رواية اكرهك الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم ميريام عريفه
الحلقة 29
وصلا البيت ، ليجدا الطبيب بانتظارهما. حملها مجددا الى غرفته. تبعه الطبيب. وبعد المعاينه خرج الطبيب ليعلمه ان الحالة بسيطة ولا داعي للقلق. لقد نزل مستوى السكري في دمها لذلك أغمي عليها ، المحلول سيقوم بدوره وعندما تستيقظ عليها ان تأكل و تشرب.
غادر الطبيب ليدخل هو مسرعا اليها. مازالت تتمتم ببعض الكلمات " نبيل ... انا خايفه " نزع جاكيت البدله وبقي في قميصه واقترب منها ، مازال الاحساس بالاختناق يصاحبه . اقترب أكثر وجلس على حافة السرير حين فتحت رشا عينيها بتثاقل ونظرت له قبل ان تشدّ على يده
" ماتسبنيش، هو كان عايز ياذيني، انا شفت كده في عينيه" . حاول ان يبتعد، فهذا الاحساس يسيطر عليه ، وان استسلم له سيتبعه الى مالا يحمد عقباه. لكنها شدّته مجددا وجذبته اليها. ارتمى بجانبها ووضع ذراعه تحت رأسها ، فتشبثت به أكثر. " مش حسيبك " قالها بصوت مختلف عنه وصمتت . نائمة على ذراعه. أما هو فلا ينام. بقي يحملق بها. لايدري كم مرت من دقائق او ساعات ، حتى بدأت رشا تتحرّك .
فتحت عينيها لترى نبيل مستلقيا بجانبها ، ويدها على ياقة قميصه متشبثة . ابعدت يدها وابتعدت الى آخر السرير.
" انت بتعمل ايه هنا ؟ "
" اغمى عليك وجيبتك "
نظرت حولها ، ليست غرفتها .
" دي قضتك ! انا بعمل ايه هنا ، عايزه ارجع.. "
لا يدري لما أخذها الى غرفته ،
" انت تعبانه، خليك هنا "
" عايزه ارجع قضتي، ". مازالت ترتدي ثياب البارحة ونظرت له لتصدم ، وتقف مبتعدة حتى التصقت بالحائط ورائها. قميصه ملوث بأحمر شفاهها
" انت عملت فيا ايه ؟"
نظر الى موضع بصرها
" قلتلك ، أغمى عليك وانا جبتك هنا "
" وده ايه اه؟ انت عملت فيا ايه ؟" عادت نظرة الرعب في عينيها .
" ماعملتش حاجه ، حملتك وجيبتك هنا"
" يعني مافيش حاجه حصلت ؟"
" وانت بهدومك ؟ لا مافيش " وابتسم ساخرا.
ضربت الأرض بقدمها وعضت على شفتها ، مابالها؟ الا تعرف انه حاول بصعوبة ان يعود الى بروده ليلة البارحه؟ وانها بعضّها على شفتها تعيد له هذا الاحساس بالضيق ، والدقة الملعونة معا؟ توجّه ناحيتها
" انت عايز ايه؟"
" عايز اعرف انتي ايه ؟"
" انا ايه ؟ مش فاهمه ؟"
" فيكي ايه مختلف ؟"
" انت بتتكلم عن ايه ؟ وخليك مكانك ، ماتقربش "
" وماهو ده اللي مش قادر عليه ، "
" قصدك ايه ؟"
" مش قادر ابعد عنك "
" نبيل انت بتخوفني "
" انا مش فاهم ، مش فاهم نفسي " ووقف امامها مباشرة . وتساقطت دموعها، رفع يده وظنت انه سيلمسها لكنها استقرّت على الجدار بجانبها ففزعت. لكن ملامحه لم تتغير
" شفتي ؟ مش حاسس بألم ، انا ماعرفش احس بأي حاجه! " ووضع يده الاخرى على وجنتها
" ولما بلمسك ، والا بشوف دموعك، حاجه هنا " ووضع يده على صدره " حاجه هنا بتتغير ، فجأه برجع ٱحس، "
نبيل انت كويس؟ "
" لا مش كويس ، والا كويس ، مش عارف ، ماعرفشي يعني ايه كويس. لاني ببساطه مااعرفشي احس باي حاجه "
اقترب من وجهها و شفتاه على بعد سنتيمترات منها. " بس معاك بعرف احس بحاجه، مش عارف هي ايه بس عارف انها موجوده " رفع يديه الاثنتان وحوطتا وجهها " عايز احس بأي حاجه، الفراغ بيقتل بالساكت وانا عايز احس "
واخذ شفتيها رهينتين، قّبلها بعنف ، يتابع الاحساس بداخله ولا يعرف كيف يتحكّم به. اما هي فقاومت ، ثم استسلمت ، هي ايضا تريد ان تشعر بشيء غير النفور ، تريد ان تستكشف لذّة القرب من شخص، لذة القرب من نبيل.
لكن قبلاته آلمتها بل وادمت شفتها . هنا وضعت يدها على صدره ودفعته قليلا ، لم يبالي بل واصل تقبيلها بنفس القوة و يديه يتجولان في شعرها وكتفيها المزينتين بالاحجار الكريمة. أعادت الكرة بأكثر قوة وجذبت نفسها قليلا. لم يكن مستعدا لتركها لذا حبسها بين ذراعيه وووضع جبينه على جبينها وتنفس بصعوبة بالغة .
" ارجوكي. عايز احس "
تكلمت في وسط انفاسها المتقطعة " كده بتوجعني "
نظر لشفتيها الداميتين و مدّ أصابعه يتحسس مكان الجرح " اسف، قلتلك اول مره أحس "
وكأنها فهمت لماذا نبيل هكذا ، لن تستفزه بالابتعاد عنه ، تكلّمت بحنان بالغ " وحسيت؟"
" ايوا ، بيكي ، بحس بيكي " .
" دي حاجه خطيره ، انت شفت دكتور ؟ "
ابتعد عنها فورا بل ودفعها في طريقه وأولاها ظهره، " لما أخرج من الحمام مش عايز اشوفك هنا" .
مابه ؟ لما يتصرّف هكذا لكنها رأت النظرة في عينيه ، نظرة البرود قد عادت مجددا ، حملت نفسها وغادرت ، لتسمع صوت إغلاق الباب. وتسرع نحو غرفتها .
------------------------------------------- ارتمت على فراشها باكية ، مالذي دهاها ! ولما لم تبتعد عنه ؟ لما نبيل مختلف ؟ مالذي يميّزه عن الرجال الذين بنظرة منهم يسببون لها الكابوس تلو الآخر.
" لاني بحس معاه بالأمان ، لأني وفقمة خوفي منو ومن قربو ، برضو متأكده انو مش ممكن يأذيني "
توجهت الى الحمام ونظرت الى نفسها في المرآة ، تحسست شفتها الدامية وخانتها ابتسامة ، لم يُرغمها على تقبيله ، وحتى تلك القوّة التي استعملها لم تكن موجّهة ضدّها وانما نتيجة مشاعره. مشاعره التي اعترف لها انه لأول مرّة يحسّ بها. ربّما نبيل هو سبيلها لحياة مطمأنة و آمنة. استسلامها في يديه.
" عبيطه ، انت عبيطه ! ليه خليتيه يقرّب ويبوسك ؟" ضحكت قليلا " لاني ببساطه ماقدرتش اقول لا، لان قربو مني بيخليني انسى ان انا اتوجعت قبل كده. قربو مني بيخليني ارجع بنت بريئة ترتعش لما حبيبها يقرب لها"
" بس هو مش حبيبك ! "
" ومالو ، خلاص عايزه انسى اللي فات ، تعبت من كلّ حاجه بتخليني أخاف و ارتعب. انا ازاي عايزه اكون محاميه شاطره ومش قادره أقعد مع راجل في نفس القوضه؟ " ارتمت تحت المياه الباردة وانتظرتها لتغسل تعب ليلة البارحة
" نبيل حيساعدني، اكيد حيساعدني ".
أكملت حمامها واتجهت نحو فراشها . " عايزه ارتاح من الخوف ده، " أغمضت عينيها بقوة ونامت من تعبها.
رأت حسام جالس على بساط من فراش أزرق . كان مرتاحا و مسرورا ، التفت لها
" ماتخافيش منو ، هو بالذات ماتخافيش منو "
" قصدك مين ؟ نبيل ؟"
" ساعديه ، عايزك تساعديه "
" اساعدو ف ايه ؟ "
" ساعديه ، "
" ازاي ؟ "
" حبّيه !" وضحك كعادته واختفى بعيدا .
للمرّة الثانية ، ترى حسام ويطلب منها مساعدة نبيل ، بل و يطمإنها أنه لن يؤذيها. لكنها المرّة الأولى التي يقدّم لها طريقة مساعدته : أن تُحبّه !
" مستحيل "
-------------------------------------------
استيقظت وقد حلّ المساء ، لن تبقى في غرفتها ، ستزور صديقتها الوردة الوحيدة. ارتدت مايناسب ونزلت الى الحديقة. سقت الورده وجلست حذوها تنظر الى السماء . وتكلمت في نفسها " انا قد القرار ده؟ اني اعيش حياتي واحاول انسى ؟ بس خايفه ! خايفه ان انا نسيت ارجح اتجرح تاني . قلبي ماعدشي حمل وجع. ايوا هحاول ، انت مش ضعيفه، و هكون المحاميه الشاطره اللي ياما حلمت بيها. بس.. لا بس ولا عفريت، ربنا حيكون معايا هو هيرافقني فحياتي، انا من النهارده خلاص عايزه أعيش."
رفعت رأسها لترى نبيل يدخل البيت. كالعادة، في كامل اناقته، كيف لشخص مثله أن يقول انه لا يشعر الا معها " وانت صدقتي ؟" كالعادة سذاجذتها تسيطر عليها. كيف لشخص بجمال واناقة نبيل ان يبقى بلا علاقات وأكيد انه احبّ ، او له حبيبه . فكيف صدقت كلامه. ؟ " عشان انت فاكره الناس زيّك خايفين حتى من ظلهم، فوقي يا رشا ، ماتحلميش كتير. بس من حقي احلم . " تنهدت مطولا. نظرت الى الوردة ونزلت دموعها مرّة أخرى ، الى متى ستبقى هكذا ، ترتعب من قرب أحدهم منها،؟ الى متى ستبقى جاهلة في امور الحب؟الى متى ستبقى وحيدة؟ كرهت ضعفها ، وكرهت عدم قدرتها على فعل شيء في هذا الشأن. كرهت ماحدث لها. لو لم يتدخّل حسام في حياتها لكانت الآن مستمتعة بتخرّجها ، تكلّم حبيبها في كلّ شاردة وواردة. لو ، لو ، لو ! كرهت هذه الكلمة أيضا ، عليها أن تضع حدًّا لكلّ هذا . الوحدة قاتله. وان تواجدت كريمه معها فهي لا تملؤ الفراغ داخلها. فراغها من نوع آخر، هو افتقاد للحنان و المودّة ، افتقاد للحب. ولكن ! من سيوفّر لها متطلباتها. لا بدّ لها ان تتذكر انها متزوجة من شخص ما. فان ارادت البحث عن الحب عليها ان تبحث هنا أولا. توجّهت نحو المنزل و فكرة واحدة تسيطر عليها " حيساعدني وحساعدو "
-------------------------------------------
كان يخلع قميصه حين سمع طرقات الباب
" ادخل "
دخلت لتصعق بجسده العاري ، يرتدي فقط سرواله.
التفت بسرعة الى الباب خلفها وقد احمرّ وجهها.
" انت مش طبيعيه "
تلعثمت في كلامها ، " مين ؟انا ؟ ليه ؟"
" اي حاجه تخليكي مش على بعظك "
" لا أبدا "
" الكذب حرام " قالها بسخرية .
" انا ماكذبش ، "
"اذا كان كده بصيلي !"
" اه ! ليه ؟ انت كملت لبس "
" من زمان "
التفت مترددة لتجده في الشرفة ينظر الى النجوم. تقدمت نحوه ووقفت بجانبه. لم يتحرّك وانما اكتفى بالوقوف جامدا هناك.
" عايزه أسألك فموضوع كده "
" سامعك "
" انت على اي اساس اخترت قايمة المتربصين"
" جايه في الوقت المتأخر ده تسأليني ، سؤال تافه زي ده "
" بس هو مش تافه بالنسبالي، ارجوك عايزه اجابه"
" على اساس التفوق "
" يعني مش عشان حاجه تانيه ؟"
" قصدك ، عشان انت مصاحباني و قدمتي نفسك ليا ؟ "
صُعقت من كلامه، الا يدري ان كلامه يؤذيها ويؤلمها؟ أكمل دون اهتمام.
" لا ، أنا درست الملفات مين غير انحياز لحد"
" يعني انا استحقيت الفرصه دي؟ "
" ايوا ، انا مبهزرش في الشغل "
تمتمت في نفسها " وانت امتى بتهزر ؟"
" قلت ايه ؟"
" اه لا ولا حاجه "
صمتا مطولا و كأن الزمان قد توقف ، لتتكلم رشا دون توقف .
" نبيل ، أنا عايزه أتغير، مش عارفه هتفهمني والا لا لما اقلك عايزه اعيش. انا من ساعة ما ... ما .. من ساعتها وانا حياتي اتلخبطت ووقفت . ماعدتش رشا ، صرت بنت تانيه مليانه خوف ورعب . مش قادره ابص لحد ، ولا امشي وحدي في الشارع، انا حتى الجامعه كنت بالزور ، واتحايل على نفسب عشان اروحها. مش عشان مش عايزه ادرس! لا! عشان في ناس كتير وفي رجاله . انا برتعب لما حد فيهم يبصلي، بحس اني عايزه ارجع. لاني.. لاني .. دايما بخاف ان حد فيهم يأذيني زي.. زي .. " ورفعت كفها لتمسح دمعة خانتها . وتهدّج صوتها .
" بس عايزه اعترفلك بحاجه، انا تعبت. انا عايزه اعيش. عايزه اكون محاميه شاطره واثبت نفسي قدام الناس، عايزه اكون قد الفرصه اللي مقدمهالنا دي . عايزه حجات كتير بس .. " تنهدت " بس الخوف اللي جوايا بيمنعني اعيش. "
التفت له ونظرت مباشرة في عينيه. فنظر لها بدوره كعادته ببرود وفراغ.
" نبيل، عارف انا كنت بتمنى ايه؟ "
حرّك رأسه لتكمل " كان منايا اني افقد الاحساس وماعدشي حس باي حاجه، لان الوجع كان اقوى مني، لان الدموع مش عايزه تسب عيني ، لان الخوف خلاص ارتاح جوايا ومش ناوي يروح . " وغلبتها دموعها " كرهت الضعف اللي انا فيه ده . مش كتير عليا اني اتمنى حاجه زي دي ؟ مش كده؟ والا دي كمان استكتروها عليا "
قطع نظرتهما وعاد الى النجوم يراقبها،ظنت انه سيتكلم لكنه بقي ينظر الى النجوم وكأنه ينظر الى رفيق قديم . طأطأت رأسها والتفت لتغادر، لا تعرف مالذي دهاها لتأتي الى غرفته ليلا و تتحدث معه عن حقيقة مشاعرها لكنها لم تندم. هناك كلام ان لم تقله بصوت عالٍ سيقتلك . عليك ان تسمعه بصوت عال، لان ترديده داخلك يحرقك بنار لا تنطفئ.
نبيل لم يهتم بها سابقا ولن يهتم بها الان، أرادت شيئا من بروده ، تمنت لو كانت مثله لا تحسّ بشيء ، أو هكذا ادعى .
" والفراغ كمان بيقتلك من غير ماتحسي "
توقفت واستدارت تسمعه. ليكمل دون ان يلتفت لها. " اللي بتتمنيه ده ، لو كان عندك كنت زمانك بتحاولي بأي طريقه انك ترجعي تحسّي. الخوف والدموع والرعب ،كل الحجات دي بتخليك عايشه. " التفت لينظر لها . " الفراغ بيخليكي زي الآله كده، لا تحسي لا تهتمي، ماتفهميش يعني ايه مشاعر ، يعني ايه تحسي . فماتتمنيش كده تاني "
" بس انا اتوجعت كتير ، لو بطلت احس حبطّل أعيّط، حبطّل أخاف "
" وحتبطلي تفرحي ، وحتبطلي تهتمي بالناس حواليكي ، و تأذيهم ببرودك و تضيعي نفسك "
أحست انه يتكلّم من تجربة ، كانت كلماته صادقة جدا. وكأنه يتكلّم عن نفسه.
" رشا .. الحياه مهما كانت قاسيه فالشعور بقساوتها حاجه كويسه ، لأنك فالآخر حتحسي بالفرحه لما كل ده يخلص. المشاعر تخليكي انسانه . انما الفراغ بيخليكي حاجه . زيّك زي الشباك ده، مانفعتو ماديّة. ده ممكن يساعدك تكوني محاميه شاطره بس بيخليكي انسانه فشله ."
لم تشعر كيف نزلت دموعها ، وكيف اقتربت منه لتشدّ على يده.
" بس انت مش كده "
" انت ماتعرفينيش. انا كده واكتر كمان "
" الفراغ اللي انت بتتكلم عنو ، عندك مش كده ؟"
رفع رأسه ونظر لها مطولا قبل ان يجيبها
" الفراغ ده عايش جوايا من زمان ، من زمان قوي. انا وياه واحد . "
لم تشأ ان تترك يده او ان تنزل عيناها " ازاي ! "
نفض يدها واتجه الى سريره يجلس على طرفه.
" ماعرفش "
اقتربت منه مجددا ، حذرة من انقطاع لحظة الصفاء بينهما ، " عايز تتخلص منو مش كده ؟"
رفع رأسه لتلمح شيئا في عينيه.
" في فرق كبير بين الي عايزينو والي بيحصلنا."
" انت عايز مش كده ؟"
اندفع من مكانه ليمسكها من ذراعيها ويشدّ عليها
" عايز احس، عايز احس اني انسان طبيعي."
" وانا عايزه ارجع طبيعيه"
نظرا في أعين بعضهما. عادت نظرة نبيل لتلك التي ترمقها وكأنها طوق نجاته. أما هي فلا تعرف ما عكست نظرتها. لكنها تعرف ان دقات قلبها قد تراقصت بجنون داخلها . وآقدمت على فعل ماظنت انها لن تجرأ على فعله في حياتها.
وصلا البيت ، ليجدا الطبيب بانتظارهما. حملها مجددا الى غرفته. تبعه الطبيب. وبعد المعاينه خرج الطبيب ليعلمه ان الحالة بسيطة ولا داعي للقلق. لقد نزل مستوى السكري في دمها لذلك أغمي عليها ، المحلول سيقوم بدوره وعندما تستيقظ عليها ان تأكل و تشرب.
غادر الطبيب ليدخل هو مسرعا اليها. مازالت تتمتم ببعض الكلمات " نبيل ... انا خايفه " نزع جاكيت البدله وبقي في قميصه واقترب منها ، مازال الاحساس بالاختناق يصاحبه . اقترب أكثر وجلس على حافة السرير حين فتحت رشا عينيها بتثاقل ونظرت له قبل ان تشدّ على يده
" ماتسبنيش، هو كان عايز ياذيني، انا شفت كده في عينيه" . حاول ان يبتعد، فهذا الاحساس يسيطر عليه ، وان استسلم له سيتبعه الى مالا يحمد عقباه. لكنها شدّته مجددا وجذبته اليها. ارتمى بجانبها ووضع ذراعه تحت رأسها ، فتشبثت به أكثر. " مش حسيبك " قالها بصوت مختلف عنه وصمتت . نائمة على ذراعه. أما هو فلا ينام. بقي يحملق بها. لايدري كم مرت من دقائق او ساعات ، حتى بدأت رشا تتحرّك .
فتحت عينيها لترى نبيل مستلقيا بجانبها ، ويدها على ياقة قميصه متشبثة . ابعدت يدها وابتعدت الى آخر السرير.
" انت بتعمل ايه هنا ؟ "
" اغمى عليك وجيبتك "
نظرت حولها ، ليست غرفتها .
" دي قضتك ! انا بعمل ايه هنا ، عايزه ارجع.. "
لا يدري لما أخذها الى غرفته ،
" انت تعبانه، خليك هنا "
" عايزه ارجع قضتي، ". مازالت ترتدي ثياب البارحة ونظرت له لتصدم ، وتقف مبتعدة حتى التصقت بالحائط ورائها. قميصه ملوث بأحمر شفاهها
" انت عملت فيا ايه ؟"
نظر الى موضع بصرها
" قلتلك ، أغمى عليك وانا جبتك هنا "
" وده ايه اه؟ انت عملت فيا ايه ؟" عادت نظرة الرعب في عينيها .
" ماعملتش حاجه ، حملتك وجيبتك هنا"
" يعني مافيش حاجه حصلت ؟"
" وانت بهدومك ؟ لا مافيش " وابتسم ساخرا.
ضربت الأرض بقدمها وعضت على شفتها ، مابالها؟ الا تعرف انه حاول بصعوبة ان يعود الى بروده ليلة البارحه؟ وانها بعضّها على شفتها تعيد له هذا الاحساس بالضيق ، والدقة الملعونة معا؟ توجّه ناحيتها
" انت عايز ايه؟"
" عايز اعرف انتي ايه ؟"
" انا ايه ؟ مش فاهمه ؟"
" فيكي ايه مختلف ؟"
" انت بتتكلم عن ايه ؟ وخليك مكانك ، ماتقربش "
" وماهو ده اللي مش قادر عليه ، "
" قصدك ايه ؟"
" مش قادر ابعد عنك "
" نبيل انت بتخوفني "
" انا مش فاهم ، مش فاهم نفسي " ووقف امامها مباشرة . وتساقطت دموعها، رفع يده وظنت انه سيلمسها لكنها استقرّت على الجدار بجانبها ففزعت. لكن ملامحه لم تتغير
" شفتي ؟ مش حاسس بألم ، انا ماعرفش احس بأي حاجه! " ووضع يده الاخرى على وجنتها
" ولما بلمسك ، والا بشوف دموعك، حاجه هنا " ووضع يده على صدره " حاجه هنا بتتغير ، فجأه برجع ٱحس، "
نبيل انت كويس؟ "
" لا مش كويس ، والا كويس ، مش عارف ، ماعرفشي يعني ايه كويس. لاني ببساطه مااعرفشي احس باي حاجه "
اقترب من وجهها و شفتاه على بعد سنتيمترات منها. " بس معاك بعرف احس بحاجه، مش عارف هي ايه بس عارف انها موجوده " رفع يديه الاثنتان وحوطتا وجهها " عايز احس بأي حاجه، الفراغ بيقتل بالساكت وانا عايز احس "
واخذ شفتيها رهينتين، قّبلها بعنف ، يتابع الاحساس بداخله ولا يعرف كيف يتحكّم به. اما هي فقاومت ، ثم استسلمت ، هي ايضا تريد ان تشعر بشيء غير النفور ، تريد ان تستكشف لذّة القرب من شخص، لذة القرب من نبيل.
لكن قبلاته آلمتها بل وادمت شفتها . هنا وضعت يدها على صدره ودفعته قليلا ، لم يبالي بل واصل تقبيلها بنفس القوة و يديه يتجولان في شعرها وكتفيها المزينتين بالاحجار الكريمة. أعادت الكرة بأكثر قوة وجذبت نفسها قليلا. لم يكن مستعدا لتركها لذا حبسها بين ذراعيه وووضع جبينه على جبينها وتنفس بصعوبة بالغة .
" ارجوكي. عايز احس "
تكلمت في وسط انفاسها المتقطعة " كده بتوجعني "
نظر لشفتيها الداميتين و مدّ أصابعه يتحسس مكان الجرح " اسف، قلتلك اول مره أحس "
وكأنها فهمت لماذا نبيل هكذا ، لن تستفزه بالابتعاد عنه ، تكلّمت بحنان بالغ " وحسيت؟"
" ايوا ، بيكي ، بحس بيكي " .
" دي حاجه خطيره ، انت شفت دكتور ؟ "
ابتعد عنها فورا بل ودفعها في طريقه وأولاها ظهره، " لما أخرج من الحمام مش عايز اشوفك هنا" .
مابه ؟ لما يتصرّف هكذا لكنها رأت النظرة في عينيه ، نظرة البرود قد عادت مجددا ، حملت نفسها وغادرت ، لتسمع صوت إغلاق الباب. وتسرع نحو غرفتها .
------------------------------------------- ارتمت على فراشها باكية ، مالذي دهاها ! ولما لم تبتعد عنه ؟ لما نبيل مختلف ؟ مالذي يميّزه عن الرجال الذين بنظرة منهم يسببون لها الكابوس تلو الآخر.
" لاني بحس معاه بالأمان ، لأني وفقمة خوفي منو ومن قربو ، برضو متأكده انو مش ممكن يأذيني "
توجهت الى الحمام ونظرت الى نفسها في المرآة ، تحسست شفتها الدامية وخانتها ابتسامة ، لم يُرغمها على تقبيله ، وحتى تلك القوّة التي استعملها لم تكن موجّهة ضدّها وانما نتيجة مشاعره. مشاعره التي اعترف لها انه لأول مرّة يحسّ بها. ربّما نبيل هو سبيلها لحياة مطمأنة و آمنة. استسلامها في يديه.
" عبيطه ، انت عبيطه ! ليه خليتيه يقرّب ويبوسك ؟" ضحكت قليلا " لاني ببساطه ماقدرتش اقول لا، لان قربو مني بيخليني انسى ان انا اتوجعت قبل كده. قربو مني بيخليني ارجع بنت بريئة ترتعش لما حبيبها يقرب لها"
" بس هو مش حبيبك ! "
" ومالو ، خلاص عايزه انسى اللي فات ، تعبت من كلّ حاجه بتخليني أخاف و ارتعب. انا ازاي عايزه اكون محاميه شاطره ومش قادره أقعد مع راجل في نفس القوضه؟ " ارتمت تحت المياه الباردة وانتظرتها لتغسل تعب ليلة البارحة
" نبيل حيساعدني، اكيد حيساعدني ".
أكملت حمامها واتجهت نحو فراشها . " عايزه ارتاح من الخوف ده، " أغمضت عينيها بقوة ونامت من تعبها.
رأت حسام جالس على بساط من فراش أزرق . كان مرتاحا و مسرورا ، التفت لها
" ماتخافيش منو ، هو بالذات ماتخافيش منو "
" قصدك مين ؟ نبيل ؟"
" ساعديه ، عايزك تساعديه "
" اساعدو ف ايه ؟ "
" ساعديه ، "
" ازاي ؟ "
" حبّيه !" وضحك كعادته واختفى بعيدا .
للمرّة الثانية ، ترى حسام ويطلب منها مساعدة نبيل ، بل و يطمإنها أنه لن يؤذيها. لكنها المرّة الأولى التي يقدّم لها طريقة مساعدته : أن تُحبّه !
" مستحيل "
-------------------------------------------
استيقظت وقد حلّ المساء ، لن تبقى في غرفتها ، ستزور صديقتها الوردة الوحيدة. ارتدت مايناسب ونزلت الى الحديقة. سقت الورده وجلست حذوها تنظر الى السماء . وتكلمت في نفسها " انا قد القرار ده؟ اني اعيش حياتي واحاول انسى ؟ بس خايفه ! خايفه ان انا نسيت ارجح اتجرح تاني . قلبي ماعدشي حمل وجع. ايوا هحاول ، انت مش ضعيفه، و هكون المحاميه الشاطره اللي ياما حلمت بيها. بس.. لا بس ولا عفريت، ربنا حيكون معايا هو هيرافقني فحياتي، انا من النهارده خلاص عايزه أعيش."
رفعت رأسها لترى نبيل يدخل البيت. كالعادة، في كامل اناقته، كيف لشخص مثله أن يقول انه لا يشعر الا معها " وانت صدقتي ؟" كالعادة سذاجذتها تسيطر عليها. كيف لشخص بجمال واناقة نبيل ان يبقى بلا علاقات وأكيد انه احبّ ، او له حبيبه . فكيف صدقت كلامه. ؟ " عشان انت فاكره الناس زيّك خايفين حتى من ظلهم، فوقي يا رشا ، ماتحلميش كتير. بس من حقي احلم . " تنهدت مطولا. نظرت الى الوردة ونزلت دموعها مرّة أخرى ، الى متى ستبقى هكذا ، ترتعب من قرب أحدهم منها،؟ الى متى ستبقى جاهلة في امور الحب؟الى متى ستبقى وحيدة؟ كرهت ضعفها ، وكرهت عدم قدرتها على فعل شيء في هذا الشأن. كرهت ماحدث لها. لو لم يتدخّل حسام في حياتها لكانت الآن مستمتعة بتخرّجها ، تكلّم حبيبها في كلّ شاردة وواردة. لو ، لو ، لو ! كرهت هذه الكلمة أيضا ، عليها أن تضع حدًّا لكلّ هذا . الوحدة قاتله. وان تواجدت كريمه معها فهي لا تملؤ الفراغ داخلها. فراغها من نوع آخر، هو افتقاد للحنان و المودّة ، افتقاد للحب. ولكن ! من سيوفّر لها متطلباتها. لا بدّ لها ان تتذكر انها متزوجة من شخص ما. فان ارادت البحث عن الحب عليها ان تبحث هنا أولا. توجّهت نحو المنزل و فكرة واحدة تسيطر عليها " حيساعدني وحساعدو "
-------------------------------------------
كان يخلع قميصه حين سمع طرقات الباب
" ادخل "
دخلت لتصعق بجسده العاري ، يرتدي فقط سرواله.
التفت بسرعة الى الباب خلفها وقد احمرّ وجهها.
" انت مش طبيعيه "
تلعثمت في كلامها ، " مين ؟انا ؟ ليه ؟"
" اي حاجه تخليكي مش على بعظك "
" لا أبدا "
" الكذب حرام " قالها بسخرية .
" انا ماكذبش ، "
"اذا كان كده بصيلي !"
" اه ! ليه ؟ انت كملت لبس "
" من زمان "
التفت مترددة لتجده في الشرفة ينظر الى النجوم. تقدمت نحوه ووقفت بجانبه. لم يتحرّك وانما اكتفى بالوقوف جامدا هناك.
" عايزه أسألك فموضوع كده "
" سامعك "
" انت على اي اساس اخترت قايمة المتربصين"
" جايه في الوقت المتأخر ده تسأليني ، سؤال تافه زي ده "
" بس هو مش تافه بالنسبالي، ارجوك عايزه اجابه"
" على اساس التفوق "
" يعني مش عشان حاجه تانيه ؟"
" قصدك ، عشان انت مصاحباني و قدمتي نفسك ليا ؟ "
صُعقت من كلامه، الا يدري ان كلامه يؤذيها ويؤلمها؟ أكمل دون اهتمام.
" لا ، أنا درست الملفات مين غير انحياز لحد"
" يعني انا استحقيت الفرصه دي؟ "
" ايوا ، انا مبهزرش في الشغل "
تمتمت في نفسها " وانت امتى بتهزر ؟"
" قلت ايه ؟"
" اه لا ولا حاجه "
صمتا مطولا و كأن الزمان قد توقف ، لتتكلم رشا دون توقف .
" نبيل ، أنا عايزه أتغير، مش عارفه هتفهمني والا لا لما اقلك عايزه اعيش. انا من ساعة ما ... ما .. من ساعتها وانا حياتي اتلخبطت ووقفت . ماعدتش رشا ، صرت بنت تانيه مليانه خوف ورعب . مش قادره ابص لحد ، ولا امشي وحدي في الشارع، انا حتى الجامعه كنت بالزور ، واتحايل على نفسب عشان اروحها. مش عشان مش عايزه ادرس! لا! عشان في ناس كتير وفي رجاله . انا برتعب لما حد فيهم يبصلي، بحس اني عايزه ارجع. لاني.. لاني .. دايما بخاف ان حد فيهم يأذيني زي.. زي .. " ورفعت كفها لتمسح دمعة خانتها . وتهدّج صوتها .
" بس عايزه اعترفلك بحاجه، انا تعبت. انا عايزه اعيش. عايزه اكون محاميه شاطره واثبت نفسي قدام الناس، عايزه اكون قد الفرصه اللي مقدمهالنا دي . عايزه حجات كتير بس .. " تنهدت " بس الخوف اللي جوايا بيمنعني اعيش. "
التفت له ونظرت مباشرة في عينيه. فنظر لها بدوره كعادته ببرود وفراغ.
" نبيل، عارف انا كنت بتمنى ايه؟ "
حرّك رأسه لتكمل " كان منايا اني افقد الاحساس وماعدشي حس باي حاجه، لان الوجع كان اقوى مني، لان الدموع مش عايزه تسب عيني ، لان الخوف خلاص ارتاح جوايا ومش ناوي يروح . " وغلبتها دموعها " كرهت الضعف اللي انا فيه ده . مش كتير عليا اني اتمنى حاجه زي دي ؟ مش كده؟ والا دي كمان استكتروها عليا "
قطع نظرتهما وعاد الى النجوم يراقبها،ظنت انه سيتكلم لكنه بقي ينظر الى النجوم وكأنه ينظر الى رفيق قديم . طأطأت رأسها والتفت لتغادر، لا تعرف مالذي دهاها لتأتي الى غرفته ليلا و تتحدث معه عن حقيقة مشاعرها لكنها لم تندم. هناك كلام ان لم تقله بصوت عالٍ سيقتلك . عليك ان تسمعه بصوت عال، لان ترديده داخلك يحرقك بنار لا تنطفئ.
نبيل لم يهتم بها سابقا ولن يهتم بها الان، أرادت شيئا من بروده ، تمنت لو كانت مثله لا تحسّ بشيء ، أو هكذا ادعى .
" والفراغ كمان بيقتلك من غير ماتحسي "
توقفت واستدارت تسمعه. ليكمل دون ان يلتفت لها. " اللي بتتمنيه ده ، لو كان عندك كنت زمانك بتحاولي بأي طريقه انك ترجعي تحسّي. الخوف والدموع والرعب ،كل الحجات دي بتخليك عايشه. " التفت لينظر لها . " الفراغ بيخليكي زي الآله كده، لا تحسي لا تهتمي، ماتفهميش يعني ايه مشاعر ، يعني ايه تحسي . فماتتمنيش كده تاني "
" بس انا اتوجعت كتير ، لو بطلت احس حبطّل أعيّط، حبطّل أخاف "
" وحتبطلي تفرحي ، وحتبطلي تهتمي بالناس حواليكي ، و تأذيهم ببرودك و تضيعي نفسك "
أحست انه يتكلّم من تجربة ، كانت كلماته صادقة جدا. وكأنه يتكلّم عن نفسه.
" رشا .. الحياه مهما كانت قاسيه فالشعور بقساوتها حاجه كويسه ، لأنك فالآخر حتحسي بالفرحه لما كل ده يخلص. المشاعر تخليكي انسانه . انما الفراغ بيخليكي حاجه . زيّك زي الشباك ده، مانفعتو ماديّة. ده ممكن يساعدك تكوني محاميه شاطره بس بيخليكي انسانه فشله ."
لم تشعر كيف نزلت دموعها ، وكيف اقتربت منه لتشدّ على يده.
" بس انت مش كده "
" انت ماتعرفينيش. انا كده واكتر كمان "
" الفراغ اللي انت بتتكلم عنو ، عندك مش كده ؟"
رفع رأسه ونظر لها مطولا قبل ان يجيبها
" الفراغ ده عايش جوايا من زمان ، من زمان قوي. انا وياه واحد . "
لم تشأ ان تترك يده او ان تنزل عيناها " ازاي ! "
نفض يدها واتجه الى سريره يجلس على طرفه.
" ماعرفش "
اقتربت منه مجددا ، حذرة من انقطاع لحظة الصفاء بينهما ، " عايز تتخلص منو مش كده ؟"
رفع رأسه لتلمح شيئا في عينيه.
" في فرق كبير بين الي عايزينو والي بيحصلنا."
" انت عايز مش كده ؟"
اندفع من مكانه ليمسكها من ذراعيها ويشدّ عليها
" عايز احس، عايز احس اني انسان طبيعي."
" وانا عايزه ارجع طبيعيه"
نظرا في أعين بعضهما. عادت نظرة نبيل لتلك التي ترمقها وكأنها طوق نجاته. أما هي فلا تعرف ما عكست نظرتها. لكنها تعرف ان دقات قلبها قد تراقصت بجنون داخلها . وآقدمت على فعل ماظنت انها لن تجرأ على فعله في حياتها.
