📁 آخر الروايات

رواية انا وانت يساوي الفصل الرابع عشر 14 بقلم سارة محمد

رواية انا وانت يساوي الفصل الرابع عشر 14 بقلم سارة محمد


الفصـل الرابع عشر

عُلقت الزينات والمصابيح الملونة، بدأت الدفوف تدق وعازف المزمار يتلوى بمزماره أمام باب بناية العروس فيما تجمع الرجال في حلقة يتراقصون ويهللون، ينشرون المرح والبهجة وخبر تمام العقد وتحول لقب هند من آنسة إلى مدام، كان كل من العروسين في قمة غبطته فقد طال إنتظار هذا اليوم حتى عيل صبرهم، لم يتبقَ سوى القليل حتى تصبح ملكة متوجة في مملكتها، عدة أيام تفصلها عن زفتها إلى زوجها ليبدأ حياة هانئة سوياً.
همس أكرم بالقرب من مرام: عقبالك
التفتت إليه بحدة وعقبت: عقبالك أنت بقى، أنت اللي خاطب مش أنا
هم أن يقول شيئا لكن قدوم سامر عرقله: عقبالك يا بطل
صافحه أكرم: عقبالك أنت كمان يا عم
نظر سامر إلى مرام الواقفة بجواره قائلاً: يمكن أقرب مما تتصور
لاحظ أكرم نظرات سامر لها فضغط على يده التي ما يزال يمسكها حتى تأوه وبدأ يسحبها متذمراً: ما براحه شويه يا أخي .. مش كدا
ضربه أكرم على كتفه بقوة معتذراً: معلش يا سمورة من فرحتي يا أخي
وقف مصطفى يراقب فريدة وتنقلها بين المدعوين، ابتسم سرا متمنيا اللحظة التي يحل فيها مكان أحمد وتكون هي إلى جواره، لاحظ فريدة تقترب من آدم ثم تهمس له بشئ ما من ثم ينسحبان باتجاه المطبخ.
هم يلحق بهما لكن أوقفه عبدالرحمن طالبا بخجل: مصطفى يا ابني .. ممكن تنزل صناديق الحاجة الساقعة تحت وتوزعها .. كان نفسي أنا اللي أعملها، بس أنت عارف السن له أحكامه
ابتسم له بينما عينيه لم تتزحزح من فوق الباب المؤدي للمطبخ: ربنا يديك الصحة وطولة العمر يا عمي
ربت على كفته: الله يخليك يا ابني ويرزقك ببنت الحلال
تنهد مصطفى متيما: آمين يا رب، أدعي بضمير أوي يا عم عبدالرحمن
قهقه عبدالرحمن لرد فعله: شكلك مستعجل أوي
غمزه مصطفى باسما: لو هتبقى زي بنتك كدا ما استعجلش ليه؟
حثه عبدالرحمن عائدا إلى ضيوفه: الله يكرمك .. يلا أنزل بقى زمان الناس ماتوا من العطش
هز رأسه وحمل الصناديق هابطا الدرج يفرقها على كل من يقابله، ويتلقى المباركات نيابة عن العروسين ويستمع إلى الدعوات بأن يرزقه بعروس تليق به.
***
انتبهت لوقوفه بمفرده في أحد الأركان يتابع تحركات زوجته عبر أرجاء المنزل تعاونها مع مرام على خدمة الضيوف، قررت استغلال الفرصة المتاحة أمامها فقد لا تتكرر، اقتربت منه وطلبت الحديث إليه على إنفراد بعيدا عن ضجة الحفل.
وافقها ولحق بها متعجباً، ليس هناك أمر خاص بينه وبينها حتى تطلب منه الحديث والمنفرد أيضاً.
استفسر منها آدم بقلق: خير يا فريدة، في حاجه ؟
دخلت فريدة في صلب الموضوع مباشرة: ما دام ندى قالتلك إنها ما خانتكش يبقى فعلا ما خانتكش
توتر وارتبك في وقفته: هي إزاي تكلمك ف حاجه زي كدا ؟
عقدت ذراعيها وزمت شفتيها: فضلت خمس سنين ساكتة مش كفايه ؟ يعني تموت مظلومة وكمان مقهورة ؟
زفر بحدة وكز على نواجذه: طب عايزه إيه مني دلوقتي ؟
فريدة: أنا عارفه إن ماليش حق أدخل بس لما أشوفكوا أنتوا الإتنين بتحبوا بعض وبتبصوا لبعض كأنكوا بتسرقوا مش كأنكوا متجوزين مش هأقدر أسكت
بحزن: أديكي عرفتي الحكاية أنا ذنبي إيه؟
أسرعت مستغلة لينه: ذنبك إنك كَدِبت الإنسانة اللي قلبك حبها، إزاي متخيل واحدة زي ندى بأخلاقها ولبسها وتدينها ممكن تخونك ؟ .. مش بس كدا، لا تعمل واحدة من الكبائر اللي هي الزنا، نسيت قول الله سبحانه وتعالى "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم" .. عايز تبقى من الملعونين يا آدم ؟
تساقطت دمعات من عينيه رغما عنه، لقد أشعرته كلمات فريدة بالذنب وفداحة خطأه في حق زوجته: طب إيه تفسيرك للي حصل ؟
تبسمت: مش مهم التفسير .. التفسير هتعرفه لما ربك يأمر بكدا، بس مهما كان أنت ما عندكش دليل .. لا شوفتها مرة تجاوزت مع واحد ولا شوفتها وهي مع واحد تاني صح ؟ ولا يكون في حد ف دماغك مثلا ؟ يمكن مصطفى؟
هز رأسه بقوة مسرعاً: لا لا لا، أنا أه بأغير من مصطفى بس لإنه بيقدر يضحكها ويدخل على قلبها الفرحة أكتر مني .. ولإنه كان معاها ويعرفها من قبل ما أعرفها وأنا عارف إنه بيحبها زي أخته مش أكتر
تنهدت براحة: خلاص يبقى تفضها سيرة، أحرق القديم وابدأ سجل من أول وجديد .. يكون الأساس بينكوا الثقة والحب ودا يكفي كبداية ليكوا، وصدقني مع الوقت هتنسى اللي حصل .. وكفايه عليكوا يا سيدي سيف باشا إنه يكون سبب ف إنكوا تظبطوا حياتكم م الأول تاني .. حرام دا طفل وبدأ يتعقد بسبب طريقتكوا مع بعض
اقتنع بكلامها: ماشي بس.. بس .. مش هأقدر ابدأ أنا
اتسعت بسمتها: مش مهم .. هي هتبدأ، المهم إنك ما تصدهاش
قال بسعادة أفتقدها منذ زمن: ماشي أوعدك
- هههه طب تمام، روح أنت بقى وأنا هأخرج الجاتو دا لأحسن الناس تقول علينا بخله ولا حاجه .. يرضيك؟
قهقه: لا ما يرضنيش .. تحبي أساعدك ؟
هزت رأسها بقوة: لا لا، مش صعبة للدرجة دي .. روح شوف مراتك وابنك أهم
تركها آدم تجهز الأطباق وتضع بها قطع الحلوى كي تقدمها للضيوف، دخل عليها مصطفى وقد امتلأت عيونه بنظرة غريبة لم ترها في عينيه قبلاً.
تعجبت: بتبصلي كدا ليه؟
- إنتي إزاي كدا؟
قطبت جبينها لكنها استمرت فيما تفعله متساءلة: كدا إزاي يعني ؟
- بتصلحي بينه وبين مراته وإنتي ما تعرفهوش .. وندى يادوب من كام يوم بس رجعتي تشوفيها
حملت إحدى الصواني وهمت تغادر المطبخ لكن عند أعتاب بابه التفت إليه باسمة بهدوء يشوبه الجدية: مش شرط تعرف حد عشان تساعده .. كفايه إن ف إيدك تساعده عشان ما تتأخرش
هذه الفتاة هي التي تمناها وانتظرها عمره بأكمله، حلم به في نومه ويقظته، تكون ذات عقل راجح وقلب صافٍ، قلب ينافس القطن في بياضه والذهب في بريقه، تجذبه من قيعان المستنقعات إلى قمة السمو ليتمتعا سويا بقرب الله ورضاه.
***
استأذن أحمد من والد هند بأن يخطفها ساعتين بعيدا احتفالا بعقد زواجهم، وافق عبدالرحمن على طلبه لكن على وعد بعدم التأخر وطول الغياب.
دخلت هند إلى غرفتها تبحث عن شال ملائم يقيها لسعة برد الليل بالأخص وقت العودة، كانت الأرض لا تكاد تحملها من شدة سرورها، تتمنى لو أنها حلقت في طبقات السماء السبع.
دنت باريهان من ندى وعيونها مليئة بالكره والمكر، لقد دعاها أحمد دون علمه بأن شقيقه قد أنهى أي رابط بينهما وعليها استغلال الفرصة: هي الأوضة اللي دخلتها دي أوضتها ؟
تتبعت ندى نظراتها التي لاحقت هند ثم عادت تنظر إليها متعجبة: أيوه بس بتسألي ليه؟
هزت كتفيها بلا مبالاة وعادت تسأل: عادي مجرد سؤال .. واللي جنبها دي أوضة مين ؟
استدارت إليها بالكامل تحاول أن تستشف ما تخطط له: في إيه يا باريهان ؟ إيه الأسئلة الغريبة دي ؟
- عادي يا نادو .. بأتعرف ع البيت وأتسلى مش أكتر فيها إيه؟
ضربت كفا على كف متحسرة على عقلها الذي فقدته في مكان ما قبل الحضور، انصرفت وتركتها مقررة عدم إعارتها اهتماما أكثر من ذلك، اتجهت باريهان إلى الغرفة المجاورة لغرفة هند.
فتحت الباب ودخلت تتلفت حولها علها تجد غرضا يدل على هوية صاحبة الغرفة من الشقيقتين المتبقيتين، دخلت عليها مرام متفاجئة وجودها بحجرتها: إنتي بتعملي إيه ف أوضتي ؟
أخفت لمعة النصر التي برقت بعينيها والتفتت إلى مرام بهدوء: كنت عايزه أظبط الميك آب بتاعي
أشارت لها على باب يقع بين الغرفة ومجاورتها: عندك الحمام روحي ظبطي فيه براحتك
ارتدت رداء البراءة متسائلة: وإنتي أضايقتي كدا ليه يا مرام .. ليكون في سبب تاني ضايقك مني غير دا وأنا ما أعرفش
عقدت مرام ذراعيها أمام صدرها وقد أخرجت غيظها في عضعضة بطانة خدها: هيكون إيه السبب يعني ؟
حاولت استفزازها قدر المستطاع: مثلا .. إن أكرم خطبني أنا وهيتجوزني أنا وإنتي قاعدة تتفرجي علينا من غير ما تقدري تعملي حاجه
شدت قبضتها وقالت من بين أسنانها: والله دي حياتكوا وأنتوا أحرار فيها، دا شئ ما يخصنيش
سعدت باريهان حالما أدركت جهل مرام بإنفصال أكرم عنها، قررت استغلال الفرصة وإثارتها أكثر: هارد لاك ليكي يا بيبي .. أدي أخرت اللي تتحدى باري
حرك سبابتها عليها صعودا وهبوطاً: إنها تقعد ف صفوف المتفرجين مش أكتر
لوت شفتيها ساخرة: هههه ليه هو ماتش كورة؟
- لا جـــوااز يا روحي جـــواز .. ويكون ف علمك أكرم عمره ما هيبصلك، طول ما أنا قدام عينيه .. شوفي الفرق اللي بيني وبينك يا حلوة وإنتي تعرفي أنا فين وإنتي فين
تركتها باريهان تكاد تميز من الغيظ، كان الغضب يملأ خلاياها، تساقطت عدة دمعات رغما عنها تبعها المزيد من الأنهار التي شقت طريقها عبر وجنتيها.
انهارت فوق طرف الفراش تخفي وجهها خلف كفيها، لامت نفسها فلو استمعت لنصيحة شقيقتها وابتعدت عن طريق أكرم نهائيا وأخفت مشاعرها عن الأعين المتربصة بمهارة؛ ما كانت باريهان لتتصيد لها لحظة تهبط فيها بسياط سمومها فوق ظهرها، تجلدها بمشاعرها وعشقها لمن كُتب لغيرها.
***
لحقت فريدة بندى التي دخلت إلى غرفة هند بعد خروجها مع أحمد حتى تصلح لابنها ملابسه، اصطدم سيف ركضا إلى الخارج بساقي فريدة، تمتم اعتذارا لم تتبين حرفه فاكتفت بالابتسام له.
أمسك بذراع ندى تستبقيها وأغلقت الباب خلفها، نظرت لها ندى متسائلة عن السبب، اقتربت تهمس لها: عايزاكي بقى يا وزة لما تروحي البيت، تسبقي جوزك على أوضتكوا .. تلبسيلك كدا حاجه شفتشي وتحطي شويه م الأحمر على شوية م الأبيض .. وبرفان من اللي هو وتجهزي الأوضة لقدوم شهريار الملك الهمام
انفجرت ندى ضاحكة لطريقة حديثها: يخرب ... يا مصيبة، إيه كل دا ؟
فريدة: لزوم الليلة يا جميل .. إنتي نسيتي ؟، إنهارده الخميس .. ليلة اللعب والتهييس
رفعت حاجبيها مصدومة: أومال لو كنتي متجوزة كنتي قولتي إيه ؟
لوت جانب شفتيها مستنكرة: كنت عملت، هو أنا هأقضيها لوكلوك لوكلوك قبل الجواز وبعد الجواز ؟! .. دي خيبه إيه دي
غمزتها: شكلك أصلا بؤ ومش هتعملي حاجه
- بؤ ولا ودن .. سيبك مني وركزي في نفسك ياختي، أعملي اللي قولتلك عليه
شاب ملامحها الشجن: أفرضي بقى رفضني زي كل مرة، وقتها مش عارفه أنا ممكن أعمل إيه .. مش بعيد أحدفه بفازة ولا حاجه
طمأنتها باسمة بمكر: لا ما تقلقيش مش هيرفضك
ضيقت ندى زوايا عيونها: ليه؟ إنتي كلمتيه ف حاجه؟
لكزتها في كتفها مغتاظة: يا بت خليكي واثقة ف نفسك.. كل الحكاية إنه لما شاف الحلاوة والجمال دا كله قدامه ماقدرش يقاوم، وفضل يرمي نظرات بس البعيدة جِبـــــلة ومش حاسه، والحلو فاضله تاكه ويسلم ويقول حرمت يا بيه حرمت يا باشا
قهقهت: يا خرابي عليكي، بس فكرك كدا ؟
- جربي وأهي محاولة يا رب تصيب
تنهدت بقوة: ياريت يا فريدة .. يا ريت، لأحسن وحشني حضنه
اسندت ذقنها إلى قبضتها المتكورة ثم بدأت تحرك رموشها بطريقة سريعة مضحكة، تنهدت: هيـــــــح الحب ولع في الزعل يا فخري
تناولت ندى وسادة من فوق السرير وقذفتها ضاحكة: أنا هأقتلك إنتي وفخري بتاعك دا يا حبة عيني
فتحت والدة فريدة على حين غرة ووجدتهم يتقاذفون الوسائد، رفعت حاجبيها مصدومة من التصرفات الطفولية التي توقف سيف عن فعلها غالباً، وجهت حديثها إلى ندى: ندى جوزك دايخ بيدور عليكي برا عشان تروحوا، وإنتي هنا قاعدة تلعبي بالمخدات ؟؟
وقفت أمام المرآة تعدل وضعية هندامها: معلش يا طنط أصل بنتك دي بتخرج الواحد عن شعوره
دفعتها إلى الباب تحثها على الذهاب: روحي بيتكوا وإنتي هتلاقي كل الشعور هناك
تنهدت متيمة: يا ريت يا ديده
وقفت فريدة خلفها وقد وضعت يديها فوق خصرها: مش من شويه كنت هتقتليني أنا وفخري دلوقتي بقيت ديده ؟
اقترب يحمل سيف بين ذراعيه وقد ارتخت رأسه فوق كتف والده، رافقه مصطفى يبحث عن ندى معه، استمعا إلى نهاية الحديث بين الفتاتين، رفع مصطفى حاجبيه حانقاً: فخري مين دا إن شاء الله ؟ .. هو أنا أخلص من هشام .. يطلعلي فريد .. ودلوقتي فخري
استفزته فريدة: أنت مالك أصلا ؟ .. تخلص منهم بصفتك إيه ؟
حك مؤخرة رأسه متنحنحاً: إحم إحم .. مش يلا بقى يا جماعة
ضحكت ندى على حرجه: تستاهل، عشان تبقى تقول كلام مش قده
دفع مرفق آدم جهة زوجته: آدم، ما تاخد مراتك دي وتطرقونا من هنا، عايزين نرش مايه
فريدة: قصدك ترش سم .. يا سم
أخرجت ندى لسانها إليه متشفية: وكبستك وكبستك
رفع سبابته مهدداً: والله كلمة تاني يا ندى وأحدفك م البلكونة
فريدة: أنت بؤ أصلا ولا تقدر، ما تقول حاجه يا عم آدم
تناول كف ندى في قبضته وسحبها مبتعداً: لا أقول ولا أعيد، أنا واخد مراتي وماشي من هنا، كفايه كتفي اللي مش حاسس بيه من القلقسايه بتاعت سيف بيه
ضربته ندى على كتفه مغتاظة: ما تقولش على راس ابني قلقسايه
هز كتفيه لا مبالياً: ولا تزعلي أنا اللي راسي قلقسايه
قهقهت ندى: أيوه كدا
رفع آدم حاجبيه استهجاناً: بقى كدا ؟!، والله لأوريكي اصبري عليا بس
تباعتهم نظرات فريدة ومصطفى حتى غابا معا عن مرمى بصرهما، التفتت فريدة إليه متسائلة: وأنت لسه واقف هنا بتعمل إيه؟
ابتسم سماجة: وإنتي مالك ؟
- مش بيتنا ؟
ضرب جانب جبينه: أه، تصدقي صح
- هههه كويس إنك عرفت
المطبخ يقع أمام الغرفة مباشرة، استدار مصطفى لخلف فلاحظ صناديق تم ملأها بزجاجات الصودا الفارغة، تناول إحداها متحججا البقاء: هاخد الصناديق بتاعت الحاجة الساقعة أنزلها
أوقفته: لا ما تتعبش نفسك، بكره الصبح هيجي بليه ينزلهم
هز يده حاملا الصندوق صعودا وهبوطاً، ارتجت الزجاجات وقرقعت سوياً، هتف مغتاظاً: يادي النيلة والليلة اللي مش فايته، مين سي بليه دا كمان؟
- صبي البقال
تنهد ملئ صدره ولهاناً: أخرتي على إيدك على فكرة
تناولت إحدى الزجاجات من الصندوق الذي يحمله، قلبتها وأمسكتها بقوة بينما تعض على شفتيها حتى تعطيه إيحاءا بصدقها: صح، عشان لو ما مشتش دلوقتي هأكسر الإزازه دي على دماغك
أسند الصندوق إلى صدره بيد واحدة فيما رفع الأخرى يتحسس رأسه كأنه يتخيل ما سيحدث إن نفذت تهديدها: أه يا مفترية، ويهون عليكي نص الجنيه الرهن ؟
انزلت ذراعها وأعادت الزجاجة مكانها ضاحكة رغما عنها: مصطفى
اسبل جفونه بطريقة مبالغ بها: يا عيون مصطفى
استقامت في وقفتها وأشارت بحاجبيها إلى صالة المنزل: أمشي من هنا
- ليه كدا بس ما إحنا كنا ماشيين كويس
تخطته إلى المطبخ قائلة بإيحاء لغضبها الكامن: أنا ما نستش كلامك ليا لما كنا ف الغردقة، وتلميحاتك يا أستاذ مصطفى
انتاب مصطفى الخجل، يتهمها ويهاجمها ثم يأتي معتقدا أنه تم الصفح والغفران دون أسف، انصرف عنها يفكر في حل لعلاقته بها، كلما خطى إليها خطوة رجع عشرا بغباءه وتسرعه.
لمح أكرم يوشك على الإنفجار غضباً، دنى منه متحيرا لحال صديقه الذي يزداد سوءاً: مالك ؟ في إيه ؟
ردد دون أن ينظر إليه مغتاظاً: سامر
- ماله اللذيذ دا ؟
- هو لذيذ بعقل .. راح طلب إيد مرام من باباها وأنا واقف معاه وقال إيه أكرم يشهدلك على أخلاقي
رفع حاجبيه مندهشا ثم انفجر ضاحكاً: ألبس
دفع ذراع صديقه من حول كتفه يهم بالإنصراف: مش فايقلك يا مصطفى
أسرع يجذبه من ذراعه يمنعه من الهرب: مش المهم الكلام دا، المهم رأيها هي كان إيه ؟
بحزن: ماهو دا اللي هيجنني، كنت حاسس إنها بتحبني وكله تمام؛ حتى إنهارده قبل ما أجي على هنا روحت فركشت كل حاجه مع باريهان .. بس يظهر إني حسبتها غلط وطلعت ما بتحبنيش
- إمممم يعني وافقت على اللذيذ ؟
تنهد بحرقه: أه يا سيدي وافقت على اللذيذ
- خلاص يا أكرم يبقى مالكش نصيب فيها، أنساها
نظر إليه بقلة حيلة: بأحبها هأنساها إزاي ؟
- والفتاة المجهولة ؟ .. مش بتحبها؟
- فكرت كتير، لاقيت إني ما أعرفش عنها غير اللي بتكتبهولي؛ يعني اللي هي عايزاني أعرفه، حبيت الغموض اللي حواليها وإني اعرف مين هي مش أكتر، لكن مرام .. مرام دخلت قلبي على طول من غير سؤال .. ومش عارف هأعمل إيه من غيرها ... أنا أصلا إمبارح بالليل حرقت كل الرسايل بتاعت الفتاة المجهولة
حلل محتوى كلامه: يعني حرقت الرسايل واديت زنبه لباري وف الأخر هتتجوز غيرك
أمال رأسه للأسفل: بالظبط
شد على كفته: بس أنت اللي غلطان، أنت سبتهم عشان أنت بتحب مرام ولا سبتهم عشان ضامن مرام ؟ .. في فرق يا صاحبي .. لو عشان الأولى يبقى أنت ممكن تكون خسرت مرام لكن كسبت نفسك .. لكن لو التانية يبقى خسرت الإتنين .. نفسك ومرام
حدق به قليلاً: لا سيبتهم عشان بأحبها ومش بأحب غيرها
ابتسم: يبقى أنت كدا ف السليم .. واللي كان قادر يخليك تفتكر أنك بتحب باريهان والفتاة المجهولة ويظهر مرام ف حياتك عشان تمسحهم بأستيكة .. قادر يظهرلك اللي تنسيك مرام بردو
ضغط عينيه بشدة: مش عارف
عاد لمزاحه ضاحكاً: يا ابني بنات العيلة دي حلفين يطلعوا عنينا ويورونا النجوم ف عز الضهر .. لولا أخوك ابن الإيه لحق نفسه وحطها قدام الأمر الواقع ما كانش طالها وكان هيجي تالت جنبنا
ضحك أكرم: ليه ؟ هي فريدة عملت فيك إيه؟
- قول ما عملتش فيا إيه، ع الأقل أنت قدامك لذيذ واحد، إنما أنا كل شويه يطلعلي لذيذ من تحت الأرض .. حاجه تقرف
غمزه مقهقهاً: يا لذيذ يا رايق
داعبه: ودا تأثير سفن أب ع الأخ أبو المكارم
- ههههههههه طب يلا بينا من هنا قبل ما يجوا يكرشونا
أخفى فمه خلف كفيها مدعيا الصدمة: يكرشو مين ؟!، دا إحنا واجفين ف ملك الحــــــــــاكومة
تصاعد صوت عبدالرحمن قائلاً: إيمان الكل مشي ولا لسه في حد؟
إيمان: مش عارفه .. هاروح اشوف أهو
مصطفى بعد نحنحه: إحم إحم .. ماتيلا بينا يا أبو المكارم لأحسن سامع صوت المقشة ورانا
قهقه أكرم وضربه على ظهره بقوة يدفعه للسير: يلا يا وحــــــــــش
***
بعدما وصل آدم بصحبة عائلته الصغيرة إلى منزلهم الذي أعده مع ندى قبل الزواج على أساس أن يسكنا فيه؛ لكن تعب والدها ومن ثم سفرهم إلى أمريكا منعهم من ذلك، ومنذ عودتهما إلى القاهرة وهما يعيشان فيه ويذهبان لوالدي ندى باستمرار.
عند الباب همست ندى في أذن الصغير الذي على صوته قائلا: بابا ! .. ممكن تحكيلي حدوته قبل النوم ؟
تعجب: ما أنت كنت نايم لوحدك ! .. وبعدين ما ماما على طول هي اللي بتحكيلك إشمعنه المرة دي ؟
أصر الطفل: ماليش دعوة !، أنت اللي هتحكيلي يعني أنت
استسلم لولده: طيب .. أتفضل قدامي يا سيف باشا
أخذ آدم سيف يروي له الحكاية ويطمئن أنه ذهب في سباتٍ عميق بينما ابتسمت ندى بمكر وذهبت تكمل باقِ خطتها بذهنٍ صافٍ.
دخل آدم حجرته وهو يزفر فقد نام سيف بعدما جعله يروي ثلاث قصص؛ فلقد أوصته أمه جيداً، تفاجئ آدم ونسي تعبه عندما وجد الغرفة على هذا الشكل المبهر، صُفت الشموع في كل مكان وتناثر الورد في الأرجاء، سمع نغمة هادئة تساعد على الاسترخاء، بحث بعينيه عن ندى وعندما لم يجدها ناداها: ندى
أجابته ندى بعدما خرجت من الحمام خلفه: نعم ؟
التفت إليها وقد اعتلت ملامحه الدهشة، كانت كانت تردي فستانا باللون الذي يعشقه .. اللون الذهبي، كان قصيرا لا يصل إلى حدود ركبتيها، تركت شعرها منسدلا ووضعت ميكاجا خفيفا يناسب ثوبها ويبرز جمال عينيها، هتف اسمها بصوت أجش من الرغبة والعاطفة: ندى
اقتربت منه ندى تنظر في عينيه بشدة هامسة: عيون ندى
لم يستطع السيطرة على نفسه أكثر من ذلك؛ جذبها إليه هامسا في أذنها: بـحــبــك
ابتسمت بسعادة ووقفت على أطراف أصابعها، فرغم ارتداءها حذاء عالِ الكعبين فإنها مازالت قصيرة تناسبا مع طوله الفارع، دنت من أذنه تهمس بها: وأنا بأعشقك
هدت أخر حصون مقاومته بكلمتها الأخيرة فغابا معا في عالم أخر، يبدأون فيه بتأسيس حياة جديدة وسليمة مع حبهما وطفلهما النائم في حجرته بآخر الرواق. 


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات