📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن كامله وحصريه بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن كامله وحصريه بقلم سعاد محمد



الفصل الأول
(جُدران )
في صالة الاستقبال الواسعة بالمنزل الكبير لعائلة الحاج فؤاد الكُردي امتدت المائدة الطويلة، العديد من أنواع الطعام الشهي زينت الصحون الخزفية القيمة، بينما تصاعدت شتى الروائح اللذيذة ترحيبًا بعودته من السفر.
كل عام بالتوقيت نفسه يسافر إلى بلدته حيث نشأ وترعرع قبل أن يشد الرحال إلى العاصمة تحت إصرار من ولده الراحل وابنته الكُبرى، إلا أنه لم يقو على الانقطاع تمامًا عن أهله فصار حريصًا على الرحيل إلى هناك والبقاء لأسبوع يعمل خلاله على مراعاة شؤون أهل قريته الصغيرة، يسد ما يستطيع من احتياجاتهم، يستمع إلى أحاديثهم مهما قلَّت درجة أهميتها، يُكثر من الذبائح ليُوزعها على المحتاجين.
أما وقد انتهى الأسبوع الذي يستمتع به ببساطة الحياة بين أقربائه فَعَليه الآن أن يستأنف تعقيدات أفراد عائلته!
على كل مقعد جلس واحد منهم، بصمت، بتهذيب، يحدق في صحنه بتركيز يدعو للعجب.
الاسم: وليمة للاحتفال بعودته سالمًا..
الفعل: عادة مفروضة يمر خلالها الوقت على غالبيتهم كسلحفاة عاجزة!
إلا أن هناك أربعة كراسي شاغرة، يبدو للرائي وكأن أصحابها قد امتلكوا من الحظ الكافي ما جعلهم بمكان بعيد عن هذا البيت!
"حمدًا لله على سلامتك يا عمي."
رن الصوت الحنون لأرملة ابنه كتحية العصافير أثناء سباتهم جميعًا بالصباح، فارتفعت بعض الرؤوس بحدة وقد انتبهوا إلى صمتهم الذي طال، والبعض الآخر كادوا يضعون رؤوسهم أسفل المائدة!
_سلمكِ الله هالة، لقد بذلتِ جهدًا كبيرًا وأرهقتِ نفسكِ، لم يكن هناك من داع لإعداد هذه الوليمة.
كلمات طيبة.. بلهجة جافة لم يعد يتفوه بسواها حتى في حال اضطراره لإظهار بعض الامتنان!
_لم أشعر بالإرهاق يا عمي، لكن بالمرة القادمة ستصحبني إلى البلدة معك.
نظرة صقرية ممتعضة من صاحبة الكرسي المواجه لم تلحظها هالة، أو ربما لاحظتها ولم تأبه بها كعادتها.
_لم يصطحبني أنا معه، لماذا سيفعل النقيض معكِ؟! ألا تعتقدين أن ابنته الأحق بصحبته يا هالة؟! أم أنكِ تظنين أنني لا أستطيع الاهتمام بشؤون أبي مثلما تفعلين أنتِ؟!
_عزة!
نداء مقتضب باسمها؛
لا يطلب شيئًا مُعينًا؛
لا يأمر بشيء مُحدد؛
لكنه نداء يحمل فرمانًا توقيفيًا دون أن يضطر لقول المزيد!
صمتت عزة، وأجبرت نفسها على تأجيل شجارها التالي مع غريمتها، والتي من سوء حظها تكون أرملة شقيقها وأم ثلاثة من أبنائه.. ومَكمن ثقة والدها الأكبر!
بِخفة لكزها زوجها على ذراعها، ومال عليها هامسًا حتى لا ينتبه إليه أحد:
_لا تزيدي من الأمر سوءًا يا عزة! تريثي الآن ولا تندفعي بقول شيء من شأنه أن يدعه ينقلب ضدنا أيضًا!
ضغطت على أسنانها بغيظ مدركة أنه محق،
فوالدها العزيز ليس لديه عزيز!
بإمكانه الجنوح في القسوة على أي شخص مهما كان على درجة القرب منه..
باستثناء هذه المرأة.. وأبنائها!
أتراها تمارس السحر؟!
أم تراها تخدعه بتظاهرها بالطيبة والخضوع؟!
لا تعلم ما الحيلة التي تقوم بها، لكنها ستفعل!
ستفعل قبل أن تفقد عقلها بسببها وبسبب الامتيازات التي تتمتع بها لدى أبيها هي!
في غيابات حقدها عميَت عن تدقيق والدها نظراته فيها، لكنه لم يتحمل الاستمرار فى رؤية مشاعرها الكريهة أكثر من ثوان معدودة، فنزع عينيه عنها بعدها لتتمهل على كل وجه من الوجوه الحاضرة.. والتي هي في الوقت ذاته غائبة!
من يقول أن السعادة يشتريها المال عليه الحضور مجانًا لمشاهدة عرض حي لزيف قوله!
لين .. أكبر حفيداته، الجميلة الرقيقة.. تتظاهر بأنها تُطعم طفلها، بينما عيناها تحكي قصة عن قلق، وخوف، واضطراب وكأنها تنتظر حُكمًا بالنفي!
إلى جوارها يجلس زوجها عماد، اجتماعي أكثر من اللازم، ثرثار أكثر من اللازم، ويتصرف بطريقة تلقائية لا مُبالية أكثر من اللازم!
أما غفران .. أصغر حفيداته.. في صمت كانت تأكل وهي تمنح الجميع نظرات مختلسة ساخرة.. وأحيانًا تنفلت منها أخرى نافرة!
دومًا ما منحته شعورًا بأنها لا تتشرف بانتمائها لهذا البيت ولهذه العائلة؛
أو.. لا يُشكل انتمائها إليهم أي فارق!
إلى جوارها يجلس شقيقها لؤي أصغر أحفاده، يبتلع اللقيمات بسرعة حتى يولي هاربًا من هذا الاجتماع الخانق.
أمامه يجلس عمرو حفيده ابن ابنته عزة.
لماذا قالوا من شابه أباه فما ظلم؟!
لماذا لم يقولوا من شابه أباه أو أمه فما ظلم؟! فهذا الشاب هو نسخة مصغرة مُذكرة عن أمه!
لكنه أقل تهورًا.. وأكثر دهاءً!
إلى هنا ينتهي المطاف..
عفوًا! لم ينته!
مضطر هو إلى الانتقال بتأمله إلى حيث يتهرب منذ البداية..
إلى المنتصف!
تجلس هي بين حفيدته الكبرى المُتظاهرة بالاندماج وحفيدته الصغرى المُتفاخرة بعدم الاندماج!
بَيْن بَيْن؛
الوسطى.. في المنتصف؛
بهدوء تقطع الخبز لتضع به قطعة صغيرة من اللحم، بهدوء تدسها بفمها، وبهدوء تمضغها ويكاد يقسم أنها لا تدرك ما هو طعمها!
لمحة ندم وحزن ومرارة اجتاحته وهو يتطلع بها..
هل ظلمها؟
هل جار عليها؟
وعند التفكير بالظلم والجور ارتحلت عيناه بحدة قاسية إلى المقاعد الشاغرة.. اثنين منهما على الأخص!
هو لم يفعل، بل هما من وأدا راحتها قبل أن تسنح لها الفرصة للشعور بها!
لو أن أحدهما أمامه الآن لانتقم منه لأجلها!
لكنه حاول..
حاول تعويضها بما تأكد أنه الصالح لها، وبما يُدرك أنه كان سيمنحها سعادة تستحقها إلى الأبد.
لكن مهما بلغت قوته وسطوته لن يستطيع محاربة القدر.
"لم يتبق إلا شهرين على بداية عامي الدراسي الأخير جدي."
انتشله لؤي من أفكاره المتباينة، فنظر إليه ليبتسم واعيًا بما يرمي إليه في عبارته، ثم قال:
_لم أنس هديتك يا لؤي، لك السيارة التي تريد، لكنني لن أسمح لك بقيادتها وحدك حتى تُنهي عامك الدراسي، وبعد التخرج ستكون تحت تصرفك كما تشاء.
وبرغم الاعتراض الطفيف على بعض القيود التي يفرضها عليه جده فإنه أومأ مُبتسمًا بشكر، راضيًا بما حصل عليه حينما ظن أنه قد نسى وعده، لكنه كعادته يثبت له أنه سيحاول تعويضه عن والده المتوفى، والذي كان _في تطرف_ يُفضله على إخوته جميعهن!
**********
تسللت أشعة شمس يوليو الحارقة من النافذة لتتسلط على رأسه رغم أنه يجلس أرضًا بأقصى ركن، مُرخيًا ذراعيه على ركبتيه المرفوعتين عاقدًا حاجبيه بعبوس صار مُلازمًا له منذ وطأت قدماه أرض هذا المكان.
دارت عيناه بتمهل على "الزملاء" الذين يترامون هنا وهناك، فُرادى أو مجموعات، ينشغلون بأمور تخصهم أو ينشغلون بـ.. مُراقبته!
ردَّ لِمن يُحدق النظر به تحديقًا أكثر توضُحًا، وثباتًا، وتوعدًا!
أربعة أشهر قضاها خلف الجدران نفسها، لم يتبادل حديثًا مع أحدهم استغرق أكثر من ثوان معدودة بكلمات دقيقة مُقتضبة، ولايزال ينتظر مرور الأشهر المُتبقية.
منذ يومه الأول أثار انطوائه انتباه البعض وانزعاج البعض الآخر، حاولوا استفزازه بشتى الطرق لكنه كان يتشبث بوحدته وكأنها طوق النجاة الوحيد في هذا المُحيط الغادر.
حتى عندما نشب الشجار بينه وبين أشدهم إجرامًا خلال أسبوعه الثاني أثبت للجميع بما لا يدع مجالًا للشك أنه لن يكون لُقمة سائغة بين أفواههم.
انتصرت نظراته الجامدة على نظرات أحدهم الذي جنح للسلام والاستسلام مُبتعدًا عنه مُفضلًا عدم افتعال شجار آخر مع ذلك النزيل غريب الأطوار والذي يخفي في جعبته الكثير فيما يبدو.
سافر بعين خياله إلى خارج النافذة، حيث الجدران العالية التي تعلوها الأسلاك الشائكة مُهددة أية مُحاولة هرب بفشل نازف الدماء في حال لم ينتبه أحد العساكر اليقظين بأبراجهم العالية أولًا.
نصف ابتسامة متهكمة احتلت ثُغره وهو يتأمل كل جدار على حدة؛
الجدران هي الصديق الأزلي الذي لم يمل صحبته؛
وهي العدو الصارم الذي اختطف منه كل ما تاقت إليه نفسه واشتاقته؛
دومًا هو حبيس، ومنذ وصوله إلى هذه الحياة يقضي عقوبته!
كثيرًا ما دفع الثمن، أحيانًا بنفس راضية، ومرارًا رغمًا عنه.
كل ليلة قبل أن ينام يحوم السؤال فوق رأسه حتى يكاد يكون له مرئيًا..:
"أتتوق نفسه للحرية؟!"
فينبثق سؤال أشد سطوعًا..:
"هل سيجدها في انتظاره خارجًا؟"
ثم يرتفع سؤال أعظم وأكثر إلحاحًا..:
"ماذا سيفعل بمجرد تحرره؟"
والإجابة ربما هي الكلمة الوحيدة التي ينطق بها جهرًا فيُثير دهشة بعض زملاء العنبر وخوف الغالبية العظمى..:
"سأنتقم!"
وللتأكيد يومئ برأسه متوعدًا لأطياف لا يراها سواه..:
"منكم جميعًا سأنتقم!"
**********
"مع من تتحدث؟"
التفت عماد إلى زوجته التي ظهرت من العدم في حديقة بيت عائلتها بعد أن تركها منذ دقائق ليُهاتف أحد أصدقائه..
تأفف في ملل وهو يُطالع التحفز بعينيها التي كادت تخترق هاتفه، ليرفعه أمامها مُجيبًا بسخرية:
_إنه أسامة صديقي، هل أتصل به ثانية وأدعكِ تسمعين المكالمة كي تتأكدي أنني لست على علاقة بأخرى؟!
احتدت نظراتها أكثر وبدلًا من أن تُظهِر راحة فور تأكدها من صدق ما يقول تضاعف الضيق على محياها وعبست قائلة باعتراض:
_هل تركت جدي بالداخل كي تهاتف صديقك؟! وفيم كنتما تتحدثان يا تُرى؟! أتمنى ألا تكون هناك دعوة له ببيتي وأنا لا أدري.
وضع هاتفه بداخل جيب سترته وهو يقول بلا اكتراث للتحذير المُبطن الذي شاب عبارتها الأخيرة:
_بلى! لقد دعوته هو ومراد ليلة الغد بمنزلنا، تعلمين أننا نجتمع دوريًا.
كظمت غيظها بمعجزة وهي تقترب منه وترمقه في تصميم:
_أعلم بالطبع، لكن ذلك الأمر أصبح لا يُحتمل يا عماد، إنهما دومًا ببيتنا، دومًا يعلمان بأدق خصوصياتنا، لا أطيق كون حياتي قد صارت مشاعًا لصديقيك، فلتتلاقوا خارجًا! لِمَ أُنشئت المقاهي إذن؟!
ومقابل ثورتها الوشيكة مط شفتيه بلا اهتمام ليرد بهدوء ليس بمحله:
_أنا لا أجد راحة إلا ببيتي يا لين، وسأظل أكررها لكِ: توقفي عن محاولة الاستحواذ عليّ، أحتاج بعض المساحة الشخصية التي أمارس فيها هواياتي وأقابل خلالها أصدقائي.
احتدت نظراتها أكثر وهي تتخلى عن ثباتها المُفتعل لتهتف بكل حنق:
_أية هواية يا عماد؟! لا أستطيع التفكير بشيء واحد مفيد تفعله ما إن تصل إلى البيت، وقتك بأكمله بات مِلكًا لصديقيك!
سكتت تنظم أنفاسها التي توترت ثم أضافت في ألم واضح:
_حتى يزن لا يتلقى الاهتمام اللازم منك، أليس هو الأحق بالمراعاة بدلًا من قضاء وقتك أمام التلفاز مع شخصين لا يمتلكان من الذوق ما يجعلهما يدركان أنهما يقيدان حرية امرأة وطفلها في بيتهما طوال الأسبوع تقريبًا؟!
مال برأسه مُقتربًا منها واكتسبت عيناه تحذيرًا جليًّا ظهر أكثر بكلماته:
_لين! لا أحبذ طريقة تحدثكِ عن أسامة ومراد، ولن أُغير نظام حياتي لأجل رغبتكِ في تكدير وقت فراغي وراحتي، انتهى!
ألقى عبارته الحازمة وتجاوزها قائلًا:
_هيا بنا إلى الداخل حتى لا يلاحظ جدكِ فيبدأ بإلقاء الأسئلة!
حدَّقت في ظهره وهو يعود إلى الداخل بينما ظلت هي مكانها، كتفت ساعديها معًا وأطلقت زفيرًا طويلًا.. مُتوترًا.
تتصارع الأسئلة فتنال من سلامها واستقرارها؛
تريد التعبير عن خوفها؛
ترغب بإعلان شكوكها؛
لكنها لا تضمن أن تبلي حسنًا، بالطبع سيتم اتهامها بالجنون!
ربما هي بالفعل مجنونة؛
وربما بات عقلها الأحمق يُهيئ لها ما يُثير ذعرها؛
فلتصمت إذن حتى ترى بينة واضحة!
**********
تأففت بتقزز وهي تمسح بقايا الطعام عن شفتيه غير مُبالية بتمتماته الشاكرة المُتتابعة التي صارت لا تُرضيها.
حملت الصينية وسارت إلى المطبخ وبدأت بغسل الصحون بذهن شارد .
لقد طال الأمر كثيرًا وباتت لا تحتمل هذا الوضع المزري الذي تعيش به، ظنت في البداية أنها تفعل الصواب الذي سيعود عليها بالمغانم الوفيرة في مُدَّة قصيرة لكن ها هي حبيسة هذا المكان.. وذاك الرجل!
أطلقت تنهيدة بعدما أنهت مهمتها وخرجت من المطبخ لتعود إليه كي تنظف يديه التي لم يستخدمها كثيرًا أثناء تناوله الطعام، بطريقها توقفت أمام المرآة الضخمة بالممر، اقتربت منها لتصعد أناملها تتحسس وجهها الذي بدأت تطفو على سطحه تجعدات كريهة مُعلِنة عن تغير غير مُحَبَّذ في هذه المرحلة.
لِمَ ظهرت وهي لم تحقق شيئًا بعد؟
ولِمَ احتلتها وهي لم تصل إلى أي من أهدافها؟
وكيف تسطو على شباب بشرتها وهي لاتزال بنهاية عقدها الرابع فحسب؟!
أهي حقًا بعامها التاسع والثلاثين؟!
أهي بالفعل قضت تسع سنوات فقط رهينة زواج ظنته سيكون مفتاح قارون لتكتشف أنه ما هو إلا الأرض التي انشقَّت لتبتلعها وأحلامها!
وصلت أناملها إلى شعرها لتُعدل من منظره بأنوثتها التلقائية؛
لا يُنكر جمالها أعظم مُتكبر، ولا يستطيع الكثير غض بصرهم أمام فتنتها، ولكم اعتقدت هي طويلًا أن هذا الجمال سيوفر لها فرصة أفضل في الحياة من فرصة والدتها التي تزوجت من موظف مطحون لتنجب منه طفلين كي يواصلان رحلة شقاء مُنهِكة تظاهرت معه بعدم تأثيرها على حبهما وسعادتهما، وها هي ترث الشقاء كاملًا دون أدنى قدر من الحب أو السعادة!
لكن في فوهة يأسها استقام العناد كالعنقاء من الرماد في عينيها، لتستدير عائدة إلى الغرفة التي أصبحت تهرب منها كل ليلة بحجج لم تهتم بأنها أمست مفضوحة متكررة.
"لقد استخدمت المنشفة التي تركتِها لي يا علا، أتعبتكِ معي."
قالها بتهذيب ليس من عادة صفاته، وبِنبرة ذليلة باتت من أهم سماته!
_هل استخدمت المنشفة الجديدة التي ابتعتها مؤخرًا؟!
سألته في ذهول لم يستوعب سببه، فأخذ ينقل نظراته بينها وبين المنشفة في حيرة..
_هل أخبرتك أنا أنها مُخصصة كي تمسح بها فضلات طعامك؟! لماذا لم تنتظر حتى أجلب لك منشفتك الخاصة؟! لماذا لم تستخدم محرمة ورقية؟!
صاحت به كعادتها في الآونة الأخيرة بعد أن فقدت كل هدوء أعصابها، فاهتزت نظراته بعض الشيء وقال بارتباك:
_لم أتحمل الانتظار، وأنتِ تغيبتِ بالمطبخ فناديتكِ ولم تسمعيني.
اقتربت منه تتخصر بإحدى يديها وتُشيح بغضب بالأخرى:
_لأنني كنت أغسل الصحون التي أكلت أنت فيها، فاستغللت الفرصة وخربت شيئًا آخر يخصني.
ازدرد لعابه وهو ينظر إليها بِحَرَج مُتسائلًا بخفوت:
_لِمَ التهويل علا؟! إنها مجرد منشفة!
وبكل عنف هَزَّت رأسها نفيًا وهي تختطف المنشفة التي تلطخت بعض الشيء ثم صاحت بهياج:
_لا! إنها حياتي بأكملها، وسنوات عمري التي يتم هدرها معك هنا!
تعالى صدرها وهبط سريعًا بعدما أنهت عبارتها؛
زلة غير مقصودة لكن الندم لم يتسلل إليها لوهلة، حتى وهي تحدق بعينيه التي ازداد الحرج فيها ممتزجًا بالكثير من الذل والحاجة!
ما عَبَّرت عنه بلا قصد لم يكن بالخبر الجديد بالنسبة إليه، فهو يعلم منذ البداية أنهما عالقان بزواج لإفادة طرفيه!
هي.. تريد التخلص من الحياة المُدقعة التي عاشتها في كنف والديها؛
وهو.. لا يستطيع قضاء يوم واحد دون امرأة؛
أو.. "كان" لا يستطيع قضاء يوم واحد دون امرأة!
فالآن بعد أن خارت قواه وباتت صحته على المحك لا يقوى على تناول طعامه أو قضاء حاجته دون مساعدة.
مساعدة لم يحصل عليها من أحد بِحُب وإخلاص، فسابقًا كان يتلقاها بسبب اضطرار الطرف الآخر، والآن ها هي زوجته تُقدمها لأنها لا تملك ما تفعله سوى ذلك!
_أتريدين الطلاق؟
سؤال ألقاه مُنكَّس الرأس دون أن ينظر إليها، مُدركًا إجابته مُسبقًا، النفي القاطع بلا أدنى درجة من الشك!
_أتريده أنت بعد أن تغذيت على شبابي لِتسعة أعوام؟! بعد أن امتصصت كل ذرة حياة بداخلي لعام تلو الآخر؟! أتظن أنني قد أصافحك بسلام ثم أرحل عنك بهذه البساطة؟!
وأضافت إلى النفي الكثير من المَن والأكثر من الأذى!
تُخبئ في يُمناها تسع سنوات هي عُمر زواجهما، وتُشهِر بيُسراها عشرين عامًا هي الفارق بينهما!
_لا أرغب بذلك بالطبع، لكنني لن أتحمل انقلابكِ يوميًا وأنتِ تُذكرينني بمأساتكِ.
والمعركة بدأت بينهما؛
معركة غير متكافئة بالمرة؛
هو الأضعف، هو المحتاج، هو الطرف الذي تربَّح كثيرًا منذ البداية!
هو يُدرك ذلك.. ومن سوء حظه أنها أكثر منه إدراكًا!
طأطأ رأسه أرضًا بعد أن أُعلِنت هزيمته بفضل ابتسامتها الساخرة؛
ابتسامة تنظر له؛
ابتسامة تشمت به؛
ابتسامة تأمره دون كلمات: "دعني أرحل إن استطعت! أرني كيف ستقف على قدميك لتودعني!"
_لا أريد الطلاق، أريد الضمان.
_ضمان لِمَ؟
اقتربت منه وجلست على الفراش، أمسكت بالمنشفة مرة أخرى، مسحت يديه بها عن رضا بنفسها، بِحنو، بهدوء، وكلماتها كالرصاصات لا تُخطئ هدفها:
_ضمان يؤكد لي أنني لن أخسر كل شيء إن ظلت حالتك المرضية كما هي، أو.. ساءت أكثر!
بوقاحة قالتها، دون أن تتظاهر بتمني عدم وقوع شر، وازدرد لُعابه واعيًا للتبلد الذي ظلل عينيها.
حاول تذكر كيف تكون القسوة؛
كافح لاستعادة صلابته القديمة؛
حارب كي يُظهِر بعضًا من جفاء وغضب؛
ليقول وهو يفشل في مُداراة اهتزاز صوته الذي صار ضعيفًا مُثيرًا للشفقة:
_أي ضمان تريدينه يا علا؟! ألا تنتبهين لِما بِعت كي أشتريكِ أنتِ؟ ألا تفهمين أنني قد قُمت بما لا يجرؤ رجل عليه؟! لقد التزمت الصمت وأذعنت لِفعلتِكِ من أجلكِ وحدكِ!
وإن كان هو يجد صعوبة في تصنع أقل درجات القوة، كانت هي ترفل في أقصاها!
فهَبَّت واقفة تهتف به دون تردد:
_لا تتصرف وكأنك تفضلت عليّ بِصمتك! أنا كنت أدافع عن حقي، لا أهتم إن ظهرت لديك مشاعر مرهفة حنونة على حين غرة!
وخسِر؛
خسِر مباراة لم يكن أهلًا حتى لمُشاهدتها كمُتفرج!
وكعادة تأصلت به نتيجة وضعه أخفض رأسه مُتسائلًا بروح خاسرة:
_ما هو الضمان الذي تريدينه؟
هل تريد المال؟
تعلم أنه بات لا يملك منه!
أم تريد الانتقام؟
مُحال! فقد حصلت عليه بالفعل!
_أتعلم؟! للمرة الأولى أتمنى لو كنت أنجبت منك ولدًا، لم أكن لأعيش مذعورة مخافة أن أصبح بلا مصدر للإنفاق ذات يوم.
نظر إليها بارتياب بعد أن استمع للشرود في صوتها، والارتياب تحول إلى خزي وألم ما إن تابعت بنبرة مُهينة ذات مغزى:
_لكن لم يحدث، ومن المُستحيل أن يحدث الآن بالطبع!
وواصلت قبل أن يجد كلمة يُدافع بها عن نفسه، وما تعيره به دون تصريح:
_لِذا أنا أعيش هنا بفندق، بين لحظة وأخرى لن أجد مكانًا يأويني.
جف حلقه وهو يرى تلك النظرة بعينيها؛
نظرة تسبق انقضاض؛
وتُعلِن عن قُرب الظفر بالفريسة..
_تحدثي بصراحة يا عُلا!
_المحل.
فغر شفتيه ووقع المفاجأة يتحكم بوجهه المُتغضن ونظرته المصعوقة، فلم تأبه، وبثقة اكتسبتها من عجزه أكدت:
_أريد المحل.
ربما إبداء بعض الغباء سيُفيده في هكذا اختبار، وربما تتراجع فيتظاهر كلاهما أنهما لم يتطرقا يومًا لهذا الأمر!
أجلى حنجرته الجافة ثم تمتم بخفوت رغم بقايا من خشونة في صوته كان ذات يوم يتباهى بها:
_لقد صرتِ تُديرينه بالفعل، لا أفهم ما..
ومالت مُقتربة ثانية؛
تستند بإحدى يديها على عمود الفراش إلى جواره، بينما الأخرى تُداعب ذقنه الخشنة بعد أن أهملت مُساعدته في حلقها منذ الأمس عامدة إلى أن يشعر طوال الوقت بالاحتياج إليها وحدها!
حاصرته في الزاوية وفي خفوت أدلت بما تهفو إليه بكلمات واضحة، مُحددة:
_تفهم جيدًا، لا أريد أن أبقى به كبائعة، أو عاملة سيتم الاستغناء عن خدماتها إن حدث لك مكروه، أريد أن أكون مالكته.. رسميًا!
*
أغلقت باب الغرفة وأوصدته بالمفتاح ثم استندت عليه تستشعر الراحة بوصولها إلى واحتها سالمة بعد قضاء ساعات بعمر السنين مع أفراد عائلتها المُبَجَّلة.
تخلت عن حجابها وبدلت ملابسها ثم ألقت بجسدها فوق الفراش، حدَّقت في سقف غرفتها الحبيبة والذي تراه أجمل ما في البيت الكبير، لأن لا أحد يُشاركها رؤيته!
تتنفس.. بعمق؛
تتنفس.. بإتقان؛
تتخلص من تأثير بقاءها معهم خارج صدرها، وتستجلب تأثير وجودها وحدها إلى داخل روحها!
رنين هاتفها انتزعها من بحر تمتعها بحريتها، لكنه الرنين المُخصص لصديقتها المُقربة والوحيدة.. لا مانع إذن!
اتجهت إلى الهاتف لتجد مكالمة مُصورة
من صديقتها التي ظهرت على شاشة الهاتف تبادرها بتهكم:
_هل تم الإفراج عنك قبل أن تقتلي نفسك؟!
تعالت ضحكات غفران الساخرة وهي تومئ برأسها إيجابًا، ثم قالت بعد أن هدأت قليلًا:
_لا تتصورين إلى أي مدى أصبتِ يا سدن، كدت أفعلها حقًا!
شاطرتها الضحك ثم علَّقت تلقائيًا:
_لا أصدق أن أفراد عائلتك بهذا السوء يا غفران، لماذا لا تنصتي إليّ وتحاولي التقارب معهم والتخلي عن عُزلتك؟
تلاشى كل أثر للمرح أو التهكم من عينيّ غفران وهي تُجيبها في اقتضاب:
_لأنني لا أريد.
وتابعت قبل أن تبدأ صديقتها كعادتها بإسداء النصائح كي ترمم ما فسد بينهم:
_كما أنني لم أقل أنهم سيئون، أنا.. لا أشعر تجاههم بأي حنين أو رغبة بالتواصل فَحَسْب.
انتبهت سدن للوجوم الذي ارتسم على ملامحها فسارعت بالتظاهر بحسدها قائلة:
_ليتني أمتلك عائلة عريقة كبيرة مثلك، بدلًا من قيامي بكل المهام المنزلية بمفردي!
تسارعت ضحكات غفران واستمرت لثوان متواصلة، بينما نظرت لها سدن بدهشة قبل أن تسألها:
_لِمَ تضحكين؟
_أنتِ لا تُدركين شيئًا مما يجري خلف الستار.
ازدانت عينا سدن بالفضول الخالص ومالت بالقرب من الهاتف حتى بات شكل وجهها مُضحكًا بعض الشيء وهي تسألها:
_ماذا تعنين؟
هزت غفران رأسها بلا تعبير وهي تسحبها إلى اتجاه آخر مُستفهمة بحماس:
_لا أعني شيئًا، أخبريني هل ابتعتِ ما تحتاجين مع والدتكِ اليوم؟
عوجت سدن شفتيها بضجر ثم هتفت بحنق:
_لا تُذكريني! لقد تورمت قدماي أثناء التجول في الأسواق من أجل شراء كل ما كتبته والدتي في القائمة وكأنني سأتزوج بالغد، وبآخر اليوم أخبرتني أنه لايزال هناك الكثير مما ينقصنا بعد!
تبسمت غفران لتقول لها ببساطة:
_لأنها تحبكِ وتبذل أقصى جهدها كي تُسعدكِ.
_وما ذنب قدماي؟!
صاحت بها سدن باعتراض نزِق نوعًا ما جعل غفران تقول بحسرة:
_لو كنتِ تسكنين بالقرب لِما تركتكِ تُجهزين لزفافكِ وحدكِ.
زمت سدن شفتيها وهي تنظر لغفران بغيظ، ثم ما لبثت أن ارتسم الحماس بعينيها وهي تقف قائلة:
_انتظري! سأريكِ بعضًا مما ابتعنا.
غابت لدقائق ثم عادت ترتدي ثوبًا رائعًا وأخذت تدور أمام حاسبها وهي تسأل غفران عن رأيها..
ثم بدلته إلى بنطال قصير مع بلوزة حريرية ناعمة وحذاء لامع؛
وتوالى عرض سدن مُشترياتها على صديقتها، كما توالت ملاحظات غفران عليها بالسلب أو الإيجاب؛
وفي غمار إلقاءها تعليقاتها عليها شردت..
تنظر إليها ولا تراها؛
ترى بها ما لن تصبح عليه يومًا!
ترى ما تتمناه، وهو أيضًا ما تهرب منه بكل استطاعتها!
فتاة سعيدة مُقبلة على الزواج ممن تُحب، فتاة ستؤسس أسرة طبيعية وستُنجب أطفالًا يُشاركون والديهما السعادة..
فتاة لها عائلة تُمثل كل معاني الدعم والسند!
**********
نسحب الجميع واحدًا تلو الآخر من الجلسة التي لم يكن هناك مُتحمسًا للتحدث خلالها سوى هالة، أسئلتها المتشوقة اندفعت على أذنيه راغبة في معرفة كيف قضى أيامه في البلدة، حتى بعد أن أمر بفتح أكياس الهدايا التي جلبها للجميع لم تنصرف لهفتها إليها.
نظر لها بلمحة عابرة من حنان مُتنعمًا بحبها له وعنايتها بأدق أموره طوال سنوات كما اعتاد والداها أن يفعلا أثناء عملهما لديه قبل أن تتوفى زوجته فيرحل عن بلدته وينزح إلى المدينة ليرافقوه جميعًا.
حتى بعد زواج شقيقتها الكبرى هاجر من ابنه جلال _رغم اعتراض عزة الشديد_ ظلت هالة تعامله وكأنه والدها هي، وبعد عامين توفيت شقيقتها لتترك لين طفلة رضيعة فتذوق البيت طعم الفقد المُر للمرة الثانية.
حينذاك أصدر أمرًا لا جدال به بزواجها من ابنه سريعًا كي تربي ابنة شقيقتها قبل أن يبحث عن أخرى من خارج العائلة، فأذعنت وانصاعت رغم إدراكه بثقل الأمر على قلبها وصعوبته في نفسها بالبداية.
ثم أحبته..
أحبت هالة جلال حقًا وحاولت إسعاده بكل الوسائل حتى أنجبت منه فتاتين وصبي، لكنها كانت أمًا للين أكثر من أولادها نفسهم!
وها هي بعد وفاة جلال لاتزال تعتني به وتهتم، ولاتزال تحاول التغاضي عن سوء طباع ابنته عزة التي تفتعل المشكلات طوال الوقت، وتحاول تعويضه أيضًا عن تصميم ابنته أماني ألا تبقى بالبيت الكبير بعد الشجار الهائل الذي نشب منذ أشهر بين تلك الأخيرة وابنها من طرف وشقيقتها وزوجها وولديها من الطرف الآخر.
_سُلمت يداك عمي، لقد ابتعت لي ملابس كثيرة، أين سأرتديهم وأنا لا أخرج من البيت إلا فيما ندر؟
قالتها هالة بامتنان وهي تتأمل بعضًا مما أهداها إياه، لكنه أشاح بيده إلى المقعد المجاور لها قائلًا بجدية:
_ارتديهم في البيت يا هالة! وخذي ذلك الكيس الذي يخص غفران معكِ لأنها تركته!
بان الحرج على وجهها واختطفت الكيس لتقول بارتباك:
_ربما نست كعادتها، أنت تعلم أن تلك الفتاة عقلها غائب طوال الوقت.
بل يعلم أنها تتمنى لو يغيب عقلها فتنسى أنها بآخر الأمر "غفران الكُردي"!
_أستأذنك يا عمي، سأذهب إليها.
راقب فؤاد خطوات هالة وهي تبتعد حاملة الكيس الذي يخصها والآخر الذي يخص ابنتها الصغرى، ثم عادت عيناه بتلكؤ كي يواجه من يشعر أمامها دائمًا بضعف مشين رغمًا عنه.
_كيف حالك يا إيلاف؟
دار رأسها ببطء بعيدًا عن شاشة التلفاز مكتومة الصوت بعد أن فشلت في التركيز في مشاهدة ما تعرضه، وإليه نظرت بعينين يشع بهما الاستسلام بقوة تُناقِض ما يعني.
لِثوان ظلت صامتة وكأنها تبحث عن رد تُجيب به رغم بساطة السؤال، إلا أنها أومأت برأسها تقول بهدوء:
_بخير يا جدي، حمدًا لله على سلامتك.
ازدرد لعابه وهو يُطالع ملامحها الواجمة وسألها بتحفز:
_هل.. أزعجتك عمتكِ عزة أثناء غيابي؟
حدَّقت في عينيه بصمت طال بعض الشيء فأورثه قلقًا هائلًا، ثم ابتسمت بتهكم بان في ردها:
_لا، لم تفعل، ربما تنتظر الوقت المناسب فحسْب.
عندئٍذ ألقى السؤال الأهم الذي يخشاه منذ البداية:
_وهل حاول ابنها التواصل معكِ؟
احتدت نظرتها على الفور وتقبضت يداها معًا تلقائيًا، أشاحت بوجهها إلى التلفاز مرة أخرى قائلة باقتضاب:
_لا.
استند بجبهته على عصاه التي يمسك بها أثناء جلوسه..
شرد في كل الأحداث التي تعاقبت على تلك الفتاة في الآونة الأخيرة، مُتسائلًا عن مدى صحة تصرفاته بشأنها.
دون أن يرفع رأسه عن عصاه قال بكلمات قصد منها المواساة، لكنها خرجت جافة خشنة، وكأنه يخشى أن تظهر حقيقة شعوره، أو حقيقة الضعف الذي طاله أيضًا!
_تحملي قليلًا يا إيلاف! بعض الوقت وسنعلن للجميع ما حدث.
نظرت له مليًّا فوجدته منها هاربًا، وببطء سألته:
_تُرى ماذا ستكون ردود أفعالهم حين يعلمون؟ كيف سيتلقون الصدمة؟
_دعي أمرهم لي! ما فعلته كان بصالحكِ.
أجابها سريعًا، مُقتنعًا، رافضًا أية فرصة بتسلل الشك إلى نفسه حول ما حدث..
_أتظن ذلك يا جدي؟
رفع رأسه أخيرًا ينظر إليها بعدما انساب الشك الذي صده من سؤالها البسيط، وأضافت هي بكلمات أثارت شفقته:
_أتظن أن وضعي الحالي يحمل أي صالح لي؟
احتبست الكلمات على لسانه قليلًا، ثم قال بنبرة تقطر أسفًا:
_مهما حاولنا التخطيط والتدبير ستبقى شؤون القضاء والقدر بيد الخالق وحده يا بنيتي، وأنا لم أكن أتصور لوهلة أن الأحداث ستنقلب بهذه الطريقة، حاولت التدخل والحل، لكن ربكِ له حكمة بكل ما تم.
ببطء هزت رأسها رفضًا، وبلا اكتراث غمغمت بصوت سمعه، وآلمه:
_لا تهتم يا جدي! لم يعد بإمكاني التراجع.
انعقد حاجباه ووقف مُستندًا على عصاه، اقترب منها حتى توقف أمامها يُمعن بها النظر من علو، ثم ألقى سؤاله المُتوجس:
_أينتابكِ التردد يا إيلاف؟
أخفضت رأسها أرضًا فقد حان دورها هي للهرب، أزاحت الصور الأليمة من عقلها بقوة لتعلق بهدوء:
_لا ينتابني شيء جدي، أنا لا أهتم البتة بما حدث.
ثم رفعت رأسها تنظر إليه..
لَوم؛
عتاب؛
وبعينيها نفي لكل ما قالت..
وإثبات أنهم جميعًا مُذنبون بطريقٍة ما!
ووقفت تواجهه، باستسلام، برضا مُبالَغ به، بتقبُّل تام لكل ما يحدث لها أو سيحدث في القريب..:
_هي مركب فقدت مجاديفها وها أنا تتقاذفني الأمواج كيفما أرادت، أتراني أنجو؟ أم أن العاصفة آتية لترفعني ثم تغرقني في غيابات البحر، لأبقى هناك وحيدة كعادتي، سجينة كما كنت منذ وُلدت؟
وإن كان هو يتألم منذ مُدة طويلة من أجلها، فكلماتها المُعذَّبة ونظراتها الضائعة أجهزت على أية محاولة للتخلص من شعوره بالذنب!
ولمَّا كان لا يملك إجابة على أسئلتها انصرفت هي في هدوء إلى غرفتها..
إلى سجن آخر يضم نزيلة أخرى بهذا البيت!
رَفَع الوسادة التي وضعها فوق رأسه كي يُخفف من تأثير ضوء الشمس المُتسلل إلى غرفته فحرمه من السُبات وهو لايزال في بداية الاستغراق به، جلس بتثاقل على الفراش مُحاولًا الاستفاقة من آثار نوم مُتقطع عانى منه ومُتسائلًا عن سبب استيقاظه في هذه الساعة.
ورنين الجرس المزعج الذي صدح أنبأه أن هناك من بالخارج وربما هو من سلب منه نومه.
بتكاسل وقف متجهًا إلى الباب عازمًا على طرد أيًا من كان يرغب بملاقاته حتى يعود إلى فراشه سريعًا، لكنه ما إن فتحه حتى ارتفع حاجباه بدهشة وهو يُحدق في الزائرة.
_هل كنت نائمًا حتى العصر يا هاني؟!
قالتها بنزق وهي تدفعه بإحدى يديها وتلج إلى الشقة، تحوم عيناها في كل ركن بنظرات مُتشككة باحثة عن أي شيء مثير للانتباه.. والغضب.
_ماذا هناك يا أمي؟
سألها بلا مبالاة وهو يجلس على الأريكة الوثيرة بصالة الاستقبال الراقية في الشقة الفخمة، والتي تعود ملكيتها إلى هذه المرأة التي ترمقه بكل ما تملك من غيظ.
_أتسأل حقًا؟! هل وجدت راحتك هنا أم ماذا؟! لماذا لم تأتِ إلى البيت بالأمس كما اتفقنا؟
نفخ بنزق وهو يتهرب بالنظر منها قائلًا في جفاء:
_أنا لم أتفق معكِ على شيء يا أمي، أنتِ طلبتِ مني أن أذهب وأنا وعدتكِ بأنني سأفكر في الأمر، واكتشفت أنني لا أريد القيام بذلك.
ارتمت إلى جواره وهي تواجهه بجذعها بينما تهتف به:
_أتريد أن تورثني الجنون؟! ماذا تعني؟ أسترضى بغضب جدك عليك؟
نظر إلى الأعلى بنفاد صبر وهو يقول بسأم:
_لقد اعتذرت له مرة ولم يتقبل، ولن أكررها ثانية.
لكنها كانت مُصممة أن ينظر إليها فأمسكت بذراعه وهي تصيح به:
_ولماذا فعل برأيك؟! ألم تكن فعلتك شنيعة تستوجب ذاك القدر من العقاب والغضب؟! تعلم أنه لولا أنك أنت من فعلها لكان قتلك باللحظة ذاتها! لكن أنا من توسلت إليه حتى يكتفي بطردك وحسْب.
حافظ على نظراته غير المُبالية التي أشعلت نيران غيظها أكثر، فتابعت بتحذير شديد:
_ولا يعني ذلك أن تظل هنا وتترك كل شيء لهالة وأبنائها، إنهم يرتعون في البيت وكأن كل ما يمتلك جدك قد صار يعود إليهم وحدهم.
تأفف وهو ينتفض واقفًا فاتحًا ذراعيه على أقصاهما إلى جواره، هاتفًا بالمثل:
_ماذا تريدين مني أن أفعل يا أمي؟ لقد حاولت الاعتذار له في المصنع فقام بإهانتي أمام العمال، أترغبين بأن أكررها في البيت حتى يطردني أمامها أيضًا؟!
احتد صوتها وهي تقف بمواجهته لتصرخ به مُتخلية عن نيتها بمُهادنته:
_ألست أنت من تسببت بضياعها منك في الأصل؟ ألا يكفي أن الخائب أخاك لا يستطيع استمالة شقيقتها؟
فغر شفتيه وهو يُثبت نظراته عليها مُستعيدًا العبارة الأخيرة، مُعتقدًا أنها قد أخطأت، إلا أنه اكتشف أنها قد عَنت ما قالت حقًا فقال مُتوجسًا:
_أتظنين أن أحدهم قد يستميل غفران إليه؟! أنتِ مُخطئة يا أمي، ومن الأفضل أن تدعي أي تفكير بشأن تزويج عمرو بغفران خارج عقلِك، ها أنا قد حاولت تنفيذ رغبتكِ والزواج بشقيقتها التي تُعَد أكثرهن استسلامًا ورضا بأي شيء ولم أنجح، فكيف بالأخرى كارهة الزواج والرجال أجمعين؟!
مالت شفتاها في ابتسامة ساخرة ثم هزت رأسها رفضًا قائلة بشماتة علنية:
_لا تُعلق فشلك على غيرك يا هاني! لقد عقدت قرانك على إيلاف بالفعل وكنتما على وشك إتمام الزواج لكنك أنت بتهورك من أفسدت الأمر بينكما، وربما خسرت جدك إلى الأبد.
وأضافت بنبرة أكثر لينًا وهي ترى بوادر نجاحها في استقطابه إلى حيث تريد:
_ألا تخشى أن يحرمك من أي من ممتلكاته؟ ألا تدرك أنني لا أضمن أن يقوم بحيلة ما فتفوز هالة وأبنائها بكل شيء؟! لماذا لا تفكر بالمستقبل؟!
ها هي قد وصلت إلى هدفها؛
"هالة وأبنائها"
مَكمن كل نواياها، ومَصَّب كل أفعالها!
لا يظن أن هناك شيء أرادته والدته يومًا لأنها تريده.. بل حتى لا تسبقها إليه هالة وأبنائها!
يعلم أنها لن تيأس، ويوقن أن الملل لن يتسرب إليها لِوهلة مادامت "هالة وأبنائها" عُنصر فعال في المُعادلة!
لِذا _توفيرًا للوقت وحفاظًا على الأعصاب_ سألها مُستسلمًا:
_ماذا تريدين مني أن أفعل يا أمي؟
ابتسمت ورَفعت كفيها تُدلك ذراعيه بحنان ثم نطقت في رجاء:
_عُد إلى البيت! افعل كل ما تستطيع حتى يُسامحك جدك، وبعدئٍذ نرى ماذا سنفعل بشأنها.
وعند ذكر(ها) هجم التصميم على نظرته، وأدركت هي أنها أصابت الهدف، وكي تتأكد سألته بترقب:
_ألازلت ترغب بها؟
_كما لم أرغب بشيء قبلًا!
ودون تردد أجابها، مانحًا إياها راحة باستئناف المُباراة الأزلية المُضنية..
سيعود ابنها البِكر مُطالبًا بسماح جده.. وسيحصل عليه؛
سيعود ابنها البِكر مُطالبًا بابنة خاله..
وسيحصل عليها؛
بالإضافة إلى قدر ليس بهين من إرث شقيقها الراحل!
**********
حملت يزن من كرسيه الهزاز ثم قَبَّلَته بحنو وهي تضمه إلى صدرها، بينما ابتسم هو لها أثناء وضعها إياه في فراشها أخيرًا بعد أكثر من نصف ساعة قضتها في محاولة إقناعه بالنوم. اضطجعت إلى جواره وأخذت تتطلع إليه بعاطفة غزيرة بعد أن أسدل جفنيه وانتظمت أنفاسه، أشعلت ضوء المصباح الجانبي ورفعت الغطاء على جسده الصغير وهي تزفر طويلًا أثناء تطلعها في ساعة هاتفها المُلقى إلى جوارها.
لقد انتصف الليل بحق الله فإلى متى ستبقى سجينة غرفتها التي أغلقت بابها عليها مع طفلها منذ ما يقرب من الأربع ساعات؟!
وها هو زوجها العزيز بالخارج مع صديقيه تتعالى أصواتهم بين الحين والآخر في صيحات تدل على انهماكهم في اللعب، وتدل أيضًا على عدم امتلاك أحدهم ذرة من شعور بتقييد حريتها!
اعتادت هي خلال تلك الزيارات المستمرة أن تخرج من الغرفة كي تقدم لهم بعض المشروبات والحلوى كل ساعة أو أقل، لكنها بعد شجارها مع عماد بالأمس بسبب تذمرها من تلك العادة الخانقة وعدم اهتمامه بما حاولت إخباره إياه أعلنت تمردها اليوم صباحًا وهي تخبره بثبات أنها لن تقدم لهما شيئًا، وإن أراد إكرامهما فليفعل بنفسه!
تمنت لو انتبه إلى سبب انزعاجها الحقيقي، وودت لو أنه حاول سؤالها عما يقض مضجعها حال زيارتهما..
لكنه _كالعادة_ لم يفعل.
ولو فعل؟
لم تكن لتخبره!
ربما تستطيع الصراخ وافتعال الشجار، لكنها أبدًا لن تقلها صراحًة.
وَلَّى النوم هربًا عند هذه النقطة لتهبط من الفراش بتوتر، وفي أنحاء الغرفة الواسعة أخذت تدور وهي تقضم أظافرها بينما الصراع على أشده في عقلها.
أتحاول الإيحاء إليه عله يفهم؟
ربما هذا ما عليها فعله حتى ينتبه إلى الكارثة التي ستحل ببيتهم إن ظل على ثقته العمياء.
خطوات واثقة تعالى صوتها اقترابًا بالخارج فزفرت وهي تحمد ربها أن انصرفا أخيرًا لتتمتع ببعض الحرية.
أضاءت الغرفة ثم خلعت مئزرها القطني لتعلقه على المشجب وعدلت سريعًا من شعرها عامدة اتباع أسلوب جديد مع زوجها ربما يستمع إليها.
تعلقت عيناها بمقبض الباب الذي دار فابتسمت لتستقبله، لكن بدلًا من ذلك وجدت نفسها أمام..
أسامة!
بابتسامة خبيثة متوعدة؛
وبنظرة شهوانية منتصرة؛
ناسية أنها تقف أمامه مكشوفة الشعر، بجلباب بيتي يتخطى ركبتيها ببضع سنتيمترات، وذراعين بيضاوتين مكشوفتين، مُغرية كأنها تُفاحة مُحرَّمة!
"ماذا تفعل هنا؟!"
تفوهت بسؤالها وهي لم تستوعب وضعها بعد، وإجابته جاءت تنبئها بأقصى درجات الخطر:
_عُذرًا يا لين! لقد ضللت طريقي إلى المرحاض.
كاذب هو ويُدرك كلاهما ذلك، فلن يُخطئ رُكنًا في بيتها الذي يقضي به وقته أكثر من أي مكان آخر!
وجهها شاحب.. ووجهه محتقن بدماء الحماس؛
مفاصلها ترتجف رعبًا.. ومفاصله ازدادت قوة جراء رؤيتها بهكذا فتنة؛
بشرتها بيضاء وبالتأكيد ناعمة، لون خصلاتها يتأرجح بين النحاسي والذهبي، خصرها دقيق يُشجع على الضم، وهناك شامة بُنية خلابة على إحدى كتفيها..
صوتها تحشرج فغاب في حلقها.. وصوته انطلق مُتابعًا بكل قوة:
_لقد نام عماد بالخارج، يبدو أنه يشعر بإرهاق شديد.
عيناه تجوبان على جسدها بسفالة، فاتسعت عيناها منتبهة أخيرًا إلى ما يرى..
الزوجة مكشوفة؛
والزوج نائم؛
و"الصديق" يتعدى على عِرضه دون أن يتحرك من مكانه قيد أنملة!
ظنت أنها سجينة غرفتها لكنها مخطئة!
لم تكن سجينة، بل هي طير ينتظر طلقة رصاص من صائد جائر استباح ما لا يحق له!


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات