش لأحمد ليه؟ .. كان كلمه زي أول مرة
- لا اوعي تجيبي سيرة لأحمد بحاجه .. بابا ما بيحبش يطلب من حد حاجه، وأحمد مشغول بالفرح وعروسته وبابا مش عايز يدوشه بمشاكله
- وليه كدا؟ ما احنا دلوقتي عيلة واحدة .. إخص عليكوا
- سيبك إنتي؛ بابا ادرا بمصلحته .. واحنا كدا كدا متعودين نقعد لوحدنا ومسيره يرجع عشان شغله .. المهم سيف هيجي يملى الفراغ بتاع الست هند بعد ما تسافر وهنبقى تلاتة ف الشقة بردو
- هههههههه ماشي ياختي
- ماشي يا نادو
***
تقدم سامر حتى يقف إلى جانب مرام متمتماً: مبروك
- الله يبارك فيك
- عقبالك
- شكرا
- إنتي مالك مستغلساني كدا ليه ؟
ألقت عليه نظرة من زاوية عينها وردت بملل: يعني مش عارف؟
حاول استرضاءها: خلاص المسامح كريم
- الله أكرم
- طب هتحددي معاد مع والدك إمتى ؟
- بابا مسافر بعد الفرح على طول
صُدم: وإحنا ؟!
أخذت نفسا عميقا واستدارت إليه مقررة إنهاء الموضوع بشكل تام: مافيش، بح خلاص .. بص يا دكتور سامر أنا وافقت عليك بالغلط ممكن تسميه تسرع لكن لما قعدت مع نفسي وفكرت لاقيت أن أنا ما أنفعكش ولا حضرتك تنفعني .. كفايه أنت بتحب تغلس وأنا بأحب أغلس .. فغلس على غلس ما يرولش .. عن إذنك لما أشوف الضيوف
تركته يجر أذيال الخيبة قبل أن يغادر؛ فلم يعد لوجوده معنى. سارت تزن طريقة كلامها معه وكم كانت قاسية حادة اللهجة لكنها عادت تقول إن هذا هو أسلوبها وطريقتها ولن تغيرها، أوقفها فجأة سؤال يحمل الغضب في مكمنه: كان بيقولك إيه؟
ردت بلا مبالاة: شئ ما يخصكش
- إنتي قولتيله إيه؟
تابعت سلوكها المستفز معه: بردو ما يخصكش
وقف أكرم أمامها بعصبية: ما يخصكش ما يخصكش، إنتي مافيش على لسانك غير الكلمة دي ولا إيه ؟؟
أمالت رأسها ببرود: أه وإن كان عاجبك بقى
بنفس أسلوبها: وإن ما عجبنيش ؟
أشارت إلى أحد جدران المنزل: شايف الحيطه اللي هناك دي .. روح أخبط راسك فيها
هتف بها بعصبية ملحوظة: ما تعصبينيش يا مرام .. قالك إيه ؟
هادئة حد البرود: بيسألني يتقدم لبابا إمتى .. ارتحت دلوقت ؟ عن إذنك
أمسكها من ذراعها بقوة وسألها بنبرة يشوبها الإنكسار ولكنها لم تلحظها: وإنتي رديتي عليه بإيه؟
نقلت نظراتها بين يده التي تقبض على ذراعها بشدة وبين عينيه، قالت بقوة: سيب إيدي
تركها مكرراً: رديتي عليه بإيه؟
وقفت تدلك أثر قبضته: وأنت مالك ؟
سخر: مش لازم أعرف الفرح إمتى عشان أشوف هأجيب مساعدة ليا بدالك إمتى؟
لم يكن الجواب الذي انتظرته وساءتها سخريته فأجابته متحدية بعناد: دور عليها من دلوقتي
سألها فيما الشرار يتصاعد من عينيه: قصدك إيه؟
ردت مرام بهدوء: قصدي إني مستقيله يا دوك
غادرته مرام ذاهبة إلى حيث يقف والديها وتسمع حديثهما مصادفة، قالت إيمان وبكاءها يزداد: خلاص أتجوزت ومش هأشوفها تاني
عبدالرحمن مهدئاً: ليه بس الكلام دا يا إيمان، دي أتجوزت ما ماتتش بعد الشر يعني
تابعت بكاءها: بردو، دي داخله حياة جديدة وهتنشغل بيها عننا ومش هأشوفها زي الأول
سخرت مرام: دا على أساس إننا كنا صاحيين نايمين ف حضنك مثلا ؟
نهر الأب مرام: مرام، ما تتكلميش مع أمك كدا
أكملت بنفس النبرة: خلاص خليها تبطل تمثيل دور الأم الحنون؛ لإنه بصراحه مش لايق عليها وشكلها فيه أوفر أوي
والدها بصوت عالِ: مــــــــــــــــــــــرام
كاد والدها أن يصفعها علّها تفيق وتدرك من تتحدث إليهم بهذه الطريقة، تدخلت فريدة تمنعه وأمسكت يده قائلة: معلش يا بابا حقك عليا أنا.. وإنتي يا ماما سامحيها مش قصدها
التفتت إلى مرام متابعة: مش عارفه حد قالها إيه فأضيقت .. وطلع فيكوا بالغلط، مش صح يا مرام؟
زاد إنفعال مرام لصدق تفسير أختها: والله ماحدش قالك إني محتاجه محامي .. أنا عارفه كل كلمة قولتها وإنتي عارفه كويس أوي إن كلامي صح
أصرت فريدة: لا مش صح .. ربنا -عز وجل- قال"ولا تقل لهما أوفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما"، ولا إيه يا ست مرام ؟؟
أشاحت بيدها منصرفة عنهم بينما تقول متأففة: والله ما نقصاكي إنتي كمان يا ست الشيخة
وضعت إيمان يدها فوق كتف فريدة: سيبيها .. هي معاها حق بقالي سنين سيباكوا وجايه دلوقتي أعيط على فراق بنتي اللي أنا أصلا بقالي سنين مفارقاها .. صدقيني مش زعلانه منها ولا غضبانه عليها .. أصلا أنا مش أمها أد ما إنتي أمها؛ إنتي من ساعة ما أتولدت وواخده بالك منها .. شلتي عن كتفي حملها لما كنت تعبانه بعد ولادتها ولما سفرت إنتي اللي كنتي معاها، إنتي اللي أمها .. فياريت ما تزعليش منها يا بنتي وصدقيني أنا سبتكوا غصب عني والله
عادت إيمان تستسلم لموجة البكاء لكن بمشاركة فريدة هذه المرة، ضمتها: كلنا يا ماما مش زعلانين منكوا ما تقلقيش
تلألأت عيون عبدالرحمن بالدموع: كان على عيني يا بنتي إني أفضل بس ظروفنا .. وف الأخر بنقول الحمدلله
أضاف أمرا زوجته: أقعدي مع البنات .. وأنا هأسافر لوحدي
كفكفت الزوجة دموعها فيما تشهق مستهجنة: أسيبك إزاي؟ نسيت كلام الدكتور؟ .. والأزمة ممكن تجيلك ف أي وقت ولو ما لحقتكش ع المستشفى ممكن تروح فيها بعد الشر
اندهشت فريدة: أزمة إيه ؟! .. أنا مش فاهمة بتتكلموا عن إيه
زفر عبدالرحمن مقررا الحديث والبوح بما كان يخفيه: أنا هأقولك يا بنتي
روى لها عن الأزمة الصحية التي أصابته فجأة في السكن ولولا المرأة التي تأتي لكي تنظف المنزل كل صباح لكان تُرِكَ على هذه الحالة دون أن يعلم عنه أحد، ومنذ ذلك الوقت سافرت إليه زوجته ولم تفارقه لحظة وظل شغلها الشاغل الإعتناء به وتنظيم غذاءه ومواعيد أدويته حتى لا تصيبه إنتكاسة.
همهمت بحزن: معقولة كل دا حصل وماحدش منكوا قالنا .. سبتونا نخبط أخماس ف أسداس ونخمن، ليه ما قولتوش السبب .. كنا هنساعدكوا، ع الأقل ما نظنش ظنون .. ولا كانت مرام حقدت عليكوا كدا
أجابتها والدتها بندم: معاكي حق كان لازم نقولكوا وتشاركونا المشاكل زي ما بتشاركونا الفرحة .. لإننا عيلة واحدة ومالناش غير بعض
أخفض الأب رأسه: أنا اللي قولت لأمكوا إنها ما تقولكوش؛ عشان ما تخافوش عليا .. قولت مادام عارفين إني بصحتي حتى لو بعيد .. هتبقوا حاسين بالقوة لكن لو عرفتوا إني مريض هتحسوا بالضعف والوحدة
سألته بمرارة: يعني ف رأيك إننا ما كناش حاسين بالضعف والوحدة لما كنا فاكرين إن أهلنا سابونا ؟، ولا أنت فاكر إن الأفكار دي ف دماغ مرام بس؟ .. لا دي ف دماغي كمان وف دماغ هند بس كنا بنداريها عشان ما نزودش حقدها وكرهها ناحيتكوا
عقبت عندما رأت الندم والألم يرتسم على وجهيهما: ع العموم خلاص اللي فات مات، إحنا ولاد إنهارده .. وما تقلقوش أنا هأكلم مرام، أوضحلها كل حاجه وهند لما ترجع بالسلامة هأفهمها بردو .. المهم سافري إنتي مع بابا عشان ما نقلقش عليه .. وأنا عارفه إنك مش هترتاحي لو بعدتي عنه، أكيد يعني مش بعد 26 سنة مع بعض مش هترتاحوا ف الفراق
حاول عبدالرحمن الاعتراض: بس يا بنتي ...
منعته: مابسش .. تروحوا وترجعوا بالسلامة
قالت إيمان: كان نفسي نسيب هناك ونرجع هنا على طول بس الشرط المنيل اللي ف العقد و2 مليون كتير على أبوكي أوي
- ما تقلقيش هي فترة وتلاقي مرام حصلت هند .. وأجي أنا بقى أقعد على قلبكوا
رفعت إيمان حاجبيها محدقة بابنتها غير مصدقة: لا ما إنتي هتحصلي أخواتك ولا إنتي ناويه تعنسي جنبي؟
ضحكت فريدة ومازحتها: أيوه قولي كدا عايزة تستفردي ببابا .. عصافير الحب صح؟
ضحكت إيمان خجلى: يوه جاتك إيه يا مضروبه
كتم الأب ضحكته: يا بت اتلمي دا أنا أبوكي مش عيل من سنك
غمزتهما فريدة: أيوه .. داروا وخبوا .. بس على مين
***
غادر العروسان برفقة آدم وندى كذلك والدي هند، توجه الوالدان إلى الدولة التي يعمل بها الأب بينما البقية حلقوا إلى إيطاليا؛ كان حلم هند زيارة تلك البلاد التي أجدت لغتها بل وعشقتها أيضا وزاد حبها لها أكثر لأنها ستمضي بها شهر العسل وأولى أيام زواجها بالإضافة إلى أن أول زيارة لها مع من أحبت.
وصت ندى كلا فريدة ومرام على ابنها، تتمسك بكل لحظة حتى تبقى برفقته ولا تسافر فهذه أول مرة تتركه دون أن يرافقها، استفسر أكرم مستغرباً: هو سيف مش هيقعد معانا ولا إيه ؟
أجابه سيف: لا هأروح أقعد عند ديده ومرمر
سخر مصطفى كعادته: ههههه ديدة و مرمر على وزن ظاظا وجرير .. ليكون كرتون جديد ولا حاجه
آدم لاكزا مصطفى: خف شويه يا عم مش كدا
أخرج لسانه لمصطفى: سيبه يا بابي .. دا غيران مني عشان هأنام ف حضن ديده وهو لا هههههه
هتف مصطفى بحنق ناظرا إلى الصغير بغل: شايف يا آدم ابنك بيغظني إزاي
دنى منه آدم هامسا بصوت لا يسمعه سواه: ما أنت لو كنت روحت أتجوزتها زي ما أحمد عمل مع هند لا سيف ولا غيره كان قدر يغيظك وكان زمانك معانا دلوقتي
مصطفى: يا شيخ أتلهي .. أنت رايح شهر عسل نامبر توو وجاي تدينا نصايح ؟؟ .. روح أجري إلحق مراتك روح ..!
قهقه آدم وضربه على كتفه منصرفاً: ماشي يا ضغوف .. سلام
***
أجلت فريدة الحديث مع مرام حتى الصباح حتى تكون متأكدة من هدوءها؛ فتتم المحادثة بصورة حاضرية، فلا تتفوه بكلمات جارحة، تحبها كثيرا وتفهمها وأدرى الناس بأسلوبها لكن مهما كان هي إنسانة بنهاية المطاف، تملك أحاسيسا، ومشاعر سهلة الخدش، وعلى الرغم منها قد تجرحها بالتبادل كذلك.
قرر سيف أن ينام مع فريدة فيما توجهت مرام إلى غرفتها دون أن تلقي التحية قبل النوم، اندست فريدة في مضجعها وانضم إليها سيف، حدثته: تيجي نقرأ قرآن قبل ما ننام يا سيفو؟
أومأ بسعادة: ماشي يا ديده
امسكت بالمصحف؛ فمن عادتها قراءة ولو سورة من القرآن قبل النوم، اختارت سورة صغيرة إلى حد ما حتى لا يمل الطفل، كانت سورة عبس: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ..
"عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى"
قاطعها مقطباً: يعني إيه؟ .. أنا مش فاهم حاجه
ضحكت: بس كدا؟ .. حاضر يا سيدي، هأشرحلك
-ماشي
-زمان كان جه واحد أعمى مش بيشوف -وكان فقير وغلبان- للرسول عليه الصلاة والسلام .. وقتها الرسول كان قاعد مع واحد غني أوي بيكلمه عن الدين يمكن يقتنع بيه ويدخل ف الإسلام فلما دخل عليه الفقير دا .. الرسول راح عبس ف وشه
أشارت إلى عبوسه: زيك كدا دلوقتي .. كشر و دور جسمه ناحيه الغني وساب الفقير دا
استفهم: بس كدا مش ينفع .. المفروض ما يعملش كدا
-صح يا سيفو، عشان كدا ربنا حب يعاتب الرسول براحه؛ بسبب غلطته دي .. فنزلت السورة دي وقاله أنت تعرف منين يمكن الأعمى الفقير اللي أنت أديته ضهرك دا لو كلمته يبعد عن حاجات وحشه كان بيعملها ويبقى إنسان كويس أو تقوله على خير يعمله ويعمله فعلا، لكن بقى الغني اللي أنت بتحاول تقنعه بالدين دا واحد أصلا مش فارق معاه .. أنت واقف ف صفه ومعاه ليه ؟ أنت أصلا مش المفروض تعمل حاجه غير إنك تقول الخير فين وتتكلم عن الدين وهو حر .. لكن الشخص اللي جاي خايف من عذابي وعقابي ليه أنت بتبعد عنه بتلتهي بالغني
حركت نظرها إلى سيف فوجدته قد غط في النوم، ابتسمت ثم تثاءبت تشعر بالنعاس الشديد، وضعت المصحف جانبا ومدت يدها إلى مفتاح الإضاءة لتغرق الغرفة في ظلمة الليل