رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثامن 8 بقلم سعاد محمد
الفصل الثامن
(انفلات)
من مسافة لمحت سيارته تصطف بمحاذاة الناصية القريبة، أسرعت خطواتها وهي ترفع رأسها إلى الأعلى خشية أن يراها ياسر أو لؤي فينقلب حفل أختها إلى فضيحة مدوية.
توقفت بغيظ أمام نافذة السيارة ذات الزجاج المعتم لتطرق عليه بعنف فيما تأهبت لشجار مع والد طفلها، وانفتح..
ندت عنها شهقة وهي تتخشب حيث تقف،
فبدلًا من أن تواجه طليقها اصطدمت _مرة ثانية_ بصديقه!
حملقت فيه بذهول أشعله الغضب وهي تتساءل بلا تصديق عن عدد المرات التي ستتعرض خلالها للموقف ذاته بعدما تجرأ من قبل ودخل غرفتها؟!
"ماذا تفعل هنا؟"
ويعيد الزمن نفسه، ويتكرر السؤال بعينه،
والابتسامة الخبيثة اكتسبت وقاحة استمدتها من حرية باتت قريبة!
تراجعت للخلف بذهول عندما خرج هو من السيارة قائلًا ببساطة:
_لتوي عدت من السفر، ولم أجد استقبالًا أفضل من اللقاء بكِ.
وعندما فغرت شفتيها وهي ترمقه غير مصدقة استغل هو الفرصة كي يتأمل ملامحها بجرأة على عكس اختلاسه النظر فيما سبق..
بشرة بيضاء تُغري للتحسس؛
عينان بُنيتيان مُزينتان بالكحل العربي؛
أنف متوسط، وشفتان يُراهن أنهما رائعتان!
تخفي شعرها النحاسي الذي رآه مرة واحدة أسفل وشاح بنفس لون الثوب، وبات يعلم أنها تُخبئ فتنة هائلة أسفل طيات ملابسها!
_يا لجمالكِ يا لين!
همس بها بنبرة لمست هي بها جشع، وشهوة، لكنها لم تندهش، فقد اعتادتهما منذ شعرت بوقاحته من وقت طويل.
بيد مرتجفة أشارت إلى السيارة التي استقلتها كثيرًا، وبتساؤل علَّقت:
_هذه.. سيارة عماد!
ثم انتبهت أكثر فتابعت:
_والرسالة!
وابتسم هو بزهو أو بمكر، ثم أجاب بمراوغة:
_لقد استعرت السيارة منه، أما الهاتف ربما جعلته ينساه معي، لقد صار تركيزه معدومًا منذ فترة.
وعبارته الأخيرة حملت تلميحًا لم يفهمه ذهنها المُشوش، فقال ضاحكًا:
_ستُفاجئين بمدى سعادة زوجكِ السابق بعد الطلاق، وستُذهلين إن أخبرتكِ كيف قضى لياليه السابقة.
انقض الشك على كيانها فسألته باقتضاب:
_ماذا تعني؟
_أعني..
كان على وشك الإجابة، لكنه تراجع وهو يتناول هاتفه من جيب بنطاله مُتمتمًا:
_انتظري! سأشرح لكِ مستعينًا بعرض توضيحي.
وعندما رَفَعه أمامه أصابتها صاعقة؛
هذا عماد، طليقها، ووالد طفلها؛
بهذه الصورة يحتضن فتاة لا تتبين ملامحها؛
وبالتالية يرتمي بين ذراعيّ أخرى، وهي متأكدة أنها أخرى بسبب الاختلاف القوي بين بنيتيهما الجسدية؛
والصورة الثالثة، والرابعة، و....
كان إصبعه يقلب في الصور بتمهل، بينما عيناه تنتشيان بانفعالاتها!
_يا إلهي! من هذا؟!
همست بذهول، بصدمة، وشعور الغثيان ينتفض من سؤالها.
_ألم تتعرفي طليقكِ يا لين؟ إنه هو ذاته من كنتِ تظنين أنه سيهتم بتحذيراتكِ مني ويمنعني من دخول بيتكما.
وأضاف عامدًا:
_السابق.
والشماتة لا داع لإخفائها الآن، فهو انتصر؛
التعبير الممتعض والمُحمل بالكراهية يُعلِن فوزه، ويصرخ بمهارة تخطيطاته، لكن لا بأس بالمزيد من التشديد كي لا يتسلل إليها الشك.
_ها هو قد وجد غيركِ، الكثيرات في الواقع، وربما لم يعبر طيفكِ مجال ذاكرته منذ تخلص منكِ بالمكالمة الهاتفية.
كلماته المنتقاه آلمتها، وزادت في شعورها المتأصل بالإهانة بعدما تظاهرت بعدم وجوده؛
لكنه هناك منذ البداية، وربما لن تتخلص منه مُطلقًا!
_أخبريني يا لين! ألازلتِ تنتظرينه؟ هل ترغبين بلم الشمل من أجل طفلكِ؟
وسؤاله انطلق فائق التحذيرات، كمن ينبغي لها أن تفكر جيدًا لأن الإجابة التي ستتفوه بها يتوقف عليها الكثير!
_لأنني أحذركِ من التفكير في الأمر، إن هي إلا أيام وتصبحين ملكي أنا.
وهكذا أكد لها ما يدور بذهنها، فلم تجد سوى افتعال الثبات حتى يرحل، لِذا استجمعت قوتها وقالت بصرامة:
_ابتعد عني يا أسامة! أنت وهو قد خربتما حياتي بما يكفي، دعني وشأني كي أستطيع تربية طفلي!
ولِدهشتها انفرجت ملامحه ليبتسم، ثم امتدت يده لتقبض على إحدى كفيها وهو يؤكد لها في بساطة:
_سنقوم بتربيته معًا يا حبيبتي.
أجفلت وهي تعي أنه يمسها، وبصعوبة خلَّصت يدها من قبضته وارتدت للخلف تمسح عليها بعنف، ثم اكتسبت نظرتها تحذيرًا مع التوتر وقالت:
_إياك أن تلمسني مرة ثانية! إياك أن تظهر حيث أكون مُجددًا! صدقني أنت لن ترغب بالتورط مع رجال عائلتي، وأنا _حتى هذه اللحظة_ لم أخبر أحدًا بسفالتك لأنني لا أود فضحك أنت ووالد طفلي، لكن ما دمت وقحًا عديم الدين والأخلاق لا أهتم بما سيقع عليك من أذى تستحقه!
وللخلف تراجعت، ثم استدارت جريًا إلى الحفل ثانية، وبالدور الذي يقع أسفل السطح التقت به، الرجل نفسه الذي جاء منذ شهر أو أكثر يُبشرهم بسلامة أختها.
"هل أنتِ بخير يا آنسة؟"
بوجهها الشاحب قابلته، والتساؤل بعينيها المُضطربتين لاقى توجسًا لديه، حتى تمالكت رباطة جأشها وأجابت بارتباك:
_نعم، لِمَ تسأل؟
أشار بسبابته إلى الأعلى وهو يُجيب في حرج:
_لقد رأيتكِ من سطح البناية برفقة شخص يبدو أنه يزعجكِ وكنت قادمًا للاطمئنان عليكِ.
_لا! لا يزعجني.
بسرعة علَّقت، ثم انتبهت إلى ارتباكها الذي ظهر أكثر من المُفترض، فاستدركت بصوت أكثر هدوءً:
_إنه.. أحد أقاربنا جاء ليُقدم التهنئة لكنه لا يستطيع صعود الدرجات، وقد رحل بالفعل.
أومأ برأسه وهو يُشير إليها لتصعد، قائلًا:
_عُذرًا على تطفلي، لكنني ظننت أن هناك خطب ما.
رمقته بتعجب ثم ما لبثت أن تجاوزته فأخفض رأسه في تهذيب، وحينما وصلت إلى حيث الحفل، استدارت لتجده قد لحق بها، فعلقت بامتنان:
_لا بأس، أشكرك يا سيد...
بترت عبارتها بحرج فابتسم في ارتباك وهو يمسح وجهها بنظراته، ثم مد يده تجاهها ببطاقة ورقية تناولها من جيب بذلته:
_هارون.. هارون عطية، أعمل بالتسويق ال****ي، وهذه بطاقة الأعمال خاصتي في حالة أردتِ شراء شقة أو ما شابه.
نظرت له في دهشة ثم أخذتها منه، وغمغمت دون أن تلحظ توتره ولا لَومه لنفسه على تسرعه وتصرفه تلقائيًا وكأنه يتحدث مع أحد العملاء:
_بالطبع! سأ..
"لين!"
التفتت إلى خالتها التي ارتفع نداءها بينما يزن يحاول التملص من ذراعيها، وفاتها أن تلاحظ مرافقها الذي تصلَّب فجأة وهربت الدماء من وجهه بلحظة وهو يحملق بها مصدومًا..
منحته نظرة خاطفة ثم أهدته الصدمة الثانية حين قالت ببساطة:
_أعتذر، يبدو أن طفلي أرهق خالتي، أستأذنك.
وكمن كان نائمًا في أمان فأصابته صاعقة كهربائية دون تمهيد؛
استوعب؛
ذُهِل؛
ثم انتفض راحلًا عن الحفل دون استئذان أصحابه!
"مبارك يا إيلاف! رزقكما الله الذرية الصالحة!"
قالها الحاج فؤاد بصوت ثقيل متحشرج وهو يُهنئ حفيدته التي تُصمم على عدم النظر إليه، لكنها صافحته بجمود فلم تلمح ناهل الذي يُحدق بها في سخط وكأنه على وشك ضرب رأسها بالحائط!
"تعال معي يا ناهل!"
تبعه بلا كلمة، تاركًا عروسه مع السيدة إكرام التي تقوم بتقديمها إلى كل معارفها بفخر رغم أنها قامت بالمثل عقب عقد القران.
_ألن تعود إلى المصنع؟
سأله بخفوت فتغاضى ناهل عن لمحة الرجاء التي شابت صوته، ثم ردَّ على الفور:
_لا! لقد استئجرت مخزن الحاج بيومي وسأبدأ بالعمل به في غضون أيام.
_بارك الله في رزقك أينما كان يا بني!
قالها بعينين مليئتين بالإعجاب، والتعجب، فقد ظن أنه سيتبدَّل بعد بقائه بالسجن لأشهر، انتظر تغيرًا ملحوظًا في نفسه وطباعه خاصًة بعد وفاة والده قبل أن يلتقي به وينتزع منه حق والدته بنفسه.
لكن ها هو يُفاجئه بالتجاهل، أو يُمارسه بإخلاص!
وبحرج تحدث ليتخلَّص من اعتذار يخنق صدره:
_أعلم أنني أضفت إلى همومك المزيد، لكن لم يكن هناك حلًّا آخر، ولم أستطع التحدث بشأن يخصك أثناء غيابك.
هز ناهل رأسه ببطْ، ثم قال بهدوء:
_لا عليك يا حاج فؤاد، ما حدث قد حدث ولن تعود ****ب الساعة إلى الخلف، الخطأ يقع على زوجة والدي بالأصل.
وتمكن الفضول من الرجل فسأل باختصار:
_هل ستخبرها بما دار بينك وبين جلال _رحمه الله_؟
تنهد ناهل بقوة، ثم أجاب بتردد:
_لا أريد، ولو أردت لن أفعل الليلة بالتأكيد.
ثم تابع وهو ينظر حيث تجلس مُرتبكة كعادتها:
_هي ترغب بأن تراني في صورة اللاهث خلف أموال عائلتها حتى لا تضطر للبحث عن سبب آخر، وأنا سأنفذ رغبتها.
وأضاف من بين أسنانه فيما نفرت عروق صدغه غيظًا:
_دومًا ما أخبرتها أن الكسل يكون أحياناً أكثر خطرًا على المرء من الغباء، وهي _حفظها الله_ جمعت بين الاثنين ببسالة تستحق تصفيقًا حارًّا!
وعاد بنظراته إلى جدها ليقول:
_لا ينتابك القلق عليها! سأحـ..
_لست قلقًا منك يا ناهل، لكنني لا أظن أن هاني سيتقبل الأمر ببساطة.
قاطعه مُتكلمًا بصراحة، مُعبرًا عن خوفه وعدم ثقته في استسلام أظهرته ابنته وولداها بعدما سدد هدفًا ذهبيًا بشباكهما في الوقت الضائع، لكن ناهل رفع سبابته مُحذرًا وهو يقول بتوعد:
_فليفكر ذلك النذل بأن يقترب من زوجتي حتى أفصل رأسه عن جسده باللحظة ذاتها!
ثم استطرد واعيًا أنه تمادى قليلًا أمام الرجل:
_اسمعني جيدًا يا حاج فؤاد! أنت تعلم أنني أحترمك وأقدرك، ربما لن تتقبل عدائي لحفيدك لكنه باقِ حتى موتي، وأنا لن أسمح له بأن يتسلل مثل الضبع إلى حياتي مرة أخرى، لقد جربت عضته من قبل وحتى الآن لايزال ألمها يتردد في جنباتي.
_اطمئن يا ناهل! أنا أيضًا لن أدعه يقترب منها، وهذا هو سبب تقبل رفضك حاليًا للإقامة معنا في البيت، لكن لو أمعنت التفكير..
سكت الحاج فؤاد بتعمد التقط ناهل هدفه سريعًا، فقال مُشددًا:
_سيبقى رفضي قائمًا يا حاج فؤاد، ستعيش زوجتي ببيتي أنا لا ببيت عائلتها.
أطرق برأسه وهو يدرك وأد محاولته في مهدها، ثم غمغم مُستسلمًا:
_كما تشاء يا بني.
وبعد ثوانِ رَفَع رأسه مُبتسمًا، فاتحًا ذراعيه في ترحيب فاتسعت فتحة عبائته، وبصدق خاطبه قائلًا:
_مبارك يا ناهل! أخيرًا مبارك!
"إذن باتت أكثر فتيات العائلة إثارة للملل عروسًا بآخر الأمر!"
التفتت إيلاف لشقيقها الذي كان ينظر لها في فرحة عارمة فتركتها السيدة إكرام بابتسامة مُشجعة وانطلقت لجيرانها، مطت إيلاف شفتيها وعلَّقَت بلا اكتراث:
_تتحدث وكأنها أول مرة!
في خفة لكزها بذراعها وقال:
_بالنسبة لي هي كذلك.
راحت عيناها في تأمل تجوب الحضور الذين لا تعرف غالبيتهم، لكن يبدو أنهم من سكان الحي.. الحي الذي ستنتمي هي إليه بدءً من هذه الليلة!
_إذن بأي حجة اعتذرت عمتك عزة عن الحضور؟
سألته في فضول فابتسم بمكر وأجابها بصوت خفيض:
_ بل لقد حذرها جدك أن تفعل ، ولأكون أكثر وضوحًا فقد سمعته يهتف بها أن في حال ظهور أي فرد من أسرتها سوف يقوم بإهانته أمام سكان الحي الشعبي الذي تزدريه!
اختلست النظر إلى جدها الذي انخرط في حديث جاد مع ناهل والحاج بيومي ففاض اللوم من عينيها دون رادع..
ولكم تمنت لو هرولت إليه الآن لتختبئ تحت عبائته كما اعتادت أن تفعل كلما شعرت بضيق حياتها.. فتجد فوق صدره مُتسعًا رحبًا لا يهدد أحد بمشاركتها إياه!
_إيلاف!
أجفلت وهي تعود للؤي الذي تابع في حنان:
_أنتِ على وشك بدء حياة جديدة كُليًّا، فلتنسي ما حدث سابقًا! ولتلقي الأذى الذي تعرضتِ له خارج تفكيركِ! وأظنه أفضل من يساعدكِ.
بآخر عبارته كان يشير برأسه إلى ناهل الجاهل تمامًا بحديثهما، فهزت رأسها وردَّت بأسى:
_هناك أذى لا يسهل التحكم بآثاره، تزداد إيلامًا بمرور الوقت وكلما حاولنا التغاضي عنها أثبتت مناعتها.. وشراستها!
تحرك قليلًا ليقف قبالتها حاصلًا على كل اهتمامها قبل مجال رؤيتها، ثم قال في جدية:
_لكن كلما أثبتِ أنتِ إصرارًا ستجدين نجاحًا ولو ضئيلًا، وبمرور الوقت نفسه ستُذهلين من النتيجة، وستوقنين أن الأمر يستحق المحاولة، وأنتِ يا إيلاف تستحقين المحاولة، وبكل تأكيد تستحقكِ السعادة !
تطلعت إليه وهي تبتسم في مُحبة ثم علَّقت باستخفاف مُفتعل كي لا تغلبها دمعاتها:
_هل صرت حكيمًا لأنك ستنهي دراستك الجامعية بعد أشهر؟! لا تنقصك سوى عصاة جدي وعبائته وستبدأ بالتحدث مثله!
ضحك وقرصها من خدها فحانت منها نظرة إلى ياسر الذي يتأبط ذراع والدته ويتهامسان!
_اسمع! أنا أريد الاعتذار لياسر، لقد ترددت كثيرًا منذ عودته إلى البيت، لكنني مدينة له ولا أشعر بالراحة.
قالتها بعد أن حسمت أمرها فنظر لها لؤي مُتعجبًا ثم علَّق في استخفاف:
_ياسر من؟! ذلك؟!
وأشار إلى ابن عمته مُتابعًا في سخرية:
_ستجدين أنه نسى الأمر برمته، لكنني سأفعل ما تريدين.
...
أخذت تفرك أصابع يديها معًا في ارتباك بينما ابن عمتها يحدق فيها بتساؤل، فيما كان لؤي ينقل نظراته بينهما في استمتاع!
لقد عمل على إنقاذها من قبل فتخلت عنه، ورغم أن ضميرها ظل يؤلمها منذ رحل حتى عاد فإنها لم تكن شجاعة بما يكفي لمرة واحدة كي تعبر له عن ندمها..
لقد اعتذرت لها والدتها اليوم فهدأت نقمتها قليلًا.. فلا مجال إذن لعدم اتخاذها الخطوة نفسها مع ابن عمتها.
_ياسر! أعلم أنني تأخرت طويلًا، لكن.. أنا آسفة لخذلاني إياك من قبل حينما حاولت تحذيري، آسفة لصمتي عن غضب والدي تجاهك، وآسفة أيضًا لأنني تأخرت حتى الآن لأعتذر، لا مبرر يشفع لي، وأنا حقًّا نادمة.
_لماذا لا توجد فتيات بهذا الزفاف؟!
سألها وهو يدور بنظراته في الجميع فتطلعت إليه في دهشة، لكنه أردف بنبرة تفكير عميقة:
_لو أنني أحضر حفل تخرج دفعة بالكلية الحربية لِمَا كان الحضور خشنًا بهذا الشكل!
تطلعت إليه في ارتياب فنظر لها متسائلًا في سخط:
_أين الفتيات يا إيلاف؟ ألم تُصادقي فتاة واحدة طيلة سنوات دراستكِ كي تدعينها إلى زفافكِ؟!
مال لؤي على أذنه وهمس في استهجان:
_ولو أحضرت أنا لك تلك الفتيات أستستطيع التحدث معهن؟! بل هل ستتمكن من افتتاح حوار عادي مع فتاة واحدة دون أن تفضحنا؟! ألا تخشى أن تلتقطك عينا أمك؟!
بحث ياسر تلقائيًا عن والدته ليجدها على غير عادتها مُنشغلة عن مراقبته بالحديث مع أرملة خاله، فرمى لؤي بنظرة ممتعضة قبل أن يرد في زهو:
_فلتر كيف ستسقط نصفي الآخر صريعة هواي فور أن تقع عيناها عليّ، وكيف لن تقوى على مقاومة تأثيري، يا بُني أنت لم تر الوجه الآخر لياسر البـ..
بتر عبارته الفخورة عندما أخذ لؤي يقهقه ساخرًا بلا انقطاع فدفعه عنه ثم نظر إلى إيلاف بابتسامة صافية فأدركت أنه قد سامح، وربما قد نسى بالفعل كما قال شقيقها، وأنه أيضًا لا يرغب بالتحدث في الأمر لأنه لم يعد يُثير اهتمامه.. بالضبط كما ينبغي عليها أن تفعل!
تنهدت في ارتياح، وابتسمت في ارتياح، ثم قالت مُصطنعة التبرم:
_من أين سأجلب الفتيات؟! من قد تُصادق فتاة مُثيرة للملل مثلي؟! لم يتحمل التعامل معي سواه للأسف!
بسبابتها أشارت إلى حيث وقف ناهل، لكنه هذه المرة كان ينظر لهم وكأنه استشعر أنه سيكون محور الحديث!
_أشمت به بشدة، أمست طاقة النكد كلها من نصيبه وحده.
في سخرية قال ياسر وهو ينظر لناهل بإغاظة، فعبس لؤي مُتظاهرًا بالحنق:
_شقيقتي ليست نكدة يا ياسر!
رمقه في تعجب ثم رد بمكر:
_منذ قليل كنت تتنمر معي على وجهها العابس، كفاك تملقًا!
افتعلت نظرات حانقة نقلتها بينهما فيما أخذت تستسلم لشعور دافئ يفرض نفسه على قلبها بعد طول غياب، حتى تابع ياسر مبتسمًا في تشفي:
_كان والدكِ لا ينفك يزجرني لهفوات بسيطة في العمل، ثم يبدأ بإظهار الشكر لزوجكِ أمام العمال، وينصحني بأن أقتدي به، وكان يتظاهر هو بالحرج لكنني كنت ألمح نظرات الانتصار في عينيه، الآن حان دوري!
تعالت ضحكات لؤي وهو يتطلع إلى النزق بنبرة ابن عمته، لكن إيلاف علَّقت بنبرة ذات مغزى:
_هفوات بسيطة، مثل تلك المرة حينما أمرت بتحميل السجاد على السيارة التي طلب منك جدي أن ترسلها للإصلاح فلم تفعل!
_وماذا حدث حينذاك؟
في فضول سألها لؤي فأجابته وهي تنظر لياسر بحنق:
_ذهبت أنا وناهل مع السائق لتسليمها، وبمنتصف المسافة تعطلت بنا السيارة، كنا بالشتاء وأنا أمرض سريعًا!
أشاح ياسر بإحدى كفيه وقال بلا اكتراث:
_ السيارات تتعطل يوميًا بلا سبب، كما أنكِ لم تمرضي، لقد عدتِ كالقردة إلا أن ذلك لم يمنع خالي من أن يوبخني أكثر، كفاكِ نكدًا!
لكنها رفعت حاجبيها لترد في اعتراض:
_لم أمرض لأن ناهل ابتاع لي كوبًا بالحجم الكبير من حُمص الشام.
اتسعت عيناه في ذهول حقيقي وهو يسألها بلا تصديق:
_لا تقولي أنكِ شربتِ حمص الشام من عربة متجولة!
انتبهت إلى التعبير المُستنكر في مُبالغة شديدة، لتتذكر رفضه القاطع تناول أية أطعمة أو مشروبات خارج البيت إلا بالمطاعم الفخمة المضمونة على حد قوله، فاتسعت ابتسامتها وواصلت قاصدة مُشاكسته:
_نعم، شربت الكوب بأكمله، وكان ساخنًا، لذيذًا، حارًّا بشدة كما أحب و..
بترت عبارتها فور أن اقتحم صوته ذهنها مرة أخرى، مُحملًا بذكرى تتعلق باليوم ذاته..
لطالما اعتادت أن تمر بعينيها على نهر النيل مرورًا عابرًا إن ساقها القدر لرؤيته أو السير فوق أحد جسوره..
إلا ذلك اليوم.. فقد تأملته لأول مرة في إمعان!
"ماذا بك؟"
سألته سؤالًا مُهتمًا حالما لاحظت تحوله المُفاجئ بعد أن تفادت حفرة صغيرة، كان يحدثها عن والدته ثم بدأت نظرته لها هي تتغير بشكل لم تفسره..
صمت دون أسباب؛
توتر دون أسباب؛
وحينما سألته عمَّا ألمَّ به.. أجاب:
"ظمآن!"
_وماذا؟
انتبهت لصوت شقيقها ثانية، لكن عينيها بحثت عن زوجها دون تفكير لتجده لا يزال مع جدها ووالد صديقه، وفي ارتباك اكتنفه حنين لا دافع له قالت في خفوت:
_على ضِفَّة النهر انتظرنا لبرهة حتى تم إصلاح السيارة ثم تابعنا طريقنا.
_أرأيتِ؟ لم يتسبب نسياني بحرب عالمية ثالثة مثلًا، كما قلت كفاكِ نكدًا!
هذه المرة لم تستجب لمزاحه، لأن بسمة طفيفة احتلت ثغرها وهي ترحل بإرادتها إلى تفاصيل ذلك اليوم..
ولدهشتها أدركت أنها لم تنس كلمة واحدة من حواره معها آنذاك، رغم مرور سبعة أعوام!
"أعتذر يا غفران لم أستطع الحضور، فخاطبي وعائلته سيزوروننا غدًا وقد انشغلت مع أمي بترتيب البيت منذ الأمس."
بغيظ تركت غفران هاتفها دون أن ترد على كلمات صديقتها وهي تلعن ثقل ظلها، فمنذ أيام وهي تمتنع عن إجابة اتصالاتها أو رسائلها حتى تعتذر عن تلك الدعابة السخيفة التي ألقتها في هيئة تهديدات متوارية بين حروف رسالة سلبتها النوم لليلتين متواليتين قبل أن يعود السلام لمجرى نهرها.
اكتفت سدن بإثارة الذعر بقلبها ولم تُكرر فعلتها الحمقاء، وتوعدت غفران بأن تُقاطعها وتتجاهلها حتى تدرك سخافتها.
والآن ها هي تتظاهر بالاعتذار عن حضور حفل زفاف إيلاف حتى تتصل بها وترجوها، لكنها ستواصل إهمالها حتى تلتقي بها فتجذب خصلات شعرها أو ربما تلكزها بعنف عقابًا لها على إرعابها.
ورغم توترها حانت منها نظرة إلى إيلاف التي يبدو عليها الاضطراب، فابتسمت تلقائيًا وهي تدرك أن والدتها قد وجهت لها بعض الاهتمام فزينتها لتظهر في صورة تليق بعروس.
تقدمت منها بتردد، وعندما أصبحت أمامها مدت يدها تُصافحها، وقبل أن تبادلها إيلاف المصافحة جذبتها غفران بين ذراعيها تعتصر ظهرها دون أن تشعر..
"مبارك يا حبيبتي!"
لم تحسب كم همست بها في أذنها، فهي عنتها في كل مرة، ولم تر الابتسامة المشتاقة التي احتلت وجه إيلاف قبل أن تترقرق عيناها بالدموع.
تراجعت غفران للخلف ببطء وهي تبتسم وتمحو دمعاتها أيضًا، تستوعب أن البيت سيخلو الليلة من وجود شقيقتها قبل أن تقضيان ليالِ مليئة بالرقص، أو بالثرثرة، أو بمشاهدة التلفاز سويًا!
استندت على السور واختلست نظراتها إلى لين التي تحتضن طفلها بشدة وكأنه سيهرب منها، بينما وجهها شاحب بشكل يُثير القلق.
رغبة غريبة حثتها على سؤالها عمَّا بها، أو.. طمأنتها دون أن تعرف تفاصيل، لكنها تجاهلتها!
انتبهت إلى اهتزاز هاتفها في يدها فتسارعت دقات قلبها وهي تفتحه بسرعة لتفغر فاها أمام الرسالة الجديدة:
"أعلم أنكِ منشغلة بزفاف شقيقتكِ، مبارك لها والعقبى لكِ!"
وبالأعلى ظهرت عبارة: "يكتب الآن..." وكأنها تسحب منها أنفاسها، تلك الأنفاس التي توقفت حينما ظهرت الرسالة التالية:
"لكن لا تنسي إتفاقنا!"
وانتهت الرسائل؛
ثم عادت أنفاسها بالتدريج؛
وأخذ عقلها يعمل بسرعة..
_طفح الكيل يا سدن! هناك حدودًا للمزاح بكل تأكيد، وقد تجاوزتِها كثيرًا!
تمتمت بها من بين أسنانها بغضب، ثم برقت عيناها وهي تدرك حقيقة الأمر..
لماذا ظنت أن سدن تمزح معها؟!
لقد خبرتها كثيرًا أنها تحتاج للمال حتى تنتهي من إعدادات زواجها، عبرت عن خوفها من خاطبها وأهله بعدما أدركت غلو ما عليها ابتياعه..
شحب وجهها وقد فهمت ما يحدث حقًا، صديقتها الوحيدة لا تتسلى على حسابها..؛
بل هي بالفعل تقوم بابتزازها!
اهتزت عيناها وهي تتنقل بين الحضور دون أن تعيهم، ثم توقفت عند جدها الذي كان بالفعل يتطلع إليها في قلق..
أتخبره؟ لا!
لا تستطيع تصور الطريقة التي سيقترحها للسيطرة على تلك المُصيبة!
نزعت نظراتها عنه لتحط على والدتها التي تهربت منها في خزي..
أتخبرها؟ لا!
ستخذلها كما فعلت من قبل!
عمتها.. ياسر.. لؤي.. لا! لا! لا!
ستخجل، ستخاف.. ولن تتحمل نظراتهم اللائمة أو الحَرِجة تجاهها..
ممن عليها أن تطلب المساعدة إذن؟!
"ومن أخبركِ بهذا؟"
هتفت علا بسؤالها وهي تضع طبقًا مليئًا بالفاكهة على الطاولة الأنيقة في صالة الاستقبال بشقة أخيها، فتناولت سهام منه ثم أجابتها بلا اكتراث:
_إنها المرأة المخبولة زوجة الحاج بيومي نشرت الخبر في الحي بأكمله منذ أيام وكأنه زفاف ابنها، كما أنني رأيت المصابيح المُعلَّقة في طريقي إليكِ رغم أنه ليس إلا حفل أشبه بجلسة عائلية فوق سطح البناية!
_وكيف سيتزوج؟
نظرت لها سهام بتساؤل فأجابت موضحة:
_لقد ظننت أنه سيلتهي بلملمة نتائج معرفة عروسه بأنه لم يكن يريد الزواج بها فتطلب الطلاق وينشغل عني، والآن تخبريني أنه سيُتمم زواجه بالفعل؟!
مطت سهام شفتيها دون رد، فعقدت علا حاجبيها وهي تتمتم في حيرة:
_وكيف سيعيش دون وظيفة؟ وأين سيعيش؟
_لا أعلم بشأن الوظيفة، ربما ستتولى عائلتها الإنفاق عليهما، وربما سيعيش بالشقة التي تخليتِ أنتِ عنها له بالكثير من الحماقة أو يبيعها ثم ينتقل إلى بيت عائلتها.
تأففت علا وهي تلتقط بعضًا من الفاكهة بالمثل ثم هتفت في نزق:
_لقد اضطررت لذلك فلا تُعيدي توبيخي! يكفيني أن احتفظت بالمحل، فالشقة بالطابق الأرضي، خربة وتسكنها الضوضاء طيلة الوقت، كما أنها تحتاج لكثير من الإصلاحات على أي حال.
منحتها سهام نظرة ماكرة ثم علَّقت:
_لكن بإمكانكِ أن تُطالبي بحقكِ فيها، فليبيعها لكِ وتتخلصان من هذه القسمة!
عوجت علا شفتيها ثم قالت في تهكم وهي تُشير بكفها إلى ما حولها:
_لا تغرنكِ هذه الشقة الواسعة! فلولا رفضي كل عروض الزواج التي انهالت عليّ قبل أن أبلغ العشرين من أجل هارون لما استطاع هو أن يواصل تعليمه ويؤسس عملًا مماثلًا، كما أنه قرر افتتاح فرع آخر للمكتب، لِذا لا أنا ولا هو نملك من المال ما يكفي لشـ..
_ليشتريها هو!
قاطعتها سهام وهي تحدق بها بابتسامة ، وعندما بان الاهتمام على وجهها تابعت:
_ربما تركت له والدته مالًا دون علمك، وإلا كيف سيُقدِم على خطوة ضخمة كهذه؟! الفتاة من عائلة ذي أصل ريفي لكنهم أثرياء، كما أنني..
بترت عبارتها عن عمد لتجذبها إلى التوسل كي تتابع، وهو ما حدث حين قفز الفضول من عيني علا وهي تستحثها:
_تابعي!
أزاحت سهام الطبق جانبًا لتوليها كامل اهتمامها، وبصوت أكثر انخفاضًا رغم أنه لا أحد معهما قالت:
_سمعت بعض الأقوال في الحي عن سر عقد قرانه على فتاة من عائلة بمستوى مادي مختلف عنه تمامًا.
هزت علا كتفيها بلا تعبير ثم علَّقت ببساطة:
_لقد عمل بمصنع جدها لسنوات، وهم يثقون به كثيرًا.
تبسمت سهام في سخرية ثم تحدثت بنبرة تتقاطر منها الشماتة:
_نعم، لكن هناك شيئًا آخر علمت بشأنه، فهو ليس بالزوج الأول لها، لقد عُقِد قرانها على ابن عمتها الذي يعيش معها في نفس البيت، لكن تم الطلاق بينهما قبل الدخول، ثم تناثرت الأخبار هنا وهناك.
_أية أخبار؟
اتسعت الابتسامة أكثر وأكثر وهي تُجيبها:
_قال ابن عمتها أنه أتم زواجه بها بالفعل تحت سقف بيت العائلة، وأنه صار لا يثق بها لذا قام بتطليقها رغم توسلاتها ووالدتها.
فغرت علا شفتيها ثم ندت عنها شهقة وهي تضع كفها على فمها قبل أن تقول بذهول:
_يا إلهي! وكيف لم يعلم ذلك المعتوه بالأمر ورضى بأن يتزوجها؟!
غطت سهام فمها بكفها وهي تطلق ضحكة عالية فنظرت لها بدهشة، وعندما انتهت قالت بتهكم:
_ومن أدراكِ بأنه لا يعلم؟ ألم تقولي أنكِ سمعتِ مكامة بينه وبين جدها وفهمتِ منها بأن ذلك الأخير هو من طلب منه أن يتزوجها؟! بالتأكيد قبض ثمنًا هائلًا ولهذا قام بتجديد الشقة، وبالطبع يدَّخر الكثير.
احتل الذهول ملامح علا وهي تدرك صواب ما سمعت، فإن بحثت عن احتمالات أخرى لن تجد!
فهو على علاقة بتلك العائلة منذ سنوات، لِمَ اتخذ خطوة مصاهرتها الآن بالتحديد؟!
وما الذي يحملهم على إتمام تزويج ابنتهم من شاب دون المستوى لا يملك شيئًا وذي سابقة إلا إذا لفظها من هو أفضل، أو إن كانت.. مَعيبة؟!
_يتهمني أنا بالجشع بينما هو يضع خططًا بعيدة المدى!
وارتفع رنين جرس الباب قبل أن ينفتح بعد ثوانِ، حيث اعتاد هارون أن ينبهها لوصوله قبل أن يلج بالفعل حفاظًا على خصوصيتها.
ألقى السلام بشرود تحول إلى عبوس واضح ما إن تطلع إلى سهام التي توترت تلقائيًا، وبعدما حيته علا اتجه إلى غرفته فلحقت به، وقبل أن تنطق التفت إليها متحدثًا في حنق:
_لماذا جاءت تلك المرأة إلى هنا؟ ألم أحذركِ منها؟!
تأففت ثم قالت بلا مبالاة لذلك النزق الذي سال من كلماته:
_إنها صديقتي المُقرَّبة يا هارون، لن أقطع علاقتي بها لأنك تنزعج منها بلا داع.
ومع هدوئها بوقت غير ملائم فقد هو خاصته فصاح حانقًا دون اهتمام بسماع الضيفة خارجًا:
_بئس الصديقة التي توافقكِ على كل ما تفعلين! اسمعي يا علا! هذا بيتكِ، وأنا شقيقكِ وسأفعل كل ما بوسعي كي أجعلكِ راضية، لكنني لا أسمح أن تطأ قدما تلك المرأة بيتي مرة ثانية.
حدَّقت به بدهشة مُدركة مدى غضبه الذي انفلت، لكنها لم تتردد وهي تصيح بالمثل:
_ألست أنت من أصررت علىّ حتى أترك شقتي كي أعيش معك؟ ستبدأ الآن بمعايرتي لأنني أعيش ببيتك؟ أنسيت أن لولا حرصي على تعليمك لم تكن لتصل إلى هذه المرتبة؟!
تيبست ملامحه بلحظة ثم افترت شفتاه عن ابتسامة ثلجية، قاسية، بارعة في إخفاء الألم؛
يتسلل إليه شعور بالدونية، تستوطن بداخله كل مفاهيم الشحاذة؛
تتمثل بذهنه صورة مُثيرة للشفقة لصبي صغير فقد والديه فحملت شقيقته مسؤوليته رغمًا عنها؛
تُدَلِله بكلمات زاجرة؛
تُربِّت عليه بالنظرات القاسية؛
لا تدع يومًا يمر إلا وأمعنت في تذكيره بإحسانها عليه..:
"لقد أفنيت شبابي من أجلك."
"لقد تخليت عن سعادتي حتى أهتم بك."
"لو كانت لديك شقيقة أخرى بدلًا مني لِمَا أدارت ظهرها لحياتها حتى تحيا أنت."
دومًا هي مُضَحية ودومًا هو شاكر، مُمتن، يتمنى لو يمتلك عصا سحرية تُبدد شعوره بالقهر.
_أتدرين يا علا؟! أتمنى لو تركتِني ورحلتِ مُتشبثة بأول فرصة سنحت لكِ!
أدركت زلتها بعد فوات الأوان، لكنها لم تحاول التظاهر بالأسف، فواصل هو مبتسمًا بلا فرح:
_أعلم جيدًا أن لولا تضحيتكِ بكل العروض الرائعة ربما لما استطعت أنا مواصلة دراستي ولِما حصلت على وظيفة مناسبة.
وتلاشت الابتسامة فورًا وهو يقول من بين أسنانه بقوة:
_لكنكِ تتناسين أنني حاولت رد الجميل وحذرتكِ من الزواج بمن يكبركِ كثيرًا، حذرتكِ من تخريب حياة أسرة أخرى، وأنذرتكِ من مُعاداة رجل لم يعد يملك الكثير بفضلِك.
عبست وهمَّت بالتحدث فعاجلها مُشددًا:
_ربما كنتِ تستغلين عجز زوجكِ فتُعيرينه بين الحين والآخر بأنكِ لم ترحلي عنه حينما بات لا يستطيع القيام بأكثر أموره بساطة، فلزم هو الصمت مُضطرًا، لكن لا تتوقعي مني أن أفعل المثل يا علا لأنكِ لا تُقدمين شيئًا دون مقابل، هيا لنتحاسب إذن!
ارتبكت نظراتها وبحثت عن رد فلم ينتظر، وأردف بقسوة:
_إن كنتِ تُدينيني بفوات فرص زواج مناسبة فأنا أفنيت سنوات صباي في إظهار الشكر والاعتذار، أخبريني هل أنفقتِ جُنيهًا واحدًا ولم أسدده يا علا؟ هل رفضت أي من طلباتكِ المُبالغ بها؟ هل شعرتِ مني تقصيرًا ماديًّا عند زواجكِ _رغم رفضي إياه_؟
ازدردت لعابها وتهرَّبت عيناها منه، فأضاف مُتسائلًا بخفوت:
_وبالمقابل ماذا فعلتِ أنتِ؟
ثم حلَّت الحسرة على كلماته التالية فدفعها بعنف:
_أتتذكرين لينة _رحمها الله_ أم أنكِ تناسيتِها وتناسيتِ أفعالكِ اللئيمة معها؟ هل يؤنبكِ ضميركِ لأذيتكِ إياها بآخر أيامها؟ هل ترينها في أحلامكِ تُلقي عليكِ لومًا تستحقينه تمام الاستحقاق؟
شحب وجهها ودارت عيناها بعيدًا عنه بعد أن فاجأها على حين غرة دون استعدادها للمقاومة أو لخلق تبريرات، وانتظر هو منها أي تبريرات.. فلم يجد!
_تُنقبين دومًا بكل جهودكِ عن نقائص الغير لتُسلطين عليها عدسة مُكبرة، تتفاخرين بعطائكِ، تمتعضين من احتياج البعض إليكِ، وتُظهرين شماتة بزلاتهم بينما أنتِ أكثرنا عيوبًا وإثارة للاشمئزاز!
صفعتها الكلمات فارتدت للخلف ورجفة قلبها تتحكم بشؤون جسدها؛
مرأى الازدراء بعيني شقيقها الوحيد وداعمها الأخير يُهدد بأمنها؛
هو الجسر الذي تختبئ أسفله إن حاول ابن زوجها الراحل الانتقام منها يومًا؛
هو حائط الصد الذي يحجب عنها أذية شاب ربما تعلم فنون الإجرام بعد أن دفعت رسوم الشهادة بنفسها؛
هو هارون، ربما يصغرها بستة أعوام، لكنه السند والعائلة، ولا تستطيع التنبؤ بما سيحل بها إن ضجر ورحل!
ويبدو أنه في هذه اللحظة عينها أدرك ما يمثله له، فعاد إليه الوجوم قبل أن يُلقي بأمره الصارم:
_اخرجي يا علا! وصديقتكِ لو ظهرت ببيتي مُجددًا سأتهمها بأنها جاءت لتسرقه!
**
أخذت تروح جيئة وذهابًا بغرفتها وهي تتوقف كل بضع ثوان لترهف السمع في انتظار دخوله، رحلت والدتها وعمتها بعدما تركتا طعامًا يكفي عشرة أشخاص يتضورون جوعًا على المائدة، بينما هي الآن تشعر بأن معدتها لن تتحمل شربة ماء..
فاختفائه يزيد توترها؛
غيابه يؤجج خوفها؛
وما يثير دهشتها أنه لم يفعلها مطلقًا، فمواعيده دقيقة لدرجة خانقة، حتى أنها كانت ترتعب إن تأخرت خمس دقائق على موعدها بالمصنع، خوفًا منه لا من والدها أو جدها!
مرت أمام المرآة البسيطة المعلقة فوق خزانة صغيرة وتطلعت لهيئتها، لقد برعت والدتها اليوم في إظهار بعض من جمال لم تكن تدرك بوجوده في ملامحها بأقل الخطوات، وها هي الآن بعدما توضأت وأنهت صلاتها أعادت تطبيقها بنفسها كعروس بليلة زفافها رغم عدم تحملها وضع تلك المُستحضرات .
ورغم اختلاف نتيجة زينتها عن تلك التي رسمتها والدتها قبل الحفل فإنها سعيدة بما صنعت بيديها.
التفتت وهي تستدير بجسدها نصف استدارة تتطلع بعدم رضا إلى ملامحها العادية..
لماذا هي فقط من بين أختيها من لا تمتلك حُسنًا باهرًا؟!
لين جمالها رقيق أخاذ؛
غفران جمالها غجري خلاب؛
أما هي ملامحها عادية.. مملة كشخصها!
ربما لو..
خلعت مشبك الشعر الذي ثبتته كي لا تنسدل غرتها الناعمة على عينيها وصدغها، والتي تعطي وجهها اختلافًا ملحوظًا، وافتعلت اكتساب بعض الثقة..
واللعنة أين اختفى عريسها المنكوب؟!
اتسعت عيناها بانتباه ثم قفزت في الفراش ترفع الغطاء حتى رأسها، لتتظاهر بالنوم رهانًا على أنه يملك القليل من لباقة تحثه على عدم إيقاظها!
وبالثانية التالية أزاحت الغطاء في استهجان وهي تنعت نفسها بالغباء، أي لباقة تلك التي تمنع رجل عن عروسه بليلة زفافهما؟!
ومنذ متى يجتمع ناهل مع اللباقة بعبارة واحدة؟!
لتواجهه وتتوقف عن الهرب!
أمن المقبول أن تخرج هي لتستطلع ماذا يفعل؟
أم أنه سيعتقدها وقحة تضمر له نوايا أكثر وقاحة؟!
لكنها تكاد تموت فضولًا حتى ترى ردة فعله وهو يراها للمرة الأولى دون حجاب، خاصًة مع الغُرة، وطلاء شفتيها الذهبي الذي ربما سيجذب انتباهه!
نهرت نفسها لأفكارها المُتناقضة مع نواياها، ثم أعادت على لسانها ما ستقوله له..:
"أنت لن تقترب مني الليلة."
"أنا لا أراك سوى ناهل الموظف بمصنع جدي، لم أتقبلك كزوج بعد."
"سأسمح لك بدخول الغرفة بشرط ألا تتجاوز حدودك معي."
ابتسمت بارتجاف وأومأت برأسها في استحسان، لملمت شتات نفسها واستنشقت بعمق ثم خرجت..
قابلها الصمت المطبق في الصالة فعقدت حاجبيها وهي تلحظ الضوء المتسلل من أسفل الغرفة المقابلة.
تقدمت ببطء ثم طرقت الباب فسمعت أمره الجاف بالدخول، وعندما فتحت تسمرت مكانها وهي تراه جالسًا بمنتصف الفراش يرتدي بنطالًا بيتيًا قصيرًا وقميصًا داخليًا رمادي اللون، تحيط به الأوراق المبعثرة في إهمال بينما يُدير قلمًا بين إصبعيه ويثبت آخر خلف أذنه!
"ماذا تفعل؟!"
بذهول ألقت سؤالها ناسية كل التحذيرات التي جاءت كي تثبت قوتها بها، لكنه لم يرفع رأسه عن أوراقه وهو يُجيبها شاردًا:
_أتأكد من دراسة جدوى المشروع، ماذا تريدين أنتِ؟
ماذا تريد؟!
هل هو معتوه؟!
أشارت بسبابتها إلى الخلف وأجابته في حيرة:
_لقد.. لقد كنت أنتظرك بالغرفة الأخرى فلم تأتِ.
واستمرارًا في تجاهلها لم يُعلق فورًا، إنما تلكأ لِثوانِ قبل أن يتمتم:
_أعلم أنني لم آتِ، ولم أفهم بعد ماذا تريدين.
_أنا.. ظننت أن...
رفع رأسه إليها أخيرًا لتتسع عيناه بدهشة فتسارعت دقات قلبها بقوة وسكتت، وقف واتجه إليها يحدق بها مليًا فتوردت وجنتاها، لكن عندما أصبح أمامها عقد حاجبيه ثم خَلَّل لحيته بأصابعه وسأل باقتضاب:
_ماذا فعلتِ بنفسكِ؟
أخفضت رأسها أرضًا بِحرج ثم ردَّت في رقة:
_لقد تعلمت بعض خطوات التزين بأدوات التجميل.
_لا تتجني على التزين يا إيلاف! هذا الذي يتصدر وجهكِ ما هو إلا طلاء حوائط كانت الراقصات تستعملنه في الموالد الشعبية قديمًا نظرًا لغلاء أدوات الزينة!
ارتفع رأسها بِحدة تتطلع إليه في عداء، فلم يهتم وواصل مُتهكمًا:
_اغسلي وجهكِ ولا تعبثي به مرة أخرى خاصًة في المساء قبل أن يتجه المرء إلى النوم حتى لا تقتحم عقله الكوابيس بِفضلكِ!
ارتفع لسان نار غيظها إلى الحد الأقصى وهي تتلقى نتيجة جهدها الذي أهدره هو بعبارتين، فقررت الانتقام منه..:
_لا أظن أنك ستعيش أية كوابيس يا ناهل، لأنني أتمسك بخصوصيتي بشدة، ولِهذا أرغب في النوم بمفردي.
قالتها بانتصار ليعقد حاجبيه مُتسائلًا، فتابعت بابتسامة صفراء:
_الغرفة الأخرى باتت تخصني وحدي، فلتنم أنت هنا!
انتظرت اعتراضًا أو غضبًا، لكنه فاجأها فابتسم مُعقبًا وهو يشير بكفيه في جميع الاتجاهات:
_وماذا تعتقدين أنني فعلت؟ أنا هنا بالفعل، أنتِ من اقتحمتِ خصوصيتي وقاطعتِ تركيزي.
فغرت شفتيها بذهول واستشاطت عيناها، فأردف باستهزاء:
_هل ظننتِ أنني قد أفكر في النوم معِكِ بغرفة واحدة؟!
ثم تابع ساخرًا:
_أفيقي يا إيلاف! أنتِ تنامين مثل فرس النهر بساعة العصر ويوقِظ صوت غطيطكِ الناس على مسافة أميال، بالطبع لن أجازف بسويعات قليلة أرتاح بها وأنا أوشِك على بدء عمل جديد!
ازدردت لعابها وعادت الحُمرة لوجنتيها بعد أن أجهز حرجها على ثباتها، فغمغمت بتقطع:
_أنت.. أنا لا أسمح لك بأن..
مال هو مُقتربًا منها فبترت كلماتها؛
بعينيها يُحملق؛ وبنظراته تغرق هي؛
بانفعالاتها يبحث عن شيء ما؛
وباختلاجاته تتعثر هي؛
كَمَن ضاعت بين شِقَّي مُعادلة.. وبحياتها ما أجادت أسهل قواعد الحساب!
_لا تُلقي بالًا! لقد سمحت أنا!
همس بها فعادت إلى رشدها، أومأت برأسها بلا معنى وتراجعت إلى الخلف فأولاها ظهره وعاد إلى أوراقه التي شابهت بعثرتها.. دقات قلبها!
ولمَّا أغلقت الباب ألقى القلم في حدة على الفراش وحرر أنفاسه التي حبس ثورتها أمامها بصعوبة وهو يرغم نفسه على كتم الصرخة التي تهدد بفضح انفعاله!
"لقد أقسمت يا ناهل! اثبت يا ناهل!"
همس بها لنفسه ثم ندت عنه صيحة حماس لا يشعر به حقيقًة مُكررًا ما لم يتوقف عن ترديده منذ دلف معها إلى الشقة مدركًا حقيقة أنها معه.. بمفردها؛
وأنها قد باتت حقًّا زوجته!
تضع طلاء شفاه عجيب مُثيرًا للشفقة؛
لكن هناك تلك الـ..غُرَّة!
لمح جزءً منها يوم أن فتحت له باب تلك الغرفة التي كانت تؤجرها بعد تركها بيت أهلها، آنذاك تمسك بالسخرية ليتجاهل رغبته المؤلمة بأن يُخبئها تحت حجابها بأصابعه.. الآن رآها كاملة.. ناعمة، ومُغوية..
لن يكفيه مسها بأنامله، بل يود لو قَبَّلَها خُصلة خصلة.. ولن يستطيع أن يفعل!
هذا لا يساعد؛ أفكاره لا تساعد؛
حتى محاولته تشتيت تأثيرها عن طريق ادعاء دراسة المشروع _والتي اخترعها لتوه_ لا تساعد!
نفض رأسه وازدرد لعابه كي يُرطب حلقه الجاف، ثم همس في قوة:
"اثبت يا ناهل!"
...
تدثرت بالغطاء وهي تحاول تفسير شعورها الذي يتقافز كبندول الساعة بين الراحة.. والدهشة!
إذن هو أيضًا لا يراها إلا إيلاف حفيدة صاحب المصنع الذي عمل به سابقًا!
"حمقاء كالعادة يا إيلاف! ماذا توقعتِ؟!"
في تهكم رددت وهي تسدل جفونها كي تذهب في رحلة غياب وعي ستسعد بها كثيرًا، لكن الصقيع الذي حاولت تجاهله بدأ يفرض وجوده على جسدها الذي لا يُبدي أية مقاومة أمام البرد..
ربما لا يزال الشتاء في بدايته بالنسبة للجميع فاليوم هو الأول من نوفمبر، لكنها _مع الأسف_ تستقبله قبل الآخرين!
والطرقات الحادة التي فاجئتها جعلتها تنتفض، ثم في تعثر استقامت، وحينما فتحت الباب في غيظ بادرها وهو يلج إلى الداخل ليضع غطاءً ثقيلًا على الفراش، الغطاء الذي رأته منذ دقائق على فراشه هو!
_تأكدي من إغلاق النافذة جيدًا حتى لا يتسرب الهواء البارد للداخل! وخذي هذا أيضًا!
قالها وهو يفرد الغطاء فوق خاصتها فسألته في تعجب:
_وأنت؟
استدار إليها مُجيبًا بلا اكتراث:
_لا أشعر بالبرد مثلكِ.
حدَّقت به في دهشة فسارع مُوضحًا في توتر وهو يتعمد عدم النظر إليها:
_أعني أن الشتاء قد بدأ يشتد عليكِ بالفعل وبالتأكيد ستمرضين كعادتكِ، ولست مستعدًا كي أهرول بمنتصف الليل مُتنقلًا بين الصيدليات لأن زوجتي صحتها ضعيفة لا تصمد أمام نسمة هواء!
تخلصت من كل دهشتها على الفور لتهتف في استياء:
_هل تُعيرني لأنني لا أتحمل البرد؟!
تجاوزها مُعلقًا في جفاء:
_بل أحذركِ فحسب!
وتركها مُتسلحًا بلقائهما الأخير قبل عقد قرانهما، مُستعيدًا ما قالت في غمرة غضبها من فعلة ابن عمتها الشنيعة، وموقنًا أن عليه الصبر حتى تتخلص من كل آثاره أولًا قبل أن يعترف لها بمشاعره الراسخة منذ سنوات..
والتي مهما كانت من القوة لن يسمح لها بهزيمة كرامته أمامها!
ولما عاد إلى غرفته ارتمى على فراشه ليتمتم في استحسان زائف:
_أبليت حسنًا! مرت ساعة ولم يتبق إلا الآلاف!
ورغم أن البؤس قد زين عبارته الثانية فقد رسم تعبيرًا مُحاربًا وهو يزمجر في شراسة:
_اثبت يا ناهل!
**
من الإجحاف أن نُنكر على الضحية انتفاضتها حينما تضيق قيود الخذلان حول أنفاسها؛
فلا مجال للدهشة عندما تُصيب ضرباتها أيًا كان، مد يدًا لإزهاق روحها.. أو لم يفعل!
...
ترجَّلت وهي تمسح بعينيها الموقف الواسع حيث تصطف الحافلات في طوابير مُنظمة بينما ينادي السائقين بأسماء المحافظات المجاورة والبعيدة أيضًا.
فقد تدبرت أمرها وسارعت بالاعتذار عن عملها اليوم لتستقل أول وسيلة مواصلات تنقلها إلى صديقتها.. أو من كانت صديقتها!
استقلت سيارة أجرة وهي تخبر السائق بالعنوان الذي زارته مرتين من قبل، بالمرة الأولى من أجل حفل خطبة سدن، وبالمرة الثانية بسبب مرض والدها.
توالت مشاهد عديدة على ذهنها منذ بداية تعرفها إليها، كيف التقيتا بالمدرسة الإعدادية ثم نشأت بينهما علاقة متينة أكثر من علاقتها بأختيها نفسيهما، وبقت على حالتها رغم انتقال سدن وأسرتها إلى إحدى المحافظات المُجاورة بعد أن انتقل والدها من عمله.
فسدن تعرف عنها ما لا تعرفه إحداهما، تعرف سرها الأكبر الذي ظل يجثم على روحها لسنوات حتى بدأ أثره في التلاشي.
فكيف لها بأن تخونها؟!
كيف تُقايض صداقتهما مقابل بعض الأوراق النقدية حتى إن كانت مضطرة بسبب زفافها؟!
ارتجفت شفتاها في علامة للوشوك على البكاء الذي لم يتوقف منذ الليلة الماضية، لكنها أرغمت نفسها على التماسك، فما أشد حاجتها للثبات أمام صديقة الأمس.. خائنة اليوم!
...
رفعت سدن الأطباق التي فرغت غالبيتها من الطعام عن المائدة، واختلست نظرة إلى حيث يجلس والدها مع خاطبها، ابتسمت بحياء وهي تلاحظ أن ذلك الأخير أيضًا كان يرمقها بترقب، وتلكأت خطواتها حتى صاح والدها وهو ينظر لها بتأنيب:
_الشاي يا سدن!
أسرعت إلى المطبخ لتنفيذ أمر والدها بينما اصطحبت والدتها حماتها إلى صالة الاستقبال وهي تهمس لها بالإنجاز.
ارتفع رنين جرس الباب فركض شقيقها الصغير يفتحه، وما لبث أن ارتفعت تهليلاته ترحابًا.. بالزائرة.
"لقد جاءت غفران يا سدن!"
صاح بها فانعقد حاجباها بلا تصديق، لكنها تيقنت مما قال عندما اتجهت إلى الباب وقابلتها..
_غفران! لماذا جئتِ؟ هل أنتِ بخير؟
انطلقت تسأل بدهشة حينما وصل صوت والدتها يتحقق من صدق ما أذاع ابنها.
لم تجبها غفران، ودخلت دون دعوة، فيما تلألأت عيناها بدمعات ضاربة بقرارها بالتماسك عرض الحائط!
_غفران! كيف حالكِ يا بنيتي؟ هل جئتِ بمفردكِ؟
ببشاشة استقبلتها والدة سدن، فابتسمت وهي تتنقل بعينيها بين الوجوه المحيطة..
_لا! جئت برفقة الألم، والخذلان، و.. عشرة آلاف من الجنيهات!
قالتها ساخرة وعيناها تلتصق في تحد مُشوب بالمرارة بانفعالات صديقتها التي غلب عليها الإغفال، ثم أغلقت تلك الأخيرة الباب لتمسك يدها وهي تقول بخفوت:
_غفران! تعالي إلى غرفتي و...
_لماذا؟!
صرخت وهي تجذب يدها بعنف اختطف انتباه والدها وخاطبها ووالدته، تلك الأخيرة كانت تقف على مقربة بالفعل تتطلع إلى فتاة على جسر يعلو نهر الانهيار، ويبدو أنها في الحال سترمي بنفسها.
_لماذا تريدين الانفراد بي؟! لقد جئت أهنئكِ بزفافكِ القريب، ألم أخبركِ كم أنا سعيدة من أجلكِ؟! ألم أقرضكِ مالًا حتى تستكملين ما ينقصكِ؟!
بهتت والدة سدن بينما غطت حماتها فمها بكفها، وولدها هو من اتجه إلى حيث تقف خطيبته شاحبة الوجه ليهتف بحنق:
_ماذا تقولين أنتِ؟ أي قرض هذا؟
نظرت له مُفتعلة دهشة لا تشعر بها حقًا، ثم سألته وهي تُشدد على كل كلمة تتفوه بها:
_ألم تخبرك خطيبتك أنها احتاجت مالًا إضافيًا لأنك ووالدتك تثقلان عليها وأسرتها فقمت أنا بإقراضها بعض مما ادخرت من راتبي؟!
انعقد لسانه لا يجد ردًّا، وتخلَّت هي عن افتعالها لتعود إلى سدن التي لاتزال تحاول استيعاب ما تفعل، واحتل الامتعاض نبرة صوتها وهي تواصل بلا تردد:
_ومقابل مساعدتي إياها وجدت الغدر إياي مُستقبِلًا، أتعلم ماذا فعلت خطيبتك؟
ثم رمقت والدتها لتقول بحماس رغم العبرات التي تتلاحق على وجنتيها:
_أتعلمين ماذا فعلت ابنتكِ؟
التمعت عيناها بالدموع، ومن بين شفتيها خرجت العبارات مؤلمة، مُتألمة:
_لقد كنت أرسل لها تفاصيل يومي، كنت ألتقط الصور لطعامي وشرابي، حتى الحذاء الذي أبتاعه كنت أرسل صورته لها أسألها رأيها به أولًا!
وتوقفت، فابتسمت، ثم بنبرة مريرة أردفت:
_لكنني _لحماقتي_ أرسلت لها صورًا خاصة لي، لا ينبغي لأي شخص أن يراها، وعندما تأزمت أمورها المادية قامت بابتزازي بها.
لم تأبه للانفعالات التي تعاقبت على وجهي والدي صديقتها، ولا للاستنكار الذي ترددت به أسئلة خاطبها وحماتها، إنما منحت كل اهتمامها لسدن التي وجمت ملامحها.. فاستطردت بحسرة:
_آمنتها على شرفي فخانتني، آمنتها على عِرض عائلتي فطعنتني، فهنيئًا لها!
وتلبَّست القوة نظراتها، وترأس الانتقام صوتها، ثم بتوعد همست وهي تقترب منها:
_لقد تعلمت من خطئي السابق، لن أترك حقي مُجددًا، ولن أطلب المساعدة، إن قدَّم لي أحدهم الأذى.. سأعتمد على نفسي وسأرده أضعافًا!
ثم تراجعت تنظر لها بانتصار، وأخرجت رزمة نقدية من حقيبتها لتلقيها أرضًا وهي تقول باستهزاء:
_عشرة آلاف من الجنيهات كما طلبتِ، لقد حظرت رقمكِ وذاك الرقم الذي تقومين بتهديدي عن طريقه، ولا أتمنى أن تقع عيناي عليكِ ثانية!
كم أعجبها مذاق القوة!
كم أسعدتها لذة شعورها بأخذ ثأرها!
وكم انتشت بسُكرة رد الضربة بالأشد منها تنكيلا!
راقبت تأثير استردادها حقها في التعبيرات التي انطبعت على وجوههم جميعًا، ثم ألقت التحية كحمامة وديعة، ورحلت!
**
أيقظتها الأصوات العالية التي اندفعت إلى سمعها بعنف، استغرق منها الأمر عدة ثوان حتى وعت إلى مكانها، ووضعها، وإلى كونها قد نامت حتى العصر!
بتثاقل خرجت من الفراش تبحث بقدميها بلا تركيز عن الخف المنزلي الذي تركته ليلًا، وببطء خرجت من الغرفة فازدادت الأصوات علوًا، وصلت إلى المطبخ ووقفت تتأمل ظهره بلا فهم وهو يغسل بعض الأطباق فسألته:
_ماذا تفعل؟
استدار إليها وهَمَّ بأن يُجيبها، لكنه بدلًا من ذلك تأملها بتدقيق ولاحت ابتسامة على جانب ثغره وهو يقول:
_لو تطلعتِ إلى وجهكِ بالمرآة لأقسمتِ بأنني كنت مُحقًا حينما نصحتكِ بألا تُحاولي القيام بتجربة لم تُخلقي من أجلها!
ظلت ترمقه بلا استيعاب ثم قررت تجاهله تمامًا، وإلى الحمَّام اتجهت وهي تقرر أنها ستدعي عدم رؤيته بالشقة نفسها حتى تجد حلًا لهذا الوضع المريب!
أغلقت الباب وفتحت الصنبور لتتسمر وهي تحدق في المرآة الصغيرة التي تعلو المغسلة حيث أبشع هيئة يمكن أن تكون عليها، لماذا لم تمحُ "زينتها" قبل أن تنام؟!
إن كان قد سخر منها بالأمس عندما ظنت بنفسها جميلة الجميلات فماذا يتردد في عقله الآن وهي تُنافس الباندا في السواد المحيط بعينيها إلى جانب نومها الثقيل؟!
ولماذا لا تتوقف عن الإتيان بكل الأفعال الخرقاء أمامه هو على الأخص منذ لقاءهما الأول وحتى هذه اللحظة؟!
...
"متى أعددت كل هذا؟"
سألته تلقائيًا وهي تجلس على أحد مقاعد المائدة بسرعة وتقطع رغيفًا من الخبز لأنها لتوها انتبهت إلى أنها لم تتناول شيئًا من ساعات طويلة.
_لأنني أستيقظ مبكرًا، على عكس البعض!
غضَّت النظر عن ملحوظته الأخيرة وهي تنشغل بإفطارها في جوع ملحوظ..
_هل.. شعرتِ بالبرد ليلًا؟
سألها في نبرة نال منها بعض الرفق وبعض الـ.. توتر!
لقد استطاع النوم بعد صلاة الفجر فيما راحت تصورات عدة بعقله تتلاعب بثباته..
ماذا لو أنه حاول إرسال بعض الدفء لجسدها عن طريق.. ضمها إليه مثلًا؟!
هو لا يريد إلا سلامتها بالطبع، ويظن أنها ربما لن تمانع لو..
أجابته هي لتقطع أفكاره وتخنقها في براءة:
_لا، بالعكس، لولا الغطاء الذي منحتني إياه لربما كنت مرضت بالفعل، لكنه قام بتدفئتي جيدًا.
نظر لها في امتعاض فلم تلحظه، وبعد دقائق سألته بفضول:
_ماذا كنت تفعل بالليلة الماضية بين كل تلك الأوراق؟
_لقد أخبرتك أنها دراسة جدوى للمحل.
نظرت إليه تقول بدهشة:
_أي محل؟ أليس قائمًا بالفعل؟
_لا، لقد باعه أبي.
إجابته المُقتضبة ضاعفت من ذهولها، فألقت اللقمة بلا شعور وهي تهتف باستنكار:
_ماذا؟! باع محل والدتك؟!! لماذا؟ ولمن؟ وكيف فعلها؟ وكيف سمحت أنت له؟! كيف قمت بالتفريط به يا ناهل؟!
تظاهر باهتمامه بطعامه وهو يرد بلا مبالاة أدركت بسهولة أنها ليست حقيقية:
_لا أعلم السبب، لكنه باعه لزوجته، أما عن الكيفية فلا أدري، كنت مسجونًا حينئٍذ ولم أستطع منعه، وعندما خرجت كان قد تُوفي فلم تسنح لي الفرصة كي أسأله!
غُصة مؤلمة اكتنفتها فعاد إليها الشعور بالهَم قويًا قاتلًا، هي تعلم تمامًا قيمة ذاك المحل عنده، كان _طوال سنوات نشأته_ يعتمد عليه في تأمين مُتطلبات والدته وعلاجها بعدما ألقاها والده عن كاهله دون تأنيب ضمير.
ثم شيئًا فشيئًا صار هو الإرث والذكرى، صار هو كل ما يملكه بعدما رحلت والدته التي كان يحبها أكثر من نفسه، والأهم أنه كان بمثابة الأرض التي يناور المحتل ويتخابث حتى يسرقها..
وقد نجح المحتل، واستغلت زوجة والده غيابه وحققت مسعاها بالتأكيد في استسلام تام من والده كالعادة.
الآن تستطيع فهم حقيقة شعوره؛
لطالما تقبل الظلم وهو يحاول التظاهر بأنه ند قوي، لكنه سُلِب ما كان يستميت للدفاع عنه وما عاد يجد من يُلقي عليه اللوم أو يحصل على حقه بإبداء الاعتراض.
_لم تتوفر لي الفرصة لتعزيتك، البقاء لله.
قالتها بحنان دومًا ما يسيطر عليها كلما تطرق إلى أي شيء يتعلق بوالده أو والدته، أومأ برأسه بلا تعبير وازداد عبوسه وهو يحافظ على نظراته بعيدًا، فافتعلت بعض الحماس وهي تسأله:
_إذن عن أي محل تتحدث؟
_إنه مخزن الحاج بيومي، قمت بتجديده وسأحوله إلى محل للعصائر، ولترني كيف ستصمد ضدي!
والتوعد الذي عبرت عنه عبارته الأخيرة لم يجذب انتباهها الذي تركز كله في سؤالها الساخر:
_وكيف حصلت على المال لتشتري المحل؟ هل عثرت على كنز في الزنزانة أم..
بترت جُملتها وولَّت السخرية سريعًا ليحتل الإدراك مُتبعًا بالذهول ملامحها وهي تهمس:
_يا إلهي! أهذا هو الثمن؟
ببطء ترك الخبز جانبًا، ثم نظر إليها بوجوم وسألها:
_أي ثمن يا إيلاف؟
ارتجفت شفتاها وعقدت حاجبيها وهي تردد دون تريث:
_ثمن زواجك بي.
وكأنها انتقلت إلى مكان آخر تابعت وقد بزغت في ذهنها الإجابة التي بحثت عنها كثيرًا:
_نعم، الآن يستقيم الأمر، أنت تحتاج المال بعدما تركت المصنع، وأنا أحتاج الستر بعدما فضحني ابن عمتي، هذا مقابل ذاك! لقد حل جدي المشكلة ببساطة بعد مساعدة الموظف المثالي!
لم يرف له جفن، ولم يبد أنه قد سمع حديثها في الأصل، فالتفتت إليه لتسأله بشفتين مرتجفتين:
_أيستحق الأمر؟
ولمَّا ظل على نفس الحال من تجاهلها ارتفعت نبرتها أكثر وهي تعمد إلى إثارة استفزازه كي يُقر بما أدركته وحدها:
_قل الصدق يا ناهل! أيستحق محلك الجديد أن تضحي بسمعتك كرجـل.
_اسكتي!
قاطعها هاتفًا بغضب لم تره عليه من قبل فهبَّت واقفة، ليتابع بنفس النبرة:
_ادخلي غرفتكِ ولا تجعليني أراكِ اليوم، من أجل صالحكِ أنتِ!
ثم انتفض ليصيح وهو يُكور قبضتيه بقوة:
_أتعلمين؟! أنا سأرحل، صدقًا سأرتكب جريمة إن مكثت معكِ بالمكان ذاته.
بقت تحدق به بوجل حتى وقف لدى الباب ليستدير إليها قائلًا:
_بالأمس نسيت أن أقول شيئًا.
ثم تمتم مُتهكمًا:
_يا لسخرية المُصادفة!
ورغم حالة الاضطراب والنقمة والغضب التي تعانيها في هذه اللحظة فإنها سألته صائحة:
_ماذا تعني؟
لم يُجبها من فوره، إنما فتح فاه وأغلقه مرتين، ثم غمغم بصوت مسموع غلفته السخرية:
_ذكرى سنوية سعيدة!
وقبل أن تسأله عما يقصد فتح الباب وخرج ثم أغلقه بعنف، رحل ليتركها تتخبط، تتساءل، تعصر ذهنها.. ولا إجابات مُقنعة!
**
عاد ياسر إلى غرفته بعد أن انتهى من تناول إفطاره، إفطار كانت النظرات تتراشق خلاله كالرماح الحارقة!
فبينما بدا جده مرتاحًا للمرة الأولى منذ فترة ليست بالقصيرة بعد أن تم إعلان زواج إيلاف ورحلت إلى بيت زوجها لم يظهر هاني منذ أيام وصارت خالته عزة على وشك الإصابة بنوبة قلبية وهي لم تستوعب أن ابنة شقيقها الراحل قد أفلتت كفرخ مسكين قبل أن يُذبح بثوان.
في الواقع لم يفاجئه الأمر، بل إنه يشعر بالحرج من الاعتراف بأن بعض الشماتة تنتابه لحالتها هي وابنها!
أما عمرو قد استعاد هدوءه، وسيطرته على نفسه، بل أنه هنأ جده لزواج إيلاف على مائدة الإفطار مُعبرًا عن أنه تمنى لو استطاع الحضور بنفسه!
تنهد في تعجب تخلص منه سريعًا وهو يفتح خزانته بكسل لينتقي ملابسه مُتجاهلًا أنه قد تأخر كثيرًا بالفعل عن موعد عمله، ثم تردد وآثر الاستمتاع بعطلة لليوم فقط، وابتسم وهو يتخذ قراره بالذهاب إلى مكانه السري المُفضَّل، ربما يتنعم بالمزيد من الـسلام!
لكن رنين هاتفه جعله يتأفف في ضجر وهو يخمن أن هناك مشكلة تافهة للغاية تستدعي ذهابه إلى المصنع على وجه السرعة.
وما كاد يرد على مدير العمال حتى اتسعت عيناه بدهشة وهو يسمعه يهتف بتوتر:
_سيد ياسر! هناك لجنة من مصلحة الضرائب ستقوم بإجراء فحص بداخل المصنع.
دب الهلع قلبه وهو يصرخ فيه طلبًا للتأكد مما سمع:
_ماذا تقول أنت؟!
والرجل كرر ما قال بصبر، ثم أضاف في حنق:
_يبدو أن أحدهم قد قام بتقديم بلاغ ضدنا يتهمنا فيه بالتهرب الضريبي!
*****نهاية الفصل الثامن*****