رواية حارة الربيع الفصل الحادي عشر 11 بقلم خضراء القحطاني
البارت الحادي عشر ~حارة الربيع ~
يجد في آخره صفحة مكتوبة بخط حنان تقول:أنا اتعودت أهرب بس المرة دي يمكن الهروب يخلّصني من اللي جوّه مش اللي برا.
في الليل، شهاب يجلس في سيارته أمام مركز العمل.
يرى هدير خارجة بهدوء، تمشي وحدها،
وفجأة، يقترب منها شاب غريب، يبدو عليه الت*وتر، ويم*سك بذراعها بع*نف!
الشاب يهرب فورًا،
وهدير، تلتقط أنفاسها، ثم تقول:هو أخو حنان كان بيه*ددني من فترة بيقول إني السبب في اللي حصل لأخته.
شهاب ينظر لها نظرة طويلة، ثم يقول:من النهاردة، أي ته*ديد توصلك، أنا أعرفه قبل الكل.
عماد وحيدًا لا أم تسأله، ولا أب ينتظره.
كان دايمًا بيرجع البيت على صحن بارد، وهدوء يخبط في الجدران.
بس كانت أم سعيد جارته ،كانت بتبعت له أكل من غير ما يطلب،
ولو م*رض، تدق الباب وتقول:قوم يا واد، الدنيا مش مستنياك.
في صباح السفر، عماد لم يخبر أحد.
بس أم سعيد كانت حاسّة الأم مش شرط تلد، الأم تحس.
نزل وشنطته على كتفه، لقى الباب مفتوح.
أم سعيد واقفة بشالها الأسود، كأنها عرفت بالحدث:رايح فين يا عماد؟
مشوار شغل محتاج أبدأ من الأول.
مشوار إيه اللي بيبدأ في الض*لمة ومن غير وداع؟
إنت فاكر نفسك ماحدّش هيف*تقدك؟
أنا ما عنديش حد هنا يا خالتي.
بس كفاية عليّا إني شوفت منك حنية، حسّيت بيها كأنك أمي.
ما تقولش كده تاني.
أنا مش أمك بس، أنا أم كل اللي مالهمش أم
وإنت ماشي من بيتنا مش من الشارع بس.
توقف عماد، ولأول مرة، عيناه تلمع
مش من دمعة واحدة، من خ*وف إنه يض*يع في غربة تانية من غير حضن.
قبل ما يركب، لقاها بتخرج من الباب ومعاها كيس صغير:خد دول، شوية زاد من البيت مش مهم الأكل، المهم ريحته تفضل معاك.
هتبقي تسألي عليا يا خالتي؟
هسأل ربنا كل يوم وأقول: رجّع لي عماد، سليم، بعقل مرتّب، وقلب متطمن.
عماد وصل إلى بلد غريب، لغته مختلفة، والناس تمشي بسرعة كأن الزمن بيطاردهم.
اشتغل في مخزن كبير، بيرصّف صناديق، يشيل حِمل فوق طاقته، ويعيش في غرفة ضيّقة مع ثلاثة شباب، كلهم غرباء زيه.
كل ليلة، وهو حاطط رأسه على الوسادة المهترئة،
كان بيحاول يفتكر صوت أم سعيد وهي تقول:إوعى تتغرب عن ربك حتى لو اتغربت عن أهلك.
لكن الغربة أقسى من اللي اتخيله.
الناس ما تسألش، وما تصاحبش، وما تضحكش إلا لمّا يكون في مصلحة.
وفي ليلة شتا، بعد يوم شغل طويل، كتب في دفتره:أنا مش خ*ايف من الغربة.
أنا خ*ايف أنسى شكلي قبل ما أرجع.
كانت مرام بنت الرابعة عشرة، تدخل المدرسة كل يوم وراسه مرفوعة رغم الهم جواها.
أبوها، الحج محمد، يبيع الخضار على عربة خشب يمرّ على البيوت ينادي:طازة يا بنات الحلال خص وجرجير وبصل…!
وزميلاتها، يضحكوا عليها، ويقولوا:إنتي بنت الجرجير؟ ولا بنت البصل اللي ريحته طالعة منك؟
كانت مرام تسكت، تحبس الدمعة،
لكنها في الحمّام المدرسي، تخرج منديلها،
وتكتب في ورقة صغيرة:نفسي أكون زيهم أبويا دكتور، ولا مهندس.
