رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل السابع 7 بقلم سعاد محمد
الفصل السابع
(فِخاخ)
مُترنحًا، مُقهقهًا بلا سبب دخل إلى غرفة الفندق حيث يقيم منذ مدة لا يحسبها ولم يهتم بأن يفعل، نسى أن يغلق الباب فلحق به أسامة الذي أخذ يراقبه وهو يسير بخطوات متعثرة لا تتبع أي نظام.
ألقى عماد بجسده الثقيل على الفراش فيما استقرت قدماه على الأرض فاردًا ذراعيه إلى جانبيه.
يحملق في السقف، يبتسم، ثم يعبس، يهمس بكلمات لا معنى لها ولا رابط يجمع بينها، يغمض عينيه ثم يفتحهما بلا وعي.
بتمهل اقترب أسامة منه، حطت نظراته عليه من علو ليراقب الابتسامة تعود إليه قبل أن يرفع ساقيه على الفراش وهو يقول بصوت ثقيل وبكلمات ممطوطة:
_إن ميندي تلك لرائعة، أشعر معها وكأنني أحلق عاليًا.
ثم أردف ضاحكا وهو يحرك ذراعيه إلى أعلى وأسفل:
_بل أنا بالفعل أحلق عاليًا!
أخرج أسامة علبة التبغ خاصته، وتناول سيجارة ليشعلها دون أن تحيد عيناه عنه، نفث الدخان ببطء شديد ثم ابتسم مُعلقًا:
_لقد أخبرتك أنك ستستمتع بهذه الرحلة، ووعدتك بوجوه أخرى للحياة لم تسنح لك الفرصة للتعرف إليها.
إيماءة ضعيفة عبر بها عماد عن موافقته وهو يُعلق بنبرة هي للخدر أقرب:
_أنت محق، لقد أهدرت أكثر من عامين غارقًا في الملل والرتابة والشجارات التي لا تنتهي، أغفلت المتعة الحقيقية وهرولت خلف قيود زوجة وبيت والتزامات لا طائل منها.
وتراجع للخلف بصعوبة كي يحصل على وضع مريح ثم تابع:
_أشكرك لأنك ساعدتني يا أسامة، لن أنسى هذا المعروف مُطلـ...ـقًا.
والكلمة الأخيرة رافقت إسداله جفونه، مال أسامة عليه يتطلع إلى ملامحه النائمة في تفحُّص تحول بالتدريج إلى.. حقد!
والدخان الذي زفره في وجهه عن عمد كم تمنى أن يستنشقه وهو نائم فيكتم أنفاسه بيديه حتى يزهق روحه ليرتاح إلى الأبد من التهديد الذي يمثله له!
_هل نمت يا عماد؟
سأله رغم يقينه بأنه لن يتلقى أية إجابة، فابتسم مجددًا ليتابع بتهكم:
_أعني.. هل نمت "كعادتك" يا عماد؟
والصور تتناوب على عقله، صور مختلفة، لمواقف مُتباينة، ما يربط بينها جميعًا هو نومه حين لا ينبغي له ألا يفعل!
لا يُشترط بالنائم أن يكون مُغمض العينين غائب عن الوعي، بل ربما يكون يقظًا، حاضرًا لكن فاقد كل أمارات المروءة!
_أتعلم متى دق قلبي لها؟ لطليقتك؟
ردد سؤاله الهامس على أذنيه فيما الطرف الآخر غارق في عالم آخر تمامًا، ارتفعت عيناه عنه ليتذوق الاسم الذي طالما ردده سرًا.. والآن تدحرج في شوق على لسانه ليُغمغم به في تلذذ:
_للين!
ابتسامة تراقصت على شفتيه والشرود يحتضن الهوس بمقلتيه مُتابعًا بحنين صادق:
_منذ فَتَحَت لي باب بيتك، آنذاك استَقبَلَتْني بتهذيب وبخجل، لم تتلاقى أعيننا لكنني أدركت أن خافقي صار تحت رحمتها!
أغمض عينيه، وانفتحت أبواب دقات قلبه مُتسارعة، ازدرد لعابه وارتعشت أنامله وهو يواصل بألم _أيضًا_ صادق:
_أتتذكر ماذا حدث حينئٍذ؟ أتتذكر تهربي المتكرر من لقاءاتنا؟ هل لاحظت رفضي القاطع الحضور إلى بيتك ومحاولاتي المُضنية لأن نجتمع بالخارج؟
وهبطت عيناه ثانية إليه، بازدراء، وبكراهية، ليهتف غاضبًا:
_وأنت _أيها الأحمق_ كنت شديد الإصرار على إلقاء الشعلة بفم الوقود غاضَّا بصرك عن الحرائق التي ستندلع.
ثم ترقرقت عيناه وهو يدق بقبضته على صدره ليواصل:
_حرائق اندلعت بقلبي منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة لا أجد منها راحًة، ولن يُطفئها سوى امتلاكي إياها.
ثم مال قريبًا منه واجتاح الاشمئزاز نظراته، لتخرج الكلمات من بين أسنانه لاعنة، كسكاكين يطعنه بها وهو يتمنى لو يستطيع فعلها على أرض الواقع:
_كنت تعلم أنني أكن لها شعورًا، كنت تدرك أنني بها أهيم، تظاهرت بالبراءة أو بالغباء وبداخلك كنت تتفاخر لأنها زوجتك أنت.
وببطء تراجع حتى استقام، ماحيًا كل أثر للابتسام ومُؤكدًا بأقصى ما يملك من وعيد:
_ستكون لين زوجتي وحبيبتي، سيكون طُهرها هو شفاءي وعشقها هو جائزة أستحقها، أما أنت فستقضي حياتك مُتسكعًا بين أحضان النساء..
وزاده بحزم:
_لكنني لا أعدك بأن تجد اطمئنانًا، ستلاقي عذابًا يفوق ما عانيت أنا بسببك أضعافًا مُضاعفة.
لم يحاول تهدئة أنفاسه الغاضبة، أو صدره الذي يعلو ويهبط بتسارع، حتى انتبه إلى طرقات على الباب فاتجه إليه مُتوقعًا خدمة الغرف.
"ماذا هناك يا مراد؟"
بارتباك ألقى سؤاله على ابن عمه الذي بات يتحاشاه بطريقة واضحة منذ أعلن عن نيته بلا مواربة، فأجابه الأخير بقلق:
_بحثت عنكما كثيرًا بالأسفل فأخبرني أحد النُدُل بأنك اصطحبت عماد إلى غرفته بعدما شرب حتى الثمالة.
بلا اهتمام أشار إلى الداخل وهو يتقدمه قائلًا:
_لقد سقط نائمًا كالثور فور وصوله بالفعل.
توقف مراد وهو يضع حقيبته أرضًا ليتأمل عماد الراقد على الفراش لا ينتبه لرياح الحقد التي عصفت بحياته منذ فترة ويبدو أنها ستزداد جموحًا، وبسخرية دقق النظر بعيني ابن عمه قائلًا:
_أرى أنك تحقق نجاحًا في مسار خطتك، الرجل لا يصحو تقريبًا!
وبلا مُبالاة أشعل أسامة سيجارة أخرى بعدما انتهت الأخرى دون أن يتنشق منها الكثير، ثم قال:
_لا أراه نجاحًا، لا يزال هناك أكثر من شهر بعدتها، بآخر يوم سأحتفل.
والتفت إليه مُتفحصُا هيئته المُستعدة للرحيل فسأله في توجس:
_ما هذه الحقيبة؟
_أنا سأرحل، سأعود لمتابعة العمل.
بتصميم، وباقتضاب أجابه مراد، فعقد أسامه حاجبيه ليقول في اعتراض:
_لماذا؟ العمل يسير هناك على ما يُرام، ابق معي حتى..
وبتر عبارته وهو يحاول عبثًا العثور على تتمة مناسبة فلم يجد، إلا أن مراد سرعان ما قدمها له قائلًا بأسف:
_حتى أقوم بتسليتك وأنت تصرف انتباهه ريثما تنتهي العدة، أليس كذلك؟!
وتجمد ملامح أسامة مع الإصرار بنظرته جعله يواصل في أمل أخير بأن ينقذ ما يمكن:
_أنت مُخطئ يا أسامة، الطفل الذي يتشاركانه سيكون للأبد "مُسمار جحا" ربما يستعيدها عماد بعد عام أو عامين، فور إدراكه فداحة خطئه بتضحيته بحياة مستقرة سليمة كي يتمرغ في هذا الوحل الذي دفعته إليه أنت.
احتدم الغضب على وجه أسامة وهو ينتفض بوقفته هاتفًا:
_أنا لم أُجبره على الطلاق، وبالتأكيد لم أُكرهه ليفقد نفسه مع امرأة مختلفة كل ليلة، إنها أفعاله وهو من قام بها عن دراية تامة.
ضحكة خافتة انطلقت من فم مراد قبل أن يُعلق:
_كذلك قال إبليس!
ثم تابع في تحذير:
_لا تتنصل من أفعالك يا أسامة! لأنها ستعود إليك يومًا ما.
وضحكات عالية، مليئة بالغل انطلقت منه بالمقابل، ليقول بسخرية فاقت ما ظهر على مراد:
_ولا تتظاهر بالبراءة يا مراد! أنت شريكي، كنت تعلم أنني أحبها، ورافقتني في كل مرة إلى بيتها.
لطمات الحقيقة المُكللة بالخزي تعاقبت على صفحة وجهه فارتد نادمًا، لن يُنكر أو يصطنع الجهل، فالخفقة الأولى التي ترددت في صدر ابن عمه تجاه زوجة صديقه وصل صداها إليه باللحظة ذاتها!
هز رأسه مُقرًا بذنبه قبل أن تفيض به حروفه، ثم خاطبه في هدوء:
_لا أتنصل ولن أفعل، أنا حقًّا جبان، افتعلت العمى وأنا أشاهد الصورة بجودة عالية، والتزمت الخرس حينما كان ينبغي عليّ أن أصرخ بكل صيحات النذير.
ثم تخللت عينيه غيمة امتعاض سوداء وهو يُمطره بكل صراحة:
_وأنت دنيء يا أسامة، خائن، لا تؤتمن، ولا تمتلك شرفًا، ولا أظن أن امرأة بأخلاق لين من الممكن أن ترضى بمن هو مثلك!
ترددت عباراته في أذنيه وهو يراقبه يحمل حقيبته ويوليه ظهره ليرحل، انتابه التوتر لِوهلة ثم ما لبث أن قمعه، مُستسلمًا لإغراء خيالاته المُزَيَّنة عن مستقبل قريب يجمعه.. بها!
**********
انتفضت من فراشها فأسقطت الهاتف أرضًا، حدَّقت به في ذهول، انقلب على شاشته فراقبت السطح المعدني البريء ينتظرها حتى تتخذ ردة فعل مُختلفة؛
استندت على إحدى كفيها فيما مدَّت الأخرى إليه ببطء وبارتجاف؛
أتتنفس هي؟
لا تدري.. لكن يبدو أنها تفعل طالما لم تُسلم روحها بعد!
وصلت أصابعها التي سرت فيها البرودة إلى حيث الهاتف، وبخوف، وبتردد تناولته..
خدر؛
ثقل؛
وفقدان شعور انتشر من أطرافها إلى رأسها..
تسمرت عيناها المُحدقتان بـ.. صِور مُخلِّة تنتمي إليها.. وأيضًا صارت لا تنتمي إليها وحدها!
أتتنفس هي؟
أم أن أنفاسها سحبها آخر؟
آخر قد رفع حجابها؛
آخر يملك ما يشينها؛
وآخر.. يقبض بكفيه على روحها!
ألقت الهاتف أرضًا أو ربما هو من قفز حينما أدرك ضعف تشبثها بها، وصعدت يدها إلى عنقها، تُطالب هي بالهواء، توشك على النداء، لكن من ستنادي؟!
أتتنفس هي؟
للأسف.. لازالت حيَّة، وللأسف الصور أيضًا حقيقية لا شك بها!
"أتمتلكين عشرة آلاف من الجنيهات؟!"
والرسالة تكررت تجذبها إلى الهدف، لتكتب هي متجاهلة الأخطاء التي وقعت بها في عبارة بسيطة..:
"من أنت؟ وكيف وصلت إليك هذه الصور؟!"
وأثناء انتظارها الإجابة في ذعر كان عقلها يعمل بفوضى بعد أن استفاق من جموده..
"هل أرسلته للإصلاح؟".. لا!
"هل تركته بالصيدلية فعثر عليه أحدهم؟"..لا!
"هل أوصلته بجهاز حاسب آلي لا يخصها فاخترقه مبرمج ما؟".. لا!
خرق؛ حماقة؛ وانتاب عقلها الشلل!
هاتفها دومًا معها لا تتركه، فكيف تسربت هذه الصور؟!
ارتفع حاجباها وهي تشهق بصدمة بعد أن وعت حقيقة ما يدور، ثم عاد الاطمئنان إليها دون دعوة، ولو كان للحروف أن يتلبسها الغضب لظهرت بين رسالتها التي كتبتها بعنف..:
"سدن! أتظنين أن هذه طريقة للمزاح؟! لقد كاد قلبي أن يتوقف!"
وانتظرت مُلصقًا تعبيريًا منها؛
انتظرت اعتذارًا أو حتى استكمالًا للمزحة؛
لكن..:
"لا مزاح في الأمر! أرجو أن تقومي بتجهيز المبلغ حتى أخبركِ بالوقت والطريقة لِتسليمي إياه!"
وراقبت عبارة "مُتصل الآن" وهي تختفي مختطفة معها كل شعور بالأمان؛
ثم أعادت فتح الصور مرة أخرى.. تطالع غفران؛
غفران التي تبتسم بإغواء بشفتين مُكتنزتين مطليتين بالأحمر؛
غفران التي تتسع مُقدمة ما يقع تحت بند الثوب مجازًا فيما تنثني إحدى ركبتيها كاشفة عن فخذها اللامع؛
وغفران التي ستُلطِخ بفجورها كل من له صلة بها!
**
"كما سمعتِ يا خالة، أهل الحي يعلمون بالفعل أنها زوجتي، ولقد أقمتِ أنتِ حفلًا بسيطًا أثناء عقد القران، لا أرى فائدة لتكرار الأمر، كما أن والدي لِتوه تُوفي ولا يصح أن أقيم حفل زفاف!"
قالها بهدوء وهو يتطلع إلى علامات الاعتراض على وجهها بينما زوجها يكتم ابتسامته بصعوبة مُتظاهرًا بمتابعة عمل الخباز..
ارتمت السيدة إكرام على الكرسي المقابل وهي ترد بحزم:
_والدك ترك سهير مريضة بفراشها وأقام زفافًا بقاعة كبيرة من أجل سعادة تلك الخبيثة، ولم يمتلك من الحياء أقله وهو يدعو جيرانها ذاتهم، ثم يعود بها إلى الشقة نفسها!
_إكرام!
ونداء زوجها وهو يُشير بجانبي عينيه إلى ناهل الذي برقت عيناه بغضب جعلها تتراجع عن بقية حديثها وهي تُشيح بوجهها تتبرم بما لا يسمعانه، ثم تنهدت طويلًا قبل أن تلتفت إليهما لتقول بصرامة:
_خلاصة الأمر، أنا سأقيم تجمعًا بسيطًا بسطح البناية كي تبعث بعض الفرحة بنفس عروسك، لا تنس أن أفراد عائلتها سيحضرون جميعهم هذه المرة!
مط شفتيه يائسًا ثم قال في استسلام:
_حسنًا! لكن لا تُبالغي يا خالة!
منحته نظرة استنكار شتتها بسمتها الفَرِحة وهي تهتف:
_ومتى بالغت أنا؟!
_ألم تواظبي على إحضار الولائم لي في السجن وأنتِ تعلمين أنني لن أتناول ربعها!
باستخفاف ردَّ فأشاحت بإحدى كفيها أمام وجهه، ثم انتفضت واقفة بحماس لتنادي أحد الصبية العاملين بالمخبز واصطحبته إلى الخارج وهي تُملي عليه طلباتها.
تعالت ضحكة زوجها وهو يلكز ناهل في كتفه قائلًا في مرح:
_لا تحاول الانتصار عليها! لأكثر من ثلاثين عامًا وأنا أحاول فلا أنجح لِمرة.
_ ربما أنت من تتظاهر بالفشل خشية غضبها!
قالها ناهل باستهجان فراحت عينا الحاج بيومي تراقبها بشغف وهي تتحدث بحماس مع الصبي، وبشرود علَّق:
_بل خشية حزنها.
ثم لاحت ابتسامة ممتنة على شفتيه وهو يُتابع بنظرة _رغم مرور الأعوام_ فائضة بِالحب:
_هذه المرأة هي تاج يُزين رأسي، هي ميراثي من هذه الدنيا منذ تزوجتها وحتى ترحل عني آخر أنفاسي.
أخفى ناهل تأثره وتمسَّك ببعض السخرية وهو يُعقب بعد ثوانِ:
_ما رأيك أن تترك الطحين والسمن وتبدأ في عزف الكمان من أجل الخالة إكرام؟!
رمقه الرجل بغيظ ثم قال في امتعاض:
_أتسخر مني؟! ليس ذنبي أنك جاف المشاعر عديم الإحساس مُفتقر للراحة التي يبعثها الاتحاد مع من يُشاركك حياتك!
وأردف مُتمتمًا:
_كان الله في عون العروس!
وسارع بالإضافة حَذِرًا:
_اسمع! هناك فكرة طرأت لي بشأن العمل.
_خبرتك أنني لن أعود إلى ذلك المصنع.
زم شفتيه وهو يقول باهتمام:
_لا تعُد! لكن ما رأيك بالمحل الذي أستخدمه كمخزن؟
تطلع ناهل إلى المحل الملاصق للمخبز والمُغلق على الدوام، قفز الاستنكار من نبرته وهو يهتف:
_أتريدني أن أنظم شِوالات الطحين؟ وماذا بعد؟ أتخذ منهم مقعدًا أو فراشًا أنام فيه بقية نهاري؟! أنا أبحث عن وظيفة حقيقية أستحق بها راتبي.
ضرب كفًّا بكف وهو يرمقه بحنق، ثم قال في جدية:
_بالطبع لم أعنِ ذلك، كما أن المخزن لن يبقى على وضعه، هو فارغ على أي حال بعدما صرنا نُخزن المواد بالمخبز.
ثم واصل قبل أن يتحدث:
_ماذا إذا قمت بتأجيرك إياه ثم جهزته أنت لِنشاط آخر وتوليت مسؤوليته بشكل كامل بلا تدخُّل مني؟
أطرق ناهل برأسه وساد الصمت بينهما لدقيقة أو ما يزيد، تأمله الرجل بحنان ارتبط بشعوره تجاهه منذ الصغر مترافقًا مع المسؤولية التي تلقفها تجاهه دون أن يطلب منه أحدهم.
_ماذا قلت؟
ألقى سؤاله بترقب بعد أن طال انتظاره، فما كان من ناهل إلا أن مست فمه ابتسامة واهنة مُحملة بخيبة، وحافظ على نظراته أرضًا وهو يعلق:
_ألا ترى أنك وزوجتك قد قدمتما لي ما يكفي إلى الآن يا حاج بيومي؟ أعتقد أنكما صدقتما ما طفقتما ترددانه على الجميع عن كوني ابنكما الذي لم تنجبانه!
ظن أن الضيق هو ما يُبعد نظراته عنه، لكن بعدما سمع رده أيقن أنه الحرج ما يفعل، فسارع بصدق:
_أنت بالفعل ابننا يا ناهل.
ثم أردف بحسرة:
_ابننا مثل من تخلى عنا تمامًا.
عندئٍذ فقط رمقه ناهل بأسف، قبل أن يسأله بحذر:
_ألم يُهاتفك؟
والجمود الذي هجم على وجهه كان الإجابة، فتابع ناهل على استحياء:
_ربما هو منشغل، أنت تعلم أنه دومًا كان حريصًا على التركيز في تمارينه.
_وهل تتعارض تمارينه مع صلة والديه؟!
بخشونة تحدث الرجل، والاستنكار يحارب السخرية بنبرته، فتنحنح ناهل ثم قال مترددًا:
_لا! لكن بالتأكيد هو لا يتعمد ألا يفعل.
دق على المكتب الصغير فابتلع ناهل الحجة التي لم تقنعه نفسه، ليهتف الرجل:
_لا تلتمس له الأعذار يا ناهل! أنا من أرفض الرد على اتصالاته، هو اختار سبيله بعيدًا عن والديه الذين سيشوهان صورته رفيعة المستوى أمام زوجته وعائلتها وزملائه، فليهنأ بهم!
ومرة ثانية طأطأ ناهل رأسه في إقرار بما قيل للتو، لا يقوى على الإنكار أو النفي؛
هو لا يملك أصدقاء، أو كي يكون صادقًا صار لا يملك أصدقاءً!
فالوحيد الذي كان يستحق ثقته ومحبته بالفعل سافر منذ سنوات لاهثًا خلف حلم الحياة وممارسة موهبته في بلد تسودها الحرية قبل الأعراف، تركه هنا وحده بلا إخوة، مع أم ظُلِمت بشتى الصور إلى أن فاضت روحها إلى بارئها.
وقد أثبتت التجربة أن محاولته للحصول على صديق بدلًا منه لن تكون لها نتيجة إلا الفشل بأشد صوره وأكثرها قسوة.
_يا بني! ماذا قلت؟
بنفاد صبر اقتحم الحاج بيومي أفكاره، فتململ ناهل في جلسته ليُغمغم بارتباك:
_أنا لا...
_إياك أن تظن أنني أُعرض نفسي للخسارة من أجل مساعدتك، المخزن بالفعل مُهمل ولا أستفيد منه، لماذا لا تقوم أنت بتشغيله فتبدأ حياتك الأسرية دون إهدار وقت وإجراء التجارب وبالمقابل أكسب أنا من الإيجار؟
عندما قاطعه هذه المرة سكت وأنصت، لكنه رغمًا عن محاولته الكتمان قال في حرج:
_أنا أثقلت عليكما كثيرًا.
_تخلص من أنفتك الزائدة عن الحد معي يا ناهل! وإلا أقسم أن أدفعك بداخل الفرن حتى تنصهر فأستريح!
بحنق صاح به وهو يدق على المكتب ثانية ثم شرع يستغفر سرًا، فاختلس ناهل النظر له بجانبي عينيه في امتنان، والابتسامة التي تولدت ثانية افتقرت لأي من مظاهر الخيبة، وارتسم بها بعض الأمل، والـ...تحدي!
وأدرك الرجل أنه سينجح، فتابع بهدوء:
_إذن ما رأيك لو حولته إلى محل لملابس الأطفال؟ لا يوجد سوى واحد فقط بالمنطقة وهو بعيد كثيرًا، لكن موقعنا ممتاز، فالموظفات ما إن يخرجن من المحطة ستقع أعينهن على المعروضات.
ثوان قليلة مرت بعد أن أنهى الحاج بيومي اقتراحه، ولما كان على وشك إعادته مرة أخرى التفت إليه ناهل ليقول بتمهل:
_أنا لم أعمل بملابس الأطفال من قبل، لا أظن أن الأمر يناسبني.
زم شفتيه وأخذ يفكر ثانية، ثم بعد قليل قال في حماس:
_ماذا عن الأدوات الكهربائية؟ أقرب محل بعد شارعين و...
حدَّق به ناهل بجدية فبتر عبارته وهو يستمع إليه يقول بهدوء:
_عذرًا يا حاج بيومي، لن أجازف بالبدء فيما ليست لي به خبرة، أنت بنفسك نصحتني بأن أبدأ حياتي الأسرية دون إهدار وقت وإجراء التجارب.
والتوجس حل ضيفًا على عينيه، ثم سأله في ارتياب:
_ماذا تعني؟
أسند ناهل ظهره على المقعد في ارتياح، عقد ذراعيه أمام صدره وأجاب في مكر:
_أعني أنني سأحول نشاط المخزن إلى ما عملت به طوال عمري.
ثم تثبتت نظراته خارجًا على المحل الذي تربَّى به منذ طفولته ليفقده وهو مُقيَّد خاسرًا كل فرص استرجاعه، وأردف مبتسمًا بوعيد:
_لا تنس! أنا السَقَّا!
**
في الحديقة المحيطة بمنزله جلس مُستندًا بذقنه على عصاه، شاردًا فيما مضى وآثاره التي لاتزال باقية حتى اليوم...
تمتم لسانه بدعاء متكرر بالمغفرة والرحمة لابنه لأنه لا يستطيع النطق بالعكس!
"ماذا لو؟!"
سؤال ردده على نفسه كثيرًا، يستهل به أحلامًا وأمنيات كانت لتُنقِذ الكثير، وتُبدل أحداث، فتُغيِّر مصائر!
ثم يُتمتم مُستغفرًا واعيًا لاستحالة تحقيقها، ومُدركًا أن القدر ينتصر فوق رغباته مهما حسُنت نِيَّاته.
"أتريد شيئًا آخر يا أبي؟"
رفع رأسه إلى ابنته الصغرى بعد أن وضعت فنجان القهوة على الطاولة الخشبية المُستديرة ثم حافظت على نظراتها بعيدًا عنه وهي تقف بانتظار رده، مَدَّ يده ليلتقط الفنجان وارتشف منه ثم قال:
_ناجي الشناوي قام بتجديد طلبه بالزواج بكِ، كان قد تحدث معي حينما سافرت إلى البلدة لكنني انشغلت، واليوم صباحًا هاتفني ثانية.
بعينين عربد بهما الغيظ حدَّقت فيه ابنته، وبالمثل كان هو يراقب خلجاتها في تدقيق كي يخفي.. إشفاقه!
لقد تزوجت وهي ابنة السابعة عشرة من نبيل البحيري أحد أبناء عائلة مرموقة ببلدتهم، كان رجلًا كثير الانشغال مُتعدد الأعمال عملي الطباع كابنه جلال تمامًا..
أنجبت منه ياسر وتمنت لو استطاعت إنجاب أشقاء له، لكن الوقت لم يمهلهما عندما هاجمه المرض ليموت بعد عشرة أعوام من الزواج..
امرأة في السابعة والعشرين لديها طفل يكاد يساويها طولًا، أرملة، حزينة، جميلة!
وجمالها مع اسم عائلتها استقطب الكثيرين الذين رغبوا بالزواج منها، لكنها كانت قد زهدت في الرجال، واكتفت بتنشئة وحيدها قويًا شامخًا، واضعة نصب عينيها عيوب زوجها الراحل وشقيقها الوحيد في حذر من أن يقوم بتقليدهما!
ظن الجميع أن طلبات الزواج ستنتهي بمرور العمر، لكنها لم تفعل، ربما قلَّت بالطبع لكن كلما سافر إلى بلدته عاد بسؤال خاطب أو اثنين يبغيان مُصاهرته.
_خبرتك يا أبي أنني في انتظار زواج ابني والتمتع بأحفادي، أنا على وشك إتمام عامي الثامن والأربعين ولم يعد هناك مجالًا للتفكير بهذا الهذيان.
قالتها في حزم فتأفف ثم رد مُعترضًا:
_هل أنصحكِ بِحرام؟! الرجل مُطَلَّق منذ بضعة أعوام وأولاده جميعهم متزوجون.
كانت تفهم أن والدها يتهرب من الحديث الأساسي الذي تود مشاركته به، لكنها عقدت ساعديها ثم قالت في استهجان:
_أتتخيل شعور ياسر حينما أخبره أن هناك من يريد الزواج من أمه؟!
حلَّ الحنق مع الاستنكار بنظرته وهو يرفع عصاه قائلًا:
_إن كنتِ تخشين ردَّة فعل ذلك المتخلف فأنا من سأتولى أمره، وافقي ولا تحملي همَّا!
أطلقت تنهيدة طويلة ثم تكلمت في نبرة لائمة:
_أرى أن ننتهي الآن من الزفاف القريب أولًا ثم نفكر بالتالي يا أبي!
أشاح بنظراته عنه ليرد مُفتعلًا البؤس:
_عن أي زفاف تتحدثين يا أماني؟ ألستِ تخاصمين أباكِ؟! لا تُشغلي نفسكِ! سأرتب أنا أمر كل شيء وحدي.
اكتنفها الحرج وهي لا تقوى على تحمُّل حزن أبيها، فقالت بتردد:
_لا أستطيع يا أبي، لكنني لا يُمكنني تجاوز ما حدث، لقد تعاونتم جميعًا وأخفيتم زواج إيلاف عني وكأنني لست أهلًا للثقة.
في حنو ربت على المقعد المُجاور له فجلست على مضض، ثم تحدث في رفق قائلًا:
_أنتِ تعلمين أنكِ دومًا أهلًا لثقتي يا بُنيتي، لكنني من أصررت على سرية الأمر حتى ينعقد القران قبل أن تتصاعد الأصوات المُعترضة ويستغل ابن شقيقتكِ الفرصة ليستميلها إليه ثانية.
التفتت إليه لتعلق فأسكتها بإشارة من سبابته، وتابع بصدق:
_كنت على وشك الإعلان بعد عقد القران بأسبوع لكن زوجة والده قَدَّمت البلاغ فلم أجد أن من المناسب إذاعة النبأ حتى يقضي المُدة.
تنهدت أماني وعقدت حاجبيها لتُعلق في تبرم:
_أخشى أنك قد أنقذتها من هاني لتُلقيها في جعبة الأسوأ!
حدَّق بها مليًّا ثم سألها باهتمام:
_ألا تثقين بناهل؟
هزت رأسها نفيًا ثم سارعت مُوضحة:
_كنت أثق به بالسابق، لكنه دخل السجن يا أبي، ومن يدخله لا يبقى على حاله!
أطرق برأسه أرضًا مُفكرًا فيما يسلبه النوم والراحة منذ ستة أشهر، وبالتحديد منذ تم الحكم على ناهل بالسجن..
لم يجد من يثق به للحفاظ على حفيدته من فخ ابنته وابنها أكثر من ناهل؛
فالشاب يعمل بمصنعهم منذ سنوات، زار بيتهم كثيرًا وكان يرتبط بعلاقة وثيقة مع هاني رغم التباين الواضح بينهما؛
وقد تعامل هو معه وتأكد من حُسْن أخلاقه، ربما جاف بعض الشيء ويفتقر للياقة أحيانًا، لكنه يظل صريحًا أمينًا يسهُل الاعتماد عليه.
كما أنه قد لاحظ حمائيته الشديدة تجاه إيلاف حال توبيخ والدها إياها، حمائية سهل تفسير سببها لمن في مثل عمره وخبرته رغم الجهل التام لصاحبة الشأن نفسها!
ويبقى السؤال مُعلَّقًا لن تُجيب عنه سوى التجربة: هل غيَّر السجن به الكثير؟
و...
هل سيعيرها ذات يوم بأن جدها من طلب منه أن يتزوجها؟!
خرجت همومه مع أنفاسه حارَّة ثقيلة، ثم قال في رجاء تبينته ابنته:
_لا أظن ذلك يا أماني، نحن نتعامل معه منذ سنوات وعلى معرفة بأخلاقه.
_كنا نتعامل معه كموظف أمين، وكصديق لهاني فَحَسْب، لكنه الآن صار صهرنا الذي تعدَّى على امرأة بمكانة أمه.
أمعنت ابنته في هواجسه، فلم يستطع إلا أن يقول في حزم:
_لم تكن بمكانة أمه، جميعنا نعلم الأذى الذي طال والدته بسببها.
ثم تابع قبل أن تُزيد في قلقه:
_إن كانت مظلومة حقًا كيف سيدعمه شقيقها بذلك الإخلاص كما أخبرني بنفسه؟! لقد سبقنا الرجل وقام بتوكيل محام للدفاع عنه، ولولاه لِما وصل هو إلى إيلاف ولكنا نتخبط حتى الآن بحثًا عنها!
ثم لان صوته وهو يُردِف في حنان:
_أنتِ غاضبة لأننا أخفينا الأمر عنكِ، صدقيني لم أُخبر ياسر ولؤي إلا ليشهدا على العقد حتى تستشعر الفتاة الأمان، وخوفًا من أن يتوفاني الله قبل أن يتم الإعلان فتطالها الإشاعات مرة ثانية وتسبح ضد التيار بمفردها، أختاها أيضًا لم تعلما!
سارعت تهتف في لهفة:
_حفظك الله لنا يا أبي!
أنهى قهوته ثم قال في تحذير:
_أرجو أن تحاولي التحدث معها، لا أرغب بأن تقضي آخر أيامها هنا في انطواء كعادتها.
تفحصته بدهشة، ثم سألته بفضول صارخ:
_ولماذا لا تتحدث أنت معها يا أبي؟! لماذا يبدو أن هناك خلافًا بينكما للمرة الأولى؟
بان الضيق على ملامحه المُتغضنة، والتزم بالصمت يُفكر في مهرب من سؤالها دون وعي بالتي استمعت إلى بعض من حديثهما من غرفتها القريبة، لكن عيني ابنته اتسعت وهي تهتف بدهشة:
_هل.. هل أجبرتها على الزواج منه حتى لا يستعيدها هاني؟!
بنزق هتف وهو يحدجها بصرامة:
_لم أفعل بالطبع، لقد تزوجت بكامل إرادتها، وسأبقى دومًا داعمها الأكبر طالما أن قراراتها لن تؤذيها.
"إذن لماذا بِعتني يا جدي؟"
انتفضت أماني واقفة تُحدق بإيلاف التي صوَّبت نظراتها إلى جدها وحده، ثم تابعت في ألم:
_أنت لم تُجبني على هذا السؤال، وأنا لازلت أبحث عن السبب.
تجمدت ملامحه ثم صاح غاضبًا وهو يلوح بعصاه يمينًا ويسارًا:
_وأنا سأُكرر: لم أبِعكِ ولن أفعل حتى يواري رفاتي الثرى، ويومًا ما ستُدركين قيمة ما قمت به من أجلكِ.
ارتعبت أماني من حالة والدها التي انفلتت على غير المُعتاد، فاتجهت إليها تسحب كفها وهي تقول في توسل:
_تعالي يا إيلاف! سأصطحبكِ إلى والدتكِ كي نُنهي القطيعة التي حلَّت بينكما بغير موعدها!
ورغم أنها انصاعت لِعمتها فإنها ظلت تتطلع إليه لِثوانِ في عِتاب قاتل، ثم تبعتها صاغِرة.
وبقى هو جالسًا في صمت، تصعد عيناه من آن لآخر إلى نافذة تختفي خلفها إحدى حفيداته..
واحدة تُبدي صمودًا وارتياحًا بعد انفصالها، يشعر هو بالامتنان لهما رغم عدم رضاه عن تلك الغربة التي كانت بنظراتها ويبدو أنها ستظل هناك أكثر..
وثانية تلومه، تعترض لأول مرة، ورغم أن بإمكانه إخراس كل ظنونها بكلمة واحدة فإنه لا يرضى بأن يفعل حرصًا على سر يخص من تبادل معه الثقة ليأتمنه وحده عليها..
وثالثة.. ثالثة هي أكثر من ترهقه، أكثر من تُقلقه، وأكثر من يفتقد!
"رتِّل ثانية يا جدي! أحب صوتك."
على فخذيه كانت طفلة تحب الجلوس، على صدره تضع رأسها في دلال،ثم أصبحت مُراهقة تستمع له في إنصات وهو يرتل القرآن بصوت عذب وبقراءة صحيحة رغم أنه لا يحمل إلا شهادة تعليمية أقل من المتوسطة!
"سأفعل، لكن سترددين خلفي يا غفران."
كان يقولها في حنو وهو يربت على شعرها الغزير الناعم، فتومئ برأسها في حماس ثم ترفع الحجاب المُلقى على كتفيها، وتبدأ في الترديد وهي ترمقه في انبهار.
ليلة بعد ليلة كان ينتظرها في غرفته؛
كانت تبقى معه حتى ترتخي جفونها فترحل ثم تأتيه بالليلة التالية..
حتى عندما يعود من سفره السنوي إلى بلدته كانت تجبره في دلال على أن يعوضها..
لكن منذ سنوات امتنعت، رفضت، وعلى كل أسئلته الدَهِشَة عزفت عن الرد مُكتفية بنفور تجاه الجميع.. ومنه هو على الأخص!
**
بعد أسبوع:
أغلق جارور المكتب بعد أن وضع الملفات بداخله، هَمَّ بأن يرخي جفنيه كي يحصل على بعض الراحة قبل أن يقوم بجولته اليومية من أجل تفقد سير العمل لكن الباب انفتح دون طرق ليندفع ابنا خالته بلا استئذان، شرر يتطاير من عيني هاني كعادته فيما أغلق عمرو الباب بهدوء بعد أن ألقى نظرة متفحصة إلى الخارج.
"هل جئتما لقتلي أم ماذا؟!"
بادرهما ياسر ساخرًا وهو يعقد كفيه خلف رأسه، فقطع هاني الخطوات القليلة بينهما وهو يهتف بحنق:
_لماذا فعلتم ذلك؟
عقد ياسر حاجبيه مُتظاهرًا بالتساؤل وإن كان يعلم قصده جيدًا، فمنذ علم الجميع بزواج ابنة خالهم وهو يبدو كالجالس على صفيح ساخن، حائرًا بين شعور بعدم التصديق وشعور مهتاج بالسخط!
_لماذا وافقت جدك على تزويجها دون علمنا؟ لقد ظننت أنك أقمت ثورة من قبل وأغضبت خالي لأنك أردتها لنفسك.
من بين أسنانه تحدث هاني بالكثير من الرفض والغيظ، فاعتدل ياسر في جلسته ليرد في برود:
_لن أقضي أوقاتي في محاولة إثباتي أنني لا أهتم بإيلاف إلا كابنة خالي لا غير، هي ولين وغفران كلهن سواء، أنت حر فيما تؤمن.
ثم هز كتفيه وهو يتابع بلا اكتراث:
_كما أن موافقتي من عدمها لم تكن لتؤثر في قرار جدك، أنا مجرد شاهد مع لؤي، كان باستطاعته أن يستبدلني بأي زبون على المقهى وستتم الزيجة بلا تأخير!
إن كان يتبع هذا الأسلوب كي يستفزه.. فقد نجح!
أوشك هاني على التعامل معه بيديه فتدخَّل عمرو الذي _كعادته_ يفضل السمع والترقب كثيرًا قبل اتخاذ رد فعل..
_ألا تنتبه إلى حجم الضرر؟ إنها كارثة!
رمقه ياسر بنفاد صبر ثم هتف بضيق:
_عذرًا فأنا أعاني من مشاكل بالاستيعاب، هلا أخبرني أحدكما ما هي الكارثة التي ستنتج عن زواج ابنة خالنا؟!
وبالمثل صاح هاني على الفور:
_كان يجب أن أتزوجها أنا يا مُغفَّل!
تغاضى ياسر عن الإهانة التي تلقاها بصعوبة، فلن يُسَّر جده إن علم باشتباك أحفاده بداخل المصنع، وهكذا اختار الاستمرار في إثارة حنقه فابتسم وهو يُخاطبه في دهشة مُفتعلة:
_كانت زوجتك بالفعل وأنت خنتها، عجبًا! أتلومني أنا على دناءتك؟! ومتى تولَّد هذا العشق الجارف تجاهها؟!
حرر هاني زفيرًا حبسه بداخل صدره وهو يكبح رغبته في لكمه لنفس السبب أيضًا، فهو يعلم أن انشغال جده بهرب إيلاف ثم عودتها المُفاجئة مع ذلك المُستغِل هو ما يمنعه عنه.
اقترب عمرو وهو يُسكِت أخاه الأكبر بنظرة حازمة، ثم عمد إلى المُهادنة التي يُتقِنها مُتحدثًا في رفق وتعقُّل:
_أتظن أن ارتباط صاحب سابقة بجريمة عنف بعائلتنا هو أمر مقبول؟ ألا تخشى أن يتخذ من هذه الصلة ذريعة ليعود إلى المصنع؟
حدَّق ياسر به في تحدِ ثم ردَّ:
_لست مُقتنعًا بأن ناهل أذى تلك المرأة بذلك الشكل، كما أنني شخصيًا أتمنى أن يعود إلى المصنع، جميعنا ندرك أمانته وحرصه على العمل وترفعه عن أية مهاترات جانبية على عكس البعض، أليس كذلك؟!
ثم اتجه بنظراته إلى هاني الذي اصطبغ وجهه بالأحمر من فرط كتمانه غضبه، وأردف بتشفِ:
_لكن إن كان شقيقك يخشى عودته لسبب آخر، فهي مشكلته وحده وعليه حلها.
واتسعت الابتسامة أكثر وهو يُمعن النظر به مُتسائلًا:
_تُرى لماذا تتحاشى مواجهة ناهل يا هاني؟ لقد كنت حريصًا أشد الحرص على ألا تتلاقى أعينكما حينما أعاد إيلاف إلى البيت، هل تخافه؟
ثم ارتخت ملامحه ووجمت وهو يُضيف بمكر:
_هل تخاف من كان أقرب أصدقائك ذات يوم؟
أشاح هاني بوجهه بعيدًا فارتأى ياسر أن يتوقف عن الضغط عليه، فيومًا ما سينفجر بلا مُساعدة!
اضطجع في مقعده أكثر ثم قال بجدية:
_اطمئنا! بُناءً على معرفتي به فلن يعود إلى هنا مرة ثانية، فلتجدا حجة أخرى! أو لتتركا ابنة خالكما تعيش في سلام.
وبدهشة قلما يمنحها عمرو الفرصة للتأثير به سأله:
_أتعني أنك لست منزعجًا لمصاهرة رد سجون؟!
_لا! لا أهتم إطلاقًا.
جاء رد ياسر سريعًا حاسمًا، ثم تابع وهو يُشدد على كلماته:
_ربما أنا حاولت تنبيه خالي جلال رحمه الله من زواج شقيقك بإيلاف فأقنعته خالتي واكتَفَيت بالرحيل عن البيت مُعترضًا، لكن الآن إيلاف تزوجت بمن هو أفضل كما أتمنى فلتدعوها وشأنها، فأنا لم أخبركما عن الوجه الآخر لياسر البحيري، إنه ذلك الوجه الذي يُسارِع بالظهور ما إن يُهدد الخطر سلام العائلة!
اتسعت طاقتا أنف هاني فسارع عمرو بسحبه بعيدًا حتى خرجا من الغرفة بأكملها، وفي الممر نزع الأول ذراعه بعنف هاتفًا:
_اتركني يا عمرو! ألم تر كيف يتحدث ذلك المُتعجرف؟! لقد ظننا أننا تخلصنا منه فعاد واثقًا، والمصيبة الأكبر عودة الحقير الآخر وقد صار فردًا من العائلة! لا تتوقع مني أن أتقبل وألتزم الصمت!
وضع عمرو كفيه على كتفي شقيقه وهو يهمس بغضب مكتوم:
_وماذا ستفعل؟ هل تعتقد أن ضربه سيحل المشكلة؟! حينها سيطردك جدك من المصنع وسيحرمك من نصيبك الذي طلقت إيلاف في مقابل الاحتفاظ به، وربما سيطردني معك أيضًا!
تعالى صدر هاني وهبط في تسارع وهو يُدرك صحة ما يقوله عمرو، فجدهما قد أحكم قبضته جيدًا هذه المرة، ولم يعُد بإمكانه الاعتماد على حب إيلاف وحنينها إليه.
لِذا بيأس مُغلَّف بالاستهجان سأله:
_إذن ماذا سنفعل مع ذلك العجوز المُخرف؟! هل تقترح أن أُظهر فرحتي وأزف حفيدته البلهاء وعريسها المُجرم بسيارتي؟
هز عمرو رأسه نافيًا، ثم قال في ثقة:
_بالطبع لا! أنا بدأت أتصرف بالفعل، لكن فلتتريث قليلًا! تهورك لن يفيدنا إطلاقًا.
ووضع كفيه بجيبي بنطاله ليطلق زفيرًا بطيئًا ويُضيف بابتسامة مُريبة:
_ثق بي! قريبًا سيجب على فؤاد الكُردي تحمُّل نتيجة تلاعبه بنا طيلة الشهور السابقة!
ولمَّا نظر شقيقه له حائرًا بلا فهم.. التمعت عيناه وتصاعدت برأسه المعزوفة!
**
منذ دقائق ينتظر، في المكان نفسه حيث كان يتلقَّى الزيارات من ياسر أو لؤي أو السيدة إكرام لأشهر نيابًة عن زوجها الذي لا تساعده صحته على استقلال أية وسيلة مواصلات لوقت طويل، بينما كانت هي حريصة على جلب الأطعمة له، وإسداء النصائح إليه، ثم إلقاء التحذيرات عليه كل زيارة..
"لا تتباسط مع المساجين! وإياك أن تنشئ علاقات مع مجرمين!"
"أتوسلك أن تبقى مُنطويًا حتى ينتهي هذا العام!"
"لا تأمن لأحدهم!"
"كل جيدًا! وابق مُتيقظًا!"
"أرسِل في طلب زيارة زوجتك!"
والنصيحة الأخيرة هي الوحيدة التي لطالما رفض الإذعان لها حتى مع محاولاتها إقناعه المُستمرة، فلم يتقبل مُطلقًا لو فعلت إيلاف ما يمليه عليها الواجب فتزوره بالسجن لتتطلع إلى القيود التي تعزله عن العالم..
وها هو قد أصبح حُرًّا طليقًا قبل إتمام العام بالكثير، وبعد أيام ستواجه مصيرها الأبدي معه!
انتبه إلى حازم الذي دلف إلى عنبر الزيارة يتجه إليه وعلامات الدهشة مُتربعة على وجهه، وقبل أن يتخذ مقعده أمامه قال:
_لم أصدق حين أخبروني أن هناك من أتى لزيارتي!
حدَّق به ناهل مليًّا في صمت وتسلل التوجُّس إليه، لقد ودعه منذ شهر وأسبوع فقط، فكيف تبدَّلت ملامحه بهذه السرعة؟!
غارت عيناه الزرقاء في تجويفهما وبرزت عظام وجهه، حتى أصابعه أصابها النحول الشديد..
ألا تُختزل المُدة الزمنية أحيانًا في السجن إلى النصف؟
لماذا يبدو وكأنها صارت الضعف بتقويمه؟!
_كيف حالك يا حازم؟
ألقى سؤاله باهتمام حقيقي، وجاءته الإجابة مجرد إيماءة واهنة، فتابع في قلق:
_هل يزعجونك؟
زم شفتيه ثم ابتسم في مرارة، وارتحل ببصره بعيدًا ليقول:
_أحيانًا يفعلون، ربما سينبغي عليّ إتقان التظاهر بالإجرام كي لا يتلاعبون بي فيما بينهم.
ثم نظر إليه بالابتسامة نفسها وإن أصابت عينيه لمعة خائفة:
_لكنني أنام كل ليلة وأنا أتوقع أن يخنقني أحدهم قبل أن أجد الفرصة للاستغاثة.
أطرق ناهل برأسه دون رد وهو يدرك صحة مخاوفه مُسترجعًا الأيام الأولى له، بالمكان نفسه، وحالة الرعب ذاتها، ربما حالت بنيته العضلية القوية ونيته الواضحة للشجار بينه وبين "زعماء العنبر" فأكد لهم بالدليل أنه يستطيع الدفاع عن نفسه جيدًا، لكنه لا يثق بالمصير ذاته مع حازم!
_لقد جلبت معي بعض الطعام.
نطق بها مُتذكرًا كيف كان يُثني على ما تأتيه به الخالة إكرام من مأكولات شهية، فاكتفى حازم بابتسامة اختلط فيها الامتنان مع عدم الاكتراث.
تنحنح يبحث عن كلمات يبادر بها معه للمرة الأولى، فحازم كان من يتولَّى المهمة دائمًا حتى ينهره هو مُطالبًا إياه بالتوقف عن الثرثرة.
_ألا يزورك أحد من أقاربك؟
افتعل حازم ضحكة وهو يُجيبه بحسرة:
_أنا لم أخبرك قبلًا أن لا أقارب لي، ليس لي سوى شقيقتي وحسْب، ولم أرها منذ سُجِنت.
أنهى عبارته واستسلم إلى صمت طويل لتفيض عيناه بنظرات خلف قضبان الصمت..
تتسلَّى به الوحدة؛
يؤلِمه الاحتياج؛
يقتات عليه العَوَز!
أن تكون آمنًا ببيتك تُصاحبك الوحدة لا غير لهو أمر يبعث بالضيق في النفس مع كل دقة من ****ب الساعة، فكيف بالوحدة بداخل مُجتمع يتلذذ برفع شعار البقاء للأقوى.. والأعتى؟!
مال ناهل مُقتربًا برأسه وقال في هدوء:
_أتحب أن أبلغها رسالة ما؟ أو أطلب منها أن...
_لا!
قاطعه حازم بحزم، ثم تابع بصرامة:
_هي حامل ولا أرغب بأن تتعرض لمشقة إضافية بالقدوم إلى هنا.
ثم تابع في تردد:
_لكن لو.. لو أسديت لي خدمة واستطعت أن تستطلع أخبارها عن بُعد لأنني أخشى أن يقوم زوجها بأذيتها مُستغلًا و..
بتر عبارته وهو يرفع حاجبيه بدهشة ليتطلع إلى ناهل الذي استغرق في الضحك وهو الذي لم يبتسم من قبل إلا كي يُداري بعضًا من المرارة، وبفضول سأله:
_علام تضحك؟
استجمع ناهل شتات نفسه ثم رد بعد ثوانِ قائلًا في تعجب:
_منذ أشهر كنت أجلس بمكانك نفسه، ورددت الطلب ذاته على مسامع أحدهم كي يُطمئنني على زوجتي.
ثم أردف:
_وأيضًا "عن بُعْد"!
أومأ حازم برأسه وهو لا يزال لا يفهم ما الذي يبعث على الضحك، حتى أطلق ناهل زفيرًا طويلًا ثم أومأ برأسه مؤكدًا:
_لا تحمل همَّا يا حازم! ستكون شقيقتك بخير، وستطمئن عليها بنفسك عندما يحين موعد الزيارة القادمة.
_حاذِر من زوجها!
نطق بجدية فعقد ناهل حاجبيه، ليتابع بقلق:
_ربما اعتديت عليه لأدافع عن شقيقتي، لكنني أغفلت كيف بإمكانه إيذائها وقد أصبحت وحيدة، ولا أظن أنه سيترفق بأي ممن يحاولون إنقاذها منه.
حدَّق به ناهل دون رد، فوهنت نظرته وهو يواصِل برجاء:
_ربما لا صلة بيننا، حتى الوقت لم يمهلنا لإنشاء علاقة ذات ثقة، لكنني لا أجد من أوصيه بشقيقتي غيرك ناهل.
فرد كفه أمامه مُتسائلًا باستنكار:
_لماذا هذا التشاؤم يا رجل؟! ستخرج وسترعاها وتحميها هي وطفلها بنفسك بإذن الله، تشبث بالأمل لأجلهما!
ثم أضاف في حماس:
_ومن يدري؟ ربما ينصلح حال زوجها وينتهي خلافهما حالما يرى طفله!
قالها كاذبًا بثقة مدعاة للإعجاب، فهو خير من يدرك أن لا طفل يُحسِّن من أخلاق ذويه إلا إن انعقدت النية داخليًّا!
والنظرة الساخرة التي احتلت عيني حازم أصابته بالحرج، فقد ثرثر بما لا ينبغي عليه فضحه أمامه ذات مرة، ولا يُعقل أن يُطالبه بالتفاؤل بينما هو يدفع من التشاؤم ما فاق رصيده منذ سنوات.
انتهت الزيارة بوعد من ناهل أن يتقصى أخبار المرأة التي صارت كليًّا تحت رحمة زوج لا يمتلك ذرة من ضمير، ووعد من حازم أن يحافظ على سلامه وألا يُثير المتاعب فربما يحظى بالمكافأة نفسها ويخرج قبل إتمام السنوات الثلاث.
سار بخطوات متمهلة، دومًا ما أحب السير حتى لو توفرت وسيلة النقل؛
السير يمنحه الوقت، والتركيز، والخصوصية؛
تواتر على ذهنه سؤال من حيث لا يدري:
أبه عطب ما يمنعه من إنشاء الصداقات؟!
استهجن سؤاله موقنًا بأنه أخطأ التعبير، فالأصح أن يقول:
أبه عطب ما ينهي كل صداقاته؟!
فالأول: رحل مُهاجرًا خلف حُلم بقارة أخرى، ناسيًا والديه، وبالطبع نسيه أيضًا!
والثاني: لقنه درسًا لا يُعلى عليه في الخيانة والغدر، حتى بات يشك في كل من يُلقي عليه تحية بريئة!
أما الثالث: لم يهاجر، لم يغدر به حتى هذه اللحظة، لم يتعرف إليه إلا منذ مدة قصيرة فتوسم فيه الخير، لكنه لا يضمن أن يراه خارج تلك الأسوار اللعينة!
ربما هو يُصيب من يُصادقونه بنوع من سوء الحظ، أو ربما قد كُتِب عليه أن يبقى إلى الأبد وحيدًا!
أو.. ربما لا يزال هناك واحدًا، ليس بمهاجر، ولا هو بخائن، و_حمدًا لله_ ليس بمقيد خلف أسوار!
توقف مكانه على الرصيف حيث يمشي المارة في اتجاهين متقاطعين، ثنائيات، مجموعات، وهو _كالعادة_ مُفرد!
استهزأ عقله بالفكرة، تخلل لحيته بأصابعه في ارتباك، أمسك الحرج بلجام عينيه، وبالأخير تناول هاتفه ليكتب بضع كلمات قبل أن يتراجع عن رغبة رآها تنم عن ضعف أو ميوعة لا محل لها!
"سيد هارون! إن كنت مُتفرغًا فبإمكانك حضور حفل إشهار زواجي بعد أسبوع!"
بعد أسبوع:
بكامل زينتها جلست على الفراش، شاردة في جدران غرفتها التي احتوت وحدتها طيلة أعوام، وعلى شفتيها المُزينة بلون ذهبي فاقع نبتت ابتسامة ضعيفة.
كثيرًا ما رأت على وسائل التواصل صورًا لغرف العرائس في يوم زفافهن..
مزدحمة، فوضوية، تعج بالضوضاء والأصدقاء والأقارب؛
أما غرفتها فقد خلت إلا منها، مُرتبة، ساكنة كالمقابر!
ولولا عمتها أماني التي لم تتركها إلا منذ قليل لترتدي ملابسها لكانت عادت للبكاء في حسرة!
تسللت دمعة من عينيها والمعلومة الأكثر إيلامًا تنبض بقلبها.. لماذا لم ترغب إحدى أختيها بها كشقيقة؟!
ربما لمحت لين من شق الباب تتظاهر بالبحث عن طفلها لتسألها عن حاجتها للمساعدة فنفت في جفاء؛
ثم طرقت غفران بابها ووقفت كالعادة على عتبته تعرض عليها أدوات زينتها فرفضتها في إباء؛
تبكي الفتاة يوم زفافها لأنها ستنفصل عن إخوتها، أما هي فقد انفصلت عنهما منذ البداية!
التفتت بحدة إلى الباب الذي انفتح متوقعة إحداهما، لكنها بدهشة رمقت والدتها التي تخاصمها منذ يوم عودتها في عقاب على رحيلها.
"لقد طرقت الباب كثيرًا فلم تُجيبي."
قالتها والدتها بنبرة حاولت إكسابها بعض الجفاء فخرجت مُحملَّة بالاعتذار والأسف!
أومأت برأسها بلا معنى، فما كان من والدتها إلا أن أغلقت الباب وتقدمت منها، وعندما جلست إلى جوارها أمعنت إيلاف النظر بها بترقب طال أكثر من الضروري.
_أعلم أنني لكِ مهملة وظالمة، وأعلم أنكِ تألمتِ كثيرًا بسببي.
استهلت هالة حديثها وهي تتعمد النظر بعيدًا عن وجه ابنتها المُزين بغير إتقان ففقد الجمال البسيط الذي كان يتمتع به، ثم تابعت بأسف:
_لن أقدم لكِ تبريرات لأن لا شيء يشفع لي، ولا يُخفف شعوري بالذنب منذ صغركِ من حجم إساءتي بحقكِ.
تخشبت إيلاف وهي تتطلع إليها بترقب، ودون شعور كانت يدها تعبث بقوة بإحدى الخرزات التي تُزين ثوب زفافها حتى كادت تنتزعها، لكن والدتها التفتت إليها لتتابع بتهكم:
_ربما يجب عليّ أن أصرخ غاضبة لأن ابنتي هربت من البيت دون علمي، لكن أنا من بادرت بإبعادكِ، أنا من صببت نصف اهتمامي على أختكِ الكبرى خوفًا من إحساس باليُتم يتسلل إليها، ومنحت النصف الآخر لشقيقتكِ الصغرى خشية غيرة تُشوه روحها أو ظلم يقع عليها.
تخلَّت يد إيلاف عن قماش ثوبها وحملقت بها ، فيما أردفت هالة بِوهن وبعينين دامعتين حسرًة:
_ لكنني فشلت! لين تقر عيناها بأنها أجنبية عنا، وغفران تصرخ كل جوارحها لاعنة ظلمنا.
ازدردت إيلاف لعابها تُرطب حلقها، وأرهفت السمع إليها وهي تقول بخفوت:
_وأنتِ..
ويبدو أن الثقل انتقل من قلبها إلى لسانها فعجز عن إتمام عبارتها، إلا أنها تحاملت على نفسها وتابعت بخزي:
_أنتِ ضائعة، تبحثين عن الدفء، تهرولين خلف الحب، بعدما حُرِمتِ منهما داخل جدران هذا البيت، بين كل هذا العدد من أفراد العائلة، أتظنين أن هاني قد أحبكِ يومًا؟!
والسؤال الذي ذيَّلت به عبارتها جعلها تتراجع عن أي نفي كانت على وشك التفوه به، لكن نفي آخر نضح من نظرات والدتها وهي تُجيب بنفسها:
_لا يا إيلاف، لم يُحبكِ، وحمدًا لله أنه لم يفعل.
كادت تبتسم باستهزاء، أو تُظهر دهشة، كادت تنكر بصرامة، لكن لسانها خذلها فصمت، وعيناها خذلتها فاستسلمت لتوتر جليّ، وبآخر الأمر أطرقت برأسها أرضًا هاربة من حالة ارتباك مُخيفة ألمت بها.
_أنا أثق بناهل كشاب أمين، دؤوب، يتحمل أية مسؤولية يُلقيها عليها أحدهم، لكنني حتى الآن لا أصدق كيف انتهى الأمر بكما معًا، أعني.. حينما خبرني جدك أن هذا هو الخيار الصالح لكِ انتظرت منكِ رفضًا واعتراضًا، لكنكِ لم تفعلي، فتوقعت أنه قرار مُتعجل ستعملان على إنهائه بعدما يفقد هاني الأمل بكِ.
رَفَعت رأسها بعد وقت لتُجيب سؤال والدتها غير المنطوق، فرغم اعتيادها أن شؤونها هي آخر ما يشغلها لم تستطع أن تطع وسواسها الذي يحثها على الانتقام منها ومواصلة الكتمان.
ربما قلق والدتها البادي على ملامحها صادق، ومن المُحتمل أن ندمها الصارخ حقيقي لا شك به..
فهل تركل ما ظلت تجري خلفه طوال عمرها؟!
_لقد طلب منه جدي أن يتزوج بي بمقابل لا أعلمه أنا حتى الآن، وقد وافق.
أجابتها بعد أن حسمت اختيارها؛
لديها يوم ستتصرف خلاله وكأنها ابنة والدتها الوحيدة، والأثيرة!
ستحكي؛
ستثرثر؛
ستُلقي بكل مخاوفها على سمعها دون انتظار حلول.
وحينما ظهر الاستنكار على وجه والدتها تابعت بِحرج:
_لم أعلم إلا قُبيل خروجه من السجن، فلم أكن لأتهاون بكرامتي إلى ذلك الحد.
_هل أنتِ متأكدة؟
سألتها والدتها بدهشة، فاكتفت بالإيماء كإجابة، ثم بعد قليل جاء السؤال المرتبك الثاني:
_أتعنين أن لا علاقة بينكما؟ لقد تركتِ البيت لأسبوع ثم عدتِ معه، هل لايزال عقد قران فقط أم...
بترت هالة عبارتها عندما اندفعت إيلاف تقهقه بلا توقف، فسألتها بقلق:
_علام تضحكين؟
وبعد ثوانِ تحدثت إيلاف باستخفاف:
_لماذا تظنون جميعكم أنني منفلتة الأخلاق؟ هل أثرت بكم الإشاعات التي أطلقها هاني إلى هذا الحد؟
عاد الندم إلى هالة مُجددًا، فعلَّقت بصدق:
_عفوًا يا بنيتي! لكنكِ منذ أشهر أبديتِ لا مُبالاة قبيل عقد القران، وعندما عدتما معًا ها أنتِ تُظهرين علامات رفض، لا أفهمكِ يا إيلاف!
_اطمئني يا أمي! أنا حاولت الانتقام من جدي فتركت البيت لأنه أحطَّ من كرامتي حينما توسله ليتزوج بي إصلاحًا لِما أفسده هاني، لكن ناهل لم يقترب مني إلا تلك المرة التي رأيتها حتمًا بعدما أجبرته صديقة والدته على أن يطبع قبلة وحيدة على جبهتي، جافة كطباعه، خشنة كسحنته، مُقتضبة كعادة كل أوامره التي كان يُلقيها عليّ!
انتبهت هالة إلى السخرية التي غلَّفت ردها، فأمعنت النظر بها ثم سألتها باهتمام:
_أيُزعجكِ هذا؟
مطت إيلاف شفتيها وهزَّت كتفيها، ثم أجابتها بصراحة:
_كان يُثير حيرتي حتى تم إلقاء القبض عليه، والآن فقط علمت السبب، الرجل تم إكراهه على الزواج بي، بالطبع يحتاج بعض الوقت كي يستوعب أن الفتاة الفاشلة التي كان يُصلح أخطاءها في العمل قبل أن يعاقبها والدها ويُعاني بصبر أثناء توجيهها مرارًا وتكرارًا قد أمست زوجته بعدما فضحها ابن عمتها!
اخترق الألم صدرها وهي تُطالع نتيجة الفعلة الدنيئة التي قام بها ذلك النذل تجاه ابنتها، لا يعلم أحد كم مرة فكرت في التسلل إلى الشقة التي كان يقيم بها بعد أن طرده جده لتوجه إليه الكثير من الإهانات مع بعض الصفعات علَّ نيران غضبها تنطفئ قليلًا..
ولن تنكر أن الخوف بقى مرافقًا للياليها قبل عقد قرانها على ناهل وهي تضع احتمالًا لموافقة إيلاف على العودة إليه ؛
وحتمًا ستعترف بأن قلقها بسبب زواج ابنتها يُعادِل راحتها بإدراكها أنها تم إنقاذها من حقير مثله!
لكن.. ناهل؟!
هل تخلَّصت من فخ شخص طامع، خائن، مؤذ، لتسقط بخندق ظهر من العدَم بعد أن حَفَره آخر؟!
همست هالة بأدعية لا تتوقف، وارتكنت إلى البُشرى وهي تقول بحماس:
_ربما أنتِ مُخطئة، فالظروف التي نشأ بها ناهل وعلاقته بوالده وزوجته جعلت منه شخصًا حاد الطباع جافًّا، لكن لا تُنكري تهذيبه وشهامته!
شردت عينا إيلاف وهي تغمغم بلا اكتراث:
_لا أنكر شيئًا يا أمي، لم أعد أثق بأي شيء أو أي شخص.
وعند ذِكر الثقة ترددت هالة لِوهلة، ثم ما لبثت أن قالت بهدوء:
_جدكِ حزين يا إيلاف، تعلمين أن لكِ مكانة خاصة عنده، والخصام بينكما يُزعجه أكثر من المُتوقع.
ارتجفت شفتا إيلاف بتأثر وهي تدرك صحة ما تقوله والدتها، فهي بنفسها لمست نقصانًا هائلًا براحتها منذ عادت وصممت على البقاء بغرفتها رافضة الخروج من غرفتها حتى لا تلتقي به.
_إنه يصرخ في الجميع منذ الصباح لأنكِ ستتركينه وترحلين، لم يكن غاضبًا إلى هذا الحد يوم زفاف لين.
تشابكت أصابع إيلاف وظهر الصراع على جسدها الذي توتر قبل أن تقف بلا سبب، تطلعت إليها والدتها بحب وفاضت عيناها بالدمع رغمًا عنها.
لين ابنة شقيقتها حتى وإن أنكرت هي تلك الحقيقة مُعلِنة أنها ابنتها، ضميرها راض تمامًا فيما يتعلَّق بها، ويوم زفافها كانت سعيدة حتى أوشكت على الرقص مع الفتيات وظنت أنها لن تستمتع بشعور مماثل يومًا..
لكن بصرف النظر عن سبب الزفاف أو ما سيترتب عليه في العائلة ها هو قلبها يتقافز فرحًا وهي تُبصرها ترفل بثوب زفافها ؛
ابنتها عروس؛
ابنتها الكُبرى ستُزَف إلى زوجها بعد ساعات؛
لطالما كانت مثل سحابة بريئة عابرة تُظلل عليهم بسكونها.. عسى أن تفقد أثرها الأعاصير!
وقفت ببطء، وبشجاعة أحاطت يداها بوجنتيها فاتسعت عينا إيلاف بترقب، وتواصلت دمعات الأم وهي تقول:
_كثيرًا ما تمنيت لو استطعت الاعتذار، لو أبديت ندمي على ما اقترفت بحقكِ، لكنني كنت أراكِ تصطنعين أن كل الأمور على ما يرام، فأفعل المثل.
تساقطت الدموع وتسارع هطولها، ولمَّا توقفت أنفاس إيلاف بانشداه تابعت أمها:
_أعتذر يا إيلاف لِتقصيري معكِ وتخييب آمالكِ، أعتذر لأنني لم أكن أمًا جيدة، هلا سامحتني؟
والتوسل الذي تدفق به سؤالها لاقى ضجيجًا في نفس إيلاف، ولم تجد وقتًا تعبر عنه حينما جذبتها هالة إلى صدرها وهي تربت عليها؛
امتزجت دموع ندمها بدموع حزنها على رحيلها مع فرحتها من أجلها!
وبعد بضع دقائق أبعدتها هالة بنفسها لتقول بابتسامة أم تودع طفلتها:
_هيا! هيا اغسلي وجهكِ حتى أقوم بتزيينكِ بنفسي، سأعلمكِ بعض الخطوات لتبرزي جمالكِ، فالليلة ستكونين أجمل عروس تتطلع إليها الأعين.
_لكنني أنهيت زينتي بالفعل!
قالتها في تعجب فضحكت والدتها وهي تتطلع إلى وجهها الذي تلطخ تمامًا ثم قالت:
_حمدًا لله أن لم يركِ أحد إلى الآن!
**
بأحد أركان سطح البناية حيث يُقام حفل الإشهار البسيط وقف هارون وحيدًا يتأمل الحضور بلا تركيز بينما لا يزال عقله لا يفهم مغزى دعوته هو بالأخص!
فعندما طلب منه ابن زوج شقيقته الراحل أن يحضر حفل زفافه ظن أن في الأمر دعابة ثقيلة، أو أنه سيتشاجر معه على سبيل المثال، ورغم أنه حينها قرر عدم التلبية فإنه اتبع رغبة دفينة تستحثه على المجئ.
وها هو وصل متأخرًا عن الموعد بعض الشيء، لكن _حتى هذه اللحظة_ لا دعابة، لا شجار، ولا يبدو أن هناك كمينًا ما!
فالعريس الذي يقف يتقبل التهاني ببساطة صافحه بلا ترحيب أو جفاء، وكأنه لا يعرفه ولم يقم بدعوته بنفسه!
وها هو قد قرر تمضية بعض الوقت تحت شعار التهذيب ثم سيرحــ..
اختطفت نظراته تلك الفتاة التي رآها من قبل حينما تبادل هو وقريبها حوارًا غاضبًا، تقف إلى جوار امرأتين أخرتين إحداهما تحمل طفلًا صغيرًا.
هو لم يعتد إطالة النظر بالفتيات، لكن عينيه تابعتها أثناء حديثها مع والدتها كما يظن؛
فبصرف النظر عن جمالها الهادئ بها شيء غريب، مثير للانتباه؛
رآها تبكي باللقاء السابق، لكنها الآن تبتسم برقة وهي تصافح إحدى المدعوات.
تضحك؛
تتحدث؛
وهو لا يستطيع نزع عينيه عنها!
هرب بنظراته بعيدًا زاجرًا نفسه، وباللحظة التالية عاد لا إراديًّا يُحدق بها ثانية!
وكعقاب على الأفعال الصبيانية التي أتى بها فجأة وقعت عيناها عليه.. وبالجرم ضبطته!
وماذا عليه أن يفعل الآن؟
أيشيح بوجهه ويتظاهر بأنه لم يكن يراقبها فتثبت التهمة عليه أكثر؟
أم يدعي اللا مبالاة ويُحييها بابتسامة فتظن أنه متحرش ما؟
في الحالتين مُتهم، وفي الواقع هو مُدان!
والذوق يحتم عليه أن يُلقي التحية والتهنئة.. أليس كذلك؟!
شدَّ قامته ورتب كلماته في سرعة، فَمِن حُسْن حظه أن درَّبَه عمله على حُسن الحديث واللباقة.
لكن قبل أن يتحرك تطلعت هي إلى هاتفها لتنتصب في وقفتها ثم ألقت على مرافقتيها كلمات لاحظ توترها واتجهت إلى الدرجات!
...
كادت تسقط بعد أن تعثرت بطرف ثوبها وهي تهرول على بينما لا زالت غير مصدقة فِعلته..
لماذا يظهر عماد الآن تحديدًا؟ ولماذا هو مُصمم على لقائها؟
لقد اعتقدت أنه ألقى كل ما يتعلق بزواجه منها في صندوق مخفي بذهنه ودَمَّر مفتاحه عامدًا، لِمَ تذكرها فجأة؟!
ولِمَ ترتعب حد الموت من فكرة استعادته إياها ولا يتبقى إلا ثلاث أسابيع على انقضاء عدتها؟!
وصلت إلى الأسفل وراحت تلتفت في جميع الاتجاهات بحثًا عنه بعدما خبرها بحزم ليس من صفاته بأنه ينتظرها الآن أسفل البناية في رسالة نصية مُقتضبة، ولم تلمح ذلك الذي يطل برأسه من سطح البناية يتابعها في اهتمام، وفي تعجب بعد أن كان يهم بالحديث معها لكنها تخطته دون أن تلحظ وجوده؛
ولما استشعر قلقها وهي تقف أمام إحدى السيارات تتحدث مع رجل لم يره جيدًا من هذه المسافة ويبدو من حركات يديها المتوترة أن هناك مُشكلة ما.. قرر النزول إليها لربما أرادت بعض المساعدة!