📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثاني 2 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثاني 2 بقلم سعاد محمد


الفصل الثاني
(انهيار و.. انتصار!)
تجاوزت قدمه اليُمنى عتبة الغرفة فكأنما كانت المنبه الذي هي بحاجته، ندت عنها شهقة عالية جعلت طفلها يتململ في الفراش فيما اختطفت إسدالها ووضعته عليها في عجالة والسؤال الذاهل المستنكر يتردد على لسانها دون انقطاع:
_ماذا تفعل هنا؟!
لم يجد أسامة الفرصة كي يدلف إلى الغرفة بالفعل عندما انجذب إلى الخارج بقوة فاستدار يقابل صاحب البيت وعلامات الفزع تقفز إلى وجهه، لكن ما لبثت الراحة أن وجدت طريقها إليه حينما أدرك أنه ما هو إلا ابن عمه مراد.
"هل جننت؟ ماذا تفعل هنا؟!"
همس مراد بسؤاله الغاضب وهو يشده بعنف مُبتعدًا به عن باب الغرفة بينما هذا الأخير يحاول التخلص من قبضته دون جدوى وهو يقول بهمس متوتر بعض الشيء:
_لقد كنت ذاهبًا إلى الحَمَّام.
"اخرجا من بيتي الآن! اخرجا في الحال وإلا أبلغت الشرطة!"
التفت كلاهما إلى لين التي خرجت من الغرفة تصرخ بهما بخوف واضح، ويداها المرتجفة تضبط حجاب إسدالها بينماعيناها المذعورة تحاول النفاذ إلى خارج الممر الطويل باحثه عنه.
_عماد! أين أنت؟
وهتافها تكرر مرتين دون إجابة، لكن حينما انتبهت إلى الصمت المُثير للانتباه اتسعت عيناها في هلع وهي تتراجع إلى الخلف متسائلة بحذر:
_أين زوجي؟ ماذا فعلتما به؟
استرعى خوفها الشديد انتباه مراد فتخلى عن الإمساك بأسامة لثوانِ ليرفع كفيه أمامه ثم يعود ليسحبه كي يمنحها مسافة آمنة قائلًا بصوت خافت، ومُضطرب:
_اهدئي قليلًا يا أم يزن! لقد نام عماد في الخارج.
استطاع مراد إجبارها على النظر إليه بعبارته، لكنها ظلت ترمقه بلا تعبير حتى تمتمت بهلع:
_نام؟! أم آذيتماه بطريقٍة ما؟! هل.. هل وضعتما شيئًا بمشروبه؟!
سارع مراد قائلًا وهو يُشير بيده إلى حيث يضطجع زوجها على الأريكة:
_قطعًا لا! أرجوكِ انظري إليه! لقد نام منذ ربع الساعة أثناء مشاهدتنا المباراة.
تعلقت نظراتها بزوجها لثوانِ دون أن تتحرك، وما إن تأكدت أنه يتنفس حتى غمغمت بصوت منخفض وهي لاتزال تحدق به:
_إلى الخارج! هيا!
ظلت على وضعها المُتخشب حتى قام مراد بجذب أسامة في عنف لكنها لم تنتبه لهما ولا لنظرات هذا الأخير المُصممة، وفور أن خرجا وأُغلِق الباب أجبرت قدميها على التحرك.
مالت بجذعها تجاه زوجها الذي ينام في دعة واضعًا ذراعيه أسفل رأسه ثم أخذت تهزه بيد مرتعشة دون جدوى.
اعتدلت تتطلع إليه في ذهول وهي تُدرك أنه ينام بالفعل لا أكثر!
تدريجيًا رحلت الدهشة عن عينيها ليرتسم الغيظ بدلًا منها حتى أخذت تتراجع في تؤدة قبل أن تستدير جريًا إلى المطبخ.
وبعد ثوان عادت حاملة وعاءً ضخمًا مملوءً بالمياه، ثم دون تردد سكبته بأكمله فوق رأسه!
"ما هذا؟!"
انتفض واقفًا يصرخ بذهول ليجدها تقف أمامه حاملة الوعاء الذي صار فارغًا ترميه بنظرات مُخيفة، لم تهتم بالرد عليه وهي تعود أدراجها إلى المطبخ بينما خلع هو قميصه القطني وألقاه أرضًا ثم حاول تجفيف بنطاله الذي طالت المياه جزءً كبيرًا منه، لكن ما إن بدأ يفيق حتى وجد شلالًا آخر يسقط فوق جذعه!
_ماذا تفعلين يا لين؟! هل جُننتِ؟! أهذه طريقة مناسبة للمزاح؟!
بأقصى قدرة له على الحنق صاح بها قبل أن تكرر الأمر للمرة الثالثة، راغبًا في منعها، وقاصدًا توبيخها، لكن نظراتها المجنونة التي احتدت فجأة رافقت تمتمتها غير المُصدقة:
_مزاح؟!
ثم رمقته فاغرة شفتيها وتابعت:
_أنت من تمزح بالتأكيد! لقد نمت وصديقاك ببيتي!
_لقد غفوت قليلًا، لِمَ انزعجتِ؟!
ارتفع حاجباها ببطء وازدردت لُعابها باحثة عن تعليق مناسب فلم تجد إلا..:
_غفوت؟!
نفض المياه التي تتقاطر عن يده وهو يسألها بنزق:
_ما بكِ تُكررين كل كلمة أنطق بها؟!
عندما لاحظت استهانته بما حدث وتقليله من شأن الأمر الذي كان ليتحول إلى كارثة لولا تدخُّل ثالثهم صاحت بهياج:
_ألا ترى في نومك بسلام دون مراعاة لوجود صديقيك بالبيت بينما أنا بغرفتي ما يدعو إلى الدهشة؟!
تأفف وهو يلتقط قميصه من الأرض مُتسائلًا بلا اكتراث:
_ألا تشعرين أنتِ بالملل من التحدث بنفس الأمر مرارًا وتكرارًا؟! ألا ينتابك الضجر؟!
_ألا تنتابك أنت بعض الغيرة؟!
صاحت بغضب وقد اتضح لها أنه لا يفهم حقًا إلى أين من الممكن أن تؤول الأمور، لينظر إليها قائلًا باستهجان:
_وممن سأغار؟! إنه صاحب الشركة التي أعمل بها وابن عمه، ومنذ توطدت علاقتنا لنصبح أصدقاء اعتدنا أن نقضي الوقت معًا ببيت أهلي، ولم يشكُ أحد من تواجدهما مثلما تفعلين أنتِ، لذلك أرجو أن تتوقفي يا لين، أنا مُنهك وأريد النوم، دعيني أنام الآن وابحثي عن شيء آخر نتشاجر بشأنه غدًا.
وبلا مُبالاة تجاوزها إلى غرفتهما تاركًا إياها مكانها تقف، ثابتة خارجيًا، تتلظى غضبًا من الداخل، حتى لحقت به..
_لقد دخل صديقك عليّ غرفتي!
كان على وشك النوم بعد أن وضع يزن في فراشه الصغير بأقصى الغرفة الواسعة، وعندما ألقت هي عبارتها بصياح جنوني اعتدل عاقدًا حاجبيه بتساؤل، فتابعت بتوتر وهي تخلع إسدالها ليظهر جلبابها القصير:
_لم أكن أرتدي حجابي حينئذٍ، بل.. كنت أرتدي هذا!
رفع الغطاء عن جذعه وجلس في الفراش متسائلًا بتعجب:
_ماذا تعنين؟
ترددت لِوهلة وهي تُصارع خوفها منه وعليه إن قام في فورة غضبه بما لن يتخلصا من آثاره إلى الأبد، لكنها وأدت ترددها بمهده وبعض المشاهد التي لم تنتبه لها من قبل تتواتر على عقلها فتُثير انتباهها إلى نقطة كانت أبعد ما يكون عن تصورها، ثم أجابته بكلمات مُشددة:
_أعني أن صديقك أو مديرك الذي تثق به إلى الدرجة التي تجعلك ترفض الالتفات لِما أحاول أن تفهمه منذ وقت طويل قد تعدَّى على خصوصية بيتك يا عماد.
وأضافت مؤكدة:
_لقد انتهك حرمة زوجتك.
ولم تكن هناك كلمات تُضيف أكثر إلى المعنى، فصمتت بانتظار رد الفعل الذي تنشده..؛
رد فعل رجل يغار على زوجته؛
رد فعل من يمتلك النخوة والمروءة..
وانتفض بالفعل خارج الفراش بينما علامات العنف تثور على وجهه، وبسخط اتجه إليها هاتفًا:
_أنتِ تحاولين إجباري على افتعال شجار معهما، أليس كذلك؟!
لم يكد الاطمئنان يتسلل إليها حتى انتزعه هو انتزاعًا، وواصل باستخفاف غير واعي بانعقاد لسانها:
_ربما كان يرغب ببعض المُرطبات التي أضنيتِ علينا بها لتتصرفي كامرأة لا تمتلك النذر اليسير من كرم الضيافة! أو ربما طرق الباب وأنتِ لم تستمعي حينما كنتِ تتوعدين لي سرًا لأنني لم أهتم بِعنادكِ وانعدام الذوق الذي تتعاملين به مع صديقيّْ!
مع صمتها الذي لم يُفسر سببه ظن أنه ظفر وأفحمها، ودون إضافة المزيد عاد إلى الفراش دون اهتمام بتخشبها الواضح؛
ذلك التخشب الذي أخفى خلفه ذهولًا، واشمئزازًا و..انهيارًا!
كانهيار صورته كزوج، فبينما احترمتها فعل هو كل ما بإمكانه كي لا يستحقها!

افتراضي
أنهت عملها في الصيدلية وودعت زميلها ثم خرجت بتلكؤ كعادتها يوميًا..
على عكس الغالبية العظمى من العاملين الذين ينتظرون موعد انصرافهم بفارغ الصبر كي يعودوا إلى بيوتهم وأسرهم، تكره هي لحظة توديع شخصية الدكتورة غفران التي تعمل بالصيدلية البسيطة بأحد الأحياء المتوسطة كي تعود إلى كونها غفران الكُردي فَحَسْب!
تناولت هاتفها من حقيبتها بتباطؤ كي تستدعي سيارة أجرة تُقلها إلى حيث تُغلق باب غرفتها فتنعزل عن الجميع حتى اليوم التالي، لكنها أعادته مرة أخرى مُتخذة قرارها بأن تتمتع بالتنزه على قدميها لبعض الوقت.
لدقائق ظلت تسير بلا هدف، شاردة في أفكار عشوائية، تنظر إلى المارين بتركيز راغبة في تشتيت ذهنها الذي لا ينفك يُذكرها أنها لن يُمكنها التأخر كثيرًا وعاجلًا أو آجلًا ستعود.
توقفت حينما مرَّت إلى جوار أحد المحلات المُتخصصة في ملابس العرائس، مُستعيدة فرحة سدن وهي تعرض عليها ما ابتاعته كل ليلة تسألها رأيها.
لا تعلم متى ولماذا دلفت إلى المحل، لكنها وجدت نفسها تتطلع في فضول إلى العديد من ملابس البيت مريحة المنظر وملابس النوم ناعمة الملمس.
"كيف يمكنني مساعدتك آنستي؟"
التفتت إلى الفتاة التي تقف قبالتها بابتسامة جميلة، عمَّ الارتباك خلجاتها وانتابها بعض الخجل وهي تعي أنها ضبطتها تتحسس قماش غلالة حريرية رائعة، ودارت عيناها في أنحاء المحل باحثة عن شاهد آخر على فعلتها فلم تجد.
"أتبحثين عن ملابس للنوم؟ هل اقترب موعد زفافكِ؟"
بتهذيب سألتها، فما كان من غفران إلا أن تقول بتلعثم وقد تعاظم توترها:
_لا! أنا لا..
وبترت عبارتها بحرج ثم تابعت بسرعة:
_أنا أبحث عن هدية لصديقتي، هي مَن توشك على الزواج.
أشارت الفتاة بإحدى كفيها تجاه رُكن مُعين بالمحل قائلة بترحيب:
_سأعرض عليكِ بعض النماذج التي وصلت حديثًا، اتبعيني من فضلك!
وتبعتها؛
تبعتها مُتناسية كل شيء عدا أنها الآن _لدقائق_ ستكون فتاة طبيعية؛
فتاة سعيدة؛
فتاة لا يجد البغض طريقًا إلى نفسها!

تظاهر بعدم ملاحظة ابتسامة ذلك الوافد الجديد الذي لم ينفك يحاول التقرب منه دون جدوى طوال الشهر الماضي، لكنه عبس بشدة حينما أدرك أن ذلك الأخير قرر التغاضي عن رغبته الواضحة بلا اكتراث، وها هو يتجه إليه عازمًا على إزعاج وحدته.
_صباح الخير! أُدعى حازم.
والتحية هنا لم يكن لها أدنى علاقة بالوقت أو بتمني الخير، إنما هي تلك المُتعارف عليها بين النزلاء حينما يود أحدهم بدء حوار مُسالم عن طريق تقديم سيجارة مثل هاته التي يمُد يده بها الآن، محشوة بالتبغ أو ما هو غير ذلك!
_لا أريد.
الاقتضاب بنبرته والصرامة بنظراته لم يُردِعا حازم فيبدو أنه كان مُصممًا بشدة على اقتحام القوقعة التي يحبس نفسه بداخلها، وكأن السجن بأسواره وعقوباته وموانعه العديدة لا تكفيه!
_لقد علمت أنك أنهيت ثُلث مدة عقوبتك، ولم تتبقى إلا بضعة أشهر، هنيئًا لك.
ظهر وكأنه لن يهتم بالرد عليه حتى يكتنف حازم الحرج فيبتعد مُحتفظًا بماء وجهه، لكنه أجبر نفسه على التمتمة بنبرة جافة:
_أشكرك.
ووجد حازم الفرصة سانحة كي يظنه يُرحب بتبادل الحديث معه، رغم أن الجميع_ وهو على رؤوسهم_ يعلمون أنه لا يفعل!
فانتقل ليجاوره في الفراش الذي يرتفع عن الأرض الصلبة بسنتيمترات قليلة وابتدأ الحوار بفضول واضح:
_هل لديك أسرة؟ أظن أنك متزوج لأنني علمت أن هناك امرأة وحيدة تزورك باستمرار، لكن أليس لديك والدين أو أشقاء.. أصدقاء ربما؟
عقد حاجبيه وهو يُحدق به بغيظ عندما راقب تصرفه بحرية غير مُفسرة، ومن بين أسنانه غمغم:
_لا!
_وهل ما يقولونه بصدد التهمة التي تُعاقَب بسببها صحيح؟
هنا أدرك حازم أنه قد تجاوز الحدود بما يكفي، فالتحذير الغاضب الذي احتدت به عيناه جعله يُطبق شفتيه باستسلام.. وبعض الخوف، لِذا ازدرد لعابه واجتذب ابتسامة باهتة قائلًا:
_أعتذر إن كنت أتدخل فيما لا يعنيني، لكنني لا أجد من أتحدث معه بهذا المكان ولايزال الوقت طويلًا حتى تنتهي مدة عقوبتي.
اعتدل أخيرًا ليمنحه بعض الاهتمام، مُسببًا له الكثير من التوتر والارتباك..
وبصوت مكتوم يشي بفقده مظاهر الحياة توالت الكلمات على مسامع حازم الذي أنصت مُرغمًا بتركيز:
_إذن حاول ألا تتحدث كثيرًا! حافظ على خصوصيتك ولا تفشِ أسرارك، إياك أن تنام مُستغرقًا بالكامل! وإياك أن تهب ثقتك لأي عابر! فالخنجر الذي سيستغل غفوتك ليطعنك لن تجد الفرصة لرؤيته، ولا الوقت لتلافيه، سيضحى أنينك أنغام تتراقص عليها الضباع من حولك، وإن بحثت بينهم عن الرحمة، عُذرًا هذا خطئك وحدك..
سكت ثم أردف في تهكم مرير:
_فَبَين الضباع.. لا رحمة!
اضطربت نظرات حازم المُصوبة إليه وإلى عينيه المُثبتة عليه؛
رأى بها قوة وقسوة؛
رأى بها نصيحة جادة بعدم محاولة الاقتراب منه ثانية؛
وكاد يسمع نهيًا بألا يتمادى ويطلق العنان لفضوله مرة أخرى!
انتقلت عينا حازم إلى بعض المساجين بالعنبر، يُراقبونهما باهتمام في انتظار معرفة النتيجة، هل سينجح في إنشاء أي نوع من العلاقات معه؟
أم سيتركه وشأنه لا مُباليًا بذلك الغموض الذي يُثير حبهم للاستطلاع؟!
وبالرغم من أن الصمت كاد أن يكون مسموعًا في العنبر فإنه ألقى تحذيره على حازم ولم يأبه بنظرات الآخرين، حتى عندما فُتِح الباب مُحدثًا صريرًا عاليًا ظل على وضعه فيما انتفض حازم واقفًا في تأهب!
"ناهل همام السيد حجازي.. زيارة!"
التفت ناهل إلى العسكري الذي ولج صائحًا باسمه بصوت جهوري لا داعِ له، ود لو استطاع رفض الزيارة لكنه يعلم أنها لن تهتم وستعود مرة أخرى.
بتثاقل وقف، وبصمت اتجه إلى العسكري الذي أمسك بذراعه ثم اصطحبه إلى حيث تنتظر زائرته الوحيدة.
**********

"ادخل!"
صاح بها الحاج فؤاد بصرامة وهو يواصل تفحُّص أحد الملفات بتركيز شديد أنساه أن هناك من ولج إلى غرفة مكتبه منذ ثوانِ، رفع رأسه ليرتسم الجمود تلقائيًا على ملامحه وهو يُحدق في حفيده الغائب منذ أشهر.. تنفيذًا لأمره!
بينما الأخير يقف مُنكَّس الرأس مُتلحفًا بما استطاع من خزي وحرج لم يقتنع بهما جده لِلحظة.
"لِمَ جئت؟!"
مسح هاني جبهته التي تفصدت عرقًا وهربت الكلمات منه، لكن جده لم ينتظر رده وهو يتابع بجفاء:
_ألم تفهم معنى عبارة: "لا أود رؤيتك حيًا ولا تحضر جنازتي ميتًا؟!"
أدرك هاني أن مهمته ليست بالسلاسة التي ظنها، وأدرك أيضًا أن غيابه لأشهر عن البيت لم يؤثر في جده كما تمنى.
وكالطفل المهذب وقف لا يجد من الجسارة ما يحمله على النظر في عينيه، لكنه أجلى حنجرته ليقول بكلمات مترددة:
_جئت.. جئت كي أعتذر يا جدي.
ابتسامة متهكمة صامتة ندت عن جده، لكنه لا يعرف كيف استطاع سماعها!
وبعدما طال انتظاره لِرد جده تحدث الأخير باستهجان:
_أتظن أن الاعتذار سيكفي؟! هل سيمحو اعتذارك ما فعلت؟! هل سينسى الجميع ما أشعت؟!
ازدرد هاني لعابه وتوترت نظراته وهو يعي فشله في التهرب مما يخاف؛
لقد جاء ناويًا أن يعتذر له دون الخوض في تفاصيل تُدينه وتُزيد من عمق الهوة التي حفرها بيديه، لكن ها هو جده كما اعتاد.. يتسلَّى بحصاره!
_لقد.. لقد كنت مُخطئًا، اعتقدت أنني بهذه الطريقة سأ..
وقف جده مُقاطعًا إياه بصرامة لم تخل من السخرية:
_ستُجبرها على الاستمرار معك وتحمُّل نذالتك، أليس كذلك؟!
ودار حول مكتبه مُستندًا بكلتا يديه على عصاه الخشبية العتيقة حتى توقف أمامه، ليقول بامتعاض صارخ:
_لو كان الأمر بيدي لِما عقدت قرانك عليها ساعة واحدة، لكن _سامحه الله جلال ورحمه_ هو من بدأ تلك المهزلة ولم تسنح لي الفرصة لمنعه قبل أن تحل الكارثة.
_أنا أحببتها يا جدي.
فور أن تفوه بعبارته ارتد إلى الخلف بفعل العصا التي رفعها جده ليلكزه بها في كتفه وهو يقول في سخرية:
_لا تمارس ألاعيبك عليّ يا ولد! فأنا أستطيع رؤية ما يجول داخل عقلك دون أن تتفوه به.
وبالعصا ذاتها أشار إلى الخارج مردفًا بازدراء:
_أنت نفذت أمر والدتك، لكنك افتقرت لدهائها فتسربت إيلاف من يديك وقتما كنت تظن أنك تُقيدها بك.
ثم اقترب منه يمعن به النظر في صمت.. جالبًا معه كل الخطر، فأدرك هاني أنه مُكبَّل بعيني جده الثاقبة بإصرار؛
وشعر أنه على وشك كشف السر الذي سيُلقي به إلى منزلة أقل، لو كانت هناك واحدة أدنى من حيث يقبع هو!
_لكنني طالما تسائلت، أنت لم تكن يومًا بالابن الذي يُضرب به المثال في الطاعة، لماذا انصعت لرغبتها باقترانك بإيلاف بالتحديد؟! أهناك ما يخفى عليّْ؟
جف حلقه تمامًا وصار الاعتراف أقرب خيار وأسلم حل، لكنه أخذ يُصنف ردود أفعال جده إن عَلِم السبب الحقيقي، وهكذا تراجع على الفور راضيًا بأقل الأضرار.
_لا! أنا أحبها وأريد استعادتها فحسب.
عربد الغضب بعيني الحاج فؤاد وهو يدرك صدق حدسه، وإصرار حفيده على الكذب، فهتف بحنق:
_ألم تُطلقها؟!
_أنت من أجبرتني!
والصياح الذي رد به هاني لم يكن للصدق أو اللوم أي دور به، بل هو المقدار الضروري من التظاهر بالقهر لإضفاء نكهة الضعف على وصفته، لكنه نسى أنه يقف أمام جده.. ولإقناعه بالتناول يجب عليه أن يبذل المزيد من الجهد!
_لو كنت أجبرتك فالطلاق باطل يا هاني، لكنني خيرتك، إيلاف أو بقائك بوظيفتك في المصنع ونصيب في ممتلكاتي بعد وفاتي، وأنت اخترت وظيفتك ونصيبك بلا تردد وطلقتها خلال دقائق، لِذا لا تتشدق برغبتك باستعادتها! لأن ذلك الأمر بات مُحالًا.
وما إن ألقى جده الصحن بوجهه حتى اضطر هاني إلى اعتماد الحل الأخير.. المُساومة!
أخذ شهيقًا عميقًا ثم نطق بآخر الأشياء توقعًا وأكثرها حماقة على الإطلاق:
_لكنك تعلم أنني إن لم أتزوجها أنا فلن يقبل بها غيري.
ربما لم يحسب المُعضلة جيدًا، وأيضًا يبدو أنه تمادى في أحلامه، أو تناسى أنه للتو هدد جده، وهو الذي أخفى غضبه بقوة خارقة ليرد بتحدي:
_أنا جدها وولي أمرها، وإن كان الخيار بينك وبين قضاءها حياتها وحيدة سأختار الثاني بلا شك.
وبالعصا أشار إلى الباب خلفه قائلًا بكلمات آمرة.. بعض الشيء شامتة:
_عُد إلى والدتك وقل لها أن تكف عن محاولاتها، من المُحال أن يكون لك أي دور بمستقبل إيلاف.
انشغل بالجزء الأول من العبارة وهو ينفذ أمر جده مُتقهقرًا، لكنه ما إن صار خارج الغرفة وأغلق الباب مُطلقًا أنفاس راحة كان العثور عليها بالداخل صعبًا بشدة حتى بدأ يفكر بخطة بديلة لم يرتبها بعد، وقبل أن يجد أية أفكار وجدها أمامه!
كانت تقف مُحدقة به بمزيج من الذهول، والعتاب، والكراهية، ولا أثر لِبقايا ما اعتاد من.. حب!
تقدم منها فتراجعت إلى الخلف، هَمَّ بالتحدث إليها فهرولت صاعدة إلى الأعلى بسرعة، وعندما مَرَّت إلى جوار والدته لم تلحظها، بينما الأخيرة رأت نتيجة لقاء ابنها بجده على ملامحه الفاشلة فضغطت على أسنانها بغيظ وانصرفت إلى غرفتها!
وقبل أن يرحل دارت عيناه في أرجاء البيت الذي وُلِد ونشأ به، لكنه الآن لم يعد من المسموح له البقاء به كضيف..!
**********

وقف يبحث بعينيه عنها على المقاعد التي يجلس عليها بعض النزلاء مع ذويهم، لكن العسكري وجهه إلى مقعد مُعين في أقصى زاوية، حيث يجلس شخص لم يتعرفه لأنه يوليه ظهره وقبالته يجلس المحامي.
كاد أن يسأل المحامي عنها، لكن مُرافقه وقف ليلتفت إليه..
ما كانت إلا ثانية واحدة حتى ارتسمت كراهية غير محدودة بعيني ناهل ممتزجة بقدر ملحوظ من الامتعاض وهو يهتف:
_أنت مُجددًا؟!
وقبل أن يُتابع بما هو أسوأ وأشد فظاظة كالمرة السابقة تدخل المحامي بسرعة قائلًا:
_أرجو أن تسمعنا قبل أن ينتهي موعد الزيارة.
وسكت هُنيهة وهو يدرس ملامح ناهل التي اكتسبت إجرامًا واضحًا جراء قضائه الأشهر الفائتة بهذا المكان، ثم تابع بنبرة مُهادِنة فيما لم يلتفت إليه أحدهما أثناء انشغالهما بتبادل النظرات، الحاقدة من جهة والآسفة من الأخرى:
_هناك خبرًا جيدًا ربما يُحسن من مزاجك العدائي بعض الشيء، أردنا أنا والسيد هارون أن نزفه إليك.
ابتسامة مُثيرة للريبة تسللت إلى شفتي ناهل وهو ينظر إلى المحامي قبل أن يجلس ناقلًا نظراته الساخرة بينهما، ثم قال وهو يشير بإحدى كفيه إلى هارون:
_خبر جيد في حضوره؟! لا أظن ذلك!
تمسك هارون بالصمت المُطبق مُكتفيًا بإمعان النظر به ثم أطلق زفيرًا بطيئًا وهو يجلس بالمثل مُشبكًا كفيه أمامه على الطاولة بينهما واعيًا لنظرات ناهل له..
وبدوره كان ناهل بالفعل يدرسه!
شاب جيد الحال؛
وسيم الملامح؛
أنيق الثياب رغم بساطتها ومُهندم الهيئة بشكل ملحوظ؛
يبدو وجوده بين أصحاب التُهم _التي تبدو للبعض بسيطة_ شاذًا للغاية حتى وإن كان السبب مجرد زيارة لا غير!
_ماذا تريد إذن؟ ألا يكفي إلى هذا الحد؟!
بادره ناهل وهو لا يحاول بذل أقل الجهود كي يخفي كراهيته وحقده، وعلى أي حال لم يكن هارون يتوقع أن يفعل!
_أريد أن أقدم لك المساعدة.
أجابه هارون في رزانة ربما هي عادته أو نتيجة خبرته بالتعامل مع العملاء بمكتب التسويق ال****ي الذي يملكه، لكن الضحكة الهازئة التي بدرت عن ناهل ردًّا على إجابته جذبت انتباه بعض العساكر فمنحوه نظرة زاجرة، لكنها لم تؤثر إطلاقًا في ثبات هارون الذي يعلم أنه سيحاول بإتقان أن يُخلخله!
_أنت تحاول تطبيق المثل الشهير: "يقتل القتيل...."
قالها ساخرًا ولم يهتم بإتمامها، فنظرته كانت أكثر بلاغة من أية تكملة.. وتحقق هدفه!
تحقق عندما مر هارون بعينيه على بعض الحضور فهاله كم الإجرام أو البؤس الذي ينضح من وجوههم؛
وجوه اعتادت وضعها وتحسب الأيام حتى موعد الفرج؛
وجوه أخرى يبدو أنها لديها من الخبرة هنا ما يسلبها الاهتمام بواقعها خارجًا؛
ووجوه قليلة، يرتسم الذعر عليها ليفضح قضاء أصحابها أكثر فترات حياتها سوءًا!
ثم عاد إلى الوجه الذي لا يتركه ليلًا أو نهارًا؛
وجه اتسم بخشونة ربما كانت مُنفرة للبعض أو مُثيرة للحذر، فيما تحول لونه القمحي إلى بدايات سُمرة شائعة، بينما يبدو أصغر سنًّا بكثير بعدما اضطر لحلاقة لحيته التي كان شديد الحرص على كثافتها دومًا؛
بالإضافة إلى الحقدالذي احتل كل بقعه على خارطته!
زم هارون شفتيه في تفكير ثم أنهى تردده ليقول:
_تعلم أنني لست راض عما حدث، وسأحاول مساعدتك مهما أظهرت من رفض.
عقد ناهل ذراعيه معًا واكتفى بالصمت، ليتابع هارون بكلمات مُشددة:
_ربما هناك فرصة لأن تخرج بعد إتمام نصف المُدة فقط.
ضاقت عينا ناهل بارتياب، وأدرك هارون أنه حصل على اهتمامه بالفعل عندما سأله بشك:
_ماذا تعني؟
والإجابة جاءت على لسان المحامي الذي بدأ بالتحدث بحماس شديد:
_يعني بدلًا من انتظارك لثمانية أشهر أخرى سنقدم طلبًا لِتقليصها إلى شهرين فقط، لكن لي رجاء واحد عندك، لا تفتعل أية مُشكلات أو مُشاجرات حتى يتم الأمر دون تعقيدات.
وبدلًا من أن يُعلق ناهل على ما قال المحامي وجه كلماته إلى هارون وهو يميل تجاهه قائلًا بتهكم:
_لا أعتقد أن نيتك سليمة تمامًا، فكلانا يعلم أنه كلما طالت مدة بقاءي في السجن كان هذا أفضل لكما، لِذا دعنا نختصر كل هذا الادعاء وأخبرني ما هو هدفك الحقيقي؟
تأفف هارون بعد أن نجح ناهل في استفزازه أخيرًا، لكن قبل أن تنفلت أعصابه أشاح بوجهه بعيدًا ليكظم غيظه، ثم عاد ينظر إلى ناهل مُعلقًا بصبر:
_هدفي أن تتحرر يا ناهل، ولا أهتم إن كنت ستقتنع بما أقول أو لا، لكنني سأفعل كل ما بوسعي حتى تخرج، حينئذٍ أعدك ألا تراني ثانية.
وعندما جنح ناهل إلى الصمت مرة أخرى وقف هارون مُدركًا أنه لن يجني المزيد من هذه الزيارة ثقيلة الأثر في نفسه، لكنه قال بهدوء:
_سآتي لزيارتك حال كانت هناك أخبار جديدة، أهناك شيئًا تريد أن أجلبه من الخارج؟
ونظرة ناهل الجامدة جعلته يستسلم وهو يُشير إلى المحامي كي يصحبه مُغمغمًا بضيق:
_حسنًا! كما تشاء، إلى اللقاء!
_انتظر!
التفت هارون إلى ناهل بعدما تجاوزه ليجده استدار بجذعه دون أن ينظر له بعينيه العابستين قائلًا بعد تفكير طال قليلًا:
_ربما سأندم على هذا، لكنني مُضطر، فلا خيار لي سواك!
تغاضى هارون عن الإهانة المُبطنة وكبت حنقه ليستمع إليه يُضيف:
_أريد أن أتقصى بعض الأخبار عن شخص يهمني أمره، لكن.. دون أن يشعر أنني أرسلتك!
**********

بعد أسبوع
"أستذهبين إلى المصنع حبيبتي؟"
استدارت إيلاف إلى عمتها عزة التي تتجه إليه حاملة ابتسامة لم توارِ غيظها أو اعتراضها على الوضع القائم منذ أشهر، لكنها لم تبادلها إياها وهي تفكر في الهدف الحقيقي خلفها.
_نعم يا عمتي، لماذا تسألين؟
ربتت عزة على ذراعها بحنان لم تقتنع به إيلاف ثم ردَّت بهدوء:
_أرغب بالاطمئنان عليكِ فحسْب، لقد بدأتِ تتحولين إلى غفران أخرى فتحبسين نفسكِ غالبية الوقت بغرفتكِ، لم نعُد نتسامر ليلًا في الشرفة كما اعتدنا أن نفعل.
اكفهر وجهها وهي تستمع إلى عمتها تتودد إليها بهذا الأسلوب المُستحدث، وتلقائيًا علَّقت:
_نحن لم نتسامر في الشرفة إلا مرتين يا عمتي، عندما كنتِ تسألينني عن رأيي بالزواج من هاني!
انتصر الغيظ لوهلة وظهر بحدة عيني عزة، لكنها أخفته سريعًا وهي تقول راسمة حزن عميق كان جزء منه حقيقيًا.. لأسباب مختلفة:
_ربما تتهمينني بالتقصير لأنني أهملتكِ بعض الشيء، لكن أنتِ تدركين أن طرد جدكِ هاني قد أثر بي كثيرًا، إنه ولدي الأكبر يعيش بمفرده ولا يهتم به أحد، بالطبع لن أكون سعيدة وأنا لا أدري كيف يقضي أيامه.
رمقتها إيلاف بألم؛
لازالت بنظرها الفتاة الساذجة التي سيخدعها أي منهم بكلمة فتصدقها بلا نقاش؛
لا زالت تراها ليست إلا بيدقًا على رقعة الشطرنج خاصتها!
_ربما لا يعيش بمفرده يا عمتي، على حد علمي أنه يدري كيف يستمتع بوقته جيدًا!
والتلميح الساخر لم يفُت عزة، لكن الأخيرة اختارت تجاهله تمامًا وهي تتأبط ذراع ابنة شقيقها لتجبرها على السير معها إلى البوابة الخارجية، ثم خاطبتها بخفوت محاوِلة استدرار عطفها:
_ألا ترين أن ابن عمتكِ يستحق منكِ أن تتوسطين له لدى جدكِ كي يُعيده إلى البيت؟ ألا تعطينه فرصة أخرى؟ صدقيني يا ابنتي إنه نادم كثيرًا على فِعلته.
تملصت إيلاف منها برفق لتواجهها بحسرة واضحة:
_أية فعلة تقصدين؟ علام يندم هاني بالضبط؟
اكتنفها التوتر وهي تستشعر صعوبة الأمر رغم صبرها الطويل، فقالت بأسى:
_أعلم أنه تحامق أكثر من المتوقع، لكنه يحبكِ وأنتِ تعلمين ذلك.
هزَّت إيلاف رأسها رفضًا ثم قالت في نبرة ضعيفة:
_لا يا عمتي! أنا الحمقاء وحدي، هاني لم يحبني يومًا، هو نفذ رغبتِك أنتِ لا غير، من يحب لا يخون، وبالطبع لا يُدمر حياة من أحبها.
ثم أضافت بثبات نادرًا ما تلبسها:
_لِذا أخبركِ بشكل قاطع: لا مجال لعودتي إلى ابنك، لقد صار التحدث في هذا الأمر نوعًا من الهذر!
وقبل أن ترد عمتها ظهر لؤي خارجًا من الباب الداخلي، وبنظرة واحدة أدرك أن شقيقته تتعرض للموقف نفسه حيث تحاول عمته الضغط عليها كي تقبل بابنها مُجددًا، وهكذا أحاط بذراعه كتفي إيلاف التي يصغرها بسنوات لكنه يفوقها طولًا، مُتسائلًا:
_إيلاف! أتتوجهين إلى المصنع؟
أومأت برأسها إيجابًا دون رد فاستحثها على السير قائلًا:
_تعالي معي إذن! سأمر على ياسر هناك ثم سألتقي بمهند.
وما إن كادا يتجاوزاها حتى التفت هو هاتفًا بلا اكتراث:
_إلى اللقاء يا عمتي!
راقبتهما بصمت بينما أخذت أنفاسها تتسارع في غضب دون أن تلاحظ، لا تتقبل أن تفشل مُخططاتها، لا تستوعب أن يتهدَّم البناء الذي حاولت لسنوات أن تقيمه قبل خطوة واحدة من الإتمام!
لكن.. ربما هناك وسيلة تستطيع عن طريقها أن تُسيطر على ابنة شقيقها مُجددًا..
على الفور فتحت هاتفها لتطلب من تثق بها إيلاف أكثر من أي شخص آخر..:
"أماني! أرجوكِ اصطحبي ابنكِ وعودي للإقامة معنا بضعة أيام، والدكِ يشتاق إليكما وأنا أحتاج إليكِ كثيرًا."

افتعلت استغراقها بالنوم بمجرد دخوله إلى الغرفة داعية ألا يحاول إيقاظها كالليلة السابقة فتضطر لبذل جهد أكبر في اصطناعها عدم سماعه.
"لين! أريد التحدث معكِ."
قفزت جالسة وهي تتناسى قرارها فورًا، وبحنق هتفت به:
_ماذا تريد يا عماد؟
_ماذا أريد؟! أتستمتعين بهذا الخصام كثيرًا؟!
قالها بنبرة مُغوية وإحدى يديه تتلمس خصلات شعرها ظنًا منه أنها ستلين على الفور، واكتسبت ملامحه رغبًة بها كانت تتقبلها منذ فترة طويلة.. لكنها لم تعد تفعل الآن!
_ماذا فعلت مع صديقك؟
هتفت بسؤالها بعد أن خرجت من الفراش لتواجهه بجدية، فما كان منه إلا أن نفخ متسائلًا بضجر:
_ماذا تعنين؟
_أعني ماذا فعلت مع أسامة بعدما أخبرتك أنه اقتحم غرفتي؟
على كل كلمة بعبارتها شددت عامدة، فأشاح هو بوجهه مُجيبًا بخفوت:
_لقد تناقشت معه.
_ماذا قلت؟!
التفت صائحًا بها بعد أن فاض كيله واضمحلت تبريراته:
_سمعتني، لقد تناقشت معه كي أعرف كيف فعل ذلك لكنه أقسم لي أنه ضل طريقه لا أكثر.
وبغيظ اقترب منها ليُلصق سبابته بصدغها مُتابعًا في غيظ:
_أخبرتِك أن رأسكِ مليء بالأفكار السيئة كي تعتقدين أن صديقي يضمر لكِ ما يُشين، أتمنى أن تتوقفي عند هذا الحد يا لين.
لم تتحرك من مكانها وهي تردد بصوت ذاهل، واهن:
_لقد صدقته هو ولا تصدق زوجتك؟!
ارتد إلى الخلف صائحًا بغضب:
_زوجتي مجنونة وتظن أن العالم فرِغ من النساء عداها حتى لا يستطيع صديقي تمالك نفسه أمامها في بيتي وأثناء وجودي!
ثم أضاف في حدة:
_ليكن في علمكِ أن أسامة نصف أوروبي، كما أنه يقضي معظم وقته ببلد آخر حيث النساء من جميع الجنسيات ولا حدود لديهن إطلاقًا، بل كن يعرضن أنفسهن عليه أمام عينيّ، أتظنين أن لعابه سيسيل ما إن يرى ملكة جمال الكون المُتمثلة بشخصكِ بكل عُقدكِ وتزمتكِ؟!
حدقت به بصدمة جلية وهي تحاول استيعاب ما سمعت لتوها..
لقد لاحظت تعلقه الشديد بصديقيه منذ فترة الخطبة، وظنت أن الأمر طبيعي وسوف تقل مواظبته على الالتقاء بهما عندما يصبح مسؤولًا عن حياة زوجية وطفل، لكنها اكتشفت النقيض بإصراره على الاجتماع معهما ببيتها.
خلال الأشهر الأولى من الزواج لم تشعر بأي انزعاج، بل كانت تُكرمهما بكل سرور، لكن الأمر بدأ يُثير ضيقها عندما بات يصطحبهما في حال نزهاتهما بالمركز الاجتماعي فتبقى هي صامتة مُكتفية بالاستماع إلى أحاديثهم طوال الوقت!
تحملت تواجدهما بلا أسباب، تحملت مشاركتهما إياها أدق خصوصياتهما، لكن حينما بدأت نظرات أسامة تتخذ معنى آخر انقطعت عن الخروج علَّ زوجها يلاحظ الخطأ الذي يقع به بسذاجة.. لكنه لم يفعل!
والخطأ صار سلسلة من الأخطاء، أقنعت نفسها كثيرًا بأنه شخص عفوي لكنها لم تعد تشعر بأي أمان، وها هو الآن ينام ببساطة مُتخليًا عن دور الرجل الطبيعي والأزلي في حماية أهل بيته!
عند هذا الخاطر تخلصت من جمودها لتندفع إلى حيث تهرَّب منها بلا تردد.
لطالما حاولت إثارة انتباهه دون أن تضطر لِدفعه كي يرتجف جريمٍة ما، لكن فاض كيلها وهي تجوب بحثًا عن حُجة أخرى، إذن ربما لا تملك سوى أن تقلها صراحًة!
_بالرغم مما تقول فأنا متأكدة أن أسامة صديقك تراوده أفكار منحرفة عن زوجتك، كما أنا متأكدة أيضًا أنك بحاجة إلى علاج نفسي عاجل يا عماد!

ببقعته المُفضلة على الجبل وقف بعد أن تخلى عن سترته بالسيارة وفتح أول زرين من قميصه سامحًا للهواء النقي بأن يرتطم بصدره دون حواجز.
فرد ذراعيه وأغمض عينيه ليستمع إلى أصوات الطيور، القريبة منه والبعيدة عنه، صامًّا أذنيه عن أصوات البشر أجمعين.
ولكم يمنحه هذا شعورًا مؤقتًا بالاطمئنان الذي يتوق إليه منذ سنوات!
هنا لا ينتظر، لا يتوقع، وبالتالي لن يخيب أمله؛
هنا يستطيع بلا خجل أن يتفهم تلك الحاجة التي لم تنفك توخزه في ضعف على مدار عشرين عامًا؛
هنا يبوح في صمت بكل ما يعتمل بصدره دون الخوف أن يسخر منه أحد؛
فهو_ لحُسن حظه_ قد وُلِد في عائلة كبيرة يُعرف عنها الأصل الطيب ومكارم الأخلاق..
لكن _لسوء حظه_ دب الخلاف بينه وبين بعض أفرادها فرحل عنهم مقهورًا مُتحسرًا دون أن يلوي على شيء!
لكنه لم يكن يومًا ناكرًا للنعمة..
فرغم الخذلان الذي تعرض له على أيدي البعض.. هناك آخرين لولا وجودهم ليأس في الناس أجمعين!
وأهمهم تلك التي شعرت بحاجته إليها الآن فصدح هاتفه بنغمة خصصها لها..
انتزعته من شروده؛
انتزعته من حيرته؛
منحته بسمة دومًا ما رافقت استشعاره عطية وجودها بحياته.
فتح عينيه واستدار ليتناول هاتفه من السيارة، وبالطبع قبل أن يتفوه بكلمة كانت تبادره هاتفة:
_أين أنت يا ياسر؟ أحاول الاتصال بك منذ عشر دقائق ولا تجيب!
بلا اكتراث لنبرة القلق التي اختلج بها صوتها أجابها:
_عُذرًا يا أمي لم أسمعه.
أنهى اعتذاره وانتظر أسئلتها مستعدًا بالإجابات..
_أين أنت؟
_بجبل المقطم.
_وماذا تفعل؟
_أتأمل العالم النائم بالأسفل.
_ومع من أنت؟
_وحدي.
_ياسر!
_أقسم أنني وحدي!
وعبارته الأخيرة خرجت في ضجر، فلانت لهجتها التحقيقية لتقول:
_بني حبيبي! أنا أثق بك تمام الثقة، لكن..
بترت كلماتها فزفر هو مستسلمًا وقال:
_سأقوم بتشغيل مكالمة مرئية!
وقرن قوله بالفعل، تطلعت لوجهه فابتسمت في حنو لم يتأثر منذ ثلاثين عامًا حينما وقعت عيناها عليه فور أن وضعته، ثم تبددت النظرة الحنونة إلى أخرى تليق بالمستجوبين في النيابة وهي تقرب الهاتف من عينيها تبحث في ضمير عن أي مما قد يهدد وحيدها!
_هل اطمئننتِ الآن؟
سألها وهو لا يزال يدور بهاتفه في الأرجاء فقالت في لهفة تنفي اتهامه الذي لم ينطق به:
_حبيبي لم أشك بك للحظة، أنت وحيدي وأعلم أنك مهذب و..
وتوقفت فجأة لتحتد ملامحها وهي تستبدل نبرتها اللينة بأخرى آمرة:
_عد إلى اليسار قليلًا!
أطاعها في توجس فهتفت:
_هناك حركة مُريبة، أليس كذلك؟!
ضاقت عينا ياسر وهو يحدق النظر حيث قصدت ثم قال في استهجان:
_ليست إلا عظاءة ضلت طريقها يا أمي، لم أصطحبها أنا بالطبع!
ثم أردف حينما لاحظ توجسها:
_لو أتيتِ ونظرتِ حولي لما رأيتِ أحدًا بمفرده سواي أنا، حتى تلك العظاءة بالتأكيد قد وجدت لها رفيقًا الآن!
ألغى خاصية التصوير ليضع الهاتف على أذنه، فيما تنهدت في ضيق ثم ترددت لوهلة قبل أن تسأله في ترقب:
_هل تحدثت مع أحد ابني خالتك اليوم؟
جمدت ملامح ياسر تلقائيًا ليجيبها في اقتضاب:
_لا، لم أر أحدهما، كما أننا نتعامل بالمصنع رسميًا وكأننا لم نر بعضنا البعض قبلًا!
ثم أضاف في صرامة:
_وهذا أفضل كثيرًا، لنحافظ على الصورة المثالية لأحفاد فؤاد الكردي أمام العاملين على الأقل!
_لقد هاتفتني خالتك منذ قليل، تريد أن أصطحبك ونقضي بضعة أيام معهم بالبيت.
ألقت كلماتها سريعًا قبل أن تتراجع وهي تعلم طبيعة رده، وقد جاءها مُقتضبًا:
_والسبب؟
_إيلاف!
_ماذا بها؟
زفرت والدته في تعب ثم أجابته:
_ترفض العودة لهاني رفضًا قاطعًا ويبدو أن جدك ولؤي يشجعانها، بينما طلبت مني عزة أن أحاول إقناعها، وبمساعدتك أنت أيضًا، و...
بترت عبارتها حينما وصلها صوت ضحكته المُغلفة بالسخرية..
وكيف تعرف بأمر السخرية دون أن تراها؟!
لأنه ليس ابنها الوحيد وحسب، هو صديقها وتعويضها عن عُمر سُرِق منها أثناء مراهقتها لتجد نفسها زوجة لأحد معارف شقيقها..
رجل ربما كانت تراه كثيرًا.. لكنه أبعد عنها من السماء!
حتى أنعم الله عليها بطفل وحيد، ورغم فقدانها زوجها باكرًا فقد أولت اهتمامها كله شطر ياسر حتى شَب.. وشبَّت معه!
_لماذا تضحك؟
سألته في نزق وهي تتخلص من أفكارها فأجابها مُستنكرًا:
_أتريد مساعدتي أنا بالفعل؟
ثم تابع في قهر:
_إذن اعتذري لها يا أمي بالنيابة عني! فأنا آخر من قد يفعل ذلك، لقد حاولت إقناع خالي _رحمه الله_ بألا يوافق على زواج إيلاف فسخر مني،أنذرته أن ابن شقيقته لعوب ولا يؤتمن عليها لكنه تجاهلني، بل وقام بالسكوت في رضا حينما قام هاني بإهانتي أمامه واتهامي بأنني لديّ مآرب أخرى!
تألمت لألمه، ومُجددًا انتابتها تلك الرغبة في صفع ابن شقيقتها لما سببه لابنها، والذي تابع في حسرة:
_هل نسيتِ أنهما قاما بطردي من البيت؟! وهل نسيتِ أن زوج شقيقتك صاح في وجهي بأنه لا يحق لي البقاء هناك لأن والدي _رحمه الله_ لم يكن من العائلة بعكسه هو؟!
بالطبع لم تنس..
ربما لم تكن حاضرة الموقف حينذاك فلم تُلم بالتفاصيل كافة، لكن شجار والدها مع شقيقها أصابتها بعض كلماته وهو يحذره من محاولة المساس بها أو بابنها..
لو كان الأذى قد طالها وحدها لسامحت.. لكنها مهما كانت مقربة من ياسر لن تستطيع إرغامه على البقاء ببيت طُرِد منه لأنه كان يعمل على صالح ابنة خاله!
_لكن.. جدك!
نطقت بها في حيرة، فقال عن اقتناع:
_لا ذنب لجدي أعلم، لكن أنا لم أتخطَ بعد تلك الإساءة التي تلقيتها أمام الجميع ولم يدافع عني سوى الخالة هالة وغفران، حتى إيلاف نفسها لم تعترض لأنها خشيت أن يتراجع هاني عن الزواج منها!
ثم واصل في غضب:
_وماذا كانت النتيجة؟! خانها الحقير ثم قام بتشويه سُمعتها حتى لا تُصمم على الطلاق منه، بالكاد منعت لؤي من التهور حينذاك!
أطرقت برأسها وزفرت في استسلام وهي تُقر بكل ما يقول، من جهة موقنة أنه محق في غضبه وشروده عن العائلة، ومن جهة أخرى لا ترضى بذلك السؤال الذي يلح به والدها دون أن ينطق به حقًّا كلما هاتفته أو دعست على كرامتها لتزوره بالبيت الذي طُرِدَت خارجه هي وابنها!
_ لؤي مُنشغل بسنته الأخيرة بالجامعة، وجدك يحتاج إليك يا ياسر، تعلم أنك أكثر من يثق به، هل ستتركه دون مساعدة؟! حتى لو رحل هاني عن البيت، هناك عمرو..
_ماذا به أيضًا؟!
سألها في استخفاف فلاذت بالصمت أطول مما يجب، ثم وصلته تنهيدتها التي سبقت قولها:
_لا شيء، لكني عنيت أن جدك يحتاج لوجودك أنت خصيصًا.
ازدرد لعابه كي لا يفضحه تأثره، وقال في نبرة حاول إضافة الجمود عليها فلم يفلح:
_أنا أتابع مهامي بانتظام حتى ينهي لؤي هذا العام، كما أن إيلاف بدأت اليوم باستئناف عملها في المصنع ، أما جدي فهو من توقف عن الحضور.
وبإصرار علَّقَت وهي تعلم بمعدن ابنها جيدًا:
_جدك يحتاج إلى ياسر حفيده لا من يعني بالمصنع، من يعتمد عليه ويثق به، يحتاج إلى عودتك للبيت.
خرست أصوات الطيور واختفى الهواء من محيطه؛
فحينما يرتفع صوت الاحتياج لا سامع سواه!
ورغمًا عن رغبته، فقد قال بصوت كتم حقيقة انفعالاته:
_أنا سألبي نداؤه وقتما يريد وأينما يأمر، لكن ليس بذلك البيت!
**********

تجاهلت نداءه المتكرر الذي طفق يضعف تدريجيًا وواصلت حديثها بالهاتف مع صديقتها التي بترت ما كانت تقول لتهتف بنزق:
_لن يتوقف عن النداء يا علا، لقد أصابني الصداع بالفعل!
تأففت علا وواصلت صديقتها:
_اذهبي إليه ثم نستأنف مكالمتنا فيما بعد!
"علا!"
ومجددًا ناداها فارتسم العناد بمقلتيها وهي تقول بتصميم:
_لن أذهب، إن كان باستطاعته أن يقف فليأتيني هو!
كتمت سهام ضحكتها التي ستبدو غير لائقة بهذه الظروف، وافتعلت سعالًا قصيرًا ثم أنهت المكالمة بإصرار.
"علا! أين أنتِ؟"
أطلقت علا زفيرًا حارًّا ثم وضعت الهاتف جانبًا وببطء غير مُبرر وقفت لتدلف إلى الغرفة حيث مكانه الدائم منذ سقط مريضًا ليبقى طريح الفراش، وقفت بالباب عاقدة ذراعيها تنظر له بلا تعبير.
_أين كنتِ منذ الصباح يا علا؟ لقد ناديتكِ مرارًا.
رمقته بلامبالاة رغم إدراكها منذ النظرة الأولى علامات الألم المُختلطة بالاشمئزاز على وجهه، بينما الرائحة بالغرفة أنبأتها عن السبب، وبمبالغة أظهرت امتعاضها وهي تُجيبه:
_كنت مشغولة بأمور أخرى، ماذا تريد؟
والحرج ساد صوته مع لمحة من غضب عندما أشاح برأسه بعيدًا عنها قائلًا بتردد:
_لم أستطع الوصول لكيس الأدوية، ولقد.. لقد أردت أن تساعديني في الوصول إلى دورة المياه، لكنكِ لم تسمعيني ولم أستطع التحكم بنفسي أكثر.
سمعته، يعلم أنها سمعته، وتعلم هي أنه يعلم!
فقد اتخذت قرارها بتحويل المعركة إلى حرب استنزاف من أجل الحصول على غنيمة واحدة؛
غنيمة لا تريد سواها، وغنيمة لا يملك غيرها!
لِذا حان وقت الانطلاق في أقصر الطرق!
_سمعتك، لكنني لم أجد سببًا لأقوم بتلبية نداءاتك التي لا تنتهي وطلباتك المُرهِقة منذ الاستيقاظ حتى موعد النوم.
وبالبطء نفسه اتجهت إليه، حريصة كل الحرص على ألا تمس الفراش الذي سيحتاج إلى تنظيف ضروري، وبكلمات مُسننة حادَّة أردفت:
_حتى النوم لا أحصل عليه بهدوء بينما تواصل تأوهاتك وأنَّاتك طيلة الليل، وهكذا أصحو مُتعكرة المزاج غاضبة مُتعبة فيما لا أحصل على حافز واحد يحملني على المواصلة!
بعينيه نظرت مالكة كل القوة، ومن عينيها تهرَّب مُستسلمًا لأقصى قدر من الضعف، مُستمعًا بخوف لحديث واصلت الخوض فيه طوال الأيام الفائتة رغم رفضه للفكرة بأكملها!
_حافز لا أفهم لماذا ترفض بشدة أن تمنحني إياه بينما هو ليس غاليًا إلى درجة تشبثك به بهذه القوة، فيما بذلت أنا من أجلك ما يفوق طاقتي منذ أعوام.
ربما سيخضع الآن؛
وربما دبَّ الوهن بأوصاله وسيرفع رايته البيضاء..
_لكن.. أنتِ تعلمين أنه مصدر الدخل الوحيد، إن قمت ببيعه لن نجد ما يُغطي نفقاتنا.
امتدت يدها الناعمة لتفتح الجارور الذي يتوسط الخزانة المواجهة للفراش، ثم تحاملت على اشمئزازها وعادت إليه لتجلس قبالته، وعلى المفرش الذي يغطي فخذيه وضعت عقدين يتضمنان بيعًا وشراءً،ثم استغلت انشغاله بالتحديق بهما لتستطرد برقة:
_أنت لن تقوم ببيعه لغريب، ستبيعني أنا _زوجتك_ إياه، لن يكون هناك أي تغيير وستبقى الأمور كلها كما هي، الفارق الوحيد أنك ستمنحني ما أفتقده معك.. الأمان.
وطال الوهن صوته كما جسده وهو يحاول التملص من إصرارها، فقال في خفوت، وتوسل:
_ذلك المحل لم يكن ملكي بالأصل يا علا، زوجتي باعته لي رسميًا حتى أستطيع امتلاكه أمام الجميع دون حرج بعد وعد بأنني سأسدد ثمنه ما إن أكسب مالًا أثناء عملي بالخارج لكني لم أدفع شيئًا وأنتِ تعلمين، كما تعلمين أيضًا أنها قبل وفاتها أوصت ألا آخذه من ابننا لأنه بالأصل كان إرثها من والدها.
_وأين هو ابنك هذا؟!
صاحت في عنف ضاعفته أضعافًا ما إن ارتد رأسه إلى الخلف في هلع، وأردفت:
_أنا من أهتم بشؤونك، أنا من أحممك وأطعمك وأبدل لك ثيابك وأنظف ما تلوثه، أنا حبيسة هنا معك ومُعرَّضة للرمي خارجًا ما إن تلفظ آخر أنفاسك!
ازدرد لعابه وهو يرفع عينيه لينظر لها بتوجس، فيما رأت هي خلالهما أن النصر آت لها وحدها لا ريب، فلانت نبرتها سريعًا وهي تُقرب العقدين منه:
_لا تفكر كثيرًا!
وبهدوء، وباستسلام علَّق وهو يجري بنظراته على الورقتين:
_لقد قمتِ بتجهيز كل شيء بالفعل!
واتسعت ابتسامتها التي حاولت إخفاء فرحتها العارمة بها، لتتناول قلمًا من على المنضدة المجاورة قائلة برجاء، وبعض من إغواء:
_هيا! دعنا لا نهدر الوقت فيما لا يفيد، سأقوم بتجهيز الحَمَّام لك.
وبتشجيع أضافت:
_وَقِّع!
ثم بتحذير أكدت:
_وَقِّع يا همام!
وبيد مرتجفة أمسك بالقلم لينظر إليه في خوف!
يراه ليس إلا خنجرًا سيُسدد به طعنة نافذة.. لاثنين؛
الأولى.. زوجة كانت نظرتها الأخيرة إليه تخبره في صمت بليغ أنه قد ذهب في ظلمه إلى أبعد مدى، وأنها قد رفعت مظلمتها إلى خالقها..؛
والثاني..ابن كانت نظراته دائمًا تشي بمزيج من شعور الكراهية واللوم والقهر الذي يكنه تجاهه!
لكنه رفع عينيه إلى علا التي خيرته دون كلام واضح بين الإمضاء أو إهماله حتى يموت في فراشه وحيدًا قذرًا مُثيرًا للاشمئزاز..
لِذا لم يتردد أكثر وهو يستقر بالقلم فوق المكان المخصص ليقوم بخط اسمه..
فيما كانت عيناها تبرق في ظفر؛
وشفتاها تختلج لكتمانهما صيحة النصر؛
ثم تنهدت في راحة ترقبتها طويلًا وهي تختطف منه العقدين لتتطلع إلى اسمه كاملًا..:
"همام السيد حجازي".
**********


ارتشفت آخر قطرات القهوة التي ختمت بها إفطارها الصباحي بهذا المقهى، حيث قررت تدليل نفسها وطفلها بعض الشيء طالما لم يُلقِ زوجها بالًا لِطلبها بمرافقتهما ويبدو أنه لن يفعل.
تعلل بانشغاله؛
تحجج بإرهاقه؛
لكن في حال إن كان صاحب الدعوة أحد صديقيه ستزول العواقب بلمح البصر!
وهي أيضًا بعد مواجهتهما الأخيرة منذ أيام وصدمتها بِوَهن موقفه صارت تشعر بالنفور منه، ومن التحدث معه، وربما من رؤيته!
لِتعيش إذن من أجل طفلها، لتتحمل كون والده يفتقر إلى النخوة والحمية، ستعتبره مجرد ظل ولا يستحق اهتمامًا أكثر!
"كيف حالكِ يا لين؟!"
انتفضت عيناها وهي تنظر إلى مُسبب كابوسها منذ ما يزيد عن العام، يقف أمام طاولتها ويُداعب بإبهامه وجنة طفلها الذي يجلس على مقعد مُخصص للأطفال إلى جوارها فتنطلق ضحكاته الصغيرة البريئة دون وعي بذُعر أمه.
_هل تراقبني؟!
جلس على المقعد المُقابل لها دون دعوة، وقبل أن تنهره قال بحزم:
_أريد التحدث معكِ يا لين، بل أنا مُصمم على ذلك، وإن رفضتِ لن أتوانى عن اللحاق بكِ في كل مكان.
ضغطت على أسنانها بِغِل، ثم سألته في امتعاض:
_هل يعلم عماد بأنك تلاحق زوجته؟
والبسمة المتهكمة التي احتلت ثغره سببت لها توجسًا، وهو ما تحول إلى حذر بمجرد أن أجابها بسؤال لا غرض له إلا السخرية:
_لا، لكن أتعتقدين أن معرفته ستُحدِث فارقًا كبيرًا؟
ازدردت لعابها وهي تجبر نفسها على مبادلته النظر والتظاهر ببعض الجهل، متسائلة بجمود:
_ماذا تقصد؟
مال مقتربًا عاقدًا ذراعيه على الطاولة، ليقول بعينين خبيثتين وبصوت كأنه هارب من جحيم مخاوفها:
_أقصد أنكِ بالتأكيد تدركين أنه لا يهتم، ولا يحاول شغل باله بهكذا أمور، تدركين أن طبيعته مختلفة كثيرًا عن الغالبية العُظمى من الرجال، لا يغار، لا يحب، لا يُبالي، وإن حاول أحدهم تعدي حدوده معكِ سيصم أذنيه وسيُغمض عينيه جانحًا إلى السلام.
عارية؛
مُجددًا تشعر أمامه أنها عارية؛
منذ أيام كشف بعضًا من ستر جسدها، واليوم تكشف عيناه ستر حصنها!
حصن يُقر الآن دون إيهام أنه بُنِي من هُلام، لا يحتاج إلى أقل جُهد لِهدمه، ولا يستحق مثقال ذرة من تعب!
_لا يستحقكِ، لا يستحق زوجة جميلة مُهذبة حنونة مثلكِ.
ورحل الخبث ليحل توسل _ربما للأسف_ حقيقي، وهو يواصل بلا كلل:
_لين أنا الأجدر بكِ، أنا اُقيم الناس جيدًا، وأنتِ ثمينة غالية.
ومالت مثله، لكن ازدرائها قد وصل إلى مستوى لم يستفزه من قبل إلا زوجها، لتقول بثبات:
_وأنت رخيص بِشدة يا أسامة، ألا تجد فيما تفعل حرمة أو جُرم؟!
تجاهل إهانتها ليهتف بتعجب:
_أين هي الحُرمة يا لين؟ أنا لا أطلب ما يُشين، لا أطلب إلا الحلال.
فغرت شفتيها بدهشة، رافضة أن تتبع عقلها إلى معنى ما قال، لكنه جذبها إلى هناك عُنوة مُردفًا بتأكيد:
_اطلبي الطلاق منه! وبانتهاء عدتكِ ستصبحين زوجتي أنا، ستشعرين بمعنى أن تكوني زوجة لرجل حقيقي يُحبكِ ولا يسمح لأي آخر بمُجرد نظرة خاطفة إليكِ!
**********

كدأبه يجلس مُغمِض العينين وهو يحك ذقنه التي جُردت من لحيتها إجباريًا منذ تم سجنه في قهر، وحيدًا بأقصى العنبر الخانق أكثر من المعتاد في هذا اليوم شديد القيظ، وقد تخلَّى عن الجزء العلوي من ملابسه بعد أن ابتل تمامًا بالعرق.
البعض يسقطون تِباعًا ضحية التوتر العصبي منذ الصباح، ربما بسبب الحر، أو الملل!
شجارات متنوعة تندلع كل عدة دقائق فيتدخل أحدهم ليقوم بوأدها في مهدها قبل أن تُسال بعض الدماء فيقع الجميع تحت طائلة العقوبة الشاملة.
لكن.. يبدو أن الشجار الذي نشب منذ دقيقة لن ينتهي بذلك اليُسْر، حيث تتعالى الأصوات، وتزداد حدة، ويتوافد المشاركون بحماس.. بالخير أو بالشر!
فتح ناهل عينيه مُتأففًا بعد أن قرر تشتيت عقله عن الحرارة التي ترتفع عن طريق متابعة أحداث الشجار، لكنه عقد حاجبيه عابسًا عندما فطن إلى أن أحد أطراف النزاع هو ذلك النزيل الفضولي الذي فهم أخيرًا منذ أيام أنه آخر من يمكنه الثرثرة معه.
أشاح برأسه بعيدًا رغبًة منه في استمرار التجاهل، لكن عقله اللائم بقى حيث حازم بمفرده بمواجهة اثنين من النزلاء لا تبدو على أحدهما نية بالتهاون معه، ورغم أن بنية حازم الجسدية قوية فإن ملامحه الوسيمة بشدة تُعَد نقطة ضعف بهذا المكان!
استطاع ناهل أن يلمح أحدهما يستل شفرة حلاقة من طيات ملابسه استعدادًا لإصابته، وهكذا وجد نفسه يقفز صوبهم هاتفًا بحنق:
_توقفوا!
وفي منتصف الدائرة وقف هو يتابع:
_لِمَ الشجار؟ أتريدون أن تزداد مدة عقوبتنا في هذا المكان؟!
اندفع حازم صائحًا ورغبته في الهجوم عليهما واضحة:
_إنهما يريدان الاستيلاء على ما معي من مال، لقد التزمت الصمت بالمرة السابقة ومنحتهما ما كنت أملك كي لا أفتعل المشاكل، لكنني لن أستسلم كل مرة.
التفت ناهل إليهما متسائلًا بغيظ:
_لماذا تسلبانه ماله؟
_ليس لك شأن بنا أيها "السَّقَا"، لم يطلب أحد منا رأيك!
لم تُغضبه النبرة المُزدرية التي رماه بها قائل العبارة، ولم يُغضبه الصمت الذي حلَّ بالمكان بينما الجميع ينتظرون في شغف مآل تلك المشاجرة التي سيشترك فيها النزيل الأكثر انطوائًا على نفسه للمرة الأولى؛
ما أغضبه ذلك اللقب الذي ناداه به متعمدًا، لقب لم يُسبب له الخجل يومًا، لكن البعض حوله إلى سبب نظرة دونية أُلصِقَت به رغم عدم اهتمامه!
ومثل عصبة حيوانات ضالة تنتظر التأكد من مدى قدرة الضحية على المُقاومة بعد أن راقبوها طويلًا، تجمعوا قبالته وقائدهم يتقدمهم وحده إليه..
ناويًا أن يؤكد له زعامته؛
حريصًا على إخضاعه لحكمه؛
ومُستلذًا بضم رقم آخر إلى قطيعه..
وفي لمح البصر.. أشهر أمام عنق ناهل الشفرة المُسننة اللامعة!



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات