اخر الروايات

رواية الاميرة الاسيرة الفصل الحادي عشر 11 بقلم نجلاء لطفي

رواية الاميرة الاسيرة الفصل الحادي عشر 11 بقلم نجلاء لطفي



تركني ومضى وحمدت الله أنه لم يلتفت إلي ليرى دموعي وهي تنهمر خلفه، شعرت بالوحشة قبل حتى أن يغيب عن نظري، لقد كنت كمن يسير في صحراء قاحلة فوجد ماء فشرب حتى الإرتواء فلما انتهى الماء عاد ظمأنا ً، ليته لم يعد، ليته تركني لأحزاني ووحدتي التي كنت بدأت أن أعتادها، ليته ما أحيا قلبي بعد موته الطويل، جاء كالغيث لأرض قاحلة فارتوت وأزهرت ثم تركها تذبل بعده، ليته لم يأتِ وليته لم يرحل .
أرسل لي رسالة وهو في المطار قبل مغادرته وبعد وصوله واستمرت بيننا الرسائل فكنا نتبادل الحكايات عما يحدث لنا طوال اليوم ، لم يتطرق أحدنا للمشاعرولا للإرتباط. أسعدتني رسائله واتصالاته كثيرا فما عدت أشعر أني في الكون وحدي، ورغم أني كنت أخشى القادم إلا أني كنت أقول لنفسي( نحن أصدقاء فقط وهذا يكفيني فأنا لن أسمح لنفسي بأن أتعذب في حبه مرة أخرى). بعد فترة من تواصلنا أرسل إلي يقول:
(بعد أسبوعين حفل تخرجي وأتمنى أن تحضريه فأنت كل من لي فقد أصدر والدي قرارا بمنع أمي وأخي من الحضور لأني لم أكن الأول بل كنت الثالث في الترتيب حاولت أن أشرح له أن الأول ابن ملك البلاد هنا والثاني ابن أخته فلم يستمع لي، هل تحضرين وتشاركينني فرحتي ليس فقط بالنجاح والتخرج ولكن بالحفاظ على ولاية العهد التي أقسم والدي على انتزاعها مني إن لم أنجح في دراستي؟ أريدك معي فهل تأتين؟)
بقدر ما أسعدتني رسالته بقدر ما حيرتني ، لقد سعدت لأنه تغير صار شخصا أخر صهرته الغربة والوحدة والحياة العسكرية، سعدت لأنه أصبح يسعى للنجاح والتفوق وأن ينال رضا والده، وسعدت أكثر لأنه يريدني معه وربما لهذا السبب كنت أشعر بالخوف والحيرة، فوجودي معه وحدنا ربما يبعث في نفسه أحاسيس معينه نتيجة الوحدة لكن عند عودته للوطن ستنتهي تلك الأحاسيس وسيعود كما كان. كنت حائرة أأقترب أم أبتعد؟ هل أشاركه فرحته أم لا؟ أنا أهفو للقاؤه وهذا يرعبني كثيرا فأنا لا أتحمل تجرع أحزانا جديده. لم أرد على رسالته إلا بعد يومين عندما أقنعني ذلك اللعين الخافق بين أضلعي أننا مجرد أصدقاء ولن تتجاوز علاقتنا تلك المرحله وكنت دائما أتساءل هل يمكن للأحباء أن يظلوا أصدقاء بعد انتهاء الحب؟ وهل انتهى حبه من قلبي؟ أسئله لم أجد لها أجابات لكني قررت أن أذهب معه وأشاركه تلك اللحظات حتى لو كانت أخر لحظات في علاقتنا معا فلن أضيعها ولن أحرم نفسي من سعادتي بوجودي بجواره.
أرسلت له أني سأحضر معه فحجز لي موعدا للقطار، قضيت الأيام التالية في الاستعداد للسفر فاشتريت فستانا رقيقا بلون زهرة البنفسج ومعه حذاء بكعب عال لأقاربه في الطول وكنت أعد الأيام حتى اليوم الموعود، سافرت في قطار الثانية بعد منتصف الليل ونمت فيه نوما متقطعا، ووصلت في السادسة صباحا ووضعت أشيائي في الفندق وتناولت إفطاري ثم صعدت لغرفتي لأستعد لأن الحفل سيبدأ في العاشره صباحا. ارتديت فستاني ووضعت القليل من الزينة التي تناسب الصباح وأطلقت العنان لشعري، نظرت في المرآة لأتأكد من أن شكلي يبدو جميلا وبسيطا بلا تكلف، استجمعت كل شجاعتي وخرجت وقلبي يخفق بقوة سعيدا من أجله وفرحا برؤيته. دخلت الحفل وجلست في المكان المخصص لي والنظرات تتركز علي لأني أتيت بمفردي ولست ضمن أسره لكني لم أهتم فقد كان كل اهتمامي مركزا علي مازن وحده. بدأت مراسم التكريم وصفق الجميع بحرارة لتكريم ابن الملك وابن أخته وصفقت وحدي بحرارة- نابعة من قلبي-لمازن ، بعد انتهاء الحفل جاءني مازن فقلت له بمنتهى السعادة:
-مبروك أنا سعيدة جدا من أجلك اليوم أخذت أول خطوة صحيحة في حياتك
-أنا اليوم سعيد جدا ليس بالتخرج ولا بولاية العهد أنا سعيد بوجودك معي ومن أجلي
سكتنا وقالت العيون الكثير حتى قطع الصمت وقال:
-أمامي بعض الإجراءات لعدة ساعات انتظريني في الفندق سنتناول الغداء معا
تركته وذهبت وقلبي يرقص طربا وعقلي يقول لا تنجرفي وراء أوهام الحب فقد آذتك من قبل، قلت لنفسي سأستمتع باللحظه وأنا أعلم أننا سنفترق عن قريب فلتكن تلك اللحظات هي زادي الذي سيمدني بالطاقة لأحيا بعد رحيله. صعدت لغرفتي ونمت قليلا وأنا أحلم بأني عدت له وأنه يعترف لي بحبه وغرامه، استيقظت على صوت الهاتف فوجدته يقول:
-أين أنت ؟اتصلت أكثر من مرة
-غرقت في النوم من التعب
-أمامك ربع ساعه لتستعدي أنا أنتظرك في بهو الفندق وارتدي ملابس مريحة والأفضل بنطلون لأننا سنقوم برحله
-الأن؟
-مر من الربع ساعه دقيقتان لا تضيعي الوقت أنا في انتظارك
نزلت إليه فوجدته يرتدي ملابس رياضيه فابتسم لي وقال:
-لو تأخرت أكثر من ذلك لكنت صعدت لأحضرك بنفسي
-كنت سأصرخ وأقول متحرش
ضحك وقال :
-ولي العهد يتحرش بزوجته كانت كل الجرائد ستجعلنا مادتها الصحفيه لمدة شهر
-بزوجته السابقه
ابتسم وجذبني من يدي فلم أشعر بسوء بل شعرت بالأمان ويدي تستكين لملمس يده. ركبنا سيارته الرياضية وقادها بجنون كعادته حتى ضحكت وقلت:
-ولي العهد يستعيد ماضيه
غمز لي بعينه وقال ضاحكا:
-ليس كله
وصلنا للميناء ووجدت في انتظارنا يخت فاخر جدا ساعدني في الصعود على سطحه واستقبلنا قائده وطاقمه بترحيب واحترام، بدأت الرحلة في البحر وابتعد اليخت تماما عن الشاطىء فقلت له:
-هل تخطفني؟
-فعلا أنا أخطفك بعيدا عن الدنيا كلها إلى جزيرة مهجورة سنعيش عليها وحدنا هل لديك مانع؟
-نعم لدي مانع أريد أن أنهي الماجستير الذي تعبت فيه
ضحك وقال:
-عملية في تفكيرك دائما ويقولون النساء عاطفيات
-العواطف مؤلمة أما التفكير العملي نتائجه مضمونة
-إذا بالتفكير العقلي سأخطفك ونستمتع بوقتنا بعيدا عن الواقع قبل أن نعود لحياتنا العملية ومسئولياتنا هل لديك مانع؟
-وهل لدي اختيار؟
-نعم الاختيار لك أن تكوني معي بإرادتك أو أن أعيدك إلى حيث تختارين
ضحكت وقلت:
-لو الإختطاف يشمل دعوه على الغداء فأرحب به لأني جائعة جدا وإن كان لا فنصيد سمكا نأكله خلال الإختطاف
ضحك وقال:
-فتاه عملية جدا
وصلنا للجزيرة وخلعت حذائي وتركته على اليخت ونزلت بمساعدته في الماء حتى وصلنا لليابس وسبقنا طاقم اليخت لليابس ونصبوا لنا خيمه ووضعوا منضده عليها كل ألوان الطعام والشراب وانسحبوا بهدوء لليخت. قال مازن:
-الغداء جاهز يا سمو الأميرة
-لكني لم أعد أميرة
-أنت أميرة حتى ولو بدون لقب رسمي أو منصب ، أنت أميرة... هيا للطعام
تناولنا الطعام ونحن نتبادل المزاح وبعد الطعام اقترح على أن نستكشف معا الجزيرة، مشينا معا نتأمل المنظر الرائع لأشجار النخيل وهي تظلل الشاطىء الرملي الناعم وموجات البحر تتهادى برفق كأنها تلمس وجنتي الشاطىء برقة. صعدنا على تل صخري وشاهدنا الجزيرة من فوق وهي كلوحة فنية يمتزج بها اللون الأخضر لأشجار النخيل برمل الشاطىء الأصفر وتحبطهما زرقة مياه البحر التي تخلب الأبصار والعقول من جمالها، اقترح على مازن السباحة في البحر فرفضت لأني لا أعرف العوم فقال:
-سأعلمك السباحه
-شكرا يكفيني أن أجلس لأستمتع بذلك المشهد الرائع وتلك اللوحه الفنيه المرسومة ببراعة
كانت تلك حجتي لأهرب منه حتى لا أكون بين يديه مرة أخرى فأنا لا أحتمل ذلك الوضع أبدا ولن أستطيع مقاومته. خلع ملابسه في الخيمة وخرج برداء البحر وألقى بنفسه في أحضان الموج وكأنه يلقي إليه بكل أحزانه وهمومه، اندمج في السباحة وغاب عن نظري فقمت أتمشى على الشاطىء وأمتع نفسي بمداعبة موجات البحر الدافئة لقدماي، كنت سارحة في ذلك المشهد الرائع وفي تلك اللحظات الجميلة التي أقضيها معه وأنا أتمنى ألا تنتهي وألا نعود أبدا. أفقت من أفكاري وأمنياتي على صوته يناديني وهو يخرج من البحر وقطرات الماء تتساقط من شعره الناعم وعضلات جسده تبرز بوضوح والشمس أكسبت بشرته لونا برونزيا، نظرت إليه وأشحت ببصري سريعا فقد كان ذلك المشهد خطرا على قلبي المشتاق وعلى أعصابي التي تتلهف للمسة منه ، ادعيت أنني في حاجه لكوب من الشاي وسألته إن كان يحتاج لكوب معي فوافق. حمدت الله أنه دخل الخيمة وأبدل ثياب البحر بملابسه الرياضيه ، جلسنا معا لشرب الشاي وكانت الشمس تقترب من الغروب فقلت له:
-الغروب هنا ساحر والمكان كله يفيض سحرا وجمالا أخاذا
-ما رأيك لو نبقى هنا لمشاهدة الشروق؟
-مازن لا تُخيفني منك فأنا أرى في عينيك مازن القديم يعود بقوة
-لقد أسأت فهمي أنا أريد أن نبقى معا في تلك الطبيعة الساحرة نستمتع بها بعيدا عن الواقع بكل تعقيداته ورسمياته
-أنا أيضا مستمتعة بتلك الحظات جدا ولكن لا مفر من العوده للواقع هيا بنا قبل أن يحل الظلام
-الظلام هو ماينبع من داخل النفوس الدنيئة فقط أما النفوس الراقية فتشع نورا يضيء كل ظلام
-لقد أصبحت شاعرا وحكيما
-لقد علمتني الغربة والأيام، هيا بنا فلا مفر من العودة للواقع


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close