رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل التاسع 9 بقلم سعاد محمد
الفصل التاسع
(ذِكرى ولِقاء)
"ألا يزال مُصممًا؟"
ألقى نضال سؤاله على والدته ما إن خرجت من غرفة ابنها الأصغر حاملة طعام الإفطار بعدما رفض تناوله بينما علامات البؤس محفورة على وجهها منذ أيام متواصلة.
يتردد بين ميله بالصفح عن شقيقه ومهادنته حتى يتعقل ويرتدع عن أفعاله المتمردة بلا داع، وبين رغبته في استمرار تجاهله كي لا تنفلت زمام أموره من بين يديه.
_متى عاد بالليلة الماضية؟ لقد غفوت مبكرًا ولم أفق إلا مع صوت أذان الفجر.
سألها باهتمام وهو يُزرر قميصه فألقت بجسدها المُتعب على الأريكة وأجابته باقتضاب:
_لم يذهب بالأساس.
رَفَع رأسه بتعجب ليجلس على المقعد المقابل لها مُتسائلًا باستنكار:
_ألم يذهب لزفاف شقيقة لؤي؟ لماذا؟
صدرت عنها تنهيدة طويلة قبل أن تمط شفتيها، وأجابته بنبرة مُثقلة بالهَم:
_لا أعلم يا بني، أشعر بالخوف الشديد، هذا الانطواء المُبالغ به يثير قلقي، لم يصل يومًا إلى هذه المرحلة من الانغلاق.
تأملها بتدقيق فقرأ كل معانِ الخوف والحيرة التي لم ينطقها لسانها، ليقول مُستفهمًا باستياء:
_أتقترحين أن أعتذر له يا أمي؟
هزَّت رأسها نفيًا ونظرت له بأسف، ثم سارعت تتحدث بيأس:
_لا! لم أعنِ ذلك، لكن.. لتجد طريقة ما يا نضال! لا أتحمل أن يتخاصم ولداي على مرأى مني.
أطرق برأسه أرضًا يفكر في صمت، وانتظرته هي ترمقه بترقب في يقين أنه لن يتحمل تعاستها، حتى وقف قائلًا وهو يربت على رأسها بحنو:
_لا تحزني يا أمي! سوف أتحدث معه لأجلكِ.
...
دخل غرفة شقيقه الذي فوجئ به يأتيه بعد قطيعة دامت لأسابيع، انتظر الأخير استئنافًا للتوبيخ الذي ألقاه عليه بآخر مواجهة بينهما، أو مزيدًا من القوانين الصارمة، لكن نضال جلس على حافة الفراش واستند بساعديه على فخذيه لينظر إليه مليًّا قبل أن يشيح بعينيه عنه ويسأله بهدوء:
_لماذا لم تعد تتناول طعام الإفطار معنا؟
كان مهند يرتب بعض أغراضه على المكتب الصغير، فرمق شقيقه مُستغربًا ثم أجابه بتوجس:
_لست جائعًا.
اختلس نضال نظرة سريعة إليه قبل أن يقول باهتمام:
_ولماذا لم تحضر زفاف شقيقة لؤي؟ أليس بصديقك المقرب؟!
طأطأ مهند رأسه ثم عاد لمواصلة الترتيب وهو يجيب:
_لم أرغب بأن أذهب.
ساد الصمت بعد رده المُختصر فأخذ نضال فرصته كاملة في التفكير وحسم حالة الارتباك التي توغلت بينهما..
يعترف بأنه ربما يبالغ أحيانًا في خوفه عليه والرغبة بحمايته؛
مم يحميه؟
من تهوره واندفاعه، من ارتكاب أخطاء لا رجعة فيها، ومن نفق مُظلم يسعى بكل إصرار إلى الهبوط إليه مُتجاهلًا كل التحذيرات، ولهذا يجب عليه جذبه بعيدًا بقسوة، حتى لو تحتَّم عليه أن يُقيده ، أو أن.. يسجنه.
لكنه بات لا يوقن من صحة أسلوبه، ربما قد اتبع طريقة خاطئة.. فليجرب أخرى!
_مهند! أنا لست بعدو لك، جل ما أريده هو صالحك لا غير، أقسم أنني لا أدقق بكل أمورك من أجل التحكم بك كما تظن، لكن أنت شقيقي الوحيد، أقرب شخص إليّ بهذه الدنيا، ووصية والدنا الأخيرة.
حدَّق به مهند دَهِشًا حيث فاض الرفق من عينيه وانبثق الصدق من صوته، فابتسم نضال وهو يشير إليه كي يجلس بجانبه، وعندما فعل مهند بعد تردد تابع في أمل:
_لنبدأ مجددًا، إن استشعرت مني فرض سيطرة عليك قُم بتنبيهي! وفي المقابل لن تفعل أنت ما يغضب ربك، وتلك المجموعة السيئة ابتعد عنها حتى لا تتأذى و...
بتر نضال عبارته وهو يمعن النظر بشقيقه الذي التمعت عيناه قبل أن ينتزعها عنه إلى الاتجاه المُعاكس، فوضع ذراعه على كتفيه ليسأله بدهشة:
_مهند! هل تبكي؟!
مسح مهند عينيه اللامعة وهو يهز رأسه نفيًا ثم قال كاذبًا:
_لا! لا أبكي.
تسلل القلق إلى قلب نضال وهو يستشعر اضطرابًا شديدًا يعاني منه شقيقه، فقال بحنان:
_باستطاعتك قص أي شيء عليّ يا مهند، سأكتم كل أسرارك، وربما قدمت لك بعض النصائح.
أومأ مهند دون رد فتابع نضال مفتعلًا بعض المرح وهو يلكزه في ذراعه:
_إذن، احكِ لي عن علياء!
شحب وجه مهند وهو ينظر إليه دون رد، ثم قال متوترًا:
_إنها.. زميلتي، لِمَ تسأل عنها؟
حافظ نضال على ابتسامته وغمز بإحدى عينيه مُجيبًا بمكر:
_أتتذكر حينما التوت قدمك بالعام الماضي في الجامعة وهاتفتني هي منهارة رغم أن الأمر لم يكن يستحق كل ذلك التهويل؟ لقد استشعرت حينئذٍ أنها تهتم بك كثيرًا، كما أنني سمعتك تحدثها في الهاتف بضع مرات، فهل تروق لك؟
تنهد مهند في راحة ثم ما لبث أن سأله عاقدًا حاجبيه ليسأله ببلاهة:
_ماذا تعني؟
في نزق نظر له نضال ثم تنهد ووقف ليقول بحزم:
_أعني فلتركز جهودك على دراستك هذا العام وما إن تنتهي فترة التجنيد لِتبحث عن وظيفة جيدة! حينئذ فسنذهب لأهلها ونطلبها للزواج و...
هب مهند واقفًا فابتلع نضال كلماته، فيما قال الأول في توتر:
_لا يا نضال! أنت مخطئ، علياء ليست أكثر من زميلة.
ظهرت الدهشة واضحة على معالم وجه نضال لكنه لم يكد يتحدث حتى استطرد مهند باسمًا بلا رغبة حقيقية:
_كما أنك تكبرني بالكثير، إن كان على أحدنا الزواج فسيكون أنت أولًا.
أفلتت ضحكة قصيرة من نضال وهو يتفحص شقيقه بتركيز، فتهرب الآخر عائدًا إلى مكتبه حيث أخذ يبعثر ما كان يرتبه قبل قليل!
خرق، شرود، وكأن نصف ذهنه بمكان آخر، يؤدي مهمة أخرى.. مهمة صعبة أخرى!
اتجه إليه وأخذ يُنظم الكتب عنه بدقة، وقال مازحًا:
_ربما حينما أطمئن إلى مستقبلك سأرضخ لمحاولات والدتك وأقابل إحدى الفتيات اللاتي _سبحان الله_ نقابلهن مصادفة حينما تطلب مني أن نذهب إلى المركز الاجتماعي كل عام مرة!
توقفت يدا مهند باستسلام عما يفعل، وبأسف نظر لشقيقه الذي توقف بدوره، ثم همس بندم:
_سامحني يا نضال!
في ظرف آخر كان نضال ليفرح بهكذا عبارة بسيطة ويعتبرها إيذانًا باستعادة العلاقة الوطيدة بينه وبين شقيقه عدا عن تلك القائمة بينهما والمُشبعة بالتحدي والتمرد..
لكن.. النظرة التي اعتلت وجهه أثارت الخوف في نفسه، حاول سبر أغواره، عزم على طلب الإيضاح، لكنه تراجع مُكتفيًا بهذا الإنجاز الذي تحقق دون توقُّع منه، فردَّ بنبرة مُكللة بالعطف:
_أنت بمثابة ابني يا مهند، والأب دومًا يسامح أولاده مهما فعلوا.
وبدلًا من أن يستقبل منه تعبيرًا بالفرح ، أو حتى الرضا، وجد الألم، والحسرة؛
وما هاله وألقى حصاة على صفحة بحيرة حياته الراكدة هو الخزي الذي سال غزيرًا من عيني مهند!
**********
ليلة مؤرقة قضاها بعد مواجهته الصريحة مع شقيقته والتي تركت أثرًا ثقيلًا في نفسه، لكنه لا يشعر بالندم قط، فربما حان الوقت كي يضعها أحدهم أمام مرآة الحقيقة، وهو الأجدر من الجميع.
منذ دقائق تلقى اتصالًا مُقتضبًا من ناهل، يشكره بجفاء لحضوره الزفاف بالأمس ويدعوه بالمزيد من الجفاء لزيارته في محل عمله الجديد وهو ما أثار دهشته.
فقد علم أن لا أقارب له، واقتصر جانبه من المدعوين على الحاج بيومي وزوجته وبعض أصحاب المحلات بالإضافة له هو..
لكن لماذا يطلب منه أن يزوره بعمله؟
يتفهم رغبة أحدهم في التفاخر بالمُضي قدمًا أمام أعدائه _والذين يتمثلون جميعهم في شقيقته هو_ بعد التجربة القاسية بالسجن، لكن تلك الأفعال تُعد مُتوقعة من النساء لا الرجال!
وهو رجل يمتلك قدرًا عاليًا من عزة النفس
فما السبب الحقيقي؟
ودون استئذان اقتحمت ذهنه صورتها..
جميلة؛ تائهة؛ خائفة؛
تثير بِمن يلقاها رغبة عارمة في العطف والتربيت!
انتفض واقفًا وهو يؤنب نفسه ثم يستغفر مرارًا..
"إنها امرأة متزوجة يا رجل!"
فتح جارور خزانته بسرعة ولايزال لسانه يلهج بالاستعاذة والاستغفار، وبالحلقة الذهبية التي يحتفظ بها أخذ يحدق هامسًا بحزن:
_ليتك لا زلتِ معي يا لينة!
ثم تنهد مُتمتمًا:
_ليرحمكِ الله!
"ألا زلت تحتفظ بحلقتها؟!"
استدار بحدة ليجد علا تقف لدى الباب، يعلو الاستنكار ملامحها، عبس والاستهجان يتسيد نظراته فتمتمت باعتذار ثم قالت شيئًا عن كونها طرقت الباب كثيرًا ولم يسمع فشعرت بالقلق.
أعاد الحلقة إلى موضعها بهدوء، ثم تجاوزها إلى الخارج دون رد فلحقت به تهتف بحنق:
_ما دمت تعيش على ذكراها حتى الآن فستقضي عمرك وحيدًا بين جدران الماضي.
حافظ على هدوءه وسألها فيما استمر بطريقه:
_وهل يعود هذا عليكِ بالضرر يا علا؟
_لم أعن هذا، لكن لماذا لا تستأنف حياتك مع أخرى؟! لقد مرت خمسة أعوام يا هارون وهي لم تكن تستحقك على كل حال.
تسمر مكانه وعلى الفور التفت صائحًا:
_علا!
أطبقت شفتيها بِوجل بينما اقترب هو منها يقول في تحذير:
_لن أسمح لكِ بأن تتحدثي عن زوجتي بهذا الأسلوب.
وبدلًا من أن ترضخ لِلجدية التي أعلنت عن نفسها لديه تلبستها ملامح السخرية لِتُعلق:
_من يسمعك تدافع عنها يظن أنكما عشتما قصة حب ملتهبة، بينما هي من لاحقتك في كل مناسبة حتى أشفقت عليها وتزوجتها.
ودون أن تدرك ضغطت بكل قسوة على جرح لم يندمل بعد..
أو ربما هي تدرك.
ومُشددًا قال بحنق أثناء اتجاهه مجددًا إلى الحمَّام:
_لم أشفق عليها، لا أحد يتزوج بفعل الشفقة يا علا، هناك السكن والمودة والرحمة، إن لم تكوني على معرفة بتلك المسميات فهي أسس متينة لعلاقة زوجية يسودها الوِد والاحترام.
ثم أضاف في تأكيد:
_ولا يمنع هذا أن يتولد حب صادق بالمناسبة، وهو ما حدث بيننا، أنا أيضًا أحببت زوجتي وسأظل أحترم ذكراها إلى الأبد، ربما لا تستوعبين الأمر، لكن المال لم يكن يومًا للزواج هدفًا بحد ذاته.
لم تهتم بتلميحه وهو يقف مستندًا بإحدى كفيه على الباب مُتابعًا في ألم:
_ثم أخبريني! لماذا هذا الاهتمام المُفاجئ بزواجي؟ لقد كنت متزوجًا بالفعل ولم تبخلي بإظهار اعتراضكِ عليها أو بث سمومكِ في أذنها وإثارة شكوكها حول رغبتي الصادقة بالزواج منها دون مراعاة لحالتها النفسية والصحية، حتى أنها كانت تعتذر لي على تكدير حياتي وهي على فراش الموت.
ظهر التوتر على وجهها فأدارته بعيدًا عن مرمى نظراته القاتلة، لكنه مال تجاهها مُرددًا في حزم:
_هذه هي آخر مرة ستذكرين بها لينة إلا للترحم عليها.
أومأت برأسها صاغرة وهي تتأكد أنه قد أوشك على فقدان الصبر الذي دومًا ما تميز به، لكنه أولاها ظهره ليستطرد في تشفِ:
_نسيت أن أخبركِ، لقد كان زفاف ابن زوجكِ السابق رائعًا، أرى أن محاولتكِ المستميتة في إفساد حياته وتدمير مستقبله _حمدًا لله_ قد باءت بالفشل.
أخذ منها الأمر بعض الوقت للفهم، وحينما أدركت قصده سألته بدهشة:
_هل حضرت زفافه؟
أخرج رأسه فقط من شقي الباب يُجيبها بابتسامة لا معنى لها:
_نعم، تشرفت بتلقي دعوة منه منذ أسبوع، ولم أندم على تلبيتها، كان حفلًا رائعًا دافئًا ولقد قضيت به وقتًا لطيفًا للغاية!
وحينما بان الغضب مع الذهول على ملامحها أغلق الباب بقوة وهو يترك لمشاعر الانفعال المكبوتة العنان، لقد ندم على حضور الحفل ولا شك بهذا، لكنه لن يستسلم لدقات مُحرَّمة، سيكافح بكل قوته حتى ينتزع هذا التأثير السريع من ذهنه..
فقط من ذهنه!
**********
بهاتفها كانت تمسك منذ نصف ساعة أو أكثر، أسيرة ملف صور تعود كلها لشخص واحد، شخص كان حتى أمس الأول أقرب إليها من الجميع، لكن دوام الحال من المحال!
(سدن)
يحمل الملف اسمها؛
تتعلق الصور جميعها بها؛
صورة منفردة.. وأخرى تجمعهما معًا؛
صور تتشاركان بها ابتسامة، ضحكة، أو قهقهة؛
صور توضح مدى التغير في نموهما على مدار السنوات؛
وغيرها تؤكد على تقارب لم يكن له نظير!
حتى استشرى وباء الغدر بينهما دون سابق إنذار، فاستحال حُسن علاقتهما إلى تشوه ينخر بإصرار كالسوس في العظام!
أقسمت أن تمحو الصور من ذاكرة الهاتف توطئًة لأن تمحوها من ذاكرتها هي فيما بعد، لكن ها هي تبتسم أمام صورة تظهر فيها سدن بتعبيرات خرقاء على وجهها في محاولة منها للتخفيف عنها بعد شجار مع والدها ذات يوم، ثم تعقد حاجبيها وتنساب منها الدموع وهي تتطلع إلى صورة أخرى تتعانقان فيها بحب أثناء احتفالهما بذكرى ميلادها في مفاجأة أعدتها لها سدن.
والسؤال يدق في ذهنها رافضًا حتى الآن..:
"كيف أخفت نيتها المؤذية دون أن تلحظ هي؟!"
وبِغلّ ضغطت على أيقونة الحذف قبل أن تواصل التصفح، فلم يعد الآن هناك مجالًا لضعفها تجاه أي كان، لكنها لم تكد تفعل وهي تزفر نفسًا طويلًا كي تقنع نفسها بأنها تشعر بالراحة حتى ومضت شاشة الهاتف..
رنين طويل؛ رنين مريب؛ ورقم.. جديد!
رقم مُختلف يُهاتفها للمرة الأولى عوضًا عن الرسائل التي اعتاد إرسالها الرقم السابق!
ولما قد صارت تكره الأرقام غير المُسجلة وترهبها.. تجاهلته!
لكن دقات قلبها لم تفعل بالمثل، بل عادت أسرع وأشد وهي ترى الرقم مرة ثانية!
ربما هي سدن تحاول الاعتذار منها مع سرد أسباب لا معنى لها..
وإن يكن.. لن تقبل!
أو.. ربما تقبل؟!
لا!
ستجيب اتصالها، ستصم أذنيها عن كل الأسف، وستحظر هذا الرقم أيضًا.
ازدردت لعابها ورفعت الهاتف على أذنها،وعوضًا عن صوت سدن، واعتذارها، وإبداء ندمها تسلل صوت ذكوري مكتوم إلى سمعها متسائلًا:
_لماذا قمتِ بحظر رقمي؟!
_من أنت؟
بارتجاف سألت، وبحنق أجاب:
_أعتقد أنكِ لستِ بحاجة لأن تعرفي هويتي.
وضعت كفها على عنقها في حركة لا إرادية، ثم ألقت عليه سؤال بدا له عجيبًا:
_هل.. هل أرسلتك سدن؟
_من تكون سدن؟!
باستنكار تحدث، ثم واصل دون انتظار إجابتها في تحذير:
_اسمعيني جيدًا! بالغد في نفس الموعد ستتركين ما طلبت منكِ بالعنوان الذي سأرسله لكِ الآن وستأتين بمفردكِ، ولا تتجاهلي اتصالي أو رسائلي!
وانتهت المكالمة.. ليتهاوى قلبها دون استقرار؛
دوار، تلاطم، ضياع!
لو أنها سدن تنتقم منها على إظهار حقيقتها أمام أسرتها وخاطبها بالأمس فستكون هي في خطر حقيقي!
أخطر الأعداء من لم يعد يمتلك ما يخسره..
إنه يسدد ضربات عشوائية، إن أخطأ بعضها سيصيب الكثير غيرها؛
سيؤذي؛
سيتوحش؛
وسيمعن في إذلال من أعلنوا التمرد على استبداده!
لكن..
إن لم تكن سدن هي من أفسدت حياتها.. فهذا أسوأ!
يعني هذا أنها تهورت، تجنت، بكل تصميم أفلتت اليد الوحيدة التي شدت عليها بقوة، وبلا شك فقدت الداعم الأكبر!
ولن تندهش إن أرادت سدن نفسها الانتقام منها على ما اقترفته في حقها، وحياتها!
**********
دلف ياسر بسيارته إلى المصنع وهو يمسك بهاتفه يستمع لتعليمات جده بعدما ظل يقنعه طويلًا بألا يذهب معه، مكالمة أخرى قطعت تركيزه حملت اسم مدير العمال فقام بإلغائها ليرسل له رسالة نصية يطلب منه آخر الأحداث مع لجنة الفحص بينما عاد ليصب كل اهتمامه مع جده.
وبعد ثوان كان قد صف السيارة لتصله رسالة أخرى أخبره فيها مدير العمال عن صحة ظنونه، فهناك بلاغًا تم تقديمه مُرفقًا ببعض الوثائق التي لا يعلم أحد كيف تم تلفيقها، وبآخر الرسالة خبره الرجل بالغرفة التي ستتخذها اللجنة مقرًا لها حتى تقيم الجرد والمراجعة، كما ذكر أيضًا أسماء أعضاء اللجنة.
وصل ياسر حيث الغرفة المغلقة، وبعد أن استطاع تملق العسكري الذي يحرس الباب، توقف قليلًا يلتقط أنفاسه ويشحذ كل مهاراته حتى تنتهي هذه المصيبة دون فضائح، طرق الباب ودخل فظهر أمامه رجل يبدو أنه بالعقد الخامس عاقدًا حاجبيه جادًّا وكأنه يحكم العالم فتوتر ياسر بعض الشيء قبل أن يقول ببشاشة وهو يتجه إليه مُصافحًا:
_أنا ياسر البحيري، حفيد الحاج فؤاد الكُردي صاحب المصنع.
_ثم..؟!
على مضض مد الرجل يده، والجمود مع الاقتضاب أثارا استفزاز ياسر وقلقه، لكنه حافظ على هدوئه واستدعى أول اسم أرسله له مدير العمال ثم سأله مبتسمًا:
_هل أنت السيد سَلَّام؟
لو أنه ألقى عبوة انفجر منها غاز مُسبب للضحك لما انطلق الجميع في الغرفة يقهقهون بهذا الشكل!
دارت عينا ياسر بين وجوههم جميعًا في تعجب، أحدهم يضغط على عينيه وهو يضحك، والثاني يضع كفه على صدره، الثالث يضرب كفَّا بكف، والرابع هو من يقف بمواجهته فيما انقلبت ملامحه الجادة إلى أخرى يبدو أن صاحبها قد سمع لتوه أخف الدعابات ظلًا!
_هل تريد السيد.. مَن قلت؟
سأله بكلمات متقطعة من فرط المرح، فتنقلت نظرات ياسر بتوجس بينهم، أربعة، هم أربعة فقط..
لماذا أكد له مدير العمال أنهم خمسة؟!
_السيد سَلَّام.. ما الذي يستدعي الضحك إلى هذه الدرجة؟!
قال بتوجس وهو يعي أن الغرفة التي اتخذوها مقرًا للجرد قد باتت وكأنها قاعة حضور لمسرحية كوميدية، فرد الرجل بصوت عال دون داعِ:
_لقد ذهب السيد سَلَّام ليحضر لنا بعض الطعام، وها هو قد عاد.
قالها وهو يُشير إلى نقطة خلف ياسر ثم استسلم كزملائه إلى نوبة ضحك جديدة لا داع لها، لكن حينما استدار ياسر ليطالع الخامس وجد أنه.. أنها فتاة تحمل صينية عليها بعض الشطائر!
فتاة ممشوقة القوام؛
صارمة لا شك بهذا؛
عريضة الجبهة إذن فهي شديدة الذكاء؛
غاضبة وكأنها سمعت أحدهم يسخر منها!
_اللعنة! لا يُعقل أن..
همس رافضًا بدهشة، ثم تمتم وهو يبتسم لها في ارتباك:
_لا يُعقَل أن تكوني أنتِ السيد سَلَّام بالطبع!
اقتربت هي منه تقول ببطء، وبصوت قوي كان من الغريب أن يخرج من فتاة بهيئتها:
_ألم يُعلمك أحدهم من قبل أهمية ضبط الحروف أثناء النطق؟!
سألته ونظرت له في ترقب للإجابة فحار وهو يفكر فيما كانت الفرصة الآن مواتية كي يعترف ببلادته في بعض قواعد اللغة العربية.. أو كلها!
لكنها تابعت بعينين تبرق تحذيرًا ونبرة تتقاطر منها الخطورة:
_ شَدَّة ليست بمكانها، أو فتحة وُضِعَت حيث لا يجب من الممكن أن تضعك في مواقف شديدة الإحراج وتتسبب لك بمشكلات عِدة!
استوعب أن موقفه سيء بالفعل، لِذا اتجه حيث المزاح لتبديد هذا التوتر، فضحك قائلًا:
_وماذا عن الكَسْر؟!
ابتسمت فأثارت به توجسًا ولا يدري كيف وهي تومئ برأسها وتُجيبه دون تردد لحظة واحدة:
_ربما سيتعرض له فَكّْ أحدهم إن واصل التظاهر بخفة الظل!
اتسعت عيناه وهو يعي تحذيرها، وقبل أن يرد عاجلته في هدوء:
_آنسة سَلَام.. "سـَ لـَ اَ مْ" عضو لجنة الفحص، وأنت بالطبع من أصحاب المصنع.
وتشديدها على كل حرف من اسمها على حدة ذَكَّره بالخطأ الذي لتوه ارتكبه حينما نعتها بالـ(سيد)، فقفز الحرج إلى وجهه وردد في ارتباك:
_أنا..
_أتعلم بأنه يُمنع وجودك بهذه الغرفة؟ كيف سمح لك العسكري بالخارج في الأصل؟!
قاطعته وهي تضع الشطائر على سطح المكتب المجاور ثم أسندت قبضتها إليه، فأشاح بنظراته بعيدًا وهو يتمتم بتوتر:
_لم..
_ألم يخبرك أحد زملائي بأن كل ما يحدث هنا بدءً من اليوم وحتى ينتهي الفحص يُعد أمرًا بالغ السرية؟!
تنحنح في اضطراب حينما لم يجد ردًّا مُناسبًا إلا:
_لقد..
لكن ابتسامة مخيفة أخرى ارتسمت على ثغرها وكشفت عن أسنان مُتراصة بانتظام، بيضاء، لامعة.. ومُثيرة للانتباه تليق بصورة دعائية!
زجر تفكيره الأبله ثم أجبر نفسه على التركيز معها وهي تفرد كفيها إلى جوارها وتواصل بتهكم صدح كالزئير من صوتها:
_بالطبع لم يفعلوا، فهناك ما هو أهم، فَلِمَ لا نتسلى قليلًا على حساب الموظفة الجديدة حتى نبدد ملل مهامنا المعتادة؟!
لم يأبه أحدهم لها وقد بدا الاستمتاع على أشده فوق وجوههم، فعادت هي إلى ياسر لتنظر له بتجهم ثم أشارت بكفها إلى الخارج هاتفة:
_إلى الخارج يا سيد! ولا تعطلنا عن عملنا أكثر من هذا! لن أُصَعِّد الأمر وسأكتفي بالتحذير هذه المرة كي لا يتأذى العسكري، لكن إن تكررت ورأيتك بهذه الغرفة لن أتوانى عن الإبلاغ!
تملك منه الخزي وهو يدرك أنه يتم طرده من مصنع جده على يد فتاة لا تحاول إخفاء عدوانيتها تجاهه لأنه أخطأ في اسمها وحسب!
حسنًا.. ربما أخطأ في جنسها بالتبعية لكن لا يقع اللوم عليه، هل انتهت الأسماء جميعها حتى يطلقون عليها هذا الاسم المُربِك؟
تقهقر إلى الخلف وقد بدأ يشعر أنها ستُترجم نظراتها العنيفة إلى أفعال، وأغلق الباب بأدب فيما كان آخر ما سمعه هتافها الحانق في زملائها الذين توقفوا عن الضحك دفعة واحدة:
_إن أراد أحدكم شيئًا فليطلب من الساعي! فوظيفتي لا تحتم عليّ الاهتمام بطعامكم وشرابكم!
**********
"أجيبي يا سدن!"
بلا أمل همست بها وهي تفرك رأسها بإحدى يديها في عنف لا تشعر به حقًّا، وبالأخرى تمسك بالهاتف لتستمع إلى الرنين المتواصل دون رد من الجهة الأخرى!
فبعد أن تمالكت نفسها وأدركت أي مصيبة ستحل عليها بأي وقت سارعت برفع الحظر عن رقم سدن لتطلبها وتُطالبها بنفي أو تأكيد لن يفيدها أحدهما بشيء وقد باتت سمعتها وعائلتها تحت تهديد لا يرحم.
لكن سدن لا تُجيب، أيُثبت هذا أنها لازالت الفاعلة؟ أم يُثبت العكس؟!
لا تدري، كل ما توقن منه أنها توشك على فقدان عقلها إن لم...
"ماذا تريدين مني بعد يا غفران؟"
والصوت الذي اعتادت مرحه غالبية الوقت جاءها أخيرًا يائسًا، ضعيفًا، فاقد الروح!
_أترغبين بالتحدث مع والدتي؟ أم شقيقي الصغير؟
واصلت سدن بخفوت فيما جف حبر كلمات غفران في صفحة ذهنها الذي تشتت مع استشعار كل هذا القدر من الألم عبر الأثير:
_أتريدين التحدث إلى الجيران وفضح الشيطانة التي تعيش بينهم؟
جلست غفران أرضًا وهي تدرك أن الضعف تسلل منها إليها، جلست وإحساسها بأنها ستسقط من أي مُرتفع مهما كان منخفضًا يخنقها ويُعيد أنفاسها إلى جوفها..
بصوت شاحب كوجهها سألتها وهي تحاول تجميع سؤال له معنى:
_أنا لم.. هل.. ألستِ أنتِ من تقومين بابتزازي؟
ضحكة خافتة مكتومة وصلتها، فبدأ الهلع يتسرب إليها لتتابع بصوت مُتقطع لكنه بشكلٍ ما أعلى:
_أخبريني يا سدن! هل أنتِ من استأجرتِ ذلك الشخص الذي يمتلك صوري ويُهددني بإرسالها إلى أفراد عائلتي؟
والضحكة لم تعد خافتة، ولا سبب يدعو لكتمانها؛
صدحت في أذنها عالية، صاخبة، وربما مقهورة باكية!
_لا تضحكي يا سدن!
قالتها في خوف، فعاد الصوت يتردد أكثر إصرارًا..
_أرجوكِ يا سدن توقفي!
كررتها في توسل، فسكتت سدن في رضوخ متأخر بعض الشيء.
ثم بنبرة أقرب للهمس خرجت كلماتها:
_أنا لا أمتلك صوركِ يا غفران، لقد حذفتها كلها ما إن أرسلتِها إليّ خشية أن يعبث شقيقي بهاتفي ويراها.
_ماذا تعنين؟
وانقض الهلع على كيان غفران بأكمله وهي تطلب إيضاحًا وترفضه في اللحظة ذاتها، لتُجيبها سدن بصوت رنَّت فيه المرارة مع خيبة الأمل:
_أعني إن كان هناك من يبتزك فبالتأكيد لست أنا!
استغرق الأمر من غفران عدة ثواني كي تقتنع به.. وبمعناه، حتى عاد صوت سدن مُتحسرًا رغم دهشته:
_إلى الآن لا أصدق أن غفران التي أهانتني بين أهلي وأسرة خاطبي منذ ساعات هي نفسها الفتاة التي بادرت بمساعدتي ذات يوم قبل أن تتكون صداقتنا!
ارتجفت يد غفران الحرة بينما بدأت عيناها تتسع في ذهول، وتابعت سدن بهمس كي لا يقاطعها نشيجها:
_أتتذكرين يا غفران كيف بدأت صداقتنا؟
انبثقت الدموع من عيني غفران وهي تسافر إلى يوم بعيد، يوم اختبار الشهر بمادتها المُفضلة، وعلى الجهة الأخرى كانت سدن ترافقها فأجابت بنفسها في حنين:
_ذلك اليوم، حينما دخلت الحجرة الدراسية بعد بدأ اختبار الشهر بنصف ساعة كاملة، كنت أعاني ألمًا شديدًا بالمعدة، تراءت لي الأسئلة على ورقة الاختبار وكأنها شفرات لا أفسرها فأوشكت على تسليمها فارغة حتى من اسمي، وكنتِ أنتِ قد أنهيتِ الحل قبل منتصف الوقت بالضبط كعادتكِ.
تلاحمت دموع غفران مع ابتسامة مُتألمة ولم تقو إلا على التمتمة في اشتياق:
_أتذكر يا سدن، أتذكر.
ضحكت سدن في رقة ثم تابعت بنبرة شابها الامتنان رفقة الحب:
_هممتِ بتسليم ورقتكِ لكن نظرة واحدة حانت منكِ إليّ وأدركتِ أنني لم أخط بقلمي حرفًا واحدًا، فدفعتِ لي بورقتكِ خلسة بعد أن محوتِ اسمكِ، ثم أخذتِ ورقتي وعدتِ إلى مقعدكِ كي تبدئي ثانية..
بترت سدن كلماتها لتمسح عبرات انسالت بلا رادع على وجنتيها، فيما كتمت غفران فمها بكفها حتى لا ترخي لجام بكائها، وتابعت الأولى في أسف:
_لكن الوقت لم يمهلكِ وسحب المعلم الورق من الجميع فكانت المرة الأولى التي حصلتِ خلالها على درجة متدنية.
أومأت غفران برأسها في صمت، فأردفت سدن وكأنها قد رأتها:
_اعتذرت لكِ، عرضت الاعتراف بالحقيقة لكنكِ رفضتِ، سألتكِ عن رد فعل أهلكِ فخبرتني أنهم لم يهتموا، كنتِ تكذبين، أليس كذلك؟!
شهقة ندت عن غفران وهي ترفع كفها لتجيب في حشرجة:
_نعم، فعلت!
ثم أضافت بصوت خافت نال منه البكاء واعية أنها ربما تكون المرة الأخيرة حيث ستفضي لها:
_أمي اكتفت بأن شجعتني أن أبذل جهدي باختبار الشهر التالي، لكن أبي أخذ يُعنفني أمام الجميع وكاد يصفعني، لولا أن سمعه جدي وخرج من غرفته سريعًا ليجذبني ويمنعه من إيذائي، حتى أنني قضيت تلك الليلة في غرفته، على فراشه، يرتل القرآن بصوت عذب وهو يمسح على رأسي في حنو، ويعدني بألا يسمح لأبي أن يضربني ثانية، ثم نام هو على الأريكة كي لا يحد من راحتي!
ساد بينهما الصمت عقب رد غفران إلا من أنين ضعيف لم تعلم إحداهما أهو صادر منها أم من.. صديقتها!
حتى تمالكت سدن نفسها قليلًا لتقول في نصيحة صادقة:
_عودي إليه يا غفران! عودي إلى جدكِ! حتى لو ارتكب خطئًا بحقكِ قديمًا لم يتأخر الوقت بعد كي تُعاتبيه!
_سدن!
في توسل باكي همست غفران وهي تسمع رنة الوداع بكلماتها، وهو ما أكدته سدن حينما قالت في صدق أحاط به الألم:
_لقد أحببت كل دقيقة من صداقتنا يا غفران، كنتِ لي خير صديقة، وأفضل شقيقة.. حتى اليوم!
ثم أردفت في حسرة:
_غبية يا غفران! مهما ادعيتِ العكس!
وبينما غفران تحاول الاستسلام لما لا تريده أضافت سدن:
_سأرسل لكِ مالكِ الذي أقرضتني إياه من قبل فلم أنفق منه جنيهًا واحدًا، بالإضافة إلى المبلغ الذي ألقيتِه ببيتنا، وسأقوم بحظر رقمكِ بدءً من الآن، وداعًا يا غفران!
_ســ..
والاسم الذي اضطرت إلى بتره بعدما أنهت صاحبته المُكالمة ظل يُكرر نفسه في ذهنها..
"سدن" يهمس في ذهول؛
"سدن" يتمتم في رجاء؛
و.. "سدن" يصرخ في رفض!
لقد حاولت إنقاذ نفسها فأضاعت نفسها ومن واظبت على مُساندتها؛
والآن حان وقت مواجهتها العدو وحدها كشاه تُساق إلى داخل عرين الأسد!
*********
وقف يراقب العامل الذي قارب الانتهاء من تسوية الحوائط بالبلاط ولا يكف عن الثرثرة، أخذ يساعده بملابس قديمة بالية بعض الشيء وبذهن شارد فيما يصر تفكيره على استعادة ظنونها وتخميناتها التي ألقتها عليه، جاء إلى المحل مُتظاهرًا بالرغبة في الانشغال لكن قواه تخور رغمًا عنه، فلا تنفك الأسئلة تفرض نفسها عليه..:
لماذا لم يخبرها بالحقيقة؟
لماذا لم يكشف لها ما خفي عليها؟
وإلى متى سيتحمل نظرتها الدونية إليه؟
والسؤال الأخير على الأخص قرع كالطبل في ذهنه، وهو يتمنى لو لم يلتقِ بها يومًا، أو لم يعرض عليه جدها الزواج منها حتى لا يستعيدها ابن عمتها!
لعنة! لعنة هي أم عقاب؟
و.. هدية؛ هدية هي أم مصدر عذاب؟
بات لا يدري حقيقة الوضع، ومُصمم هو على ألا يسمح لها بالاقتراب من كبريائه بالرغم من وشوكها على النجاح في كل مرة!
و..ذكرى!
ذكرى لقاء ربما لو لم يتم لكان بمكان آخر، وفي وضع آخر، بعيدًا عنها وعن كل الإزعاج الذي تتسبب له به، وكل الضر الذي وقع عليه جراء تعارفهما!
منذ ثمانِية أعوام:
الأول من نوفمبر 2011
كان ينصت السمع لكل كلمة يُمليها عليه ويدون بعض الملحوظات أثناء مشيه بخطوتين متأخرتين عنه، يُلقي نظرات مشجعة على عامل يقوم بما يجب عليه، ويرمي آخر بنظرات مُحذرة ينهاه عن التكاسل في إتمام وظيفته قبل أن يُلاحظه مُرافقه.
"هل فهمت كل ما أخبرتك به يا ناهل؟"
استدار إليه الرجل متسائلًا فأجابه بحماس جليّ:
_نعم يا حاج فؤاد، لا تقلق على الإطلاق! سوف أُشرف بنفسي على التسليم بالغد.
أومأ برأسه في استحسان ثم ربت على كتفه قائلًا:
_إن نسيت أن أصرف مكافأتك بالغد فلتذكرني! تعلم أن ذهني يخونني كثيرًا مؤخرًا.
هز ناهل رأسه رفضًا بتهذيب ثم قال بجدية:
_لا أحتاج مكافآت على آدائي عملي يا حاج فؤاد، إنه واجبي.
وابتسامة هادئة ارتسمت على ملامح الرجل وهو يومئ برأسه مُشددًا:
_وهي حقك أيضًا يا ناهل.
وقبل أن يرفض مُجددًا بادره قائلًا باستفهام:
_أخبرني! كيف حال والدك؟
بلحظة واحدة تحولت ملامح ناهل من النقيض إلى النقيض؛
من الحماس إلى الإحباط؛
ومن الراحة إلى أقصى علامات الشقاء!
استشعر الحاج فؤاد الضيق الذي تحكم في الشاب وإن التزم الصمت مُرغمًا، لكنه ربت عليه مرة أخرى قائلًا برفق:
_عذرًا يا بني، لم أقصد إزعاجك، وها أنا أقوم بتجديد عرضي ثانية، فلتدعه يعمل هنا! نحن بالفعل نحتاج إلى سائقين.
جمد وجه ناهل وعَلق باقتضاب:
_لا أظن أنه من الصواب القيام بذلك، ثق بي يا حاج فؤاد! لن يستقيم الأمر مُطلقًا.
استجاب الرجل لرغبته صاغرًا واستدار مرة أخرى كي ينصرف، بينما ظل الجمود مرافقًا لِناهل وهو يسير إلى غرفة مكتبه...
كيف يخبره أنه يخجل من مساعدته على العمل بالمصنع وهو لا يتوقع منه التزامًا؟!
بآخر الأمر هو والده.. لكنه أدرى الناس بأنه لا يحافظ على وظيفة لفترة متصلة!
دلف إلى الغرفة الصغيرة بأقصى الممر وهو يتمتم باستغفار متكرر بعد أن احتد مزاجه تمامًا، لكنه ما إن أغلق الباب حتى تخشب مكانه ليُحدق في تلك الفتاة التي تجلس على المقعد واضعة إحدى كفيها أسفل وجنتها المُستندة على المسند فاغرة فاها وهي تغط في نوم عميق، حتى أن شخيرها تعالى بانتظام في أرجاء الغرفة الضيقة!
لقليل من الوقت بقى مكانه ثابتًا، ثم حشد صرامته و..:
"من أنتِ؟!"
ألقى سؤاله الدهش بنبرة مرتفعة بعض الشيء متوقعًا انتفاضتها واقفة، لكنها كانت بالفعل في عالم آخر تمامًا، فما كان منه إلا أن اقترب من المكتب ليدق عليه بعنف في اللحظة ذاتها حين كرر سؤاله هاتفا:
_استيقظي! من أنتِ؟!
بالرغم من أن صوته كان عاليًا بشدة ودقاته على المكتب كانت أكثر علوًا فإنها فرقت أهدابها ببطء ورطبت شفتيها الجافتين بلسانها، ثم فركت عينيها وكأنه يوقظها ماسًّا وجنتيها بِوَردة!
تأمل ملامحها التي أخذت تتحول من النعاس الحالم إلى التنبه التدريجي وعيناها تدور في أنحاء الغرفة حتى أدركت وضعها كاملًا فَهَبت واقفة بحرج تسيده الخوف لتقول بتلعثم:
_أنا.. لقد نمت دون أن أشعر و..
تأكدت من وضع حجابها وعدلت ملابسها لتبتر عبارتها متسائلة بانتباه:
_أين ياسر؟
ضاقت عيناه هو وصاح بها غير عابئ بارتجافها الواضح وقد فشلت في إخفائه:
_من أنتِ؟! ومن ياسر هذا؟!
_إنه ابن عمتي، وأنا ابنة خاله.
تلقائيًا أجابته فما كان منه إلا أن ابتسم ابتسامة مُثيرة للقلق خاصًة وقد حافظ على عُقدة حاجبيه كأنها فلذة كبده!
_حقًا؟! ياللمصادفة! هو ابن عمتك وأنتِ أيضًا ابنة خاله بالوقت نفسه؟! المعجزات تحدث بالفعل!
أغمضت عينيها بقوة لثانيتين كي تُهدئ من حنقها الذي بدأ في التفاقم ثم فتحتهما قائلة بتحذير تسبب ارتباكها في فضح اصطناعه:
_اسمع يا هذا! أعلم أنني أخطئت حين نمت هنا، لكنني أنتظر جدي وياسر منذ ساعة حتى نعود إلى البيت، هذا كل ما في الأمر ولا يحق لك السخرية مني.
تَجلَّت الدهشة في مُقلتيه لكنها لم تمنع خطورة مظهره وهو يستوعب اللهجة الآمرة التي تحدثت بها للتو رغم سطوها على ما يخصه!
_ألا تظنين أنكِ مُضطرة لتفسير سبب نومكِ بغرفة مكتبي وكأنها فراشكِ الدافئ؟
سألها مانعًا أعصابه من الانفلات غضبًا لتجيبه بأقصى قدرة لديها على إثارة غيظ من يواجهها:
_لا! لست مُضطرة لشيء، دعني أمر!
ما إن هَمَّت بتجاوزه حتى اعترض طريقها قائلًا بصرامة:
_لن تخرجي قبل أن أتأكد من سبب تسللكِ الحقيقي.
_ماذا قلت؟!
استطاع إزالة جمودها المُفتعل بعبارة واحدة لتحدق به بذهول، ما جعله يكبت ابتسامته المُتسلية بصعوبة.
لكنه أجبر نفسه على استعادة بعض صرامته التي تصرفت معه بنذالة في حادث نادر ليقول بلا اكتراث يُخبئ به كل الاكتراث:
_لقد سمعتِني، لا أعلم منذ متى دخلتِ خلسة، ربما تتظاهرين بالعمل هنا بينما أنتِ مُرسلة من أحد منافسي الحاج فؤاد كي تصلي إلى أدق أسرار المصنع!
شهقة خافتة واكبت شحوب وجهها وهي ترد بنبرة دفاعية:
_لقد.. أنا لم أفعل.. أقسم أنني كنت نائمة فَحَسْب!
إنها حقًا مُسلية، وبريئة إلى حد ملحوظ!
هذا ما دار بعقله وهو يهز كتفيه بلا تعبير قبل أن يقول ببساطة:
_ربما تصنعتِ النوم حين سمعتِ خطواتي!
لم تنقذها الكلمات على الفور فخرس لسانها ونظرت إليه بلا تصديق دون أن ترى المرح الذي يرتع في عينيه، تطلعت إلى بنيته الضخمة نوعًا وهو يهيمن عليها فانتابها التوجس، لكنها أجلت حنجرتها ثم أشارت بكفيها إلى نفسها هاتفة باستنكار:
_تطلع إليّ جيدًا! أهكذا يكون مظهر فتاة تستطيع القيام بحركات أفلام الجواسيس هذه؟!
سارت عيناه عليها بتمهل لم ينتبه هو نفسه إليه..
من رأسها حتى أخمص قدميها؛
وعاد صاعدًا إلى عينيها ثانية ليجدها تنظر إليه بتساؤل شابه التوتر وهي تقول:
_ماذا تفعل؟!
مط شفتيه ثم أجابها بلامُبالاة:
_ألم تطالبيني بأن أتطلع إليكِ؟! ها أنا أفعل!
_أنت وقح!
تخلت عيناه عن المرح وانتصب في وقفته ليقول بكلمات هادئة ظاهريًا، مُثيرة أكبر قدر من الخوف واقعيًا:
_لو أن أحدًا آخر قال هذه العبارة ما تركت بجسده قطعة سالمة مُكتملة!
ارتجفت فأثارت شفقته؛
وترددت فسببت له انزعاجًا من نفسه!
لكنها تشبثت بما تبقى من قوة غير حقيقية لتقول:
_يا إلهي! كل ما في الأمر أنني شعرت بإرهاق شديد فدلفت لأول غرفة قابلتني ونمت تعبًا، فلتدعني أنصرف ولن نتلاقى مُجددًا!
أنهت عبارتها وتجاوزته بالفعل لتلملم حقيبتها ودفاترها، هَمَّ بالاعتذار لها بعدما أدرك أنه قد تمادى قليلًا، لكن جُذِب انتباهه بواسطة شيء آخر..
شيء مُحرج آخر!
_انتظري!
قالها آمرًا بعد أن طال تردده حتى أوشكت على فتح الباب والانصراف، التفتت إليه بملل تسأله:
_ماذا تريد؟
_ثـَ..
بتر كلمته وهو يبتعد بعينيه عنها بينما انتصر عليه التوتر باكتساح، أخذت تنظر إليه بترقب اختلط به الاستغراب من تبدل حالته الفوري، حافظت على صمتها أثناء مراقبتها الانفعالات التي تتعارك بوضوح على صفحة وجهه حتى نطق أخيرًا:
_ثَوبكِ!
ارتفع حاجباها بدهشة وسألته تلقائيًا:
_ماذا به؟!
حك ذقنه الحليقة وهو يخفض رأسه أرضًا ليتمتم بصوت مسموع لها:
_يبدو أن به ثُقبًا ملحوظًا بعض الشيء!
والشهقة هذه المرة كانت مسموعة أيضًا، بينما بدت محاولتها المُستميتة لإدارة نصف جسدها إلى الخلف وهي تتحسس ثوبها حمقاء تمامًا!
اقترب منها يخلع سُترته الشتوية ليُقدمها إليها قائلًا بنبرة آمرة:
_اعقديها حول خصركِ حتى تعودي إلى منزلكِ!
رمقت يده الممتدة بالسُترة دون أي رد فعل لِبعض الوقت، وما لبثت أن استسلمت للأمر الواقع والحل الأكثر صوابًا فأخذتها منه مُغمغِمة:
_أشكرك!
أومأ برأسه دون رد ثم تجاوزها قائلًا:
_تصرفي بحرية! أستأذنكِ.
حدَّقت في إثره بدهشة وهي تضع حقيبتها ودفاترها على خزانة مُجاورة للباب..
لقد كان يتهمها بأنها مُتسللة إلى مكتبه كي تصل إلى أسرار المصنع، أهو الشخص نفسه الذي ترك لها الغرفة كاملة كي تُعدل من هندامها؟!
إنسان غريب!
...
"ناهل!"
أنهى حديثه مع أحد العمال عندما سمع نداء السيد جلال، اتجه ناحيته ورأى شابًا يقف بالقرب منه، وصل إليه وقبل أن ينطق بكلمة عاجله:
_شَدد على العمال ضرورة الالتزام بالموعد! إن أبلينا حسنًا هذه المرة سيحاول صاحب المعرض التعاون معنا كثيرًا في المستقبل.
أومأ ناهل برأسه قائلًا بجدية:
_لا تحمل هَمًّا يا سيد جلال!
_أأنت ناهل؟ جدي وخالي يتحدثان عنك طوال الوقت شاكرين جهودك وإتقانك العمل، حتى أنني تمنيت لقاءك كي تعلمني كيف تجعلهما يُثنيان عليّ أيضًا لكن دون أن أضطر إلى العمل.
نظر إلى الشاب الذي تحدث إليه وكأنه يعرفه منذ الأبد، فأوضح الأخير وهو يمد يده ليصافحه:
_أنا ياسر البحيري.
أومأ ناهل برأسه مُبتسمًا ثم صافحه وقال بهدوء:
_لا أفعل شيئًا يستحق الثناء.
ارتفعت ضحكات ياسر ليُعلق بمرح:
_ومتواضع! فلتعلمني ذلك أيضًا!
تأفف جلال وهو يبحث بعينيه عن ابنته، ثم سأله بصرامة:
_أين ذهبت إيلاف؟
أشاح ياسر بذراعه إلى إحدى الجهات مُجيبًا:
_لا أعلم، لقد..
لكنه بتر عبارته وهو يراها قادمة تجاههم بخطوات مرتبكة بينما تختلس النظرات إلى المارين بتوتر ملحوظ حتى وصلت إليهم.
_ها هي!
رَفَعت رأسها لتواجه والدها وابن عمتها، لكنها أجفلت وهي ترى الشاب نفسه الذي أخفت سترته قطع ثوبها واقفًا معهم، مُحدقًا بها في صدمة.
ابتسامة شامتة ارتسمت على ثغرها وهي تبادله النظر بثبات، بينما يكاد يسمع سخريتها منه واضحةَ.
أشار إليها والدها بكفه وهو يُخاطب ناهل بنبرة تقريرية:
_إنها ابنتي الوسطى، ربما بعد إنهاء دراستها بالكلية ستعمل معنا بالمصنع، وستتولى أنت تدريبها يا ناهل لأنني لا أثق إلا بك.
_كيف حالك يا خالي؟ أتراني هنا؟!
وتدَخُّل ياسر الذي امتزج به التهكم بالعبث مواريًا بعض الألم لم يؤثر بنظرة جلال الجادة، أو بخاصة إيلاف المُنتصرة، أو بذهول ناهل!
_هذا هو ناهل يا إيلاف، من أكثر الموظفين كفاءة بالمصنع، أتمنى لو تمارسين نشاطًا مُفيدًا وتستطيعين اكتساب شيء من مهاراته!
قالها والدها بخيبة أمل واضحة، فأشاحت بوجهها بعيدًا لتلتقي عيناها بعيني ياسر المُتعاطفة.
أما ناهل فقد تنحنح ليقول بتهذيب:
_كما تشاء يا سيد جلال.
لعن نفسه وهو يعي أنه كان يسخر لدقائق متواصلة من ابنة أصحاب المكان الذي يعمل به، ودهش من عدم إعلانها عن هويتها، موقنًا أن أية فتاة أخرى في مثل موقفها كانت لتتباهى بها، بل كانت لتتسبب في عقابه وطرده من العمل!
لكن شعور ثقيل غير مفهوم تسلل إلى نفسه، مُحمَّل بالاضطراب، بالأسف، وبالضيق!
وفي أثناء تشابك خيوط أفكاره انتبه إلى يد ياسر التي امتدت لتصافحه مرة ثانية قبل أن يتبع خاله وابنته، ثم لاحقت عيناه تلك الغريبة التي تسير إلى جوار والدها بعدما تخطته، و.. تؤرجح على خصرها كُمَّي سترته!
...
"لا حول ولا قوة إلا بالله!"
انتزعه صوت الحاج بيومي من ذكرياته البعيدة، فالتفت إليه مُستعيدًا جدية ملامحه حتى يتهرب من جرعة التوبيخ القادمة، لكن الرجل لم يمنحه الفرصة وتابع بتأنيب:
_لهذا نصحتك بأن تؤجل الحفل حتى تنتهي من تجهيز المحل.
لم يبد على ناهل أنه سمعه فواصل ساخرًا:
_أم أنك قد أخزيتنا أمام عروسك؟
نظرة جانبية ضَجِرة هي كانت الرد الذي تلقاه الحاج بيومي فانطلق يضحك مُتسليًا بعد أن لاحظ احتقان وجهه من الغضب أو ربما الحرج، لكن اتصال زوجته قطع عليه استغراقه والمزيد من الدعابات التي كان على وشك إغاظته بها، وبعد دقيقة أنهى مكالمته لينظر له شامتًا:
_أبشِر! لقد عَلِمَت إكرام أنك خرجت والآن لديك استدعاء فوري أنصحك بألا تتجاهله.
رمقه بلا فهم فدفعه إلى الخارج وهو يتابع:
_تحرك ولا تحدق بي هكذا! لقد جاءت حماتك وعمة زوجتك للتهنئة، لكنهما لم يجدا العريس في استقبالهما، عُد إلى بيتك واشتري أي شيء في طريقك لتحجج به أمامهما، وأنا سأتابع المحل.
ارتبك ناهل وهو يتجه إلى الخارج فسمعه يختم باستهزاء:
_كنت أشعر أنك ستحط من سُمعتنا، لكنني لم أتوقع أن تفعلها بهذه السرعة!
**********
جلست بين والدتها وعمتها لا تجد فرصة للرد على كل استفسارتهما التي لم تتوقف منذ وصلتا، فيما استأذنت منهما السيدة إكرام وهي تنظر لها بإشفاق صريح!
"لماذا وجهكِ شاحب هكذا يا بنيتي؟ ألم تتناولي طعام الإفطار؟"
سألتها عمتها وهي تمسك بذقنها بين يديها، فابتعدت قليلًا إلى الخلف وأجابتها:
_بلى، تناولته لكنني أشعر بألم في رأسي.
فتلقفتها والدتها وهي تدير رأسها بفضول في الصالة مُتسائلة:
_وأين ناهل؟ كيف خرج بصبيحة زفافه؟!
احتبست الكلمات في حلقها وأخذ ذهنها يبحث عن مخرج سريع، لكن والدتها واصلت بتهكم:
_هل تشاجرتما؟! صارحيني فأنا أعلم قدرتكِ الفذة بفن النكد!
_لم.. لم...
بتردد هزت رأسها نفيًا وهي تتعمد عدم النظر لها، فعادت عمتها تسأل هامسة:
_ولماذا كانت تلك السيدة هنا عندما وصلنا؟
_ كانت تخبرني أن بإمكاني طلب أية خدمة منها في أي وقت بلا تردد.
أجابت بابتسامة مُمتنة، ثم استطردت:
_السيدة إكرام صديقة والدة ناهل رحمها الله، هي وزوجها بمثابة عائلته الوحيدة، لقد اعتادت على رعاية شؤونه دائمًا، كما أن ابنها كان صديق ناهل الوحيد ونشأ الاثنان سويًا حتى سافر.
استمعت لها الاثنتان باهتمام ثم استفهمت والدتها بفضول:
_أليس له أقارب آخريين؟
_كان قد ذكر لي ذات مرة أنه لديه أقارب من عائلة والدته، لكن علاقتهم ليست وطيدة.
_وأين..
_دعي الفتاة وشأنها يا هالة! لماذا تلاحقينها بالأسئلة هكذا؟!
بحزم مُفتعل وبختها أماني فسكتت بلا اقتناع، ثم تحفزن جميعًا مع سماع صوت انفتاح الباب، ثوانِ وأقبل عليهن ناهل بابتسامة مهذبة فغرت لها إيلاف شفتيها..
لا من أجل الابتسامة بالطبع فقد رأته يفعلها مرات طوال سنوات، إنما من أجل التهذيب!
"السلام عليكم!"
تعلقت عيناها به بتوجس وهو يقترب من والدتها يُصافحها، ثم يومئ برأسه في ترحاب لعمتها..
أمعنت النظر به أثناء انشغاله معهما، راحت عيناها تجوب ملامحه بلا إرادة، ربما لا يحمل وسامة مثيرة للانتباه، لكنها لن تُجحف جاذبيته التي لا تدري لها سببًا.
بشعره الأسود القصير؛ ملامحه الخشنة؛
نظرته الحادة غالبًا إلا حينما كان يترفق بها عندما يقوم بإزعاجها أحد ما؛
ولحيته.. لحيته التي واظب منذ وقت طويل على إطلاقها، مهيبة، كثيفة كظلال سوداء لن تمانع هي في التيه بها!
"إيلاف!"
انتبهت على صوت عمتها وتحديق ثلاثتهم بها، احمرت وجنتاها ظنًا منها أنهم قد كشفوا سير أفكارها الغريبة، ابتسامة مرتجفة منحتهم إياها وهي تقف قائلة في توتر:
_سأعود بعد قليل.
وفي المطبخ الصغير وقفت تستعيد أنفاسها بعدما تخبطت بصدرها، توجه لومًا ضعيفًا واستهجانًا غير حقيقي إلى نفسها التي تأتي بأفعال غير معتادة في الآونة الأخيرة.
ليست المرة الأولى حين تضبط عقلها يستعيد ذكرى تجمعها به، وغالبًا كانت تتعلق بإرشاده أو نصحه أو دعمه.
لكن منذ عقد قرانهما وهو يُثير فضولها أحيانًا..
كرجل، وكزوج!
بل أنها أحيانًا ما ودت لو تعرف كيف يفكر بها، كيف يراها!
لا تفهم لذلك سببًا، فزواجهما مبني على منفعة متبادلة، رد الاعتبار من جانبها والكسب المادي من جهته هو، ولا مجال لأي تغيير في النوايا.. أليس كذلك؟!
يكفيها ما جناه عليها قلبها مع هاني، وهي لن تنصاع لحماقاتها مرة أخرى!
"ماذا تفعلين يا إيلاف؟"
التفتت إليه مُجفلة فوجدت نفسها تنطق بلا تريث:
_ماذا عنيت بـ" ذكرى سنوية سعيدة"؟ لم يمر عام بعد على عقد قراننا.
تجاوزها إلى الداخل يرد ساخرًا في خفوت:
_أوتظنينني سأهنئكِ كل عام بذكرى عقد قراننا؟! هل أخبركِ أحدهم أنكِ متزوجة من مطرب عاشق مرهف الإحساس؟!
راقبته يفتح خزانات الأواني باحثًا عن شيء ثم يغلقها دون أن يهتم بالنظر إليها، فضاقت عيناها وخاطبته بإصرار:
_إذن ماذا...
التفت إليها يُقاطعها وهو يتساءل باهتمام:
_والدتكِ وعمتكِ تبدوان غير مرتاحتين بالخارج، يبدو أنهما ترتابان بأمر زواجنا بأكمله، هل أخبرتِ إحداهما بما حدث بالأمس؟
وبلا تفكير وجدت الفرصة سانحة لترد له سخريته، فابتسمت بمكر وهي تُشدد على كلماتها دون أن تفكر لوهلة:
_أتعني بما "لم يحدث" بالأمس ؟
اقترب منها ببطء فانتبهت إلى تسرعها، ولاحت على ثغره ابتسامة جانبية يبدو أنه يكبت الأشد منها، ثم همس بنبرة ذات مغزى أثناء تحديقه عن عمد في شفتيها، ومُتجاهلًا _أيضًا عن عمد_ دقات قلبه التي شرعت تتواثب دون مكابح:
_بإمكاني أن أجعله "يحدث" هنا بالمطبخ، والآن بينما هما بالخارج، ما رأيكِ؟
احمرت وجنتاها بخجل واحتبست أنفاسها في توتر.. توتر ليس مُزعجًا كما هو مُتوقع، إنما مُترقب، فضولي، و.. مُتحمس!
اتسعت عيناها في ذهول وهي توقن أنها قد جُنَّت حتمًا..
إنه ناهل!
مَن عرفته لسنوات، كموظف أمين، كمدير صارم، كابن وفي لذكرى والدته، و.. كمحامي دائم عنها بلا توكيل!
ما بال عقلها الأحمق يحاول نزع دوره عنه ليمنحه آخر؟!
وما بال قلبها الأكثر حماقة يوافقه في تهور؟!
بصعوبة أبعدت نظراتها عن لحيته التي شردت فيها ثانية بعدما حظت للمرة الأولى بفرصة للتطلع بها من هذا القرب، وبالكاد تظاهرت ببعض التماسك لتقول بقلق:
_لست.. لا أريد.. وتوقف عن كونك وقحًا!
على الفور تراجع إلى الخلف وقد عادت ملامحه إلى تبلدها، ونظراته إلى حدتها، ونبرته إلى سخريتها:
_وتوقفي أنتِ عن إغرائي بدق عنقكِ حتى أتخلص من لسانكِ الذي يسبق عقلكِ! لتمنحي أية عبارة بضع ثواني فقط من التأمل قبل أن ترميها في وجوه الجميع!
ثم نظر بجانبي عينيه وقال وهو يفتح خزانة أخرى:
_مهما حاولت أن أعاملكِ بلباقة تدفعينني للنقيض، أنتِ موهوبة بهذا الأمر.
"ما لك أنت واللباقة؟!"
والسؤال الذي تردد في ذهنها كظمته بصعوبة مع غيظها ثم اختارت أن تبدل فحوى الحديث، فرددت عابسة:
_لم أخبرهما بشيء، ماذا تفعل؟
لم يهتم بالرد وهو يلتقط صينية نحاسية مستطيلة فوضعها على سطح الخزانة مُتمتمًا باستغراق:
_أين الكؤوس التي يقدمون فيها العصير؟
_أين ذهبت منذ العصر؟
سألته ثانية مُصطنعة عدم الاكتراث بعدما أدركت إجابة سؤالها الأول، فأجابها بلا مُبالاة حقيقية:
_كنت أتأكد من سير التجهيزات بالمحل.
ثم نظر إليها مُفتعِلًا ابتسامة واسعة وتابع:
_ينبغي عليّ ألا أهدر الثمن الذي قبضته من جدكِ هباءً، فلن أجد عروس أخرى أفيد منها إن لم أسارع بإنفاق ما لديّ فيما تزوجت لأجله.
إن كان يعني بكلماته الجرح فقد نفذ سكين كلماته حتى عُمق قلبها؛ وإن كان يعمد إلى الإيلام فبالتأكيد هذه روحها تصرخ في استغاثة؛ ولو أراد بسيوف نظراته أن يُذكرها بما بدأت.. فها هو أرداها قتيلة، ضحية ساذجة للانتقام بواسطة الشخص الخطأ!
وأخيرًا وجد الكؤوس فوضعها على الصينية بترتيب، فتح الثلاجة يستخرج الدورق الزجاجي، أخذ يصُب العصير بتركيز، ثم حمله وتخطاها دون اهتمام بالضياع الذي أحكم قبضته على ذهنها.
**********
في اليوم التالي:
دلف نضال من بوابة كلية الهندسة، وأمام المطعم المُتفق عليه وقف يبحث بعينيه عن لؤي بعدما ضرب له موعدًا وصل هو قبله بعدة دقائق.
فبالأمس بعد أن خرج من غرفة شقيقه لم يستطع تجاهل حدسه المرتاب ليتصل بلؤي كي يطمئن على أحواله منه كما اعتاد، لكنه فوجئ به يخبره بأن شقيقه دأب على إهمال حضور المحاضرات منذ فترة طويلة.. ولهذا هو هنا، فلم يكن ليفهم الأمر كاملًا عن طريق الهاتف.
"نضال!"
ارتسمت ابتسامة متوترة على ثغره وهو يتطلع إلى لؤي قادمًا تجاهه برفقة فتاة يبدو أنها زميلته.
_أعتذر، لقد انتهت المحاضرة حالًا.
بادره لؤي مبتسمًا، ثم تابع وهو يشير إلى مرافقته:
_علياء زميلتنا.
_نضال شقيق مهند.
وبنظرته المُدققة لاحظ ارتباكها وتهربها من النظر إليه، فيما اكتفى هو بإيماءة بسيطة على سبيل رد تحية لم تُلقِها هي لانشغالها بمحاولة السيطرة على اضطرابها.
_هل.. هل مهند بخير؟
سألته بصوت يكاد يقسم أنه مذعور، فهز رأسه بلا معنى ثم أجابها باقتضاب:
_نعم، لماذا تسألين؟
ازدردت لعابها وأحجمت عن الإجابة لِتنكمش على نفسها أكثر فتدخل لؤي مُوضحًا:
_لأنه لم يعد يأتِي إلى الكلية مؤخرًا بانتظام، ولا يجيب اتصالاتنا.
أمال نضال رأسه جانبًا ثم رد في سخرية:
_يُجدر بك أن تسأل زميلتك يا لؤي.
وانتقلت نظراته إليها وهو يتابع في تدقيق:
_ألستِ على اتصال دائم به؟
رفعت علياء عينيها له في اضطراب صريح وقبل أن تُعلق تدخل لؤي بتعجب:
_عم تتحدث يا نضال؟ علياء لا تستطيع التواصل مع مهند منذ فترة.
عندئٍذ انتصب نضال في وقفته ثم قال في هدوء لاحظت هي وحدها الاستخفاف به:
_حقَّا؟ اعذراني إذن! ربما اختلط عليّ الأمر.
احتضنت دفتر محاضراتها أكثر وكأنها تستمد منه الحماية أو.. تتخفى ورائه، ثم تمتمت وهي تغادرهما على عجالة:
_أنا.. سأنصرف، أستأذن منكما.
تابعها كلاهما، الأول في دهشة، والثاني في غيظ، ثم ما لبث نضال أن عبر عن ذلك الغيظ في سؤاله الحانق:
_ما علاقة تلك الفتاة بمهند يا لؤي؟ أريد أن أعرف إلى أي درجة وفيم بالتحديد هو متورط معها.
تعاظمت دهشة لؤي وهو يجد صعوبة في استيعاب مقصده لِثوان ثم هتف في استنكار:
_علياء! أنت تمزح يا نضال! علياء فتاة طيبة مهذبة لا شك بها على الإطلاق.
وفي إصرار هز نضال رأسه رفضًا، ثم قال مُشيرًا إلى الاتجاه الذي رحلت منه:
_لا أظن ذلك، بها شيء يثير القلق، ألم تر كيف ارتبكت حينما قدمتني إليها؟! أعتقد أن لها يدًا في انقلاب أحوال مهند بالفترة الأخيرة.
وعندما طالع الاستهجان في وجه لؤي تابع بتصميم:
_كما أنها تكذب بشأن تواصلها معه، لقد سمعته يتحدث معها هاتفيًا بالسر وكأنه لا يريد لأحد أن يعرف عما يتحدثان.
لم يأبه لؤي بما يقوله مهما كانت درجة اقتناعه، فعلَّق في استياء:
_أنت مُخطئ، هي منزعجة منذ جاءت هذا الصباح، لها شقيق قاس بعض الشيء ويتشاجر معها بلا أسباب.
حرر نضال زفيرًا طويلًا ثم قال بصبر:
_دعنا منها! ولتخبرني الآن منذ متى لا يلتزم مهند بمحاضراته، ولماذا أخفيت الأمر عني؟
طأطأ لؤي رأسه أرضًا، ثم نطق بخفوت:
_أشعر بالذنب، أشعر أنني أخونه وأتلصص عليه مُستغلًا ثقته بي.
فغر نضال شفتيه ليعود هاتفًا في اعتراض:
_عن أية خيانة تتحدث يا لؤي؟! أنت صديقه المقرب وأنا شقيقه وولي أمره، أنا وأنت نحاول الحفاظ عليه قبل أن يسلك طريقًا لا عودة منه.
وعندما أدرك أنه يفرغ توتره بشاب لا ذنب له سوى أنه صديق شقيقه تمتم باعتذار، ثم استطرد في رجاء والخوف ينبثق من صوته:
_أرجوك يا لؤي لو أن هناك ما تعلمه وتخفيه عني فـ..
_علمت أن هناك أحد زملائنا يحاول خداعه منذ فترة.
قاطعه لؤي بعدما حسم أمره واختار أن يلقي بالثقل من فوق ظهره، فحدق به نضال متوجسًا ثم تتابعت أسئلته بلا توقف:
_كيف؟ من هو؟ وماذا يريد منه؟
ولم يترك له الفرصة ليُجيب أيًا منها، فواصل والهلع يتسيد عينيه:
_قل الحقيقة يا لؤي! هل.. هل مهند يتعاطى شيئًا ما؟
هز لؤي رأسه نفيًا، ثم خاطبه في تردد:
_لا! لا أظن، حتى الآن لا أعلم بالضبط ماذا يريد من مهند، لكن بعض زملائنا قالوا أن ذاك الشاب أخذ مالًا منهم ولم يرده مطلقًا، ولن أستبعد أن يكون مهند هو الضحية القادمة، ولقد حاولت إقناعه أن يبتعد عنه فلم يستمع إليّ.
وحينما رأى الذعر مُتجسدًا على ملامح نضال أضاف بهدوء:
_لذا سأنصحك أن تراقب مصروفاته ولا تمنحه إلا القدر الكافي.
مسح نضال على وجهه بكفيه الاثنتين وظل ثابتًا بمكانه دون حركة بينما ذهنه يسعى لإيجاد أي تفسير لا يُمثل خطرًا على شقيقه، وبعدما هدأت انفعالاته قليلًا أزاح كفيه ليسأله في يأس:
_ألا تعلم أين هو طالما لم يأتِ إلى الكلية حتى الآن؟
_لا أعلم ولن تعلم إلا إن أخبرنا بنفسه.
أجابه لؤي في يأس مماثل، ثم أضاف متهكمًا:
_لن يستطيع أحدنا مراقبته مثلًا!
أومأ نضال برأسه في استسلام، ثم قام بإجراء مكالمة سريعة لتخبره والدته أنه بالفعل لا يزال بالبيت لكنه سيخرج بعد قليل لحضور إحدى المحاضرات.
_متى يكون موعد المحاضرة التالية؟
سأل لؤي ما إن أنهى المكالمة، فأجابه وهو يتثاءب:
_لا محاضرات أخرى اليوم، لقد انتهينا، سأعود إلى البيت كي أنام حتى الغد!
لم يكترث نضال إلا للجزء الأول من عبارته، وفي شرود شَكَره ثم حياه بلا تركيز لينصرف حائرًا، خائفًا، وهناك نذيرًا متشائمًا يقبض على روحه.
**********
بخوف وقفت تتطلع إلى ذلك البيت الذي لا يزال تحت الإنشاء، تتمسك بهاتفها في يدها وتنظر إلى شاشته بين الفينة والأخرى بِتوجس، فيما تقتحم سمعها أصوات السيارات التي تندفع بجنون على هذا الطريق السريع حيث تقف على أحد جانبيه منذ دقائق في انتظار تعليمات مُبتزها المجهول!
ساذجة سارت بقدمين مرتجفتين وعينين لا تريان تجاه فخ نُصِب لها حينما كانت تبحث عن مُسكن لآلام غضبها.. لكن أيتوقف هو عند هذا الحد؟
سمعت العديد من القصص عن الابتزاز، ولم يكن من بينها ما يمنحها أملًا في توبة مبتز أو اكتفاءه بمرة واحدة.. دائمًا ما يعدون بالتوقف، ثم يعودون مرة أخرى، وأخرى..وأخرى، إلى أن تفقد الضحية الغبية كل ما تمتلك فيفضحها؛
أو أن تصبح وسيلة لرغبات لا تنضب؛
أو تتحول إلى .. عاهرة حقيقية!
ارتعشت أطرافها وهي تتلفت إلى الخلف في هلع، لن تدلف إلى ذلك البيت الذي يُنبئها عن انتهاك قادم لا محالة، وأمام البوابة المفتوحة ستلقي بالمبلغ الذي سحبته من حسابها الموشك على الانتهاء وستُطلِق ساقيها للريح!
صدح رنين هاتفها فجأة فَكاد يسقط منها، إلا أنها في صعوبة تماسكت لِتقرأ الرسالة الآمرة:
"ادخلي إلى البيت! بالطابق الأرضي هناك برميلًا أسفل درجات لا درابزين لها، بداخله ستجدين علبة ورقية اتركي المال بداخلها وانصرفي في الحال!"
اتسعت عيناها بدهشة، مع استيعابها بأنه لا يريد سوى المال حقًّا!
لقد تمكن منها الشك حتى صار يقينًا بأن المبلغ ما هو إلا ذريعة لاستدراجها بينما الهدف أكبر وأخطر، فلا مبتز حنون قنوع يطلب عشرة آلاف فقط، لِذا فقد استعدت جيدًا بسكين خبز صغير خبأته في حقيبتها إن احتدم الأمر!
ليكن..! لا يهمها سوى أن تتخلص من هذه المصيبة التي أفقدتها سلامها لِشهر.. وانتزعت منها صديقة العمر!
بخطوات مترددة مشت في الطريق الرملي حيث ينتصب البيت كوحش كاسر يتهيأ لابتلاعها بعد دقائق، وهذا التوتر الذي استوى على عرش انفعالاتها شتتها عن ملاحظة تلك السيارة التي وقفت إلى جانب الطريق تُضئ مصابيح انتظارها وتنطفئ في تتابع رتيب، بينما الجالس خلف المقود تكاد أنفاسه تشتعل اشتعالًا، فيما تهدلت خصلات شعره الأمامية على جبهته التي تفصدت بالعرق رغم برودة الطقس، و صعدت دماؤه إلى رأسه من فرط الغضب!
...
غبية، مرتعبة، مضطربة من أمام الدرجات المذكورة عبرت مرتين ولم ترها، بينما عيناها مُعلقة بالأعلى تخشى أن يهبط أحدهم فيقتلها، أو يقتحم مُغتصب المكان فتتمنى لو أنها ماتت أولًا.
وقع نظرها على البرميل المُتربص بها فأخرجت الرزمة النقدية ورفعت غطاءه لتُلقيها بداخله سريعًا، ولا يكف لسانها عن الدعاء.
خرجت من البيت لكنها تعثرت ووقعت؛
ثم وقفت لتتعثر ثانية كطفلة في أول تجربة للمشي فاصطدم رأسها بحجر مُلقى أرضًا كاد يشجه؛ تساقطت دمعاتها وهي تعي وضعها المزري فانتابتها الشفقة على ذاتها أكثر؛
وحينما شعرت بدماء تسيل من رأسها جنبًا إلى جنب مع إحدى قدميها لاحظت ذلك المسمار الذي دعست عليه فمزق حذائها وتعالت شهقات بكائها.
لكنها وقفت لتتابع وكأن الوحوش تطاردها؛
تعرج وتنفض ملابسها؛ تجري بضعف وتعدل من حجابها؛ تُدير رأسها إلى الخلف رغمًا عنها تبكي ولا تصدق أن هناك احتمالًا لنجاتها!
بالطريق الرملي نفسه هرولت حتى وصلت إلى مسار السيارات السريع فأشارت إلى أول سيارة أجرة وألقت نفسها بداخلها دون أن تخبر السائق عن وجهتها، وإلى جوارها مر ظل لشاب يحدق فيها بكراهية، يحملق بها باشمئزاز، وربما تمتم بكلمات لم تسمعها تتضمن دعوات لم تفسرها!
وربما هي تتخيل كل هذا، يجب عليها الآن أن تحمد ربها وترتاح!
...
اطمأن إلى انصرافها سالمة من النافذة الخلفية وهو يُسيطر على دقات قلبه الهَلِعة بأعجوبة، على النقيض من دمعاته التي انهمرت دون تحكم!
لا يصدق بعد أنه أقدم على فعلة بهذه الشناعة، لا يصدق أنه خائن للأمانة، ولحرمة البيوت، وللصداقة!
لكنه معذور؛
بالطبع هو معذور!
لم يجد مصدرًا آخر للحصول على هذا المبلغ الذي سيضعه على أول طريق للاعتماد على نفسه دون الحاجة لشقيقه!
سيعطي المال لزميله فيساعده على التدرب في المكتب الهندسي الشهير الذي يمتلكه عمه، وعندما ينهي عامه الدراسي الأخير ويصير هو نفسه مهندسًا يقبض راتبًا مناسبًا سيجد طريقة ما ليُعيد المال إلى شقيقة صديقه، إلى.. غفران!
حتى إن اضطر لأن يرسلها إلى حيث تعمل دون أن يترك بياناته!
لا!
ليس معذور؛
أبدًا ليس معذور!
أطلق صيحة عالية تخللها بكاء ينتمي إلى طفل في الرابعة.. لا لشاب في الثانية والعشرين؛
صعدت أصابعه تجذب شعره في حدة، يداه تضرب جبهته بعنف، ورأسه يطرق بنفسه في الجدار الذي يستند إليه بعد أن خذلته قدماه!
نحيب، عويل.. وما الفائدة؟!
بين غلالة الدموع رمق الرزمة المالية في كراهية، في ازدراء، لتنتابه رغبة قوية في إشعال النيران بها..
أسيهدأ حينئذ؟ أسيعود حينئذ؟
أسيمحو هذا الوزر بين ليلة وضحاها ليكتشف أنه لا يزال الشاب المهذب نفسه؟
لا يزال مهند أحمد الزمر ابن إمام المسجد ومن قارب إتمام حفظ القرآن الكريم!
لا..
لن يهدأ؛ لن يعود؛
مهند أحمد الزمر قد دفن نفسه حيًّا والرائحة النتنة لجثته سوف تُنفِّر الجميع منه ليهرولوا بعيدًا دون أن يفكر أحدهم بتكريمها..!
الآن هو مهند وحسب..
طالب بالسنة الأخيرة في كلية الهندسة، ولا يُقارن به أحد في مهارة اختراق الأجهزة الإلكترونية، و..صارت تَوبته أَبعد عنه من لمس السماء!
كم من ضحايا؟
واحدة..
ضحية واحدة كانت من شِدَّة الثقة به أن تركت هاتفها مفتوحًا في حضوره؛
وكان من الخسة والدناءة بأن أخرس كل أمنياته التي تطالبة بالتراجع.. ولم يتراجع!
تابع البكاء، تمادى في الصياح، وحتمًا تقطعت بعض خصلاته وهو يجذبها كنساء لا يفقهن حرمانية تلك الفعلة..
لدقائق طويلة متصلة لم تنضب مآقيه من إنتاجها وقد بدا له أن أنسب خيار هو بقائه بهذا المكان حتى توافيه المنية، لولا أن شعر برفقة..
رفع رأسه في هلع وهو يمسح عينيه بسرعة مُتوقعًا عودة غفران لتضبطه..
لكن من وجد كان أسوأ؛
لاقى شقيقًا مصدومًا؛
أبصر أبًا مقهورًا؛
رأى من اعتاد عِزَّة النضال بنظراته.. تموج بعينيه مَذَلَّة الخسران!