اخر الروايات

رواية اكرهك الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم ميريام عريفه

رواية اكرهك الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم ميريام عريفه

الحلقة 28
بعد الظهر حضرت مصممة أزياء واختارت لرشا ما يناسبها ويناسب المناسبة. وقامت خبيرة التجميل بفهم المطلوب من تطابق . أمضت رشا اليوم كاملا معهما. لقد فهمت من اصرار المصممة ان الحفل سيضم الطبقة الراقية من المجتمع ورجال الأعمال. وأن نبيل بيه قد ٱوصاها وأصرّ على جعل رشا تبدو أنيقة تخطف الانظار.
-------------------------------------------
في مكتبه ، يجلس مطالعا النافذة حين تذكر أمرا مهما، الخاتم ! لم يقدم خاتما لرشا . عليه ان يشتري لها واحدا قبل عودته الى البيت. على هذه المسرحية أن تكون على أكمل وجه . فليحترق جميل الوافي بالنار التي أوقدها.
" احم احم، نبيل بيه "
" نعم "
" كل شي تمام، وكروت الدعوة خلاص اتبعتت، ومتعهد الحفلات حضّر اللازم بوقت قياسي ."
" مش عايز اللازم ! عايز الأحسن "
" تمام يا افندم "
" والصحافه ؟"
" بعت رئيس قسم العلاقات العامه بنفسو عشان ينسق معاهم "
" اوك "
" ألف مبروك يا افندم "
" شكرا"
ثم عاد ينظر الى النافذة، الصحافة ستقوم باعلام جميل الوافي . " حتخسر " قالها ببروده المعتاد.
-------------------------------------------
في المساء، عاد الى البيت وقبل ان يدخل غرفته ، طرق على بابها
" اتفضل "
تقدم بضع خطوات ثم وقف امام الكرسي الهزاز الذي تجلس عليه في البلكونه.
رفعت رأسها ورأته،
" مساء النور "
اجابها ببرود تام " مساء الخير "
ثم التفت ينظر الى النجوم، رفيقة وحدته. وقف هناك ونسي أنه برفقة رشا، ولم ترد ان تتكلم فيبدو ان نبيل يعيش لحظة خاصة . بل جلست هي أيضا تنظر الى السماء مزينة ، مضيئة كليلة العيد. لم ينبسا ببنت شفة ، فقط يعيشان لحظة سكينة .
" أنا جبتلك خاتم"
أخرجها صوته من تأملها. فنظرت له . أما هو فركع على ركبته امامها . ولاأراديا اندفعت الى الوراء
" حلبسهولك " وكأنه يطمأنها لقربه . لم تتحرّك وانما ظلت عيناها معلّقتان فيه . أخذ يدها اليمنى التي ارتجفت بين يديه ، وقد تغيّرت لمسة يده من برود الى دفئ خطير. خطير لهما. مدّت يدها اليسرى وبصوت خافت ومرتجف
" نحنا متجوزين ، يبقى الايد دي "
أخذ يدها بين يديه ثانية ، وكأنه يتعامل مع قطعة بلّور قابلة للانكسار في أي لحظة ، رقّة بالغة.
أكمل ماكان يفعله ورفع نظره ليجدها تبادله النظرات. لم يترك يدها، ليس مستعدا للتنازل عن هذا الدفء الذي يملؤ جسده. وكأن يدها وجدت رفيقها الضائع منذ زمن ، ارتاحت وكأنها تنتمي هناك . ظلّ ينظر لها. من هذه ؟! من هذه التي تحطم بروده وتملؤه دفئا متى لمسته. ؟ من هذه التي نجحت بعد سنين طويلة في جعل قلبه يدقّ ، و تسبب احساسا غريبا بالضيق، و نفسا متسارعا. ؟ تغيّرت نظرته، لم يعد فراغا ما تراه رشا بل شيئا آخر. شيئا عادة ما يسبق تحوّله من لا مبالي الى مندفع. هذه اشارتها، عادت الى وعيها،جذبت يدها من يديه . وهكذا عادت النظرة الفارغة في عينيه.
وقف فجأة،
" بكره عايزك تتصرفي زي اي زوجه مع زوجها. "
شهقت ، وارتعبت ، حتى هو لاحظ اهتزاز الكرسي بعنف
" انت دماغك شغاله زياده " قالها ساخرا و ضحك بسخريته الباردة التي آلمتها. " . نحنا حنتصرف على اساس ان احنا متزوجين ومبسوطين.. "
" مش فاهمه، ازاي ؟"
" يعني بلاش الرعب اللي انت فيه ده. "
" قلتلك مش بايدي "
" مش مهم، سيطري على نفسك، الناس متوقعه تشوف حبيبين مبسوطين مش نكد وخوف ورعب"
" انا ماسمحلكش " وقفت قبالته بقوّة وشجاعة لم تعرف انها تسكنها
" سيطري على نفسك " قالها. ببرود تام ، بل بنبرة السخرية المؤلمة. لما أصبحت سخريته هذه تؤلمها ؟ لا تعرف.
امتلأت عيناها دمعا ، عاد له ذاك الاحساس البغيض. وتكلّمت مديرة ظهرها، لن تسمح له برؤية دموعها.
" انا مش كده ، انا مش الفوضى اللي انت شايفها. انا ماكنتش كده،" تنهدت مطولا " بس في حجات تغيرت ، وانا تغيرت كمان"
مسحت دمعها بكف يدها والتفتت له مجددا . لما ينظر اليها هكذا ؟
" بس حاضر، حسيطر على نفسي ، هلعب دوري كويس . هكون مراتك المبسوطه اللي طايره فرحه" ضحكت على نفسها ساخرة . نظر لها مطولا قبل ان يرفع يده ليزيح خصلة متمردة التصقت على وجنتها ، لكنها ابعدت يده بيدها ونظرة له بتحدٍ
" ماتحلمشي كتير ، ده دور ! يعني بلاش تتأمل ، أنا مش حسمحلك تلمسني تاني، انت فاهم ؟"
لن يلمسها ؟ لكن لمسها يجعله انسانا ، يشعر بالدفء . ويعيد له شعورا جميلا وليس تلك الدقّة الملعونة . لن يسمح بهذا ! لن يخسر !
" بس لازم ، " لم يدري لما تفوّه بهذا الكلام . ولم تفهم رشا ماقاله . وعادت نظرة الفراغ في عينيه ، وتجاوزها مغادرا .
جلست مجددا ، ساقاها لم تعد تحملانها." هو يقصد ايه ؟ أول مرّه أحس انو بيتكلم كأنو انسان عادي ! جرى ايه ؟ انا مش فاهماك يا نبيل ! حتجنن ! انت عايز ايه ؟ " أكملت كلامها وهي غارقة في دموعها ، أيقنت شيئا : لامبالاة نبيل قد انتهت ، والآن ستبدأ صفحة جديدة ، صفحة لن تكون في صالحها أبدا .أخذت حبوب النوم . وذهبت في عالم لاتظطرّ فيه لمواجهة أحد ، ولا لعب دور القويّة
-----------------------------------------
دخل فورا الى الحمام ، عليه أن يعود لبروده ، هذه الحالة لا تبشّر بخير ! لما ذاك الاحساس بالضيق والاهتمام الذي يحسه. لن يكذب على نفسه " دموعها، مش قادر أشوف دموعها !"
أرجع رأسه الى الوراء ، وزفر مطولا. هذا الاحساس ليس في مصلحته. وحدها الدقة اللعينة تكفي . اذا مالعمل ؟ " الخوف فعينيها بيخلي قلبي يرجع طبيعي . خوفها مني. امال الاحساس ده ايه؟!. الاحساس ده ديما بيتوجد لما هي تبكي مظلومه وخايفه بس مش مني . لما انا اقربلها. ماعدشي نبيل البارد، حتى من جسمي بيتغيّر. برجع انسان يتفاعل مع الست اللي قدامو. " تذكّر قبلته المسروقه " وعايز اعيدها تاني. وتاني. " رفع يده وضربها في الحائط . لم يشعر بشيء " اشمعنا هي ؟ رشا انت ايه ؟ " .
خرج من الحمام وارتمى على فراشه. وفجأة ، عاد كل شيء الى طبيعته. بروده ،لا مبالاته و تفكيره بالعمل .
" بكره حتعرف مع مين تلعب يا جميل الوافي "
أخذ سماعاته وأخذ ورقة وقلما وبدأ يكتب خطابه . عليه ان يفسّر للمدعويين لما تزوّج ولم يخبرهم ومنذ متى وهو متزوّج ولما اختار اخفاء الأمر وكيف تعرّف على رشا أو بالأحرى كيف يفسّر الأمر ان علمت الصحافة أنها أرملة أخيه. عليه أن لا يترك شيئا للصدفة . وأن تكون الورقة الرابحة في مجموعته. بعد سويعات وجد نفسه قد خط خطابا جميلا منمّقا ، يفسّر فيه كل شيء . وضع الورقة أمامه وحفظ الخطاب ليس لديه ما يفعله ، فكما يقول كاتب ما ، لا يذكر اسمه حاليا " ٱللَّيْلُ لِوِحْدَتِكَ" . وضع موسيقى صاخبة ونظر الى السقف.
-------------------------------------------
فتحت عينيها بترنّح هناك ضجيج في البيت، شيء غريب، بيتهم كالمقبرة لا ضجيج فيه، فقط صمت المقابر.
طرقات على الباب ،
" مين "
" كريمه "
" اتفضلي"
" صباح الفلّ والياسمين ، "
" صباح النور ، انت مبسوطه بزياده النهارده في ايه ؟"
" انت بارده صحيح، اليوم حتبقي عروسه بجد "
أزعجتها الكلمة وقطبت جبينها . فتداركت كريمه
" قصدي يعني ، اليوم الحفله على شرفك ، والناس في الصالون مستنينك عشان يظبطوكي، مع اني يعني مش شايفه لازمتها ايه بتاع الميك اب دي ، اصل انت بسم الله ما شاء الله "
" حبيبتي يا كريمه، انت عارفه الظروف ازاي. بس يعني بلاش مبالغة ، انا محتاجه لبتاع الميك اب دي ، انت شايفاني عامله ازاي "
" انا شايفه ، بنت زي القمر مش عارفه تظبط نفسها، وتخلّي زوجها يتمنى ينال رضاها بإشاره منها "
" كريمه بلاش نفتح السيره دي دلوقت، "
" على طول كده، بلاش دلوقت ؟ امال امته؟ ها ؟ اللي فات مات يا حبيبتي ، سامحي نفسك وحرام اللي بتعمليه فيها . مش حرام انك ترجعي تعيشي وتحبّي "
" كريمه أرجوكي، انت عارفه كلّ حاجه فبلاش تحيّري الجرح. انا كويّسه كده "
" لا مش كويّسه، دي مش عيشه ! نحنا مانقدرش نعيش من غير حنان وحبّ. زي الورده كده ، بندبل لو مالقيناش مين يرعانا و يخلي بالو منا "
" كريمه ، الظاهر زودتي مسلسلات تركيّة. بلاش دي بتبوظلك دماغك وانت لسه صغيّره وبريئة "
ضحكت كريمه مطولا ثم نظرت لها " هو نبيل خلاكي زيّو والا ايه ؟ نفس الأسلوب "
وعلى ذكر اسمه انتفضت من فراشها وتذكرت كل شيء . عليها الاستعداد.
" انا طلعتلك فطورك ، افطري وخودي حمام كده واستريحي ، وبعدين شوفي بتاع الميك اب دي "
" من عينيا يا حبيبتي ، مواه ، كريمه ؟ هو انا قلتلك قد ايه انا بحبك قبل كده ؟ "
عانقتها كريمه مطولا وقالت وهي تقبّل جبينها " وانا بحبّك ، وعشاني انبسطي الليله ، خليكي مؤمنه ان ربنا بيفرجها مهما طالت "
" ونعم بالله "
خرجت كريمه ، ذهبت رشا الى طبق الطعام، ومن فرط توترها شربت قهوتها فقط.
" ومين ليه نفس ياكل ؟"
واتجهت نحو الحمام، ستسترخي قليلا ، عليها ان تستجمع قوتها. ليس الدور سهلا، ستستحق أوسكار ان ادقنته. ودعت ربها ان تدقنه.
بعد ساعة أكملت حمامها و استرجعت نشاطها. نظرت الى المرآة مطولا.
" وانت عندك حلّ تاني، عندو حق، ده لمصلحتي ، مش ممكن اخلي الناس تفكر ان انا مصحباه. وكمان حشتغل معاه. بففف . خلاص خلاص . " تذكرت كلام مراد بيه " الله يرحمك يابابا ، أنا قويه ، أنا قويه . أيوا ، مش هضعف، هلعب الدور كويس. هحاول ماخليش الخوف اللي جويا يطلع. أنا قويه ، انا مش ضعيفه ."
وخرجت من حمامها ونادت خبيرة المكياج لتقوم بعملها فلم يتبقى سوى سويعات على الحفل.
------------------------------------------- بعد ان نزل وتناول الإفطار، عاد الى غرفته . قام بجميع الاتصالات لكي يظمن سير الحفل على مايرام. كما انه طلب من رجال الامن ان يتحضروا، لا أحد يعلم مالذي يخفيه جميل الوافي.
راجع خطابه مرّة أخرى. ثم تساءل في نفسه
" رشا لازم تعرف تأدي الدور صح" . منذ الصباح وهو يستمع الى الضجيج داخل البيت ، وقد اعتاد الصمت. الصمت فارغ مثله." بس في أمل اني عبّي الفراغ ده "
وضع سمّاعاته وأغمض عينيه، عليه ان يبتعد قليلا، . وجد نفسه يتساءل : هل سيعود نومه اليه ؟ لا يملك اجابة لهذا السؤال.
لا يعرف كم مضى من الوقت ، لكن وقت الاستعداد قد حلّ. وضع بدلته على السرير ، دخل الى الحمام ، أخذ حماما باردا كعادته. ثم لا لا داعي للحلاقة ، فلحيته الخفيفة تكفي . يّدرك جيّدا أنه وسيم وأن الفتيات اللاتي يرافقهن دائما ما يعبّرن عن إعجابهن به. ولكن لعنته أنه لا يهتم . أما اليوم فعليه أن يكون بأبهي حلّة. ارتدى بدلته السوداء بقميص أبيض . ونظر الى المرآة وذكّر نفسه. عليه أن يبتسم وأن يحاول جهده أن تكون ابتسامة عادية وليست ساخرة. ثم عليه أن يلعب الدور أيضا. كيف يظهر للناس فرحه ؟ آخ ، عليه أن يعرف . ذهب الى مكتبه وتصفّح الانترنت باحثا عن تجليات السعادة بعد ان فهم كيف عليه التصرف . نقر مجددا كاتبا " تجليات الحب " . لم ترقه الاجابة . فعينيه لن تعكسا شغفا ولا حنانا ولا شيئا مما كتب وانما فراغا..دقّت ساعة العمل . نزل من غرفته . وانتظر في الصالون قدوم زوجته.
كان ينظر الى الفراغ عندما سمع كريمه
" بسم الله ماشاء الله ، قمر يا حبيبتي "
رفع رأسه ليلتقي بها. بمن ؟ بتلك التي ومن دون أن يلمسها قد جعلت الدفء يزوره. كيف لا وقد ارتدت فستانا طويلا أحمر قان ، مفتوح على مستوى الصدر بشكل مثلث ، بحمالتين عريضتين قليلا مطرزتان بأحجار كريمة ، تحلب الانتباه لكتفيها الجميلتين. بعض الجواهر تحدد منطقة ما تحت الصدر وتجعل التركيز على قوامها الممشوق ضرورة حتمية. صوت كعبها العالي ، حتى كعبها قد وضع هناك لسبب شيطاني. لن ينكر الفستان وجماله ، لكن ما جعله يخسر بروده هو المايك آب الهادي مع أحمر الشفاه الأحمر القاني ، آه من شفاه خلقت من عسل ، وقد تذوّق العسل مرّة.
سمع صوتها تشكر كريمه لم يسمع ما قالت وانما تقدّم نحوها ، أخذ يدها في يده وخرجا معا.
عليه أن يشكر من قامت بتسريح شعرها ، فالخصلة المتمرّدة التي تلامس كتفها وتنزل مرتاحة على صدرها قد أعادت الاحساس بالضيق اليه. وهذا جيّد. لن يضطر للتمثيل ، فتأثير رشا سينعكس عليه.
صعدا السيارة في الكرسي الخلفي. جذبت يدها .وأكملت مشاهدتها لأنوار الطرقات تتراقص بخفة مع أضواء السيارات. ماذا لو كانت نورا خفيفا يضيء عتمة في زقاق منسي ؟ أيقضها من حلمها ،لمسته والتي لم تكن باردة كعادته . حاولت جذب يدها لكنه شدّ يده حتى رأى ملامح الالم قد بدت عليها
" مش قلنا سيطري على نفسك "
" بس نحنا لسه في الطريق ، مافيش حد هنا. "
" اتعوّدي ، عشان لما نوصل تكوني هيّأت نفسك ان ايدي مش هتسيب ايدك الليله " قالها بنبرة لم تفهمها ، لم تكن سخريته المؤلمة ، كانت شيئا آخر تماما. لم تسحب يدها. ربّما ما قاله صحيح، عليها ان تعوّد نفسها من الآن.
وصلا الى وجهتهما. هذا الفندق معروف ، ولن يدخله الا من كان حسابه البنكي بتسعة أصفار قبل العدد. ماشاهدته من حفاوة بنبيل جعلها تدرك قيمته كرجل أعمال. عند دخولهما قاعة الحفل ، تحوّلت جميع الأنظار اليهما. هذه المرّة شدّت هي يدها. لن تتركه الليلة مهما حاول التملّص منها. رغم تصرفات نبيل فهو يبقى الأمان الذي يرافقها. فمن الحادثة مع حسام لم تذهب لحفلٍ مجددا.
أخرجها من دوّامة الذكريات الأليمة يد نبيل التي تحرّكت لتحمي كفها الصغير في يده. وتقدّما. أحسّت بنظرات الجميع عليها. لعنت حظها ولعنت نفسها ، كيف تسمح لنفسها بإرتداء شيء مثير كهذا يجلب انتباه الجميع. نظرة من شخص في ركن من أركان القاعة أخافتها. رأتها قبلا في عيني حسام قبل أن يقتل برائتها. لذلك تجمّدت في مكانها هنا أحسّت بأنفاسه تلفح وجهها وتمتم لتسمعه هي
" ماتخافيش، انا معاك. "
حرّكت رأسها وأقنعت نفسها أن نبيل لن يترك أحدا يؤذيها. لا تدري لما كانت واثقة من هذا الا انها في داخلها شعرت بشيء من الإطمئنان.
تقدما وسط القاعة ، بين مرحّب ومهنٍّ بالزواج رسمت بسمة على ثغرها زادت الطينة بلّة.
لا داعي للتمثيل ، يدرك أن ماتفعله رشا الان ينعكس ايجابا على ملامحه . بعد تلقّي الترحيب والمباركه ، حاول نبيل سحب يده لكي يقوم بتقديم خطابه
شدّت يدها أكثر وتمتمت وهي تنظر مباشرة في عينيه. " ماتسبنيش"
وقف هناك ينظر لها ونسي أين كانا. لاوّل مرة يفهم كلمة كهذه ، فهمها لأن الاحساس بالضيق قد كان على أشدّه، أحس أن روحه تؤلمه من الداخل. أول مرّة . مسك يدها بقوة أكثر ونظر مبادلا نظرتها بأخرى " مش حسيبك "
وأخذها معه نحو المنصّة، بعد أن طلبت أن لا يتركها ، لن يتركها. ولن يترك هذا الذي يعتمر في صدره.
" احم احم، عايز أرحّب بجميع الحاضربن وأشكركم على تلبية الدعوة رغم انها مستعجله شويه. عايز اقدملكم مراتي ، رشا حسين. عارف انكو عايزين تعرفو انا ليه جاي دلوقت اعلن زواجي. ماتخفوش حرضي فظولكم " ضحك الحاضرون وصفقوا " نحنا متجوزين من سبع شهور. بعد ما بابا، مراد بيه حسين ، الله يرحمه ، اتوفى. رشا كانت لسه عايشه معاه عشان العيلتين صحاب من زمان. وأنا قلت ليه لا ، بحبها وحتجوزها والحمد للله ده كان شعور متبادل "
" اسف على المقاطعه، " كان هذا صوت الشخص الذي كان واقفا في ركن القاعة ، تململت رشا ولكن نبيل قرّبها أكثر منه. لمصلحته أو مصلحتها ، لا يدري. " بس اللي نحنا نعرفو ، ان المدام هي أرملة أخوك " تجمّدت رشا في مكانها. ان عرف انها أرملة حسام ، فأكيد ان يعرف السبب الذي تزوجت من أجله حسام . ارتجفت بقربه. وشدّت أكثر على يدها. وأحسّت بتصلّب عضلات نبيل الذي لم ينظر لها الآن. بل كان ينظر للشخص نظرة باردة قاتلة.
" بعد موت أخويا اتعرضت العيله لصدمه كبيره، واتعاونا مع بعض عشان نتجاوزها، وفي الظروف الصعبه دي، لقيت رشا واقفه جمبي وبتشجعني ،وانا كمان حاولت أخليها ترجع تعيش حياتها تاني، فكده ولينا صحاب وبعدين كل شي اطوّر وزي ماقلت لحضرتكو ، حبيتها. واتجوّزنا."
صفّق الجميع، من لا يريد الاستماع الى النهاية السعيدة. أخذ رشا ونزل من المنصّة . حينها تغيّرت الموسيقى لأخرى كلاسيكيه وطالب الحضور برقصة رومانسية. نظرت رشا اليه ، ولكن بروده مازال في محلّه.
" مش ضروري ، اتحجج بآي حاجه "
" العبي الدور للآخر "
نكّست رأسها وتمتمت " مش قادره ، الناس بتبصلنا . نبيل انا خايفه"
رفع رأسها بيده . عيناه مازا
لت نظرة البرود تغلفهما. وهذا ما أخافها.
" اتحكمي فنفسك. "
قرّبها منه أكثر. في وسط تصفيق الحاضرين والذين اتخذوا وضعية الرقص مع رفيقاتهم. وضع يده على ظهرها والأخرى في راحتها . وتحرّكا مع الموسيقى. كانت الرقصة باردة ، لا مشاعر فيها . ولكن رشا من فرط توترها و قلة أكلها أحست بدوار خفيف فأراحت رأسها على صدره. أولا كانت دقات قلبه رتيبة ثم وفي لحظة تسارعت بنسق مجنون. حتى ان بروده الذي كان يحيط بها قد صار دفئا لذيذا. قرّبها أكثر اليه. ووضع يديهما على صدره أمام وجهها. لأوّل مرة يعانقها . نسيا أنهما في قاعة والمئات ينظرون لهما. تركت نفسها تضيع في دقّاته ودفئه. استسلمت له واطمأنت. مع نبيل الأمر مختلف، لا ذكريات تهددها بين يديه. فقط احساس بالأمان والإطمئنان ولن تفرّط فيهما. أحسّت بإصبعه يتلمّس وجنتها يرسم خطا منحنيا على طول وجهها، خطا يرسل معه أغرب المشاعر في جسدها. ولا تملك القوة لابعاده. فقد كان يحوّطها بذراعيه كأم تخاف على صغيرها.
اصبعه الملعون لما يتحرّك دون اذن، لما الرغبة في لمسها تستحوذ عليه، لما جسده ينبض بجانبها، لن يكتفي أنزل رأسه يتنفّس عبيرها . وأراد أن يستبدل اصبعه بشفاهه. أنزل رأسه قليلا بعد.
نبضاته ، أخرجتها من دوّامة الاطمئنان رفعت رأسها قليلا ، لترى ان نبيل ينظر لها بغرابة ، ليس البرود ، وانما النظرة التي تراها في عيني انسان غريق ينظر الى طوق النجاة. لماذا ينظر اليها هكذا ؟ ومن ماذا ستنجّيه ؟ حركتها أرسلت احساسا عنيفا بالدوار واستسلمت له. فارتخت في يديه بعد ان فقدت الوعي.
احسّ بها تنزلق بين يديه. رفع رأسه ليرى وجهها الشاحب وعينيها اللتان أغلقتا. سارع بحملها بين ذراعيه
" اسف نحنا لازم نروّح أصل رشا أغمى عليها، هي كانت تعبانه من يومين "
تركهم وغادر وهي في أحضانه. اتجه نحو السيارة وطلب رقم الطبيب واتجه الى الى البيت. طوال اطريق وهي في أحضانه تتململ وتتمتم بكلمات غريبة . " مش حيئذيني ، " ثم تصمت لتعيد كلمة أخرى " مش حيسبني " كلماتها تعزز ذاك الاحساس بالضيق، مالذي تفعله به ؟ ثم سكنت وهي تشد ياقة قميصه بين يديها.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close