رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل العاشر 10 بقلم سعاد محمد
الفصل العاشر
(حتى يَحل الغَيْث)
منذ تسعة أعوام:
بخطوات سريعة كان يقترب من المنزل ولِسانه يُردد حمدًا مُتكررًا بعدما استشعر نجاحه في مُقابلة العمل التي أجراها منذ قليل، ربما لن يكون الراتب المُتوقع مُرتفعًا لكنه يكفي كبداية لِلإنفاق على مصروفات والدته مع شقيقه التي بدأت تزداد مؤخرًا نظرًا لالتحاقه بدرس خصوصي.
حاملًا كيس أسود يخفي محتواه وآخر به دجاجة مشوية بعدما عزم على منح والدته إجازة من المطبخ لهذا اليوم وقف أمام بوابة المنزل يتطلع في تساؤل إلى شقيقه الذي جلس على حجر ضخم يتطلع في المارَّة بضجر.
"لماذا تجلس بالخارج يا مهند؟"
سأله وهو يطمئن إلى سلامته فأجابه شقيقه في نبرة منزعجة بعض الشيء:
_ابنة عم أمك وابنتها بالداخل، ويقمن بإعداد طعام الغداء.
ابتسم نضال وهو يعي ذلك الخجل الوليد الذي بدأ يعبر عنه شقيقه تجاه النساء، يُذكِّره بنفسه في المرحلة ذاتها لكنه يُبالغ نوعًا كدأب صبي على أعتاب المراهقة.
_هل منعتك أمي وابنة عمها من الدخول؟!
سأله وهو يُجاوره على الحجر، فازداد عبوس مهند قبل أن يقول بصوت تعجل به صاحبه بعض الخشونة:
_لا، لكن لا أستطيع البقاء معهن بمفردي، لم أعد طفلًا.
_إذن يبدو أننا سننتظر هنا حتى ترحلان.
في استسلام علَّق نضال وهو يضع الكيس الأسود أرضًا مُكتفيًا بجس حرارة الآخر الذي يحتوي على الدجاجة، إلا أن تابع مهند بحنق:
_المشكلة أنني سمعتها تقول أنها وابنتها ستقضيان الليلة معنا لأنها تخاف من استقلال المواصلات أثناء الليل.
التفت نضال إليه وقال تلقائيًا:
_باستطاعتك النوم معي بغرفتي.
لكن مهند سرعان ما هز رأسه نفيًا ليرد في جدية بدت مُضحكة قليلًا:
_أشعر أن هذا ليس صائبًا، كلانا لسنا صغارًا، أنت في الثانية والعشرين يا نضال، لا يصح أن نبيت مع امرأة غريبة وابنتها بمكان مُغلق.
ابتسم نضال وهو يدقق النظر به في فخر، مُستأنفًا حمده ثانية على نعمة أخرى..
مهند هو من يُهون عليه تلك الأحمال التي تزداد فوق ظهره؛
مهند هو من يؤكد له أن هناك نتيجة، هناك جائزة، هناك ثواب بنهاية المطاف؛
مهند هو شقيقه، ابنه، رهانه الذي لن يخسر يومًا؛
وهو سنده وعضده الذي لن يُكسَر أبدًا!
_ما هذا؟
في فضول سأله مهند وهو يشير إلى الكيس الذي تسللت منه رائحة طيبة، فأجاب نضال في غيظ:
_دجاجة مشوية، كنا سنتشاركها ثلاثتنا، لكن بما أن أمك باعتنا لتتناول الطعام مع ابنة عمها، إذن فهي نصيبنا أنا وأنت.
اعتدل مهند ليُشمر عن كميه في لهفة ليهتف:
_دومًا تشعر بي، أنا بالأصل أتضور جوعًا وهذا ما يغضبني لأنني لا أستطيع الوصول إلى الثلاجة!
في إشفاق تطلع إليه نضال ثم قال بمكر:
_ظننتك تستحي من النساء!
نظرة ساخرة رماه بها مهند وهو يبدأ في تناول الطعام، ثم علَّق قاصدًا إغاظته:
_قلت أنني لا أحبذ البقاء معهن، لم أقل أنني أستحي، هناك فارقًا عظيمًا، أنا مهند.. لست أنت، لا أتورد خجلًا مثلك ولا أجعل من نفسي أضحوكة كلما أوقفتني فتاة لتسألني كم الساعة!
نظرة حانقة صوبها تجاهه فما كان منه إلا أن ضحك بلا مبالاة وهو يواصل طعامه، فيما اختلس نضال نظرات سريعة إلى المارَّة خوفًا من أن يكون قد سمع أحدهم ما قال شقيقه ذو الثانية عشرة.. والذي هو للأسف صائب!
لكن مهند قال مازحًا:
_لا يعلم بمشكلتك سواي وسأستر عليك، هيا كل ولا تقلق! لكن اترك نصيب أمك جانبًا لنعطيها إياه فيما بعد! ربما لن تستطيع الأكل بحرية معهما.
ضغط نضال على أسنانه في غيظ وبدأ بتناول الطعام، حتى سأله مهند وهو يتحسس الكيس الأسود:
_وما هذا؟
_أصيص زرع، وبذور ريحان.
في تعجب رمقه مهند ثم سأله متهكمًا:
_أين كنت تجري المقابلة بالضبط؟
تظاهر نضال بأنه سيكيل إليه لكمة فتراجع مهند إلى الخلف ضاحكًا، ثم قال:
_سأزرعه بالشرفة، وستساعدني في الاعتناء به!
إيماءة سريعة وافقه بها مهند، ثم سأله في يأس:
_هل سنبيت هنا بجوار البيت كالمطرودين؟
احتار نضال قليلًا وهو يتفق معه في عدم استطاعتهما المبيت مع قريبة أمهما وابنتها، ثم بعد قليل سأله:
_إلى المسجد إذن؟
أشرق وجه مهند على الفور وأنهى طعامه ليقف في حماس مفرط، وما لبث أن حث خطواته تجاه مسجد الحي الذي يُفضل قضاء غالبية وقته به.
...
عودة إلى الوقت الحالي:
بِحَلْق جاف، وبشرة ساخنة؛
بجسد يرتجف، وبقلب يرتعد؛
بذهول، برفض، بخيبة؛
وقف قبالة شقيقه الصغير لا يريد التقدم، ولا تطيعه قدماه في رغبته بالهرب..
_ماذا فعلت؟!
سأله في صوت متحشرج بينما عيناه تمسح المكان في لهفة.. وفي فزع!
بوجه شاحب، بعينين مُذنبتين؛
بجسد متجمد، وبقلب وَجِل؛
بأسف، بتأكيد، وبنفي؛
تراجع إلى الخلف وهو يدس الرزمة المالية بالجيب الخلفي لبنطاله..
_لم.. أفعل شيئًا.
دفع نضال قدميه تجاهه في بطء، وهو يسأله في بطء مماثل على عكس ضربات قلبه السريعة التي تهدده:
_تلك الفتاة التي خرجت لتوها.. أكانت بصحبتك؟
_لا!
في سرعة هتف مهند، وبمثل السرعة وصل إليه نضال ليدفعه في صدره بأقصى قوة هاتفًا:
_لا تكذب!
على الأرض التي غطتها ألواح أخشاب، رمل، أحجار وحصى.. سقط مهند أرضًا فلم يبد أية محاولة للاستقامة، بينما تابع نضال صارخًا حتى شعر مهند أن الجدران ستهتز وهو يشير بكفيه حوله:
_لا أرى مكانًا آخر، لا أرى أي شخص آخر، لا أرى أية إجابة أخرى!
وسكت يحاول تنظيم أنفاسه التي اضطربت، لكنه لم يصبر طويلًا فصاح ساخطًا:
_أهناك إجابة أخرى يا مهند؟
ثم هبط على ركبتيه غير عابئ باتساخ بنطاله الذي طالته بعض بقايا مواد البناء وسأل في حسرة فيما نفرت عروق صدغه في وضوح:
_ألا زلت أنت مهند؟!
مد يدًا مرتجفة وأخذ يتحسس بشرة شقيقه المُستسلم تمامًا وهمس في حيرة انقض عليها القهر:
_كيف سهوت عنك؟! متى ضعت مني؟! ومتى تبدلت من صبي صغير يدفع الصدقات في السر إلى شاب يرافق النساء بعيدًا عن الأعين؟
لم يستطع إجابته؛
الآن لا يستطيع.. لأنه لا يملك إجابة محددة..
هل ضاع منذ بدأ يتطلع إلى ما ليس لديه؟
أم منذ بدأ يتعرض للسخرية من بعض زملائه في المرحلة الثانوية الذين اعتادوا على وصفه بالــ.. شيخ مهند المُعقد حتى رافقهم؟
أم منذ.. منذ أصابه الغرور بمسلك صالح لا يحيد عنه؟
كان يمتن للسمعة الطيبة التي تُظلل على أسرته قبل أن يولد، ثم للاستحسان الذي بدأ الكثير يخصونه هو بالذات به..
مهند مؤدي الصلوات بانتظام؛
مهند حافظ القرآن؛
مهند يؤم المصلين بالمسجد وهو لا يزال صبيًا!
كان قد تأكد من صلاحه، اغتر بإيمانه، ضمن نجاته.. فَفُتِن!
ونظرة شقيقه الغائمة أرجأت رحلة بحثه عن بداية لعنته، فرمقه في أسف لا يملك سواه، حتى سمعه يزدرد لعابه ثم يسأله بنبرة هَلِعَة:
_هل.. هل تصرف المال على...
_لا!
صرخ قبل أن يتم نضال سؤاله الواضح في تمام البشاعة، ثم تابع بصوت مبحوح.. ذليل:
_غفـ.. هي ليست كما تظن، لا تظلمها! أرجوك يا نضال انعتني بما تشاء وسيء الظن بي كيفما تريد! لكن لا تذكرها بسوء! أتوسل إليك ألَّا تزيد إلى إثمي!
ورجاؤه المُتألم بالإضافة إلى ذلك الندم الذي يتقاطر من دموعه ونظراته قبل كلماته لم يُزد نضال إلا يقينًا بِشكه..
تراجع إلى الخلف واستقام ينظر إليه من علو في ذهول مُحاولًا صد معلومة خبيثة تصر على اختراق عقله..
مُهند أحمد الزمر ابن إمام مسجد الحي والذي نشأ تحت عينيه وبداخل قلبه مُقامر و..
زانٍ!
**********
"ألن تخبرني أين اختفى هاني؟"
ألقت عزة بسؤالها على عمرو الذي يُثبِّت نظراته على شاشة هاتفه منذ عودته من المصنع انتظارًا لأخبار من أحد الموظفين يُبشره عن طريقها بنتائج انتقامهما المُبتكر!
فالفكرة التي طرحها على شقيقه الأكبر ليرفضها على الفور ما لبث أن اقتنع بها ونفذ دوره بها ستأتي بثمارها بين لحظة وأخرى!
وحالة التخبط والغضب التي تحكمت بابن خالته بعدما قامت إحدى أعضاء اللجنة بإهانته ومن ثَم طرده تعِده بنصر قريب.
_بالتأكيد يقيم في شقتكِ يا أمي، لا أظنه سيواجه جدي بعد خديعته إياه!
ألقت عزة بجسدها على المقعد المقابل له، وضعت رأسها الذي يدور منذ أيام بلا راحة بين كفيها، ووجها الشاحب المُرهق أطرقت به أرضًا واليأس ينبض مع الدم بعروقها!
لقد جربت كل شيء منذ تلقت الصدمة بزواج إيلاف؛
غضبت، صرخت واستنكرت؛
هددت، حذرت وتوعدت؛
وبآخر الأمر اهتدت إلى أن مقاطعة والدها ستجعله يدرك كم أحنقها غدره، وربما كما دبَّر الزيجة في السر سيُنهيها في العلن، حتى إن اضطرت أن تُلقي ببعض الآلاف إلى ذلك الحُثالة في سبيل استعادة ابنة شقيقها!
وما قطع أفكارها وجعلها تنتفض واقفة هو انفتاح الباب دون طرق ليندفع والدها تعربد على وجهه انفعالات غضب لم ترها منذ وقت طويل..
بالتحديد منذ قام هاني بادعاء استسلام إيلاف له قبل الزفاف!
"أين ابنكِ الآخر؟ لماذا لا يتابع نتيجة أفعاله بنفسه؟!"
هتف بصوت أثار رجفة بأوصالها، على عكس عمرو الذي دس هاتفه بجيب بنطاله في تمهل ليقف إلى جوارها مُترقبًا.
_لا أعلم يا أبي، لم يعُد إلى البيت منذ تلك الفضيحة.
جاء ردها خفيضًا بنبرة لائمة فصدح صوته عاليًا، حاسمًا:
_أية فضيحة تقصدين؟! لقد تزوجت حفيدتي على سنة الله ورسوله، كنت وليها، شقيقها وابن عمتها شهدا على العقد، وأقمنا احتفالًا حميميًا وِدِّيًا بين أهل زوجها.
هنا لم تستطع الصمت، فابتسمت بسخرية وهي تُعقب:
_أي أهل؟! وهل له أهل؟! أم أنك تعني سكان الحي الشعبي؟!
وفاقها هو سخرية حين ضحك قبل أن يقول مُتهكمًا رغم نظرات السخط التي يوجهها لها:
_له أهل بالطبع، ربما لا يتحدون بالدماء ذاتها، لكن انظري حولكِ! نحن خير مثال على أن الدماء هي آخر وثاق يمكن الاعتماد عليه، أنتِ مثلًا ابنتي الكبرى من صُلبي لكنكِ لا تنفكين تدبرين الخطط بالتعاون مع ولديكِ وزوجكِ وشقيقكِ من قبل، أم نسيتِ كيف استطعتِ تزويج إيلاف بهاني؟!
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه في غيظ وهي تسب زوج ابنة شقيقها الذي فضح سرًّا تعاونت مع شقيقها الراحل على إخفائه..
وتضاعفت نبرة السخرية وهو يُضيف ضاحكًا:
_ولماذا تتحدثين وكأنكِ سليلة القصور يا عزة؟! لقد تشققت يداي منذ طفولتي وأنا أكد بالعمل حتى يرتاح أولادي ويكونون لي العون في الكبر، ثم يصبح أحفادي السند في شيخوختي، لكن ها أنا في أرذل العمر أوقن أن ما ظننته مجرد مرض مؤقت يطفو على سطح الجسد ليس إلا وباءً يغوص حتى اللُّب وسيتحرر ليقضي علينا جميعًا!
والألم الذي غطى عبارته الأخيرة لم تأتِ هي من أجله بردة فعل، إلا أن عمرو تدخل وقد اكتفى من الاستماع إلى هذا الحد:
_لِمَ أنت غاضب يا جدي؟
بصوته الهادئ في أحلك الكوارث وأشدها خطورة ألقى سؤاله، فالتفت إليه جده واقترب منه ليبتسم في حسرة ثم قال بعد أن تأمله لِثوان:
_هل أخبرتك قبلًا أنك أنت على الأخص من أخاف على مُستقبله أكثر من أي شخص آخر بهذا البيت؟! أكثر حتى من شقيقك؟
لم يبد على عمرو أي تأثر، فتابع جده في حنق:
_أتظن أنني لا أستطيع استنتاج أنك المُخطِط والمُدبِّر في الخفاء؟! أتعتقد أن معالم خُبثَك لا تزال مخفية عني؟! أولست أنت من دسست أفكارك بعقل خالك قبل شقيقك وأهنتم ناهل من قبل وكأنه تطلع إلى ما لا يحق له؟!
ثم اتسعت عيناه وانخفض صوته فجاء سؤاله التالي مُثيرًا للارتياب.. ومُهددًا بفقدان سيطرة باتت أهم سمة بحفيده:
_ألست أنت يا عمرو من كنت حريصًا على إقصائي وكتمان الأمر عني كي تنتقم لرفضي المُتكرر زواجك من غفران؟!
والاسم الأخير وحده كان كفيلًا بتلوين نظرته الحيادية بلون آخر تمامًا..
حاجبان كِثَّان سوداوان؛
بشرة حنطية؛
وعينان تنبض بالأحمر!
ربما يربط الغالبية الكراهية بالأسود لكن دومًا ما اقترنت هي في عينيه بالأحمر..!
_هل صدقت حقًّا ما واظب والداك على تلقينك أنت وشقيقك إياه منذ صغركما؟! ألأنكما أولاد الكردي أُمًّا وأبًّا إذن فأنتما أفضل من الجميع؟!
سحبه جده بسؤاله الاستنكاري سحبًا من غمار حقده، ثم تابع دون انتظار:
_بالمناسبة.. كان جدي أنا يحمل البضائع على ظهره لقاء أجرة زهيدة تكفي قوت أسرته ليوم واحد لا أكثر، وأبي كان فلاحًا بسيطًا يزرع الأرض ومنها نأكل غير عابئين بِهَم اليوم التالي!
عقدت عزة حاجبيها في رفض لحقيقة واقعة لا ينفك والدها يُذَكِّرها بها من حين لآخر، ليستطرد هو في حسرة لم يعد بقادر على مواراتها أكثر:
_لستم من الأشراف يا ولدي عزة، وأفعالكم لا توفر لكم أي مكان بين ركب ذوي الأخلاق، وأنا صبرت عليكم طويلًا عسى أن تخزكم الدماء التي تجري بعروقكم وتُذكركم بالرباط الذي ينبغي أن يجمعنا، لكن عند هذا الحد لا تنتظروا مني صمتًا!
رفرف عمرو بأهدابه وكان هذا هو أقصى انفعال يسمح له بالظهور.. لِثوانِ، ثم استعاد صلابته وهو يُعلق بجمود:
_لا أفهم! عمَّ تتحدث يا جدي؟
_ألا تفهم حقًّا؟ أبريء أنت وشقيقك من ذلك البلاغ المُقدم ضدنا؟
ومع أنه فوجئ بالفعل من اكتشاف جده فقد التزم الصمت فيما تحدثت والدته مُتسائلة بذهول:
_أي بلاغ يا أبي؟!
ودون أن يحيد جده بعينيه بعيدًا عنه رد عليها بصرامة:
_لقد قدم ولداك بلاغًا ضد المصنع في مصلحة الضرائب بعدما قاما بتزوير بعض الوثائق، وبالأمس وصلت لجنة لتقوم بالفحص حتى تتمكن من الحصول على ما يُديننا ومن ثَم تُغلقه.
هزت رأسها نفيًا وهي تنقل نظراتها بينهما علَّ أحدهما يُنكر ما قيل، ورددت في استنكار غير واثق كُليًّا:
_مُحال يا أبي! لن يفعلا ذلك، لا يُعقل أن يُهددا المكان الذي هو ثروتنا جميعًا.
ضحكة مبتورة ندت عنه وهو يعلق في ألم جلي:
_أخشى أنهما قد فعلا.
ثم استطرد موجهًا حديثه إلى حفيده الذي لم يبد خائفًا، أو _على أقل تقدير_ مُهتمًا:
_أنت تعلم أن اللجنة لن تجد ما يضرنا، وتعلم أنني أراعي الله في مصدر رزقي منذ مَنَّ عليّْ به، لكنك أردت الانتقام مني بعدما خلَّصت ابنة خالك من شقيقك، فالبلاغ بمثابة تحذير بأنكما لن تستسلما لقراراتي لا أكثر، أليس كذلك؟!
أمعن عمرو النظر بجده في صمت بينما راحت خواطره تجول في ذهنه بقلق..
هل لم يُقدر جده حق قدره؟!
ألا يزال عقله يعمل بالكفاءة ذاتها؟!
كيف يحافظ على تركيزه بهذه السن؟!
وإلى متى سيُشكل عثرة بطريقه؟!
تخلص الحاج فؤاد من ذلك الضعف الذي كاد ينال منه ليعقد كفيه على عصاه ويفرد ظهره قدر ما استطاع، ثم ابتسم وحدَّق بعينيه قائلًا في صلابة:
_ لِتخبر الخسيس الآخر أنني لازلت فؤاد الكُردي، مُستيقظًا، صامدًا، وحتى آخر أنفاسي لن يضع أحدكما يدًا على إحدى حفيداتي! ألهمني ربي فخلَّصْت منه إيلاف، وسأقطع يدك أنت قبل أن تمتد إلى غفران!
أجاب جده أسئلته غير المنطوقة كلها، فنزلت كلماته عليه مُزعجة، مُرهِبة، قاتلة.. لكن يبدو أنه لم ينتهِ بعد، فقد التفت ليواجه ابنته التي شحب وجهها تمامًا مع عبارته الأخيرة ليسألها في نبرة هادئة:
_أهناك ما تخفينه عني يا عزة؟! ثقي بي يا ابنتي لن ينفعكِ أحدهما! خبريني بما تعرفينه الآن قبل أن أعرف دون مساعدتكِ!
_ماذا.. تقصد يا أبي؟
سألته في ارتباك وهي تحرص أشد الحرص على أن تتهرب من نظراته، لكن قبل أن يرد ارتفع صوت عمرو حازمًا، ناهيًا:
_أمي لا تخفي عنك شيئًا يا جدي، كما أننا لم نعلم بأمر البلاغ إلا حينما ذكرته لتوك.
اختلست عزة النظر إلى ابنها فهالها ما رأت من تعبير..
مزيج هو بين الذعر.. وتحذير مع التوعد ببث المزيد من الذعر!
نقل والدها نظراته بينهما في إمعان ثم تنهد باستسلام وهو يطرق برأسه لوهلة، قبل أن يرفعه مرة أخرى هاتفًا في حزم:
_حسنًا! كما تشاؤن جميعًا! إن علمت أن هاني قد خطا إلى داخل المصنع سأكسر ساقيه، وإن لم يعجبكِ القرار باستطاعتكِ اصطحاب زوجكِ والسكن مع أسرتكِ الصغيرة الخبيثة بشقتكِ!
ثم أضاف ساخرًا:
_شقتكِ التي أهديتكِ أنا إياها!
وحالما صفع الباب هتفت هي في ابنها بغضب امتزج بالاستنكار:
_هل ما قاله جدك صحيح يا عمرو؟ هل قدم أحدكما بلاغًا في..
_نعم يا أمي! بل فعلناها معًا، وسنفعل كل ما بوسعنا كي ننقذ حقنا من ذلك العجوز المعتوه!
قاطعها صائحًا في سخط أثار خوفها؛
لطالما كان هاني من يفقد أعصابه سريعًا، أما عمرو هو الطرف الأكثر اتزانًا وهدوءً؛
إلا أنه يبدو الآن وكأنه آخر؛
آخر سمحت لنفسها بأن تنسى إلى أي مدى بإمكانه التجاوز، وتنسى حقيقته!
ربما هاني دأب على أن يكون الأكثر إثارة للمشاكل، لكن عمرو برع دومًا في.. الانتقام!
لم يكن يترك أقل فرصة للاقتصاص ممن يسبب له إزعاجًا مهما كان تافهًا، وهي _بغض النظر عن أنها والدته_ لا تُفضل معاداته!
_اتخذي جانبنا يا أمي إن أردتِ الحفاظ على المصنع والبيت قبل أن نجد خريج السجون يرتع بهما دون رقيب!
ثم تابع في خفوت مُشددًا:
_اتخذي جانبنا!
قالها في نصيحة؛
أو ارتأت أن من الأفضل لها اعتبارها نصيحة؛
ستتظاهر بأنها لم تستشعر التحذير، وستفتعل أنها عميت عن النذير!
...
خرج من غرفة ابنته وهو يُحَدِّث نفسه في حيرة حتى لا يسمح لحسرته بالتمكن منه، لم يعد الوقت مُتاحًا والآن عليه سرعة التصرف..
من الأعلى رآها تدلف إلى البيت في تباطؤ بينما ملابسها مُبعثرة نوعًا، وقف مكانه يراقبها ترتقي الدرجات في تمهل فانتبه إلى ذلك العرج الذي نال من إحدى قدميها.
دفع خطاه في قلق تجاهها فيما تقلصت المسافة بينهما، وعندما اقتربت أكثر لاحظ خط دماء يسيل من جبهتها حتى إحدى وجنتيها..
"غفران!"
في خوف هزمه صاح مناديًا إياها فقفزت بمكانها وكادت تسقط لولا أن سارعت بالتمسك بأعلى الدرابزين..
_ماذا حدث يا بُنيتي؟
سألها في قلق وهو يتطلع إلى هيئتها المتدهورة عن قرب، ارتجفت شفتاها وكادت عيناها تطفر عبرات ذرفت منها الكثير طيلة الطريق، لكنها تماسكت لتقول في اقتضاب:
_لقد.. تعثرت!
مد يده المرتعشة إلى جيب جلبابه أسفل عبائته، حيث محرمة قماشية اعتاد أن ينثر عليها عطرًا عتيقًا ولا يسمح لأحد باستخدامها، وباليد نفسها أخذ يُجفف الدماء التي جفت بالفعل، ومع ذلك لم يحاول هو التوقف ولم تحاول هي تنبيهه..
أغمضت عينيها وابتسمت في هدوء رغم دقات قلبها التي لا تزال تهرول مثلما كانت هي منذ قليل..
_تعالي معي يا غفران!
في خفوت قال وهو يكتم صوت الأمل الذي بدأ يتصاعد، ففرقت أهدابها لتهرب من ماضِ كانت أفضل أوقاتها حين تقضيها بصحبته، لتهز رأسها رفضًا ثم تتراجع إلى الخلف تجاه غرفتها غير واعية بالأسى الذي أخذ يرمقها به.
**********
خرج من غرفة مكتبه موشكًا على الصراخ بالجميع دون داعِ، لليوم التالي لا يحظى بساعتين متصلتين من النوم بسبب الأرق الذي اتخذه فريسة سهلة.
واثق هو تمامًا من أمانة جده، لكنه لا يثق بالمرة في ابني خالته، خاصًة وجده يؤكد بلا شك أنهما من قدما البلاغ في الأصل وهذا ما لم يقتنع به إلى الآن.
توقف بمنتصف الممر الخالي وهو يتمنى لو تنزعه معجزة ما في الحال من هذا المكان حيث ساحة حرب غير شريفة وذرات حقد وكراهية يتنفسها بالإرغام.. إلى بقعته المفضلة بصحبة الصمت والهدوء..
وربما يتمادى قليلًا ويتصور أنه _بمعجزة أعظم_ رفقة أب يُشاركه لحظات اطمئنان بحث عنه طويلًا ويبدو أنه لن يعثر عليه!
نهر نفسه وَحث قدميه على السير وعقله على تجاهل حاجته المُلِحَّة والتي لا مجال لسدها بهذه السن!
رآها تخرج من الغرفة التي مُنِع الجميع من الاقتراب منها، بهيئتها السابقة ذاتها، عابسة، صارمة، على استعداد صادق لقتل أحدهم!
"آنسة سـ..سلام!"
كاد يودي به لسانه إلى التهلكة، لكن لأن أجله لم يحن بعد لم تلحظ زلته، دققت النظر به بلا تمييز ثم سألته بنبرة بدت إلى الخشونة أقرب:
_من أنت؟!
فرد كفه على صدره قائلًا في فخر:
_أنا ياسر البحيري، حفيد الحاج فؤاد الكُردي صاحب هذا المصنع، وقد التقينا بالأمس في الغرفة التي تتخذونها مقرًا للجرد.
كان يزيدها من المعلومات وهي تنظر له باهتمام فيما يتسلل إليه شعور بالحنق، يمتلك وسامة ملحوظة اعتاد على سماع ثناء بعض زميلاته عليها أثناء دراسته الجامعية، وبالطبع يمتن هو لذلك، فكيف لم تتذكره هذه الفتاة التي تبدو وكأنها تخرج من بيتها صباحًا تقسم على إرهاب من يعترض طريقها؟!
_كيف تكون حفيده وأنت بحيري وهو كُردي؟!
انتبه على سؤالها المُتأمِّل، فابتسم في استخفاف وهو يُجيبها ساخرًا:
_لأنني ابن ابنته، لا أظن أن الأمر يحتاج إلى الكثير من الذكاء!
اتسعت عيناها وقد سمعت تعليقه الساخر وسجلته كاعتداء سافر على شخصها، فسارع هو مستدركًا:
_أعني.. دعنا من اسمي! وخبريني لماذا هذا الفحص الدائر لليوم الثاني على التوالي!
كتفت ذراعيها ثم مال جانب ثغرها وهي ترفع حاجبها الأيسر لتعلق في استهجان:
_لأن الوثائق كثيرة ولم ننته منها بعد، أتظن الأمر سهلًا؟!
ثم أضافت في سرعة بعد أن تذكرته بالفعل:
_لقد اعتقدت أنك استوقفتني حتى تعتذر لي.
_علام أعتذر؟!
سألها متعجبًا، رافضًا، فأجابته دون تردد:
_على مناداتك إياي بـ سَلَّام.
انفلت زمام جِدِّيته ليضحك بلا انقطاع مُستقطبًا غيظها وسخطها، فهتفت مُستنكِرة:
_أتضحك؟!
رفع إحدى كفيه أمامها ثم قال في مرح غير مناسب بالمرة:
_لا تنكري أن الموقف كان ظريفًا! كلما تذكرته استغرقت في الضحك مثل زملائكِ.
وحينما جحظت عيناها في صدمة كتم هو ما تبقى من استمتاعه، واطمئنانه!
ثم رددت بِحقد أثناء رفعها قبضتيها أمام ناظريه:
_عسى أن أشهد تشميع هذا المصنع بالأحمر، أتعلم؟! سأبتاع شمعًا بنفسي وسأطليه بالأحمر ثم سأذيبه بيدي هاتين وأسكبه على الأبواب جميعها واحدًا تلو الآخر تحت نظرك أنت تحديدًا!
دبَّ الرعب قلبه وهو يرى صدق تمنيها في مُقلتيها المُتسعتين كمشعوذة تُردد لعناتها في إخلاص، فعلَّق في استنكار:
_أعوذ بالله! ألا تعلمين كم أسرة يُدَبَّر رزقها عن طريق هذا المصنع؟!
وضعت إحدى كفيها على خصرها ثم ابتسمت لِتقول بنبرة تجلَّت بها المعايرة بوضوح:
_لن ينساهم الرزاق، سيجزل لهم العطاء في مكان آخر لا يتلاعب بالوثائق كي يتهرب من الضرائب.
تجاهل اتهامها الصريح رغم عدم ثبوته، وأصابه بعض التعجب وهو يعي رقة ابتسامتها في حال تخلَّت عن ذلك العداء المُبالَغ به، فأطلق تنهيدة طويلة مُتعبة ثم قال بتردد:
_بمناسبة التهرب من الضرائب، هل لي أن أعلم من قام بالإبلاغ عنا؟
بامتعاض نظرت له، ثم هزت كتفيها رفضًا قائلة بكل ما استطاعت إكساب نبرتها من هجوم:
_لا أعلم، وحتى لو كنت أعلم فلن أخبرك بكل تأكيد، ربما تقومون برشوته، أو تهددونه، أو تقتلونه.
كبت تعليقًا لاذعًا يتوسله أن يُلقي بنفسه على سمعها، ثم ردَّ مُتظاهرًا بالخوف:
_من أخبركِ بشأن عصابة "المافيا" التي نُديرها في الخفاء يا آنسة سلام؟! لا شيء ييقى سرًّا في هذا المصنع على ما يبدو!
انتصبت في وقفتها وقد استعادت صرامتها بلمح البصر، ثم قالت:
_اسمع يا سيد ياسر البحيري! ربما أنت صاحب هذا المصنع، لكنك حتى نهاية هذا الأسبوع منزوع السُلطة تمامًا، فلا تسمح لخيالاتك بأن تسيطر عليك! ولا تحاول تقديم أية رشوة لي كي أقدم لك معلومات أو حتى أقوم بإخفاء بعض المعلومات!
ضرب كفًّا بالأخرى وهو يتأكد من عدم مرور أحد العمال، ثم عاد إليها مُتمتمًا بصوت مسموع في نزق:
_أية رشوة يا فتاة؟! لم يأتِ أحد على ذِكر الرشوة سواكِ!
مطت شفتيها بلا اكتراث قبل أن تقول بشماتة واضحة:
_أنا أُنبهك فحسب، لو كنت مكانك لما تجرأت على التحدث إلى أي من أعضاء اللجنة، ولقضيت وقتي أفكر في حل للمصيبة التي سيتم إعلانها بالنهاية.
_لا مصائب هنا، وستضطرين للاعتذار حين تكتشفين أننا نُطبق القوانين بحذافيرها،حينها ستجدينني أنتظركِ ربما أسامحكِ!
قالها مُتوعدًا ومُتحفزًا، فشملته نظراتها في سخرية قبل أن تتجاوزه إلى حيث سبيلها، فيما كان هو يفكر بِجدية في مَد قدمه أمامها أثناء سيرها حتى تتعثر وتسقط على وجهها فيتمتع ببعض البهجة بعد أن أثارت ضيقه إلى حد لا مثيل له.
وانتبه إلى نفسه مُلاحِظًا لمحة السادية التي تسللت إليه من حيث لا يدري، على يد تلك المُزعجة!
**********
برتابة أخذت تدق بأناملها على طاولة الحساب بينما عيناها تمسح الرائح والغادي بحثًا عن صبي بعينه.. صبي أرسلته منذ ربع الساعة في مهمة استطلاع!
هناك ما يُدَبَّر منذ أيام على مقربة منها ولا تدري بشأنه.. عمال، حركة زائدة عن الحد، وستار ضخم يحجب عن الجميع ما يدور خلفه بداخل المخزن المُلاصق لمخبز الحاج بيومي.
ظنت في بادئ الأمر أن الرجل يقوم ببعض التجديدات، لكنها لاحظت أن المخبز نفسه لايزال على حاله، لا هدم أو بناء، لا إضافة أو اختزال، إذن فما الذي يُدَبَّر؟
ربما بعض التوسعات؟
أو..
نشاط آخر!
عندئذٍ لم تستطع إسكات صوت فضولها أكثر، وهكذا سارعت بنداء أول صبي صادفته لتأمره بأن يتقصى الأخبار في مقابل كوبين من العصير لكن الطماع لم يوافق وبوقاحة طلب منها عشرين جنيهًا!
لا ضير، لتمنحه ما طلب حتى تُطمئن ذلك الهمس القَلِق الذي لم ينفك يؤرقها.
وأخيرًا ظهر كعفريت العُلبة من مكانٍ ما فشدته من ساعده وسحبته إلى داخل المحل.
"ماذا وجدت؟"
لكنه ابتسم مُشاكسًا وهو يمد كفه إليها قائلًا بنبرة مُتذاكية:
_مكافأتي أولًا!
ضغطت على أسنانها بغيظ، وعادت أدراجها إلى الطاولة ومن الجارور تناولت الورقة النقدية المُتفق عليها، ثم بعنف وضعتها بداخل كفه فأطبق عليها قبل أن يهتف بفرحة عارمة:
_العم بيومي لا يُجدد المخبز، بل أنه أعطاه إلى ناهل وهذا الأخير هو من أنهى تجهيزه، كما أن هناك مُعدات جديدة وثلاجتين رأسيتين.
سقط قلبها في قدمها والعبارة الأخيرة تعبر عن معناها دون شك، لكنها برغم هذا سألته:
_وفيم سيستخدمه ناهل؟
والصبي دس ماله في جيب بنطاله القديم ثم منحها انتباهه ليُجيبها بلا مُبالاة:
_سيفتتح محلًا للعصائر والمُرطبات خلال أيام.
شحب وجهها فلم يلحظ ليُتابع في نبرة مُغرية:
_إن وعدتني بمكافأة أخرى ربما سأعرف متى يكون موعد الافتتاح بالضبط!
لكنها بخفوت لا تشوبه ذرة من الهدوء تمتمت آمرة:
_اغرب عن وجهي!
عقد حاجبيه مُتعجبًا فكررتها في صياح اجتذب انتباه العامل بالمحل، لكنها لم تحفل به وهي تُلقي عليه أمرًا بأن يهتم بالعمل حتى تعود!
راقبها تضع آخر صحن على المائدة فيما ظلت عيناها شاردة، منذ عاد من المحل وهي تتحرك في صمت، في تيه، وبدا أنها لا تراه من الأصل.
"ألن تتناولي الطعام؟"
سألها عندما هَمَّت بالعودة إلى الغرفة مرة أخرى، فتوقفت ثم استدارت تهز كتفيها بنفي وهي تجيبه:
_لقد تناولت القليل، سأعود إلى غرفتي.
_هل أنتِ بخير؟
في اهتمام لاحقها قبل أن تختفي بالداخل، فنظرت له في استفهام ليُتابع أثناء تفحصها بنظرات قَلِقَة:
_هل عائلتكِ بخير؟
وكأنها كانت تنتظر سؤاله، عادت إلى المائدة تجلس إلى المقعد المجاور له، وبملامح منزعجة أجابته:
_لقد هاتفت عمتي أماني، خبرتني أن جدي نال منه التعب مُجددًا.
جابت عيناه ملامحها التي عبست كطفلة حانقة، فشرع في تناول طعامه مُتسائلًا:
_ولماذا لم تهاتفيه أنتِ؟
تجهمت ملامحها ووضعت إحدى كفيها أسفل وجنتها، ثم ردت بنزق:
_لازلت غاضبة من تصرفه في أمر يخصني ويبلغ تلك الدرجة من الأهمية دون أن يستشيرني.
وتضاعف حنقها فهتفت بلا تفكير:
_لقد رسم مستقبلي كما يحلو له، خطط لحياتي وكأن لا رأي لي بها، وربط بي مُصيبـ..
بترت عبارتها التي قالتها بتلقائية في ندم لِتشيح برأسها بعيدًا، وفهم هو من خلالها وجهة نظرها في زواجهما بصراحة، عادت تختلس النظر إليه بِحذر فوجدته يرتشف الحساء في استمتاع ثم ينظر إليها مُبتسمًا في تسلية!
"المُستفز يبتسم فيُربكها في وقت غير ملائم بالمرة!"
_تابعي! ماذا حدث بعد أن ربط جدكِ بكِ المصيبة والتي تتمثل في شخصي الكريم؟ هل انقطعت صلته بكِ حينئٍذ؟!
تحدث بلا اكتراث مُتابعًا طعامه، مُتعمدًا إحراجها، فتملصت لتجذبه إلى اتجاه آخر قائلة في تردد:
_لقد.. لقد أبلغ أحدهم عن المصنع بالتهرب من الضرائب.
فغر شفتيه ثم هتف بلا تصديق وهو يضع الملعقة جانبًا:
_ماذا تقولين أنتِ؟! مُحال! الحاج فؤاد يتبع القانون وأ..
ثم توقف فجأة يرسم بسمة صفراء وردد في امتعاض:
_أراهن أن أحد ابني عمتكِ هو من فعلها!
وبالمثل عمَّ الذهول وجهها، فهتفت:
_هل تحدثت إلى جدي؟! عمتي أماني تقول أنه أيضًا يظن بأنهما من فعلاها، لكنني لا أصدق بتاتًا.
أومأ برأسه مُعلقًا في غيظ:
_صدقي يا إيلاف! لقد تعاملت لفترة طويلة مع أحدهما وأؤكد لكِ أنه إن لم يكن صاحب الفكرة فقد أطاع الدنيء الآخر!
ورغم إدراكها بأنه مُحق فقد عقدت حاجبيها لتقول في انزعاج:
_لا تنس أنك تتحدث عن ابني عمتي ولا تـ..
لكنها سكتت عبارتها حينما رأت إشارات التحذير التي يُصوبها من عينيه واختارت أن تلتزم الصمت عند هذا الحد.
_أتودين زيارته؟
سألها ببساطة فجاءت إجابتها مُقتضبة:
_لا!
كانت تدرك أنه يراقبها مليًّا بعينيه رغم أنها تحافظ على نظراتها بعيدًا عنه، فأصر قائلًا:
_بل تودين زيارته، لا تكذبي! أعلم جيدًا عندما تكذبين، تذكري أنني خصمت منكِ يومين من قبل لأنكِ كذبتِ بشأن تأخركِ على موعد الحضور!
التفتت إليه بابتسامة مُشرقة فوجدته يُلقي بكامل تركيزه مع طعامه، لتعلق بدهشة:
_قوة ذاكرتك تذهلني!
_ما شاء الله! أتحسدينني جهرًا؟!
قالها وهو يعبس على الفور ثم تابع بنبرة دفاعية مُترفعة:
_لا أتذكر شيئًا، لقد طرأ الأمر على بالي في الحال، ولأنني لم أكن معتادًا على القسوة على من يعملون معي إلا أولئك الذين أُدَوِّن أسمائهم في قائمة مُثيري الاستفزاز.
ثم ابتسم ليردف في سخرية:
_وبالطبع لست في حاجة لإخباركِ أن اسمكِ وحده هناك!
حاولت كبح ابتسامتها فلم تستطع حتى مع عدم فهمها السبب، فازداد عبوسه ليُعيدها إلى جوهر حوارهما:
_إذن متى ستزورين جدكِ؟
رحلت ابتسامتها وحلَّ العِتاب محلها، فغمغمت في خفوت وهي تهز رأسها رفضًا بلا قوة:
_سأطمئن على أحواله من أمي وعمتي.
_لكنكِ تتمنين رؤيته.
قالها في خفوت فرَفعت وجهها إليه تسأله المشورة كعادتها، ولم يردها هو خائبة كعادته!
_غدًا سأصطحبكِ إلى بيت أهلكِ.
رددها ببساطة كان الوعد بها ملحوظًا، فقالت في تردد:
_لكن.. أنت منشغل في تجهيز المحل من أجل الافتتاح، سأذهب بمفردي.
وصدح الحسم على الفور بصوته قائلًا بنبرة لا جدال بها:
_لن تدلفي إلى ذاك البيت دوني، ربما يكون هاني هناك ولن أجازف بأن تلتقي به في غيابي.
_إلام تلمح يا ناهل؟
بتحفز ألقت سؤالها، فعض على شفته السفلى غيظًا ثم قال في نزق:
_لا ألمح إلى ما تفتق عنه ذهنكِ المُستنير، لكنني لن أسمح له بالتعدي عليكِ لفظيًا، فأنا أعلم أنه ليس بخصم شريف ولا هو بخاسر ذي روح رياضية!
كانت على وشك مواصلة الجدال لكنه استطرد وهو يشير إلى شعرها الذي استرسل على ظهرها وغُرتها التي تخفي كامل جبينها:
_هل.. تنوين إسدال هذه الغُرَّة على الدوام؟
لأول وهلة نظرت له في تعجب ثم ما لبثت أن هَبَّت واقفة لتهتف في حنق وتضع إحدى كفيها بخصرها بينما بالأخرى أخذت تفرد شعرها في تحدي:
_ما بها غُرتي يا سيد ناهل؟! ألن تكف عن تعليقاتك اللاذعة هذه؟! ألا تعجبك غُرتي أيضًا مثل زينة وجهي؟! هل هناك أي شيء بي قد يعجبك بالأصل؟!
_كُل ما فيكِ!
بلا تردد قالها وهو يجوب بعينيه عليها كماسح إشعاعي مُستطلعًا خلجاتها في ترقب..
أُخِذَت بتعليقه الذي لم يُخطط لقوله، ورغم إدراكها أنه بلا شك يُجاملها فقد انعقد لسانها وظلَّت تُحدق فيه بدهشة حتى بدأ يحك لحيته في عنف ونزع نظراته عنها مُستدركًا وكأنه يُلقي باتهام جائر عن نفسه:
_أعني.. طالما تزوجتكِ فبالتأكيد تعجبينني لسببٍ ما!
لم يُنكر تمامًا إذن.. وهذا بِحد ذاته يُثير بها ذهولًا لا سقف له!
ولمزيد من التأكد سألته في ارتياب وهي تُرجئ استيعاب عبارته البسيطة إلى وقت لاحق:
_أليس لأن جدي عرض..
تأفف يرمقها في يأس فتراجعت عن إتمام سؤالها، ورَفَع كفيه تجاه عنقها في إشارة واضحة إلى شروعه في خنقها مُتمتمًا في ضيق امتزج بالرجاء:
_اسكتي يا إيلاف!
"كُل ما فيكِ!"
"كُل ما فيكِ!"
بنفسها لِنفسها أخذت تهمس بعبارته وتبتسم واضعة إحدى يديها أسفل وجنتها كي تخفي انفعالها..
لكن.. متى استطاعت إخفاء أي مما يعتريها أمامه؟!
أوبالأحرى.. متى لم تكن بالنسبة إليه كتابًا مفتوحًا يحفظ قلبه سطوره قبل عينيه؟!
في بطء التفتت له لتجده قد توقف عن تناول طعامه، فقالت بارتباك:
_لقد برد الحساء، هل أُعيد تسخينه؟
نظر لها مُطولًا في صمت حائر، مُتسائلًا عن ردَّة فعلها إن اعترف لها في صراحة بانسداد شهيته عن الطعام..
وانفتاحها كأوسع الأبواب لها هي!
زفر في استسلام ثم استعاد سيطرته ليقف هازًّا رأسه نفيًا وقال في نزق بدا مُبالغًا به:
_كانت والدتي تجدل شعرها أو تجمعه في كرة فوق رأسها، أرجو أن تفعلي المثل لأنني أكره رؤية الشعر المُتساقط على الأرض!
ظلت بمكانها دَهِشَة من الأمر الذي ألقاه عليها مُمتعضًا، وبالتدريج احتل الغيظ مع الحنق انفعالاتها واعية بأي زوج فظ بُلِيَت!
وقبل أن يلج إلى غرفته ارتفعت طرقات عالية على باب الشقة، وخلال لحظة تحولت السخرية على ملامحه إلى خوف.. وهلع!
توالت ذكريات طرقات مُشابِهة منذ أشهر على ذهنه، فحينها فتح الباب ليندفع الجحيم إليه؛
تذكر سؤال الضابط عن صحة هويته؛
تذكر إمساك عسكري عنيف بثيابه وهو يُكيل له سبابًا طال والده في فراشه.. و والدته في قبرها؛
وتذكر إلقاءه في مؤخرة سيارة الشرطة كمُجرم واجب الضبط والإحضار؛
و.. تذكر أنه لمح صديقة زوجة والده حينها تقف بين سكان الحي وتبتسم بتشفِ لم تبذل جهدًا لإخفائه!
تُرى هل هو الجحيم مرة أخرى؟!
كثيرون دخلوا إلى ذلك المكان ولم يخرجوا منه إلى مماتهم.. حتى وإن نالوا حريتهم!
كثيرون تحررت أجسادهم من الأسر لكن عقولهم ظلت هناك، تئن في هذيان بين براثن القضبان.
"ناهل!"
انتفض ينظر إليها وقد ابيض وجهها تمامًا فاجتاحه الغضب تجاه نفسه..
ليس بمفرده؛ هو لم يعد بمفرده؛
ولا يحق له الاستسلام إلى مشاعر خوف آدمية طبيعية ما دام هناك من يجب عليه حمايته أولًا!
لِذا اقترب منها على الفور، وابتسامة مرتجفة حَلَّت على شفتيه وهو يمد يديه بتردد ليُربت على كتفيها ويمسح على ساعديها في حنو، ثم في تهور لم ينتبه له طبع قبلة سريعة على جبهتها مُرددًا بلا توقف:
_اهدئي! اهدئي!
لم يحاول إخفاء الذعر في عينيه فالتقطته دون نقصان لتومئ برأسها وهي تشاطره إياه.. إلا أنه كان لأجله هو!
_لا تخافي يا إيلاف! عودي إلى الداخل وأوصدي الباب بالمفتاح! ارتدي حجابكِ ولا تخرجي إطلاقًا مهما حدث! لا تخافي! لن أسمح لأحد أن يمسكِ بسوء.
ألقى أوامره تباعًا وهو يربت على رأسها، ورغم رغبتها بالرفض والبقاء معه فإنها أومأت برأسها إيجابًا وهَمَّت بتنفيذ أمره عندما صدحت.. الزغرودة!
لها عقد الاثنان حاجبيهما، وتسمرا بلا حراك، ينظر كل منهما للآخر في دهشة وإن رحل الخوف مُتباطئًا!
_من تلك؟!
بتعجب ألقت سؤالها، ثم تكرر الصوت برفقة الطرقات مرة ثانية، هز هو كتفيه بلا دراية ثم اتجه إلى الباب فــ:
_ألن تفتح لي الباب يا عريس؟
والامتعاض تلبسه أثناء فتحه بالفعل مُتنهدًا في ارتياح ومحاولًا كبت عنفه وغضبه، وهما ما عادا دون تردد ما إن طالع وجهها يبتسم في حقد دومًا ما كان طرفًا ثالثًا بينهما!
_ماذا تريدين؟
بجفاء تحدث، فتجاهلته لِترمي ببصرها إلى داخل الشقة، مخترقة حرمتها ومُستدعية المزيد من السخط!
_جئت أُهنئ ابن زوجي الراحل الذي لم يقم بدعوتي إلى زفافه رغم أنه دعا شقيقي!
لم يُعلق فيما تجاوزته هي بإصرار تمعن النظر في إيلاف التي وجمت ملامحها تمامًا واستمعت إليها تقول بكلمات يتقاطر منها الخبث:
_مبارك! أرى أنني تأخرت في إسداء النصح إليكِ ولم تجدي منه مهربًا!
"لم يطلب ناهل الزواج منكِ هيامًا بكِ، بل لقد توسل إليه جدكِ أن يفعل فنفذ!"
"لقد كنتِ معه وبصحبته طوال سنوات ولم يفكر بكِ، لِمَ بعد طلاقكِ إذن؟!"
"جدكِ من توسله كي يقترن بكِ بمقابل لا يعلمه سواهما."
"تُرى كم دفع جدكِ كي يبيعكِ إلى أول مُشترِ؟!"
أغمضت إيلاف عينيها بينما أخذت العبارات ذاتها تتكرر في عقلها؛
سُلِبَت تقارب ضعيف نشأ بينهما منذ قليل وأُعيدت إلى طريقها الوعِر الأول حيث حقيقة دميمة لا تجميل لها، ووضع مُذِل مُهين لا مهرب منه!
_لقد سمعت أنك ستفتتح محلًّا آخر، مبارك! لكن أخبرني ماذا ستقدم للحاج بيومي في المقابل! لا فتاة لديه لتتزوجها!
انتفضت إيلاف وقد شعرت أنها للتو تمت تعريتها حتى وإن كان الهدف هو إثارة غضب زوجها بوضوح، لكنها اندهشت حينما اكتشفت أنه لم يأبه بالمرأة بل كان يُحدق بها هي باحثًا عن الأثر!
_لِمَ أتيتِ؟
ورغم أن علا قد انتبهت إلى محاولته الناجحة في كبت غضبه فإنها هتفت به بحنق:
_ألم تجد نشاطًا آخر تعمل به؟! ألن تدعني وشأني؟!
_أنتِ في حاجة لعلاج ضروري، بالطبع إن كانت هناك منشأة طبية تُعالِج الحقد والخبث!
قالها في هدوء، ثم تابع بصرامة:
_أنا سأمارس أي نشاط لدي فيه الخبرة اللازمة، إن كنتِ أنتِ قد اخترتِ اقتحام السوق وامتهان التجارة فينبغي عليكِ أن تتوقعي الكثير من المنافسة.
ثم أضاف مبتسمًا:
_وإن كنتِ في قرارة نفسكِ تعلمين أن ما حصلتِ عليه بالخديعة ستفقدينه قبل أن تلاحظي فلا أملك لكِ سوى الشماتة الصادقة!
أخفت قلقها من قوله، ومن حقيقة قوله!
هي بالفعل تخاف وهو قد ضغط على نقطة ضعفها!
لكنها ابتسمت رغم توجسها واتجهت إلى الباب مرة أخرى تقول في تهكم:
_سنرى يا ابن زوجي! سنرى من منا سيخسر ثانية!
ثم أضافت في نبرة عالية وهي تخرج:
_لا تنس أن تدعوني للافتتاح!
وبلا تردد تعالى صوته ساخرًا:
_أعدكِ ما إن أبدأ بتجهيز السموم وتقديمها ستكونين أول من يتذوقها!
صفع الباب والتفت ليجد إيلاف تحتضن ذراعيها وتدقق النظر به بعتاب، حتى وإن كانت المرأة حقودة أرادت تكدير حياتهما التي ظنتها صافية كأي اثنين حديثي الزواج فلا ينفي هذا أنها فيما قالت صادقة.
بعينيها طالبت بتكذيب، أو بتبرير، وقد فهم هو رغبتها لكنه عاجز!
لن يستطيع أن يكذب وبالطبع لا مجال الآن لِقول الصدق كاملًا!
وهكذا تخطاها ليختلي بنفسه بعيدًا عن اتهاماتها ولتظن ما تظنه، ليبقى الحال على ما هو عليه، وعلى المتضرر البحث بنفسه عن زاوية أخرى تعرض له الحقيقة المُتوارية!
**********
شَيَّعه الشيخ بنظرة قلقة قبل أن يغلق آخر مفتاح للضوء في المسجد، ثم تنهد في تعاطف أثناء خروجه مُغلقًا الباب ومُرددًا دعوات تخصه براحة البال.
دارت عيناه في الظلام لثوان وهو لا يرى شيئًا بالطبع، ثم في ضعف جلس أرضًا، وعلى أحد الأعمدة أسند رأسه فيما بدا الصمت المحيط به سيسقط كفريسة ضعيفة للعويل الذي يصدح في عقله!
هناك ضوضاء؛
هناك ضياع؛
وهناك حريق!
ظن أن بعض الوقت سيمنحه الفرصة للهدوء ومن ثم الاستيعاب، إلا أن كل تلك الساعات طحنته أسفل عجلاتها كقطار سريع لا يراه..
وإن رآه.. لم يكن ليتفاداه!
عيناه تحرقه مذ رأى شقيقه بمسرح الجُرم؛
أذناه تخزه منذ سمع صوت نحيب ندم ما بعد الخطأ؛
جسده يرتج ارتجاجًا وكأنه من بادر إلى تلك المعصية!
"يارب!"
همس في الظلام دون أي انفعال وهو يرفع رأسه إلى أعلى..
_يا رب!
تمتم في خفوت مُستغلًا أنه بمفرده مع خالقه، فلا مخلوق سيتطلع على مصابه!
_يا رب!
هتف بأعلى نبرة يائسة، بأقوى صوت محبط
وسكت..
الصمت هذه المرة تام؛
والسكون يعم محيطه فيُثير رغبته بالنوم كما اعتاد فعلها طفلًا، وصبيًا، ومراهقًا، ورجلًا؛
إذن ليحصل على بعض النوم!
ليتمسك بغيبوبة تمده ببعض الطاقة حتى حين!
استلقى أرضًا على جانبه الأيمن، فرد كفه اليمنى أسفل وجنته، ثم أغمض عينيه..
إلا أن دموعه كان لها رأي آخر؛
فانفجر وكأنه يحتضر!
"ابكِ يا نضال!"
صوت والده جاءه من حيث لا يدري، حيث كان على النقيض من غالبية الآباء لا ينعته بالدلال أو بالأنوثة لبكائه إن تعرض لجرح بسيط أو نال درجة مُتدنية في اختبار، بل كان ينصحه بأن يبكي في غرفته ثم يخرج منها بكل قوته ما إن ينتهي من إفراغ انفعاله..
أما الآن والجرح أكثر إيلامًا وخبثًا فلا مجال له سوى اتباع النصيحة!
بكى وبكى وكأن هناك من سيحرمه من هذه الهبة!
بكى والده، بكى البيت الذي يقع تحت مسؤوليته، بكى سنوات أُهدِرَت بلا قيمة، وبكى شقيقًا ودعه منذ ساعات بعد أن استُبدِل بآخر!
هز رأسه رفضًا وتدافعت دمعاته وهو يهمس:
_يا رب!
ثم عبثًا مسح وجهه بكفه وفي توسل أعاد:
_يا رب!
في خجل أخذ يكرر وهو يجلس على ركبتيه، ثم بدأ في المناجاة بنبرة مُتحشرجة:
_لقد قصرت في توجيهه، تقاعست عن إرشاده، أُشاركه الذنب فاغفر لي يا رب! و...
عصاه لسانه عن إتمام دعوة من نصيب شقيقه، عصاه فأخفض رأسه حتى جثا به أرضًا، بالبقعة نفسها.. تجاه القبلة حيث كان مهند ذي السنوات الخمس يصلي إلى جواره.. يصلي في خشوع؛
يردد قصار السور بصوت شجي؛
يتلقى عبارات الاستحسان من المصلين ونظرات الثناء والرغبة في الاقتداء من أقرانه!
استقبلت الأرض الطاهرة شهقات رجل مكلوم في أغلى ما لديه ولم يبخل هو عليها..
"ابكِ يا نضال!"
أومأ برأسه في طاعة وهو يتمسك بحقه في التصرف كإنسان له نقطة ضعف.. وقد تم الضغط عليها بكل قوة؛
هنا يقص أوجاعه؛
هنا يلقي تساؤلاته الحائرة؛
هنا.. وهنا فقط يعلم أن الباب مفتوح دومًا لن يُغلق مادامت النية صادقة، وما دام ربه هو الغفور التواب.
**********
في صمت جلست قبالة جدها الذي راح يتبادل مع زوجها حديثًا وديًّا عزفت عن المشاركة به واختارت أن تتظاهر بالاستغراق مع شقيقها المسرور بزيارتها.
لكن عينيها كانت تهزمها في إصرار، حيث أخذت تختلس النظرات القَلِقة إليه من حين لآخر قبل أن يلاحظ..
لكم وضح عليه الإرهاق والتعب!
ولكم تتمنى لو تتخلى عن غضبها منه وتحاول التخفيف عنه!
لطالما كان أول من يشعر بآلامها الصامتة، ألا تستطيع مواساته في هكذا أمر طارئ خطير؟!
"لؤي! أين هو ياسر؟ لم ألتقِ به منذ أتيت."
هتف ناهل بشقيقها فلم تلمح هي إشارته الخفية له بأن يرافقه إلى الخارج فتبقى هي وحيدة مع سبب نقمتها ومصدر الحنان الذي لا ينضب مُطلقًا.
_لقد تلقى ضربًا مُبرحًا على وجهه الآخر ليومين مُتتاليين! لن تصدق ما حدث معه بالمصنع!
سمعت شقيقها يهمس لزوجها في مرح وهما يبتعدان، فأطرقت برأسها أرضًا واستدعت ملامح عابسة ليست حقيقية تمامًا..
"لم أَبعكِ."
باغتها حين كانت شاردة في افتتاحية لحديث يجب أن يتم مهما أرجأته..
قالها آخر مرة تحاورت معه قبل زفافها حينما كررت السؤال نفسه عليه مرات ومرات فصرخ بها للمرة الأولى، لكنه الآن يخاطبها في هدوء مثير للريبة..
هل خارت قواه؟
أتمكن الضعف منه؟
هل اهتز الطود الذي حافظ على ثباتهم منذ صغرهم؟
_أنا لم أَبعكِ يا إيلاف، وأنتِ تعلمين أنني لم أكن لأقدم على أية خطوة من شأنها أن تقلل من قيمتكِ أو تهين كرامتكِ.
_إذن ألم تكن أنت من عرضت على ناهل أن يتزوج بي؟
ببسمة متحسرة سألت، فجاءتها الإجابة قاطعة:
_بل فعلت.
_والمقابل؟
_بلا مقابل.
_والسبب..؟
حينها توقف قليلًا، ليُحدق في أثر ناهل بغيظ مُغمغمًا في سخط:
_جيل لا أفهمه إطلاقًا!
ثم عاد إليها حاسمًا أمره وهز رأسه رفضًا ليقول:
_ليس من حقي، هذا حق ناهل وحده، وأنا سأحترم رغبته وأقدرها كما فعل هو المثل معي، اسأليه هو!
_ألم يقبض منك مالًا؟!
سألته في نبر ة حازمة مُنتظرة منه توترًا أو حرجًا، لكنها رأت معالم الدهشة تتسيد ملامحه لِثوان قبل أن يهتف في استنكار:
_أتظنين أنني قد أساويكِ بأموال العالم؟! كيف هداكِ تفكيركِ إلى هذا الجنون يا بنيتي؟!
طأطأت رأسها أرضًا مرة ثانية بعد أن فشلت مساعيها في البحث، فواصل هو بنبرة لينة:
_إيلاف! توقفي عن التسليم بالصورة المهتزة على السطح، مدي يدكِ! توغلي! ربما وجدتِ في الغرق نجاة!
رفعت رأسها تنظر له لتُعلق في سخرية:
_أتظن أنني قد أقامر بالغرق مرة أخرى؟!
اتسعت ابتسامته حتى تحولت إلى ضحكة طويلة، ثم قال في ارتياح لا يتناسب مع الوضع الحالي:
_ومن قال أنكِ قد قمتِ بتجربة الغرق سابقًا؟ لقد ألقيتِ بنفسكِ في بركة من الوحل فتلخطتِ وتأذيتِ، لكنكِ امتلكتِ من الحظ أحسنه فالتقمكِ المحيط الشاسع!
ثم أخذ يرمق ناهل الذي يقف مع لؤي وقد انضم إليهما ياسر، وأضاف مُحتفظًا بابتسامة حنونة ومُستندًا بكفيه على عصاه:
_ربما أمواجه عاصفة، ربما مياهه هادرة، لكنه حين يستكين ويصفو ستكتشفين أنكِ لن تستطيعي التنفس بعيدًا عن أمواجه.
عقدت حاجبيها وقالت في غيظ:
_عن أي أمواج تتحدث يا جدي؟! لقد قمت بتزويجي من رجل بات مُتحدًا مع القحط لاجئًا للجفاف أكثر من ذي قبل!
تطلع إليها في أمل وهو يُطلق تنهيدة طويلة ثم قال مُتمهلًا:
_الظمأ شعور قاس يا بُنيتي، إن اعتاد المرء الظمأ لوقت طويل ثم حطت رحاله على ضِفاف نهر عذب لن يندفع كي يشرب منه بلا تمهل، سيرفض، سيتردد، وفي النهاية سَيَنْهل حتى يرتوي!
نظرت إليه في حيرة فتابع في هدوء لم يخل من الصرامة:
_امنحي زوجكِ فرصة! عَلَّكِ تصادفين ما بحثتِ عنه طويلًا مع الشخص الصائب.
تلبسها الضيق ثانية فعمدت إلى تغيير موضوع المحادثة، وسألته باهتمام:
_إذن ماذا ستفعل بشأن الفحص الضريبي؟
اعتلى الهَم وجهه وشرد بنظراته قائلًا بخفوت:
_لن أفعل شيئًا، إن هي إلا أيام وسيكتشفون أن البلاغ كيدي ويرحلون.
ثم استطرد في نبرة مُكللة بخيبة الأمل:
_لولا خوفي من الله لطردت عمرو أيضًا من المصنع، لكنني لن أستسلم لِغضب يودي بي إلى الظلم بآخر أيامي.
_حفظك الله لنا يا جدي!
سارعت تهتف بخوف، فأشار إليها أن تقترب، وكأنها كانت تنتظر فوقفت على الفور واستقرت إلى جواره.
تأملها قليلًا في نظرة عاتبة ثم قال:
_لم يكن هذا هو مكانكِ!
التمعت عيناها بدموع اشتياق ففتح عبائته لترتمي على صدره، تخبئ وجهها به، تستمع لدقات قلبه الهادئة وتشم عطره الذي يعني لها كل معاني الحب.. والاهتمام.
كان يُربت على رأسها في حنو حينما قال بجدية:
_إيلاف! سأطلب منكِ شيئًا وأتمنى ألا ترفضي مثل كل مرة.
أمعنت النظر به بترقب ورأسها لا يزال على صدره فلم ينتظر، ليقول بحزن واضح:
_أرغب بأن تحاولي التقارب مع أختيكِ، حال كل منهما لا يعجبني على الإطلاق، فبعد طلاق لين صارت تقضي غالبية الوقت بصحبة طفلها بغرفتها وأصبحت تتصرف بطريقة متحفظة كثيرًا، وكلما طلبت منها أن ترافقني بالحديقة أو هنا تقول أنها تفضل أن تبقى بمفردها لأن يزن يُثير الفوضى، كما أنها كادت تُصيبني بذبحة صدرية هذا الصباح وهي تخبرني أنها تريد الاستقلال بمعيشتها فور انقضاء عدتها!
فغرت إيلاف شفتيها بدهشة فأضاف:
_أما غفران فهي منذ فترة ليست على ما يرام، أكاد أجزم أن هناك ما يُثير قلقها، وكلما حاولت التحدث معها لا تخبرني شيئًا، حتى أماني وهالة لم تنجحا في فهم ما ألم بها.
ثم تعلقت نظراته بها في اعتذار، وقال لها بأسف غير منطوق:
_ربما أنتِ لستِ الكبرى، وربما تم إهمالكِ منذ زمن لرعايتهما، لكنني أثق بأنكِ قادرة على احتوائهما!
شردت لوقت قليل ثم أومأت برأسها عن رضا، فسألها وهو ينظر إليها في إمعان:
_ألم تذكر لكِ غفران أي خلاف وقع بينها وبين عمتكِ عزة، أو.. عمرو؟
تراجعت إلى الخلف تنظر له في تعجب، ثم هزت كتفيها وقالت:
_أنت تعلم أن علاقتها بهما متوترة منذ وقت طويل، بالطبع بسبب رفضها الزواج منه.
ظهر عدم الاقتناع على ملامحه، ورغم ذلك فقد تمتم في خفوت:
_ربما!
راقبت تجعدات وجهه فابتسمت تلقائيًا حين اجتاحها المزيد من الحنين إليه بلا تردد، لكنها ما لبثت أن عقدت حاجبيها لِتختلس النظر إلى حيث يقف ناهل بالخارج وعادت لتقول لجدها:
_بالأمس جاءت تلك المرأة زوجة والد ناهل إلينا، عَلِمَت أنه سيفتتح محلًا آخر فأثار ذلك خوفها وألمحت إلى أنه تزوجني من أجل قبض الـ..
عبس جدها فورًا وبدا أنه يطبق شفتيه بقوة حتى لا ينطق بما لا يصح فبترت عبارتها، ليتحدث هو في حنق:
_ إياكِ أن تصدقي كل ما تقول يا إيلاف! لأنها لن تستسلم وستظل تبحث عن أي سبب يُخرب حياة ناهل، زوجكِ لا يقبل جُنيهًا واحدًا لا يستحقه، كل ما في الأمر أنه قام باستئجار مخزن الحاج بيومي صاحب البيت بمقابل مادي بعدما رفض العودة للمصنع.
ارتفع حاجباها في دهشة ثم اندفعت تهتف في احتجاج:
_إذن لماذا لم يخبرني بهذا ذلك الـ..
وحينما التفت لها ناهل إثر سماعه صوتها رمقته في غيظ شاركها به جدها وهو ينقل نظراته بينهما مُكررًا في سخط:
_أقسم أنه جيل لا أفهمه إطلاقًا!
ورغم ضيقها من كتمانه الأمر عنها فقد تسللت إليها بعض الراحة حالما أدركت أن جدها حافظ على كرامتها دون مساس، وأن زوجها لا يزال كما عرفته دومًا عزيز النفس..
يبدو أنه بآخر الأمر لم يجد غضاضة من موافقته على الزواج بها لِمعرفته الطويلة وثقته بها ولِمكانة جدها لديه لا أكثر!
ورغم خيبة الأمل التي اكتنفتها فقد أقرَّت بأن هذا التفسير أفضل كثيرًا من كونها بضاعة معطوبة تنازل وتقبلها من أجل لقاء مادي.
_هل.. هل أذاها حقًا؟
سألت جدها في توجس فنظر لها بلا فهم، لتقوم بالإيضاح سريعًا:
_عندما قدمت زوجة والده البلاغ ضده وتم الحكم عليه، هل كان هو من أحدث تلك الإصابات العديدة بها؟
سؤالها الحائر المتردد جعله يتمتم باستغفار ثم يزفر طويلًا، وفي هدوء لم يخل من بعض المكر أجابها مُتسائلًا:
_ماذا تظنين أنتِ؟ ألم تُلازميه في العمل منذ كنتِ بسنتكِ الثانية بالجامعة حتى ترك هو المصنع؟! ألم يقم بتعليمكِ كل خبراته؟! ألم يكن محاميكِ العنيف الأول ضد أي من يحاول توجيه اللوم إليكِ حتى أنه كان يُداري أخطاءكِ قبل أن ينتبه إليها أحدنا؟!
تولدت ابتسامة شوق على شفتيها وهي تستعيد في ذهنها بعض الصور التي تُثبت ما قاله جدها، لكنها وأدتها سريعًا لتُقطب قائلة في اعتراض:
_لكنه كان يقوم بتوبيخي فيما بعد!
ونظرة جدها الناعسة أحرجتها، فضحكت بخجل ثم عَلَّقَت باستسلام:
_بلى.. لقد فعل!
_إذن؟
باقتضاب سألها، فهزت رأسها نفيًا مع عودة التجهم لملامحها ثم رددت في حيرة:
_لا.. لا أظن أنه قد أذاها بالفعل، لا أنكر أنه لطالما انفلت لسانه تعبيرًا عن كراهيته المستعرة تجاهها، لكنني لا أصدق أنه قد يتعدى عليها!
وبضيق خاطبها مُحاولًا كظم غيظه:
_ليلة الواقعة التقى بي حتى نرتب كيفية إعلان عقد قرانكما لِعمتكِ أماني وعمتكِ عزة وأسرتها، لكنه كان غاضبًا كما لم أره يومًا، وبلسانه خبرني أنها تجاوزت بالحديث معه وكانت تسد طريقه فدفعها ورحل، وفي اليوم التالي تم القبض عليه ما إن عاد إلى المنزل، ثم اكتشفنا أنها مُصابة في عدة أماكن وتمتلك تقريرًا طبيًا يدعم ادعاءاتها.
راح عقلها يعمل في سرعة، لتسأله في استهجان:
_أتعتقد أنها أصابت نفسها عمدًا حتى تلقي به في السجن؟!
_بل أنا متأكد من ذلك.
وتعليقه الحاسم أربكها، فتمتمت بدهشة:
_لكن.. كيف؟
ابتسم هو في حنق، ثم قال بجمود:
_بالطبع حصلت على بعض المساعدة!
ثم أضاف بتوعد:
_لم أكن أرغب بالتدخل بينهما، لكن لأرسل لها تحذيرًا حتى تتقي شري!
وعبارته الأخيرة رافقت تناوله هاتفه من المنضدة القريبة، فسألته بفضول:
_ماذا ستفعل؟
_سأقوم باستدعاء شقيقها!
أجابها وهو يضع نظارات القراءة المُعلقة على صدره، ثم تمتم أثناء تفحصه قائمة الأسماء:
_ماذا كان اسمه؟ هارون على ما أظن.. أليس كذلك؟!
"وما شأن شقيقها؟!"
والسؤال المتحفز الذي هتف به ناهل وهو يعود إلى صالة الاستقبال يتبعه ياسر جعل الحاج فؤاد يتوقف عن بحثه ويرفع إليه عينين مُتسائلة من أسفل نظاراته، فتابع ناهل في ضيق أثناء جلوسه قبالته:
_هارون لا علاقة له بها ولا أظنه يعلم بزيارتها لنا بالأصل، الرجل يعاني بما فيه الكفاية كونها شقيقته فلا داعِ للضغط عليه أكثر!
مالت شفتا الحاج فؤاد في استخفاف، ثم قال وهو يرميه بنظرات مغتاظة لم يفهم سببها:
_لم أقل أنني سأبدأ بتعذيبه، لكن هي امرأة ولن أتواصل معها مُباشرًة ما لم أتحدث مع ولي أمرها أولًا!
...
"هيا يا إيلاف! اصعدي إليهما!"
قالها جدها بعد أن أنهى مكالمته ورَبَّت على كفها في تشجيع فأومأت برأسها بحماس ثم رحلت، ليلتفت إلى ناهل الذي يتحدث مع ياسر ويهتف به دون مُقدمات:
_الآن لتمنحني إجابة واضحة! متى ستخبرها بأنك طلبت الزواج بها من قبل؟
نظر له الاثنان بينما تجهم وجه ناهل وحده ثم رد في اقتضاب:
_ليس الآن.
خلع الحاج فؤاد نظاراته ليتركها تتدلى على صدره، ثم استقام ليتجه إليه في بطء استنفر له ياسر فوقف في أدب بينما لم يفعل ناهل حتى لكزه هو..
وحالما وقف الجد أمامه حدق فيه مُستفهمًا في تحذير:
_لماذا لا؟! هل تستمتع بحيرة حفيدتي يا ولد؟! أتريد الزهو بنفسك على حسابها؟!
تراجع ناهل خطوتين إلى الخلف في توجس غير واعِ بنظرة ياسر الآسفة وقد أدرك أن جده سيستفرد به ليُبدد غضبه عن طريقه!
_قطعًا لا! لكن.. لقد طلقها حفيدك حين كانت تستعد للزفاف إليه بالفعل، أتظن أنني قد أُقحم نفسي إقحامًا في قلبها قبل أن أتأكد أنها تجاوزته تمامًا؟!
في نفي قوي نطق ناهل، لكن ما كان من الحاج فؤاد إلا أن تطلع إليه من مقدمة رأسه حتى أخمص قدميه مُتمهلًا ومُعلِّقًا في تهكم:
_ولماذا لا تفعل؟! لا أرى أن هناك ما ينقصك!
وضحكة ياسر المكتومة أثارت غضب ناهل فقال حانقًا:
_أنا مستعد لبذل روحي في سبيل الحفاظ عليها، لكن كرامتي لـ..
_لا تبدأ مُجددًا يا ناهل!
قاطعه في يأس ثم تمتم وهو يضرب كفًّا بكف:
_لا أعلم ماذا بهن حفيداتي! لا أدري ما بال حظوظهن مع الرجال!
قفز الاعتراض إلى نظرة ناهل، وقبل أن يتفوه بكلمة رماه الجد بنظرة ازدراء مُعقبًا:
_بُلَهاء!
اتسعت عينا ناهل في استنكار فيما انتقل الجد إلى ياسر مُتابعًا في امتعاض:
_مُتَخَلِّفون!
_أأنا متخلف؟!
في حدة هتف ناهل فتدخل ياسر مُوضحًا له بلا اكتراث:
_لا، هذا اختصاصي!
ثم زم شفتيه وواجه جده الذي توقف أمامه وسأله:
_ماذا فعلت أنا يا جدي؟
ارتسمت ابتسامة ساخرة بقدر اتساعها على ثغر جده وهو يقول:
_خبرني أنت يا ياسر بك! ماذا فعلت مع لجنة الفحص؟
ثم تابع مُتظاهرًا بالاستدراك وبنبرة ماكرة:
_أعني ماذا "فَعَلَت بك" لجنة الفحص؟
ارتبك ياسر وقد فهم أن جده قد علم بما حدث بالأمس في غرفة الجرد، فقال بعدما تمالك نفسه:
_اطمئن يا جدي! كل الأمور على ما يرام و..
قاطعته نظرة جده الحازمة فاحتفظ ببقية كذبته لنفسه، وسأله الأول بنبرة حملت تهكمًا واضحًا:
_هل قامت إحدى أعضائها بطردك كما خبرني مُدير العمال؟!
بوغت ياسر بمعرفة جده، وأثناء بحثه عن تبرير استطاع أن يلمح ابتسامة ناهل المُتشفية فعبس قائلًا في نزق:
_ليست عضوة بالمعنى الحرفي، إنها المسؤولة عن الشطائر باللجنة، ليست إلا فردًا زائدًا لا وظيفة حقيقية لها، فلا تقلق!
عقد جده حاجبيه وهتف بلا تصديق:
_إذن هل طردتك المسؤولة عن الشطائر ؟!
صوت صفير دَهِش أطلقه ناهل فالتفت له الاثنان، ليُطبق شفتيه مُتظاهرًا بالإشفاق على ياسر الذي ضغط على أسنانه وقال في نبرة حازمة:
_ما حدث كان سوء تفاهم لا أكثر يا جدي، وسأُحاول إصلاحه!
تنهد جده في استسلام ثم قال في خفوت:
_لا تفعل شيئًا! دع الأمور تجري كما هو مكتوب! وإياك أن تشتبك مع أحد ابني خالتك يا ياسر!
ثم تابع وهو يوليهما ظهره:
_آن لهذا العبث أن ينتهي بلا رجعة!
**********
على الدرجات الرخامية المؤدية إلى الطابق الذي يحتوي شقتهم صعدت بإرهاق شديد بعد قضاءها يوم عمل أسوأ من كل ما سبقه ثم التقاءها ببعض أصدقاءها حتى تتخلص من شعورها بالحنق، لكنه عاد أقوى ما إن تركتهن!
لقد طفح كيلها بسبب العنصرية التي تتعرض لها بين زملائها، لا يكفون عن إثقالها بمهام ليست من واقع عملها، وعندما تشتكي إلى مديرهم يتشدقون بأنهم يحاولون تدريبها على أسس العمل القويمة!
أي أسس عمل تتضمن إحضار طعام الإفطار وتجهيز المشروبات؟!
نصحها عمها كثيرًا بأن تترك الوظيفة لتجد غيرها أكثر راحة حتى إن كان الراتب أقل، لكنها لا تستطيع الأخذ بنصيحته..
فقد تحمل من أجلهن الكثير، ولن تفضل هي راحتها النفسية على المُساعدة البسيطة التي تُساهم بها في مصروفات شقيقتيها دون علمه.
"تعالي يا سلام!"
ما إن أغلقت باب الشقة حتى صدح صوت عمها الحبيب من غرفة استقبال الضيوف، فتركت حقيبتها على أقرب مقعد واتجهت صوبها ببسمة باشَّة..
وهناك تسمرت وهي تلاحظ ذلك الشاب الذي لمحته بضع مرات بالأمس واليوم في المصنع الذين يقومون بجرد حساباته، بينما على الطاولة الصغيرة عُلبة أنيقة يبدو أنها باهظة الثمن تحمل علامة شهيرة للحلوى والشوكولاتة بمُختلف أشكالها، وحينما طال تحديقها المندهش فيه حيث كان يبتسم لها بلباقة تنحنح عمها بحرج ثم قال:
_السيد عمرو الكردي يقول أنه يود التحدث معكِ بأمر يخص العمل!
*****نهاية الفصل العاشر*****