📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل السادس 6 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل السادس 6 بقلم سعاد محمد


الفصل السادس
*عاد ولا مفر*
"أريد أن أبقى بمفردي!"



صاح بها مهند رَدًّا على الطرقات الهادئة على باب غرفته وهو يُنهي مكالمته مع إحدى زميلاته، لكن والدته لم تُطِعه لتفتح وتلج بهدوء، طالعته مَليَّا في صمت فحافظ هو على مرمى نظراته الملتصقة بهاتفه دون اهتمام بها.
تعاقبت التعبيرات على وجهها الذي تغضن جراء المرض، والحزن.
منذ أعوام اعتادت على أن تتسلل إلى غرفة نضال بعد أن ينام لتراقبه بحنو، وامتنان، وأمل.
حينما فقدت زوجها وجدار حمايتها منذ ما يزيد عن الأعوام العشر ظنت أنها ستعاني الأمرين مع ولديها حيث كان الأكبر يتأهل للتخرج واستقبال العالم له بأذرع مفتوحة، بينما الأصغر لايزال يتمتع بطفولته غير واعي تمامًا بفداحة ما فقدوه.
إلا أن نضال سرعان ما تماسك ولم يدع للانهيار إليه طريقًا مُمهدًا، أدرك أنه لا يمتلك وقتًا للتراخي فتولى مسؤولية والدته وشقيقه دون تقاعس.



سارت الأمور ماديًا ببعض السلاسة بعد أن تسلموا نصيب زوجها في الأرض التي تقاسمها مع شقيقه، ومعنويًا بسلاسة أكبر عندما احتضن نضال مهند مُحاولًا اتخاذ مكانة الأب الذي لم يتمتع الأخير به.
لكن بمرحلة المراهقة أظهر مهند رغبة صريحة بالخروج من القوقعة التي يحبسه فيها شقيقه على حد قوله، وفيما تباينت أسباب الخلافات التي لا تنتهي اتخذت هي دور رسول السلام بينهما!



"أراضٍ أنت عن وضعك؟ لم تذهب إلى الجامعة لمرة واحدة منذ أسبوع!"



سألته لتقطع استرسال ذكريات لن تجلب لقلبها سوى العذاب، وتأملات لن تُكسِب عقلها سوى الخوف!
_ما يهم هو أن يرضى ابنكِ الحبيب!



بتهكم جاء رده وهو يصب جل اهتمامه على اللعبة، فاقتربت بخطواتها المُتعبة حتى وقفت أمامه..
_أتعتقد أن صمتي على أفعالك يعني موافقتي؟! أنت مُخطئ يا مهند، مُخطئ بكل ما تفعل، والأكثر خطئًا هو أنك لا ترى فيما تقوم به أي مانع!
ألقى هاتفه على الفراش لينظر إليها بسخرية تساقطت من كلماته:
_هل لقنكِ نضال الدرس هذه المرة خشية أن يفقد تحكمه مرة واحدة؟! حتى مع خلافنا ألن يكف عن دور المُعلم وإن اضطر لاستخدام وسيط؟! أم أنكِ من صِرتِ تستمتعين بدور القيادة الذي اغتصبه واستشعرتِ حلاوة غير حقيقية لطعم الطاعة المُقيدَة بالذل؟!



لم ينتبه للأذى الذي طالها، أو ربما انتبه ولم يحفل؛
يتمسك بصورة مؤشر مُؤَقِّت القنبلة؛
تتناقص الأرقام على شاشته غير عابئ بمن يهرولون هنا وهناك لحاقًا بأنفاس ربما تغادرهم في غير استعداد؛
ثانية، فالتي تليها.. وينفجر!



تقبلت الحُرقة التي اعترتها، استسلمت للقبضة التي أطبقت على قلبها؛
وبصوت أرهقه تمرد ولد أكثر مما أرهقه فقدان زوج سألته في عتاب:
_ألا ترى في أسلوب حديثك السيء مع والدتك أنه محق؟!
أشاح بوجهه بعيدًا في حنق؛
يصد أبواب قلبه أمام الندم، ويشرعها جميعها لاستقبال كل دافع للنقمة!
_يا بني! لسنا أعداءك، أنا أمك وهو شقيقك الوحيد، لا نتمنى سوى صلاحك وسعادتك.
قالتها في وهن، لينتفض هو حاشدًا كل قواه:
_وهل سيكون صلاحي عن طريق استعبادي أو معاملتي كطفل؟! هل ستتحقق سعادتي حينما أقابل أصدقائي وأنا لا أحوز أقل المصروفات بينما هم ينفقون خلال لقاء واحد ما يدخره ابنكِ بشهر؟!



زفير طويل تخلى عنه صدرها المُثقل وهي تعي سبب شقائه منذ وقت ليس بالقصير؛
ليس من اليسير على أم أن تعترف لنفسها أن ابنها يُعلق بصره فيما يملك غيره وتتآكل نفسه كلما لاحظ من يتمتع بما لا يمتلك هو!



_إذن لا ترافق من هم لا يُكافئون مستوانا يا مهند طالما أنت لا تتوقف عن مراقبة حياة الآخرين!
توردت وجنتاه حرجًا فابتسمت حامدة لِعثورها على وجه شبه بين ولديها!
بالرغم من خشونة صوتيهما وحِدة ملامحهما إلا أن وجنيتيهما تحمران إن تعرض أحدهما للحرج، أو ارتكب أحدهما خطئًا يستحق العقاب.. وربما لايزال هناك أملًا!



_نضال يخاف عليك يا مهند، ويهتم لأمرك كثيرًا.
رددتها على مسامعه في رفق، فزاد من تقطيب حاجبيه، لتواصل وهي تربت على إحدى كتفيه:
_انظر إليه! لقد تجاهل فكرة الزواج كُليًّا حتى لا يشغله شيء عنك!
ضغط على أسنانه بغيظ وهو يتجاهل خيط الندم الذي يُجاهد للتسلل إليه، فللأسف هي محقة، حتى مع علمه بالأمر مُصادفًة فلن يستطيع إنكاره، لقد كاد شقيقه أن يتقدم لخطبة ابنة إحدى صديقات والدته ارضاءً إياها، لكنه أحجم عن تلك الخطوة كي...
_بل حتى يحكم قبضته عليّ أكثر!



قالها في نزق لا سبب له وهو يكتم أي مبرر آخر لن يُوقِد جذوة غضبه.
تعلقت نظراتها بوسامة ملامحه في حسرة، مطت شفتيها ثم هزت رأسها بلا معنى قبل أن تستدير وهي تتمتم بصوت مسموع:
_رحم الله والدك! استطاع أن يورثه الحنان والواجب والحس بالمسؤولية، لكنه لم يجد الوقت ليفعل المثل معك.
وحالما أغلقت الباب جلس على الفراش ليخفي وجهه بكفيه خاضعًا لتلك الرغبات التي تتنازع بنفسه؛
جانب منه يدرك أن والدته محقة، وأن شقيقه يقوم بدور لو تبادله معه سيفشل مُبكرًا؛
جانب آخر يؤكد له أنهما يظلمانه، ويحرمانه، وأن ما عليه إلا أن يُثبت عدم حاجته لتضحيات شقيقه؛
تنهد في حيرة وبقى يتأرجح بين الجانبين عسى أن يميل لأحدهما ويحسم أمره.
**

"لماذا لا تتكلمين يا زوجتي العزيزة؟ ألم تشتاقي إليّْ؟!"



ازدردت لعابها وهي تحاول السيطرة على جسدها المرتجف، هربت الكلمات من بين شفتيها لتتصارع بعنف كأسئلة في عقلها..
كيف حدث هذا؟!
كيف وصل إليها؟!
وكيف حل موعد تحرره؟!
لا.. لا يُفترض أن يُطلَق سراحه قبل خمسة أشهر ونصف!



_ألن تسمحي لي بالدخول؟!



سألها وهو يدخل بالفعل مُتطلعًا إلى الغرفة الضيقة البسيطة التي هربت من بيت عائلتها الكبير إليها، تعلقت إحدى كفيها بالمقبض تحاول استمداد قوة واهية، اجتذبت بضعة أنفاس بصعوبة وهي تجلي حنجرتها وتستدير إليه مُتسائلة باهتزاز:
_لِمَ أتيت؟ وماذا تريد؟
جلس على المقعد الذي كانت لتوها تنعم بحريتها الكاذبة عليه، وضع ساقًا فوق الأخرى وتخلى عن ابتسامته المُفتعلة سامحًا لجزء من مشاعره الغاضبة بالارتسام بمقلتيه رادًا باقتضاب:
_أريد زوجتي.



ارتدت إلى الخلف وعادت رجفة جسدها أشد، ثم تراجعت بضع خطوات مرتبكة وهي ترفع سبابتها مُحاولة التظاهر بصمود لم تسنح لها الفرصة لامتلاكه لتقول بتحذير:
_إن اقتربت خطوة واحدة تجاهي سأصرخ!
لم يتحرك من جلسته المُسترخية والسخرية تعود إلى ملامحه ثانية مُعلقًا بلا اكتراث:
_وبِمَ ستصرخين؟ أنقذوني من زوجي؟!
وبحدة فاجأتها وضاعفت من ذعرها استقام مُقتربًا ليقول بكل ما استطاع من سخط:
_بل سأخطو تجاهكِ كل الخطوات يا إيلاف، بالرغم من أنكِ لم تحاولي السؤال عني لمرة واحدة حينما كنت بالسجن!




التصق ظهرها بالجدار وبدأت كتفاها بالاهتزاز وهي تقول بصوت متقطع:
_لقد حاولت.. لكن جدي وياسر خبرانني أنك ترفض ذلك رفضًا قاطعًا.
_لأنني بالفعل لم أكن لأسمح لكِ بالولوج إلى هكذا مكان!
صاح وهو يصفع باب الغرفة ليحصلان على بعض الخصوصية، وبينما كانت هي لاتزال لم تستوعب خروجه، ظهوره، ووجوده، تابع هاتفًا:
_وبالرغم من ذلك فقد انتظرت مجرد رسالة عابرة مع ياسر أو لؤي، أية علامة تدل على أنكِ تتذكرين وجودي بحياتكِ وصِلتي بكِ، لكن يبدو أنكِ تناسيتِ زواجنا بمجرد أن أدى هدفه الأساسي.




والجزء الأخير من عبارته كان تقريريًا ساخرًا.. وربما لائمًا!
ومن يكون هو ليُلقي عليها باللوم؟!
علام يُحاسبها؟ وبِمَ يُدينها؟!
تسارعت أنفاسها وهي تختطف لَومه، وبهدوء لم يلحظ إشارات الغضب به سألته:
_وما هو هدفه الأساسي يا ناهل؟!
انعقد حاجباه ونفرت عروق صدغه، تحفز جسده فردد دون تفوه دعاءً بعدم إساءة التصرف..
لم يمنحها إجابة، ولم تنتظر!



لكنها ابتسمت مُواصِلة بصوتها المرتجف ككل ما بها:
_أعني، أنا أعلم أنك قد تزوجتني من أجل درأ الفضائح التي تسبب لي بها هاني، لكن ماذا عن العائد الخاص بك؟!
احتدت عيناه بنهي صريح فلم ترتدع؛
أمرها صامتًا بألا تتجاوز.. فتجاوزت!



_كم دفع لك جدي مُقابل زواجك من فتاة اتهمها ابن عمتها الذي عقد قرانه عليها بأنها كانت على علاقة كاملة به دون زواج؟ لا شخص يقبل بتحمل ما سيُقال بشأن رجولتـ..
حطت كفه الخشنة على فمها قبل أن تتم اتهامها، ومن بين أسنانه تمتم وهو يُحدق بها:
_اخرسي يا إيلاف قبل أن أفقد ما أتمسك به من صبر على حماقاتكِ المتكررة!



والجنون اندلع برأسه مُدركًا أن جزءً مما حرِص على بقاءه سرًا صار لها معلومة مُؤكدَة!
دفعته عنها بقبضة وَهِنَة ما كانت لتزحزحه قيد أنملة، إلا أنه تراجع إلى الخلف لتبتعد هي إلى منتصف الغرفة هاتفة بحنق:
_إذن هل تزوجتني ملء إرادتك؟ ألم يطلب منك جدي أن تفعل؟ وربما قد ألح عليك أو توسلك وأنت رضخت بآخر الأمر حرجًا من أفضاله عليك أو طمعًا في المقابل.



"أفضاله عليك!"
كلمتين ألقتهما في بساطة لكن تأثيرهما طفح في كيانه فكتمه قبل أن يصل لعينيه؛
"أفضاله عليك!"
مُلخص النظرة العامة لعلاقته بعائلة الكُردي، والتبرير الذي يوجده الكثير لتقاربه "السابق" معها!



_أم أن زوجة أبيك بذلت جهودها كي تخبرني بأن جدي قام ببيعي لك كذبًا ورغبًة منها بإزعاجك فحسب؟!



انتزعته بسؤالها الساخر، لترميه في بِركة حقد يكافح منذ سنوات للخروج منها، وكلما شارف على الطفو.. وجد نفسه يغوص أكثر إلى القاع!



_اللعينة!



همس بها حينما وجد إجابة وحيدة لأسئلة تتردد بداخله ما إن أعلمه هارون بأنها رحلت عن بيت عائلتها:
لماذا هربت؟!
هل علِمَت بالحقيقة؟!
و.. ماذا قصدت زوجة أبيه بالهدية التي تركتها له؟!
فجدها نفسه شدد عليه بألا تعرِف بالتفاصيل، ليتم الأمر في علمها بالخطوات الطبيعية!
شاب طيب السُمعة يرغب بالزواج فتقدم إليها، ورغم وجود عواقب واختلافات فقد راهن جدها على السنوات السابقة التي جمعت بينهما في المصنع، قبل أن يختفي بالوقت ذاته حين تمت خطبتها لابن عمتها..
ورغم أنه لم يعترف بشيء فقد قرأ الرجل حقيقة مشاعره كلها بنظراته.. وربما لهذا السبب تحديدًا عرض عليه هو أن يتزوج منها قبل أن ينجح هاني ووالدته في التأثير عليها ثانية!

_لقد انتباتني الدهشة حينما خبرني جدي أن ناهل حجازي الذي اختفى فجأة ظهر أيضًا فجأة واختارني أنا تحديدًا دون سواي، لكني لم أحاول شَغل تفكيري كثيرًا بالأمر، أنت خير من تعلم كيف أتكاسل عن إلقاء الأسئلة.



قالتها بنبرة ساخرة زينتها نظرة حنين نفدت إلى أعماقه دون أدنى مقاومة؛
قالتها في خجل، وفي إقرار، في إشارة إلى ما اعتاد التعبير به قديمًا عن غيظه جراء طاعتها لكل ما تؤمر به دون إبداء مُعارضة!



هناك فتاة رآها منذ ثمانية أعوام، وفقدها منذ عامين؛
منذ أشهر ظن أنها قد عادت إليه.. والآن فقط أيقن أنها لا زالت عن دربه ضائعة!



_إذن.. هل زوجة أبيك تكذب؟ ألم يعرض جدي عليك الزواج بي؟
_بل فعل!



سألته في رجاء وهي على أتم الاستعداد للاعتذار لو ثبت خطئها رغم عدم إنكار جدها نفسه قبيل تركها البيت، لكن ها هو "زوجها" يؤكد لها أنها ليست إلا بضاعة معطوبة تم الاستغناء عنها لأول مُشتري صادف مروره بها!
_ألا تجدين أن ردة فعلكِ هوجاء بعض الشيء؟! هل من الطبيعي أن تترك فتاة بيت أهلها وتهرب دون مراعاة لخوفهم عليها؟!
خاطبها وهو يفعل ما يتقنه، يكتم مشاعره، يخفيها حتى يقسم الرائي بأنها لم تولد بالأصل، وبرغم أن البعض يعتبرها خصلة سيئة يراها هو نعمة يستشعر قيمتها كلما فازت كرامته بإحدى المعارك!



خاطبها مُستفهمًا بامتعاض قذف الدهشة إلى عينيها، وقبل أن تصرخ، أو تستنكر، عاجلها بلا مبالاة:
_سنذهب معًا إلى بيت عائلتكِ، سأبلغ من لا يعلم منهم بعد بشأن زواجنا، وسأكون على أتم الاستعداد لتلقي التهنئات أيًا كان نوعها.



بآخر عبارته ابتسم؛
ابتسامة لا تمُت لناهل الذي تعرفه إطلاقًا؛
ولماذا لا يكون هذا الذي يواجهها ليس هو بناهل الذي لطالما شعرت أنها تفهمه؟!
ليكن!
الأمر لا ينبغي أن يشغلها، وعليها أن تتمسك الآن باستقلالها..
عن عائلتها.. وعنه!



_لن أذهب معك إلى أي مكان، هذا الزواج خطأ وسأسارع بتصحيحه ومحوه وكأنه لم يقع في الأصل.
ضحك وتقسم هي أنه ينعتها بالغباء في السر.. كما اعتاد الكثير أن يفعلوا بالعلن؛
وقبل أن تواصل هجومها كان هو يغرز أصابعه في لحيته مُستدعيًا لعقلها ذكريات إلى نفسها مُحببة؛
يفعلها عندما يكون بأقصى حالات تركيزه؛
يفعلها حينما ينتابه الارتباك نادرًا؛
ويفعلها لمَّا يجتاحه الغضب!



كادت _لحماقتها_ أن تبتسم إلا أنه قال في استخفاف:
_أراكِ صرتِ بارعة في تصحيح الأخطاء بعد أن ألقيتِ بنفسكِ داخل الشِرك الأعظم بتصميم مُثير للتفكُّر، تُرى من سعيد الحظ الذي ستقومين باستغلاله هذه المرة؟
غاضب؛ هو الآن غاضب؛
وهي.. تتمنى لو _بمعجزٍة ما_ في هذه اللحظة تختفي!
_لِمَ الحرج يا جميلة؟



"جميلة؟!"



لأول مرة تسمع كلمة غزل من أي شخص تحصل معها على باقة مُغَلَّفة بالتهكم والسخرية؟!
وتخلص من ابتسامته ليجلدها بِسوط ازدراءه مُتسائلًا:
_ألم تمنحي ضميركِ إجازة طويلة الأمد حين تزوجتِني؟ لماذا تنكرين عليّ ما فعلتِه أنتِ دون تردد؟
مُحِق هو ولن تُنكر؛ ففي المرة الوحيدة التي اختارت أن تتصرف بأنانية كان هو وسيلتها..
وعلى كل حال فشلت وعادت فِعلتها عليها بالوبال!



_ربما تظنينني قبضت ثمنًا نظير موافقتي على زواجي بكِ، لكن أنتِ أيضا حققتِ انتقامكِ من ابن عمتكِ الغالي...
بتر كلماته الحادة، ليُردِف بتوعد:
_أعني.. ستحققينه حينما يكتشف أن أي طريق كان يخطط لاتباعه كي يحكم قبضته عليكِ مُجددًا كنت أنتظره أنا بنهايته بعدما سبقته منذ أشهر ودمرته تدميرًا.



ظلل التوجس عينيها وهي تلمح آثار الشهور الست المُنصرمة في ظُلمة مُقلتيه، وتهديد نبرته، وعنف لغة جسده..
نظر إليها مُستطردًا بابتسامة صفراء لم يحفل بمواراة أي اشمئزاز غلفها:
_هيا يا إيلاف! لا تتدللي بعدما قطعتِ شوطًا طويلًا في مسار سعيكِ خلف استرداد كرامتكِ التي نثرها النذل كذرات الغبار في يومٍ عاصف.
ببقايا عناد جاء ردها:
_لست موافقة، سأستردها دون الحاجة لمساعدتك.
وبالكثير من التصميم نزل تعليقه عليها كالصاعقة:
_ومتى قلت أنني أسألكِ؟



تراجع إلى الخلف حثيثًا مانحًا إياها بعض الحرية؛
حرية تحت المُراقبة!
مصطلح غريب؛ متناقض؛
للوهلة الأولى يعدها بالفرار، وبلمح البصر يعتقلها.. لكيانها مُقيدًا، ولِروحها خانقًا!



ثم أحكم قفل أصفاده بعبارته الحاسمة:
_يا عزيزتي لم يعد الاختيار من حقكِ، أنا وافقت على عرض جدكِ بالفعل، وأنوي أن أستفيد به كاملًا.
_بم ستستفيد يا ناهل؟
سألته ببساطة، وإجابات عِدة تتقافز بعقلها، فحواها كلها أن لن تكون هي مصدر إفادة لأحدهم يومًا!
_ربما سيدفع لي جدكِ، ربما سيُعيد إليّْ مسؤولياتي السابقة بالمصنع، فأنتِ تفهمين أن أمر حصولي على وظيفة جيدة بات صعبًا بعد خروجي من السجن.



لم يخذلها، هي بالفعل ليست مصدر إفادة، إنما هي الطريقة المُثلى للوصول إليها!

_أو ربما سأكتفي بالشعور بلذة انتصاري.
أردف باقتضاب فلم ترغب بالمزيد، واقترب ثانية مُعلنًا نهاية مُدة "حريتها" القصيرة، مُتسائلًا:
_ألا ترين الآن أن زواجي بكِ له مزايا عديدة؟ أنا قد نفذت ما عليّ من واجب، وحان وقت استحقاق المنفعة!



إنه العدل! من العدل أن تُذعن؛
ومن الصواب ألا تعارض؛
هي من بادرت بالخطأ فلهثت خلف من لم ينظر لها كإنسان يومًا؛
وهي أيضًا من سارعت بالموافقة على الزواج ممن لن ينظر لها كأنثى يومًا!



_تَعَرَّض جدكِ لوعكة صحية.
قالها ببساطة ففغرت شفتيها تهتف بذعر:
_ما الذي حل به؟
هز رأسه مُجيبًا بنبرة ذات مغزى:
_ما يحل بأي رجل تهرب حفيدته من بيته لأسبوع فلا يعرف سبيلًا إليها، ولا يوقن من حياتها أو موتها.
لن يدعها وشأنها!
لن يسمح لفرصة تأنيبها بأن تمر مرور الكرام!
تجاهلت دقات قلبها التي توترت وهي تتخيل جدها الحبيب يُعاني بسببها، فانبعث ندمها!



لكن نظراته المصوبة تجاهها جعلتها تتظاهر بالثبات وهي تسأله باهتمام:
_وكيف عرفت أنت إذن؟
_ربما تظنينني حبيسًا بالسجن، لكن أنتِ أكثر مني تقيُدًا بالخارج.



يقرأها؛ يحفظها؛
يُحلل كل دواخلها دون بذل أقل جهد!



_أتحبين مرافقتي إلى بيت عائلتكِ لنزف لهم الخبر معًا؟ أم أذهب بمفردي؟



يُغريها؛ يجذبها؛
يعدها بفوز بسيط تبحث عنه منذ فترة ليُعيد لها ما تم هدره من كبرياء!



واقترب منها، إلى حد لم يصل إليه من قبل إلا مرة واحدة عندما لثم جبهتها تحت إلحاح زوجة الحاج بيومي بعد عقد قران كان جدها هو وليها واكتفى لؤي _مع ياسر_ بكونهما شاهدين!



وبينما لم يعلم من أفراد عائلتها سوى والدتها وشقيقها وابن عمتها، عرف الكثيرون من الحي الذي يقطن به العريس بزواجه من ابنة رب عمله السابق المُتوفى.
تطلعت إليه تبحث عن المفقود؛
حدَّقت فيه تنشد أمانًا ضائعًا؛
فحدجها بنظرة تحمل غضبًا عظيمًا وهمس بنبرة مُرعبة:
_كوني صريحة مع نفسكِ يا إيلاف! أنتِ ترغبين بالمواجهة، بقدر ما تخشينها تتمنين لو حانت لحظتها، وأنا لن أنتظر أن تواتيكِ الشجاعة لأنها لن تفعل، سأوفر لكِ مشاهدة العرض..
سكت عامدًا، ثم أضاف مُشددًا:
_تحت حمايتي.



وبالمثل همست، بقلق، بخوف وهي تمسح بنظراتها وجهه من هذه المسافة القصيرة:
_مرة ثانية.. بِمَ ستستفيد؟
أطلق ضحكة مرتفعة، وعاد إلى المقعد، ليجلس كأنما هو سُلطان تم التخلص منه واغتصاب مملكته، لكنه عاد لاغتنام كل ما بإمكانه أن يُطفئ نيران غضبه:
_ربما تأكيد على كرم أخلاقي، وإثبات أنني سألتزم بواجباتي كما سأستعيد حقوقي دون تردد.
**

بداخل ملهى أحد المنتجعات السياحية وقف النادل خلف الطاولة العريضة المرتفعة حيث يُجهز المشروبات بجميع أنواعها للرواد، لكنه لم يستطع منع نفسه من اختلاس النظرات المُتعجبة من حين لآخر إلى ذلك الرجل الذي يوليه ظهره مُستندًا إلى الطاولة ذاتها.
لقد اعتاد رؤية أمثاله يحتسون الشراب وهم يراقبون النساء _نزيلات المنتجع أو العاملات_ قبل أن يتخذوا الخطوة المُتوقعة للتودد إليهن، لكن ما يُثير تعجبه هو أن ذلك الشخص لا يفعل، لا يحتسي أي مشروب كحولي، لا يصطحب أية امرأة إلى الرقص، ولا يُلقي نظرة عابرة على أي منهن!



مُكتفيًا _لليوم الثالث على التوالي_ بمراقبة رجل آخر، وهو أحد مرافقيه على الأخص، والذي يبدو مُستمتعًا _بل ومُندهشًا_ من الأجواء!
أشاح النادل برأسه بعيدًا وعاد إلى مباشرة عمله عندما لمح ثالثهما الذي يكون دومًا برفقتهما، هو أيضًا لا يمارس أي نشاط بالمكان فيما عدا مراقبة الاثنين الآخرين!



"مجموعة مُثيرة للارتياب!"



هكذا تمتم النادل قبل أن يرسم ابتسامة لبقة وهو يستمع لطلب أحد المُقيمين.
...



"ألكَ أن تشرح لي سبب ما تفعله؟ لِمَ أصررت على اصطحابه؟"



هتف مراد وقد بدا أن صبره قد انتهى بالفعل ليرمقه أسامة بتساؤل مُتأملًا حنق ينبض به وجهه ثم تعود نظراته إلى عماد الواقف مع إحدى السائحات يتضاحكان بصخب..
_وما المانع؟ أليس بصديقنا؟! ألا ينبغي علينا الترفيه عنه قليلًا؟!
واللا مبالاة التي تحدث بها أسامة استجلبت المزيد من غيظ مراد فهتف:
_أنت تفهم ما أعني، لِمَ القيام بهذه الرحلة في هذا التوقيت تحديدًا بينما عماد طلق زوجته منذ شهر لا أكثر؟!
وتابع وهو يتفحصه بنظراته عندما لم يُلقِ له بالًا:
_أعلم أن نيتك ليست سالمة تمامًا، فلا تنكر أن هناك هدف يخدم صالحك أنت في الأصل!



تجعدت ملامح أسامة في سأم، ثم تأفف وقال:
_لا أدري لماذا صِرت نَكِدًا يا مراد! لكني سأكون صريحًا معك حتى لا تتحدث بهذا الشأن مرة أخرى.
واعتدل ليقف باستقامة مُواجهًا إياه، ثم بنبرة حاسمة أجاب السؤال الذي لم يجد مراد الجرأة لإلقائه:
_نعم! أنا أنوي أن أُبقي عماد أمامي طوال الوقت، سأقوم بإلهائه، سأعرض عليه معنى أن يكون أعزب مرة أخرى، سأذكره دومًا بشكواه التي لم تتوقف طيلة عامين من الشجارات بينه وبينها، لن أدعه يبحث بذاكرته عن مزية واحدة بها حتى تنتهي أشهر العدة اللعينة فأضمن أنه قد فقد حقه باسترجاعها.
وسكت ثم ابتسم ليردف بتصميم:
_لأن لين ستصبح زوجتي أنا.



تراجع مراد متسع العينين للخلف خطوة ثم تمتم بذهول:
_أنت مجنون! أتريد الزواج من طليقة صديقك وأم طفله؟! ألا يكفيك احتمالية تسببك أنت في انفصالهما؟!



وبملامح شيطانية دعمها الغضب بصوته رد وهو يشير إلى عماد الغافل تمامًا عن كونه محور حديثهما:
_أنا أحببتها وهو لم يفعل، أنا سأحافظ عليها بينما هو لم يفعل، أنا سأقتل أي من يتجاوز حدوده بالنظرة إليها، وهو.. لو اهتم لوهلة كان ليلاحظ بالتأكيد بأنني أرغب بها لكنه كالعادة لم يفعل!



تضاعف ذهول مراد فأمعن أسامة في تغذيته وهو يتابع بابتسامة ساخرة:
_صدقني إن كان هناك سببًا في الخلاف بينهما فسيكمن به هو حينما كان يتغاضى عن كل الإشارات الواضحة! وما يجب عليّ أنا سوى استغلال الفرصة التي أتاحها لي ببساطة.
ازدرد مراد لعابه عاجزًا عن الإتيان بأي رد، ثم ما لبث أن قال في اعتراض:
_لقد خربت حياتهما، هناك طفل لا ذنب له سيحيا مُشتتًا دون أب.



وبإصرار أكبر ألصق أسامة سبابته بصدره قائلًا بفخر، ووعد:
_سأكون أنا ذلك الأب، سأكون كل ما تحلم به لين، زوج وحبيب ووالد لطفلها، سأجعلها تعي الفارق بيني وبينه بدءً من اليوم الأول.



حدَّق مراد به مُطولًا واعيًا للعزيمة التي صرح بها عن نواياه؛
كان يشعر منذ مدة ليست بقصيرة أن نظرات ابن عمه لزوجة عماد غير طبيعية، وقد اعتاد على تحذيره من غضبه إن أدرك تجاوزه، لكن اكتشافه أن عماد نفسه لا يمتلك النخوة الفطرية جعله يختار الصمت ويكتفي بفرض نفسه فرضًا على لقاءاتهما كمُراقب حتى يتعقل أسامة قبل فوات الأوان..
لكن ها هو قد وصل إلى أَبعَد مسافة ممكنة، ولا ينوي التوقف، إلا في حالة واحدة..:
_وهذه الثقة التي تُزين كلامك من أين اكتسبتها؟
سأله بهدوء، لينظر إليه أسامة بتحفز، فأضاف مُوضِحًا:
_أظنك أغفلت عنصرًا هامًا، فلا أعتقد أنها ستوافق على الزواج من صديق طليقها، هي بالأصل لا تتحمل النظر إلى وجهك كما عبَّرت بوضوح بآخر مرة ببيتها.



اتسعت طاقتا أنف أسامة مع إدراكه الداخلي بصحة ما قال؛
لين لا تطيقه.. أو _في الواقع_ تكرهه!
لِذا يجب عليه التحلي بالصبر حتى ينال مراده بها؛
وسيصبر، لقد تحمل رؤيتها زوجة لآخر ومن حقه وحده لعامين، فلن يكون القادم أكثر صعوبة!
وابتسم مؤكدًا:
_ستوافق، وإن لم تفعل سأرغمها.



وعبارته البسيطة التي ختم بها حوارهما رَنَّت كجرس إنذار بعقل مراد فاستدار باحثًا بعينيه عن عماد ليجده مُنشغلًا، لاهيًا، وبلا تصديق لحدوث الأمر بهذه البساطة يصطحب مرافقته إلى الخارج!
**

بالمقعد الخلفي بسيارة الأجرة طفقت تتأمل كفيها المرتجفة على فخذيها، تُعدل من وضع حجابها رغم أنه لا يحتاج إلى أي تعديل، تختلس نظرات قلِقَة إلى كتفي ذلك الذي يتخذ المقعد المجاور للسائق، ثم تعود لترمي بنظراتها إلى خارج النافذة حيث اللافتات المُنيرة لمحلات ومطاعم تجري بسرعة إلى جوارهم.
يتواثب قلبها بين أضلعها كلما ارتكنت إلى أحد الاحتمالات التي سيُخلفها اللقاء المُرتقب.
فمنذ ما يزيد عن الأسبوع طلبت لقاءها تلك المرأة التي رغم معرفتها بالكثير مما يخصها منذ سنوات فلم ترها إلا مرة واحدة أثناء حفل عقد القران ، وعلى مضض، وبتحفز وافقت لتتلقى منها صفعة قاسية في ثوب نصيحة شعرت هي بعدم خلاص نيتها..



"لم يطلب ناهل الزواج منكِ هيامًا بكِ، بل لقد توسل إليه جدكِ أن يفعل فنفذ!"



"تُرى كم دفع جدكِ كي يبيعكِ إلى أول مُشترِ؟!"



يومئٍذ عقدت الصدمة لسانها بحلقها، ورغم ذلك لم تتعطل حاسة شمها عن رائحة الخبث التي فاحت من كلماتها.
ربما هي ساذجة، تعترف بأنها ساذجة، ويعلم الجميع بأنها ساذجة، لكنها التقطت على الفور هدفها الرئيسي، فالصراع بين تلك المرأة وبين ابن زوجها قائم حتى يموت أحدهما ليتسلم بعدها شبحه الدور بترحيب!



"أنتِ لستِ ساذجة يا إيلاف، لا تتصرفي إقرارًا بما يُحاولون إقناعِكِ به!"



وكالعادة تقتحم إحدى نصائحه أو تحذيراته ذهنها، تسمع فيها نبرة تشجيع، وترتبك من لهجة توبيخ فاضت بها، رغم أنه بذاته عاد ليُهيمن على شؤونها كما استشعرت.. وكما اعتادت أن تطمئن!



"ال**** القادم!"



اعتدلت بتوتر وهي تتطلع إلى الشارع الهادئ الذي هربت منه وحدها في وضح النهار لتعود إليه بعد أسبوع مع.. زوجها!
نزل من السيارة لتتطلع هي إليه بداخلها في ترقب قبل أن تتأفف حينما انتبهت إلى أنه ينتظرها لتخرج دون أن يساعدها بفتح الباب على الأقل!



"وهل أُصِبتِ بِلين العظام؟!"



هكذا سخر منها يوم عقد القران عندما حاولت تنبيهه إلى ضرورة فتح باب السيارة لها!



الأضواء البسيطة التي تُنير الحديقة الصغيرة أشاعت بها اضطرابًا، وحنينًا؛
بينما الماثل إلى جوارها وَلَّد لديها قلقًا، وخوفًا؛
ماذا ستكون ردة فِعل جدها حينما يراها؟
تُرى هل أخبر الجميع بأمر زواجها؟



"لماذا حلقت ذقنك؟!"



والسؤال الذي انطلق على لسانها دون أن يمر على عقلها أولًا كاد يهزم عبوسه أمامها فيما أغمضت عينيها ندمًا لِتهورها الذي لا يعرف أي شخص مداه أكثر منه هو!



ثم عادت تنظر إليه في حرج حينما جاءها صوته مُتسليًا بكلمات بطيئة:
_تعلمين.. هناك حيث كنت لأشهر، يوجد أُناس قساة القلوب لا يلقون بالًا لأحدث صيحة في المظهر الخارجي للرجل.
ثم أضاف مُبتسمًا في مكر:
_لكن لا ينتابكِ القلق! أنا أعمل حاليًا على إطالتها ثانيًة طالما تجذبكِ.



كتفت ساعديها لتتمتم في ثبات وهي تواجهه مُحاوِلة افتعال عدم الاكتراث فبَدَت شديدة الاكتراث:
_لا أقلق، ولا تعنيني بشيء، وبالطبع لا تجذبني!



ضحكة صافية أفلتت منه قبل أن يقول في خفوت وهو يشير إلى رأسه:
_إيلاف يا كاذبة! ذاكرتي ليست ضعيفة على الإطلاق، ستُفاجئين بما طُبِع هنا.



رمقته بلا فهم فلم ينتظر أكثر، ثم قالت في ارتباك:
_ربما.. ربما يجب أن نتفق على صيغة ننقل بها الخبر إليهم.
قالتها وهي تتوقف بعد أن تخطت قدماها البوابة بينما الحارس يتطلع إليهما بدهشة اقترنت مع عبارات ترحيب بعودتها سالمة، فلم يُعره أحدهما انتباهًا، وتوقف ناهل بالمثل عاقدًا حاجبيه ليسألها في اهتمام زائف:
_ألديكِ ورقة وقلم؟! حتى إذا سقطت مني كلمة سهوًا قطعت حديثي ثم اعتذرت لهم لأراجع ما حفظت أولًا!



كظمت غيظها بمهارة واتبعت نبرة هادئة وهي تخاطبه برجاء:
_لا تعلم غفران أو لين أوعمتيّ بالأمر، أرغب بأن نمهد الأمر لهن.
تخصر وارتفع حاجباه في تعجب، ثم سألها باستخفاف:
_أأصبحتِ على وفاق تام مع أختيكِ أخيرًا بينما أنا بالسجن؟! هل أطلت إقامتي هناك إلى ذلك الحد؟!



حدجته بنظرة حانقة فتابع مُشددًا:
_عمتكِ أماني ستتفهم الأمر ولن تغضب طويلًا، أما عن والدة النذل فأقسم أن لن ينقل لها الخبر السعيد سواي، مع خالص حبي وتقديري!



ازدردت لعابها في توتر وحاولت رسم ابتسامة فلم تنجح، لكنها قالت بحماس مُصطنع:
_اسمع! فلتذهب الآن وعُد في الصباح! يكفيهم مفاجأة رجوعي هذه الليلة وبالغد نخبرهم بأمر الزواج.
مال مُقتربًا منها مُبتسمًا ثانية وحاملًا بعينيه نظرة تخبرها بأنه يكشف محاولتها:
_لقد أرسلت لهم من يخبرهم بعودتكِ بالفعل، لا تحملي همًّا بذلك الشأن!



ضغطت على أسنانها بقوة وثبتت قدميها أرضًا في عناد، إلا أنه تجاهلها ليسبقها إلى الباب الداخلي بلا اهتمام فهرولت خلفه حتى وصلت إلى جواره، وحينما مد إصبعه ليضغط زر الجرس رَفَعَت سبابتها لتقول بتحذير:
_حذارِ أن تتحدث أنت! أنا سأفعل وأُعلِن بطريقة لائقة.
نصف إيماءة واكبت ابتسامة أرسلت رجفة طفيفة إلى أوصالها؛
وأثناء انتظار إجابة الرنين أخذت تُحلل سببها؛
أهو خوف، أم.. ترقب!
**

"فيم يُثرثرون طيلة هذا الوقت؟"



همس سمير لزوجته بفضول وهو يجلس إلى جوارها على الأريكة التي تتصدر الصالة الواسعة، تَعلَّقت عيناها بالممر الطويل الذي ينتهي بغرفة مكتب والدها حيث اختفى مع ياسر ولؤي منذ ما يقرب من الساعة بعد أن أخبرهم في اختصار أن إيلاف آمنة وأمر بعدم دخول أحد معهم.



"تُرى هل شعر العجوز بقرب الأجل فبدأ بتوزيع الميراث؟!"



والعبارة الساخرة انطلقت من هاني الذي يضطجع على مقعد وثير دون مراعاة أو قلق لأن يسمعه أحد أهل البيت الذين اختفوا بغرفهم حتى مع حلول علامات التوجس عليهم منذ عاد ياسر عصرًا من الخارج مُضطربًا بوضوح فلحقت به لين بالحالة نفسها.



"ألا تستحي أن تتحدث عن جدك بهذه الوقاحة؟!"



اعتدل هاني وهو ينتبه لوجود زوجة خاله وخالته فيما بدا عليهما الانزعاج واضحًا، وتابعت الأخيرة مُوجهة كلامها إلى شقيقتها:
_ألا توبخين ابنكِ يا عزة وتُرشدينه لبعض التهذيب؟!
مطت عزة شفتيها وهي ترد بلا اهتمام:
_هاني لم يعنِ شيئًا يا أماني، إنه يمزح.



ارتفع حاجبا أماني إلى الأعلى لتهتف باستنكار:
_أتلك طريقة للمزاح؟! إنه والدكِ _حفظه الله_ من يتمنى له السوء.
فاحتدت عينا عزة وهي تردد بغيظ:
_توقفي يا أماني عن حمل راية الدفاع عن والدنا وكأنه يخصكِ وحدكِ!
واستطردت بحنق:
_ولو أردتِ أنتِ عدم تعرضه للسوء ينبغي عليكِ أن تُسدي له النصيحة كي لا يظلم حفيديه لصالح ياسر! أم أنكِ أيضًا ترين أنه يفعل الصواب بمحاباة ابنِكِ ضد ولديّ؟



هزت أماني رأسها ببطء، ثم ابتسمت بافتعال لترد مُشددة على كلماتها:
_ستموتين مُصابة بداء المؤامرة يا عزة، تظنين أن الجميع يُدبرون المكائد لِولديكِ البريئين بينما يستعيذ من يقابلهما مُصادفًة من الخُبث والخبائث!



فغرت عزة شفتيها لتهب واقفة وهي تهتف:
_كيف تجرؤين على...



"ماذا يحدث هنا؟"



التفتوا إلى حيث ظهر الحاج فؤاد فيما وقف خلفه ياسر الذي صار أكثر ثباتًا، ولؤي الذي تسلَّم منه الارتباك كاملًا.
_أعتذر يا أبي، كيف حال صحتك الآن؟
ألقت أماني عبارتها مُتجهًة إلى والدها تُقبل يده باحترام، فأجابها باقتضاب وهو يُوجه نظراته إلى البقية بترقب:
_بخير.
واقتربت منه عزة بابتسامة فضولية تُدير نظراتها بين ثلاثتهم مُحاولِة سبر أغوارهم، ثم سألته:
_ماذا هناك؟ هل أمور المصنع بخير؟
هز الحاج فؤاد رأسه نفيًا وهو يختلس النظر إلى هالة التي تجلس شاردة مُنتفخة العينين من فرط البكاء، ثم عاد إلى ابنته يُجيبها زاجرًا:
_لم نكن نتناقش بشأن المصنع، أتتناسين أن هناك ما يهمنا أكثر في الوقت الحالي؟



عندئذٍ وضع سمير الكوب الفارغ الذي لايزال دافئًا بعض الشيء على المنضدة القريبة، ثم تدخَّل قائلًا بلا اكتراث:
_يا عمي! إن كنت قلقًا بشأن إيلاف فلا تفعل! هي تتدلل لسبب ما لا نعرفه، لم يطردها أحد أو يُغضبها، أنت قلت أن أحدهم قد أبلغك بمكانها، لِذا دعك منها! وكما رحلت بإرادتها ستعود نادمة حينما تدرك على أي نعيم تمردت.



عوجت أماني شفتيها وهي تُغمغم بكلمات تحمل اعتراضًا أو سبابًا!



فيما تجاوز الجد ابنتيه ليقف أمام صهره وابن شقيقه قائلًا بجدية:
_أتعلم يا سمير؟! لقد توقفت منذ زمن عن التعجب مُوقنًا أن ما عاد شيء باستطاعته أن يُدهشني، لكن _وهذه شهادة سأُحاسب عليها_ أنت وزوجتك وولديك لا تَكُفُّون عن إثارة ذهولي!



رمقه سمير بلا فهم لثانيتين قبل أن ينتفض واقفًا عندما صدح صوت عمه زاعقًا:
_نحن نتحدث عن فتاة رحلت عن البيت بمفردها منذ أسبوع، هي ابنة ابن عمك، ولولا نذالة ابنك كانت ستصبح كنتك وابنتك، وأنت تجلس هنا لا تفعل شيئًا مفيدًا مُكتفيًا بتناول الفاكهة واحتساء الشاي ثم تتحذلق عن كون لم يطردها أحد؟!
وبصوت جهوري صاح:
_ومن يجرؤ على طرد إحدى حفيداتي من بيتي وأنا لازلت أتنفس؟!



وقف سمير مُرتبكًا مُدركًا أنه ترك لرأيه العنان عندما لم يجب عليه أن يفعل، ومن غرفتها خرجت لين حالما وصل صوت جدها إليها، ثم ظهرت غفران أيضًا بخطوات متسارعة تتلمس أخبارًا عن شقيقتها، بينما توالى تأنيب الحاج فؤاد على سمع سمير دونما توقف:
_لو ظننت أنني لم أتخذ ردة فعل عنيفة ضد ابنك حينما فضحها باطلًا ضعفًا مني فأنت مُخطئ يا سمير، إلا أنه _للأسف_ حفيدي أيضًا وهناك حدًّا لِما أمكنني معاقبته به.
ثم رفع عصاه مُحذرًا:
_لكن إياك أن تعتمد على ذلك طويلًا!



"لماذا تواصل تأنيبي يا جدي؟!"



اخترق السؤال سمعه فاستدار ببطء يواجه هاني الذي فاح الاعتراض من نظرته وهو يتجاهل نظرات شقيقه المُحذِّرة الناهية، قبل أن يكمل بغضب:
_لقد هربت بمفردها من البيت منذ أيام ولا يعلم أحدنا ممن اكتسبت هذه الجرأة لاتخاذ هكذا خطوة، أو.. مع من تقيم الآن.

وشهقتين في آنٍ واحد انطلقتا من أماني ولين، لكنهما لم تمنعا جده من أن يسأله في تحفز:
_ماذا تقصد؟
فرد كفيه إلى جواره ليقول ساخرًا، مُتشفيًا:
_أعني ربما أرادت الانتقام مني فتعرفت إلى أحدهم وهي الآن تمنحه ما حرَّمته علي حينما كنت زوجها، متغاضية عن العار الذي سيُكللنا جميعًا!



أنهى عبارته ليحل الصمت على المكان وكأن الجميع فقدوا قدرتهم على التكلم، حتى هتفت غفران في غضب:
_ليُقطع لسانك القذر هذا!



فيما أمسك ياسر في قوة بلؤي الذي اندفع تجاهه صارخًا:
_اخرس ولا تتحدث عن شقيــ..



والضربة القوية التي تلقاها هاني من عصا جده على فخذه جعلته يفقد توازنه وكاد أن يسقط أرضًا لولا أن لحقت به أمه تولول في ذعر، بينما طغى ذهول عينيه على الألم الذي انتشر بساقه كلها!



بتر لؤي عبارته ليتحدث جده بصلابة وهو يُشير إلى صدره بسبابته:
_لقد ربيت حفيداتي جيدًا على عكسك أنت، حرصت على تمتعهن بالدين والأخلاق على عكسك أنت، لِذا إن كان هناك من سيُكللنا بالعار يومًا فلن تكون إحداهن، إنما _بلا أدنى شك_ هو أنت!



بآخر عبارته أشار إليه وتقطع صوته؛
اقتحمه إعياء حاول طوال الفترة الماضية تجاهل علاماته، فاستدار ببطء..
يُجبر رأسه على ألا ينخفض؛
يتوسل ظهره ألا ينحني؛
يتضرع خفية خشية مجهول غير مرئي، لكنه بات منه قريبًا، وصار لِمَا كافح من أجل الحفاظ عليه مُهددًا بالضياع!



إلا أنه تمالك نفسه سريعًا ليُشير إلى ياسر بأن يقعد.. فنفذ وهو يدفع لؤي دفعًا ليبتعد عن هاني، ثم اتجه إلى مقعد آخر مُزيحًا عمرو عن طريقه بيده دون كلام، استقر فيه ثم حشد كل قواه قائلًا بصرامة:
_اسمعوني جميعًا! هناك ما سأخبركم عنه بشأن إيلاف، ولا يقاطعني أحدكم قبل أن أنتهي!
ورنين الجرس الذي هبط على آذانهم أجبره على الصمت والإرجاء؛
لقد أخفى الأمر عنهم لِمَا يزيد عن الأشهر الست، فلن يُضيره الانتظار بضع دقائق أخرى!
والترقب الذي حط على رؤوس الجميع اختفى فجأة حينما ظهر الطارق.. أو الطارقين!



"يبدو أنه يوم سعدي إذن! لو كنت عقدت الترتيبات حتى تكونوا جميعًا حاضرين بالوقت نفسه لِمَا حالفني الحظ بهذا التيسير!"



بهذه العبارة انطلق صوته القوي ذو الرنَّة الساخرة بمجرد أن دخل إلى الصالة التي يجتمعون بها؛
تطلعوا إليه بدهشة بينما اختبأت هي خلف ظهره وقد ذهبت كل شجاعتها أدراج الرياح، سقط الوجوم بجناحيه على وجوههم كوطواط ضل طريقه فاتخذ من ثباتهم ملاذًا، ليتجه هو بنظراته إلى الجد مُرحبًّا به ببساطة:
_كيف حالك الآن يا حاج فؤاد؟
_بخير يا بُني، حمدًا لله على سلامتك!



رد ثم تنهد في ارتياح وهو يلقي نظرة شاملة على حفيدته، ووعى أن المهمة التي كان على وشك القيام بها هناك من سيحملها عنه..
_إيلاف! ابنتي، أين كنتِ و....
وهالة كانت أول من اتخذ ردة فعل فتخلصت من ذهولها وانتفضت بجزع إلى ابنتها التي فقد وجهها علامات الحياة..
تلمستها؛ بكت وضمتها؛
استشعرت حرارة جبهتها؛
مسدت يداها على جذعها في تلهف؛
ثم كررت كل خطواتها؛
حركات خرقاء قامت بها نَبَّهت إيلاف إلى حالة الرعب التي تتمرَّغ على صفحة وجهها، فانتقلت بعينيها إلى أختيها لتجد كلتيهما تتطلعان إليها في حب لا شك به، وتغالبان دمعاتهما بينما لا تجرؤ إحداهما على الاقتراب!



_أنا بخير يا أمي!



قالتها بهدوء وذراعي عمتها أماني تتلقفها، ثم تقبلها، وهمسات لائمة ممتزجة بأخرى معتذرة تتوارد على أذنيها فلا تفهمها!



"كيف تُقدمين على هكذا خطوة يا إيلاف؟! ألا تحترمين أي من أفراد عائلتكِ؟!"



والسؤال الذي هتفت به عمتها عزة لم تجد إجابة تناسبه أفضل من التجاهل، لتلمح غضبها ينبثق من مقلتيها فتولي وجهها إلى أمها وعمتها أماني؛
وعن عَمد تهربت من لقاء عينيّ جدها الثاقبتين، لازالت منه غاضبة، لازالت وحوش اللوم والعتاب ترغب بأن تنقض من كيانها لتصرخ به، لكنها لا تقوى على تجاهل شعورها بالحرج منه أكثر من أي شخص آخر!



"هل هربت من السجن؟! وماذا تفعل هنا على أي حال؟! "



أما سؤال هاني الذي صاح به انتزعها من أسئلة أمها وعمتها التي لا تتوقف، فأصغت السمع له وأعادت على ذهنها العبارات المُنمقة التي ستخبرهم بها عن وضعها.
_بل كنت حسن السير والسلوك بحيث لم يتحملوا استضافتي يومًا إضافيًا!



وإجابة ناهل الساخرة أيقظت جرس الإنذار بعقلها، لكن يبدو أنها تأخرت بعض الشيء!
_ألن تُلقي علينا التهنئة يا هاني؟!



اتجه إليه ناهل وهو يسأله ببراءة، فقطع ياسر طريقه هامسًا له بقلق انتصر على محاولات كبته:
_ليس الآن يا ناهل، لا تخبره الآن! تعال معي إلى الخارج قليلًا!



رمقه في صمت ليلحظ لؤي خلفه يوشك وجهه على الانفجار توجسُّا، فتخطاهما معًا بنظراته إلى هاني الذي ردَّ على الفور في استهزاء:
_مُبارك خروجك من السجن، عسى ألا تعُد إلى هناك مرة ثانية قريبًا!



تنهد ياسر في يأس ثم قال دون تردد:
_فلتخبره الآن إذن!

وكأنه كان ينتظر الفرصة، فقد ابتسم ناهل ثم مط شفتيه ليقول لهاني بجدية لم تُخفِ تلميحًا قصده:
_لا أظن أنني سأعود، لقد صارت لدي أولويات أخرى ليس منها إثارة الشغب، أو الانتقام ممن آذاني على سبيل المثال.
ولمعة الغضب التي برقت بها عينا هاني كانت تكفيه لِهذه اللحظة، إلا أنه أضاف بِتلكؤ:
_لكنني لا أتلقى التهنئة لذلك الأمر حاليًا.
حبست أنفاسها وهمست بدعوات على غرار انشقاق الأرض وابتلاعها أو إصابته بخرس مُفاجئ لبضع دقائق وحسب تمكنها من الانطلاق إلى غرفتها، لكنه من شلَّ تفكيرها نفسه وهو يستدير إليها قائلًا بِلُطف لم يكن من سماته كثيرًا:
_ماذا هناك يا إيلاف؟ ألم يعلموا بعد؟



أطبقت شفتيها في غيظ ورمقته في مزيد من الغيظ، ثم أخفضت رأسها أرضًا وهي تلعنه بكل ما تفقه من لغات، بينما عاد هو لينقل نظراته بين هاني المُرتاب ووالدته المُستنكرة وشقيقه مُغلق التعابير، وقال بلهجة مسرحية مُبتذلة:
_مُبارك لي زواجي من إيلاف، أعني أن عقد القران قد تم بالفعل منذ أشهر، لكننا كنا نحتفظ بالأمر سرًا عن البعض خشية الحسد!
**

ببسمة باشَّة وقف بجوار أحد أعمدة المسجد يتطلع إلى الأطفال والصبية ذوي الأعمار بدءً من الخامسة وهم يتسلَّمون جوائز لإتمامهم حفظ جزء جديد من القرآن الكريم، أخذ ذهنه يستعيد ذكريات مشابهة حينما كان في مراحل مختلفة يتسلَّم شهادات تقدير لتفوقه أو لتطوعه الدائم في تنظيف المسجد.
إلا أن أفضل الذكريات بالنسبة إليه كانت تلك التي تتعلق بيوم وحيد، حينما سلَّم بيده شهادة خُطَّت عليها تهنئة تفيد بأن (مهند أحمد الزمر) الصبي الذي بلغ الثانية عشرة قد أتم حفظ ثلثي القرآن وأظهر إتقانًا في التلاوة فاق شقيقه الأكبر!
غُصة سدت حلقه وهو يستسلم للإقرار بأن حلاوة الماضي تحتاج لمعجزة كي تعود لتهزم مرارة الحاضر دون رجعة.



"لماذا لم يعد مهند يصلي بالمسجد؟"



سأله الإمام الذي خَلَف والده، فاكتنفه الحرج ليُجيبه بعد قليل من الصمت الحائر:
_ادعِ له أن يعود يا شيخ! عسى أن يتقبل الله دعائك.
رَبَّت الرجل على كتفه ثم جلس أرضًا ليفعل نضال المثل، أمعن النظر به ثم قال بعد ثوانِ:
_مهموم أنت يا نضال.



أطرق برأسه وهو يتخلص من تعبير الصرامة الذي يحرص على التشبث به في البيت حتى لا تشعر والدته بالقلق أو يظن شقيقه أنه لم يعد بالقوة ذاتها، ثم تخلى عن زفير طويل وعيناه تجوب المسجد في امتنان وردَّ:
_لكنني صابر.



_إلا أن الأمر بدأ يفوق احتمالك، أليس كذلك؟!
سأله الشيخ في حنو، فنظر إليه ليتمتم في ضياع:
_ماذا عليّ أن أفعل؟
ثم تابع في أسى:
_أنا رب الأسرة ولا يُسمَح لي بإبداء أي تعب أو وهن، لا مجال لأن أعبر عن قلقي، وليس من اللائق أن أبدي حيرتي ومخاوفي من فقدان سيطرتي.



أومأ الشيخ برأسه مُتفهمًا، ثم سأله برفق:
_ومتى بالضبط تظن أنك قد بدأت تفقدها؟



تردد السؤال بنظرته الشاردة وهو يحاول خطف إجابة يبحث عنها طيلة الوقت..
متى؟
ربما منذ دب الحسد بنفس شقيقه؛
ربما عندما أبدى رغبة في الخروج عن قوانينه المتزمتة حسبما يقول؛
وربما حينما تعرف على مجموعة تتفاخر بالذنوب وتسخر من كل من يتردد بارتكابها!
أيهم سبق الآخر؟ لا يدري..
لكن المُحصلة النهائية لا تبشر بأي خير!



_نضال!
والنداء الخافت باسمه الذي رافق تربيتة قوية على فخذه جعله ينظر لشيخه في طلب غير منطوق بالمساعدة..
_شقيقك بداخله بذرة طيبة لم تمت بعد، زرعها والدك بإصرار ورعيتها أنت في جَلَد، كيف تسمح لليأس بالتمكن منك إلى هذه الدرجة؟!



طَوَّقَه الخزي وهو يدرك بأن شَيخه مُحق، وأنه يصب عينيه على المعضله بدلًا من البحث عن حلول مختلفة..
دس أصابعه في شعره الغزير ونطق في قلق:
_لكن هناك قوى مضادة تجذبه جذبًا لطريق ضلال لا عودة منه، ولا يبدو أنه قد يرغب بالمقاومة.
والخوف الذي استحوذ على نبرته ونظرته لم يفت الشيخ، ورغم ذلك فقد ابتسم أثناء قوله في هدوء:
_وأنت لست بضعيف يا نضال، دومًا كنت شديد العزم مُثابر، اجذبه أنت أيضًا إلى طريق التوبة الذي لا يضيع الخالق عبيده عنه يا ولدي!



استند بكوعيه على ركبتيه وهو يتدبَّر حديثه، فأضاف في تدقيق:
_إن كان مهند قد أخطأ فجميعنا نرتكب المعاصي، وجميعنا سنلجأ إلى الله، وسنبقى نتوسله الصفح، ألا تفعل أنت يا نضال؟



ودون تردد سارع قائلًا:
_بالطبع يا شيخ، لست معصومًا، حتمًا أرتكب الذنوب وسأظل إلى مماتي ألهث خلف الغفران!



في رضا رمقه الشيخ، فما كان منه إلا أن رسم بسمة حاول تغليب الأمل عليها قدر ما استطاع..
وقدر ما سمحت له مخاوفه التي انتوى تجاهلها حتى تسأم وتموت في مهدها!
**

"ماذا يقول هذا المجنون؟!"



كان هذا السؤال الذي أطلقه سمير بمثابة زر إعادة التشغيل لِمن تحولوا جميعًا إلى صور ثابتة من الذهول.. أو التيبس..
وكم بدا هو بينهم مُستمتعًا، مُتسليًا، دَبَّت فيه الروح بعد طول سُبات؛
يُراقبهم الواحد تلو الآخر، ولا ينوي أن يتحرك قبل أن يصحو أحدهم..
وسمير هو من سارع بالاستيقاظ، غير أن شبح الإنكار والاستنكار ظل يُكبله..



_أولًا أنا لست مجنونًا، إنها الحقيقة لا سواها، ثانيًا: أقدر وقع المفاجآة على أكثركم بالطبع، لِذا جئت بالإثبات حتى لا نقضي الليلة بأكملها في تراشق الاتهامات!



قالها بجفاء، وبلا مبالاة مُقيتة استعادها سريعًا عوضًا عن استمتاعه الذي لا يُناسبه إطلاقًا؛
قالها ومد يده في جيب بنطاله مُستخرجًا ورقة.. ورقة بيضاء طُبِعَت عليها كلمات سوداء أحالت ليلتهم إلى ظلام ربما لن ينقشع..



انتزع عمرو _الذي بوغت هدوءه_ الورقة منه بعنف، جرت عيناه سريعًا على السطور ليتلقى صفعتين متتاليتين على وجه ذكائه..
الأولى حيث تاريخ العقد والذي يُثبت صحة ما قاله هذا المخبول، فهو يعود إلى أكثر من ستة أشهر بالفعل!



والثانية حيث أسماء الولي وشاهدي العقد، الجد الذي حال بين شقيقه وبينها، وابن خاله الذي لم يُعطِه حق قدره ظنًّا منه أنه لا يزال صبيًا، وبالطبع ابن خالته الخبيث الذي لم يكن يدع الفرصة دون انتهازها!



ونظرة واحدة إلى شقيقه خبره بها أن _للأسف_ ما قيل قد حدث بالفعل، وعليه أن يحتفظ بخطط استعادتها في كتاب الأساطير!



_مُحال!



كلمة مُقتضبة كانت هي التعبير الذي قبض على وجوههم، همس بها هاني وصرخت بها عزة، تمتم بها سمير وهزَّت بها أماني رأسها، فغرت بها لين شفتيها وشحب لها وجه غفران!



_بل هي الحقيقة، هذا هو الواقع وعليكم جميعًا أن تتعاملوا معه.



رددها بثقة، بحسم، ثم أردف في رفق وهو يمعن النظر بالسيدة أماني بعد أن تأكد من أن لا أحد سيُناظره في الكلام بالوقت الحالي:
_أنا _ناهل همام حجازي_ مدير عمال مصنع آل الكردي سابقًا، وحاليًا صهركم!



ثم وجه نظراته العدائية إلى عمرو ليتابع:
_أنا زوج إيلاف جلال الكُردي!



بعدها رشقت سهام عينيه بهاني ووالدته مُعقبًا:
_أنا "السَقَّا" ولا أظن أنكم قد نسيتموني تمامًا بعد!



والسهام ارتدت إليه مُحملة بسموم حقد لا ينتهي رغم أنه لا يعلم متى ابتدأ، لكنه أولاها ظهره متوجهًا إلى الجد ليقول وهو يُشير إلى إيلاف التي صارت على بُعد ثانية واحدة من فقدان وعيها:
_حاج فؤاد! ها هي حفيدتك سالمة، ربما أستطيع أن أجهز شقتي خلال شهر، لكنني أعتذر لن يكون هناك حفل زفاف لأن والدي تُوفي منذ أيام كما تعلم.
_البقاء لله يا ولدي!



رد عليه يومئ برأسه بلا إضافة، واستدار هو بابتسامة شامتة إلى هاني خصيصًا، ثم انطلق صوب الباب لينصرف دون أن يُعير أي أحد اهتمامًا، تاركهم يتخبطون ويستوعبون ويرفضون.. وبآخر الأمر _رغمًا عنهم_ سيقبلون!



أما هي فقد تماسكت بعدما ظنت أنها ستموت في مكانها، فالخبر الذي تلقته معهم شلَّ تفكيرها وشتت انتباهها عن وضعها الحالي السيء..
هل مات والده حقًّا؟!
هل رآه وهو يحتضر؟!
وهل.. سامحه؟!
والأكثر أهمية..:
كيف شعر وهو يُراقبه مجرد جسد مُسجى بلا روح؟!
لن تعرف! ولو سألته لن يُجيب بالطبع؛
ربما.. يومًا ما حينما يلتقي بامرأة قوية يستطيع أن يثق بمشاركتها حياته سيبثها كل آلامه التي تعج بها روحه دون أن يمنحها الفرصة للظهور عيانًا، جنبًا إلى جنب مع حب تستحقه؛
امرأة.. على النقيض من كل ما هي عليه؛
امرأة.. لن يطلب أهلها منه أن يتزوج بها، ولن يقبض مالًا أو وظيفة لقاء تحملها!



انحدرت عيناها إلى حيث حقيبتها لتنتبه إلى أنها لم تلاحظ متى أخذها منها أو متى وضعها أرضًا، ثم _بكل هدوء_ تناولتها لتتجاهل النظرات التي صارت هي مركزها واتجهت في صمت إلى غرفتها!
**

بغرفتها التي لطالما أحبتها واختارت ملء إرادتها قضاء غالبية وقتها بالبيت بداخلها جلست أرضًا تبكي، تذرف دمعات خيبة، يسيل الخذلان من عينيها في صورة قطرات مالحة بللت وجهها وتسربت بقسوة إلى قلبها.
ترتحل نظراتها بتساؤل متألم إلى الجدار الفاصل بين غرفتيهما عَلَّه يُجيبها؛
بَيد أن هناك جدارًا آخر أُقيم بينهما منذ زمن، والليلة فقط تحول إلى جبل شاهق لا تمتلك هي أية قوة لتسلُّقُه!



"لماذا فعلتِ ذلك يا إيلاف؟"



همست به بآخر ذرات الدهشة التي سيطرت عليها منذ وَقَع الخبر عليهم، لكنها لم تستطع توجيهه إليها جهرًا..
فبأي حق تلومها؟!
لم تهتم بشؤونها ولفظتها بغباء حينما بادرت!



"لماذا لم تُجبريني على الاستماع؟ لماذا لم تصرخي لتُطالبيني بحقكِ بي كأخت تستطيعين الثقة بها وإلقاء كل ما يؤرقكِ بين ذراعيها؟!"



"أنا لم أقل أنني سأمنحه فرصة يا غفران، لم يعد بإمكاني أن أفعلها حتى إن أردت."



لقد ردَّت عليها ببساطة يوم أن تخلت هي عن مقتها المُوجه إلى الجميع دون تمييز ونصحتها بألا تفكر في مسامحة هاني، وظنت هي أنها تخاريف فتاة ظلمها خاطبها الذي أحبته وستتجاهلها ما إن يتودد إليها بالمزيد من الإصرار، لكنها كانت صادقة، لأنها حينئٍذ كانت بالفعل متزوجة من آخر!
تُرى هل تمنت يومئٍذ لو ذهبت للين بدلًا منها علَّها تستقبلها بحميمية الأخت الكُبرى؟!



ابتسمت ساخرة، وتسللت إليها الراحة تحت غطاء أنانية مكشوفة، فإن كانت إيلاف ستتقرب من إحداهما يومًا، بالتأكيد لن تنال لين الشرف أولًا!
تتذكر ذلك اليوم البعيد حين ألقت عمتها أماني اقتراحًا على المائدة، يتضمن الاستعانة بمهندس لِهدم الجدار الذي يفصل بين غرفتها وخاصة إيلاف، والآخر الذي يحجز بين غرفة لين وخاصة إيلاف أيضًا، كي تستحيل الغرف الثلاث إلى واحدة كبيرة تجمعهن معًا..



"لا!"



حينئذٍ انطلقت الصيحة القاطعة منها ومن لين في آنٍ واحد، إلا أن إيلاف التفتت إليهما يمينًا ويسارًا بنظرة مُتوجعة، ثم انكبت على صحنها في صمت تبتلع حسرتها وخيبة أملها مع الطعام!



ربما تهدم جسر الوصال الذي كانت على وشك وضع أساسه عندما تعود سالمة.
تناولت هاتفها وبكلمات مختصرة أرسلت إلى سدن رسالة تخبرها فيها بأن شقيقتها عادت، لكنها اختارت الاحتفاظ بخبر زواجها عنها خجلًا، أو حتى تستوعبه هي جيدًا.



وابتسامة أخرى نبتت على شفتيها وهي تُلقي بالهاتف بعيدًا، ربما قد أخطأت في اعتقادها بإمكانية ميلاد علاقة أخوة حقيقية بينها وبين إيلاف أو لين، ستستعيض عنهما بسدن..
هي الصديقة والأخت التي تحبها بصدق، لا تخفي عنها أسرارها ولا تضمر لها الشر، وبالطبع لن تؤذيها أو تُعرضها لِما يقتل ثقتها بها.



رنين الهاتف القصير حملها على أن تجفف وجنتيها وهي تجهز الكلمات التي سترد بها على أسئلة سدن التي لن تنتهي، لكنها طالعت رقمًا غير مُسجل..
نفس الرقم الذي واظب على إرسال رسائل غير مفهومة إليها طوال الفترة الماضية، لكن اختفاء إيلاف أنساها إياها وشغلها عن نيتها بحظره، ستفعل الآن و...



"أتمتلكين عشرة آلاف من الجنيهات؟"



حدقت في الرسالة بلا فهم ثم ما لبثت أن قامت بحظره مُتبعة الخطوة الطبيعية الصائبة..
أو.. هكذا ظنَّت!

بعد ثلاثة أسابيع:
خلف صغيرها أخذت تسير بكامل تركيزها حريصة على ألا يقع أرضًا وهو يُجرب تعلم المشي بالحديقة للمرة الأولى، ابتسمت أثناء مُراقبتها خطواته التي تتعثر أكثر مما تصيب، وتعالى وجيب قلبها مع سماع صوت ضحكاته التي تُشرق كشمس ساطعة على ظلام ليلها المتواصل.
حانت منها التفاتة إلى الخلف عندما شعرت برفقة، وبسرعة كتمت دهشتها أثناء تطلعها إلى أختها قادمة تجاههما..
توتر؛
حيرة؛
ورغبة بالانصراف حالًا!



هذا هو ما تعاقب على لين من انفعالات حتى صارت أمامها..
توتر؛
حيرة؛
ورغبة في التراجع عن نوبة التهور المفاجئة!



وهذا هو ما تردد في نفس إيلاف وهى تتنحنح علَّ الكلمات تستحي وتتردد من تلقاء نفسها..



"كيف حالكِ؟"



سؤال مرتبك أطلقته كلتاهما على الأخرى في الوقت نفسه، ليحل الصمت الحرج بعدها بينهما فائزًا كاسحًا.
وسؤال تُلقيه كل منهما إلى الأخرى دون نطق..



"لماذا تجمدت العلاقة بينهما إلى هذا الحد الذي تقفان باحثتين عن مُقدمة لحديث ودِّي؟!"



_لم تسنح لي الفرصة لمواساتكِ بعد الطلاق.
بادرتها إيلاف بتردد، فما كان من لين إلا أن ابتسمت وهي تقول بدورها:
_وأنا لم تسنح لي الفرصة لتهنئتكِ على الزواج!



ازدردت إيلاف لعابها وهي تنظر هنا وهناك دون تركيز، تُنقب في ذهنها عن لمحة لَوم توجهه إليها فلم تجد، ثم قالت في لامبالاة:
_لا شيء يستحق التهنئة على أي حال.
جلس يزن أرضًا بعد أن أرهقه المشي لدقائق متواصلة، وبينما تعلقت نظرات أمه به في حرص كي لا يلتقط شيئًا ليتناوله ألقت السؤال الذي يقض مضجع من صُدِموا منذ تلقي الخبر:
_لماذا يا إيلاف؟ لماذا فعلتِها سرًا؟ وكيف شجعكِ جدي؟
بتعجب، وبفضول، وبحنق تدرك تمامًا أنها تبالغ حين تعبر عنهم، ثم تابعت بتردد:
_هل.. هل اضطررتِ لذلك؟
بحدة التفتت إيلاف إليها فودت لين لو لم يتحكم بها سوء الظن ويتوارى بين طيات كلماتها، ولاحت ابتسامة ساخرة على شفتي الأولى وهي تُجيبها بجرأة ليست معتادة عليها:
_لو كنتِ تُلمحين إلى أنني ارتكبت خطئًا معه فسارع جدي بإصلاحه عن طريق الزواج فقد جانبكِ الصواب.
توردت وجنتا لين في حرج، تلوم نفسها وتلعن تدخلها فيما لا يعنيها، لكنها رفعت رأسها ببطء حينما تحدثت إيلاف في شرود:
_أتعلمين ما الغريب بالأمر؟
هزت رأسها نفيًا فتابعت إيلاف بخفوت:
_أنني لم أنزعج من ظنكِ بي!



بللت لين شفتيها الجافتين وحافظت على صمتها لتواصل أختها بأسف:
_ربما لو كنا مُقربتين بما يكفي لصرخت عليكِ ثم قاطعتكِ يومًا أو أكثر حتى تعتذري مني وتُقسمي أن الحيرة والغضب هما ما دفعانكِ للتفوه بذلك بلا تفكير، لكنني لن أصرخ، لن أقاطعكِ، وبالطبع لسنا مُقربتين!



همَّت لين بالموافقة على ما قالت، أرادت أن تقسم بأن الحيرة والغضب والخوف من أجلها أيضًا هم أسباب ظنونها الخرقاء، لكنها أحجمت عن رغبتها، تجاهلت الدفاع عن نواياها، وكبحت القسم الذي يتراقص على طرف لسانها.
نظرت لها لتجدها لا تنتظر منها إنكارًا أو استدراكًا، بل كانت تتطلع إلى الأعلى، حيث شرفة غرفة أختهما الصغرى التي تحدق بهما بالمثل، بقلق، بدهشة، وبـغيرة صارخة!



_أترين كيف تنظر إلينا؟!



سألتها إيلاف، ودون تفكير علقت لين:
_تكرهني!
نزعت إيلاف عينيها عن عيني شقيقتها المنزعجة، لتحدق بالكبرى وتقول في استفهام:
_وأنتِ ألا تفعلين؟
_لا!
بلا تفكير نطقت لين، ثم ابتسمت في تهكم خبأت به حسرتها وهي تُردف:
_لا يكره الضيف أصحاب المنزل الذين طالت استضافتهم إياه.



عقدت إيلاف حاجبيها بدهشة وهي تعي للمرة الأولى أن أختها الكبرى ليست سعيدة..
رغم كل الاهتمام الذي حازت عليه بدلًا منها.. لم تكن سعيدة!
ورغم كل الدلال الذي تمتعت به بدلًا منها.. لم تكن سعيدة!
كانت هي دومًا تراها في صورة مُحتلة مُغتصِبة، وتستطيع أن تقر بأن شقيقتها تتفق معها في وجهة النظر ذاتها؛
لكن.. يبدو أن العدو لم يبتهج بما ظفر!



_لستِ ضيفة يا لين.



عقَّبت بنبرة خفيضة، فضحكت لين وهي تخاطبها بصراحة تردد بها الألم:
_بل أنا ضيفة غير مرغوب بها منذ وقت طويل، ضيفة حصلت على أكثر مما يكفيها من كرم، لكنها لم تمتلك سبيلًا للرحيل.



ثم اقتربت منها قليلًا، أكثر مما فعلت منذ طفولتهما، وبعينيها حدَّقت باعتذار:
_لا تُنكري أن الضرر قد طالكِ بسببي يا إيلاف! حتى وإن كنتِ لا تتحدثين علانية فعيناكِ تحكيان الكثير.
مرحى!
لقد رآها أحدهم إذن!
كانت على وشك الاقتناع بأنها شفافة، غير مرئية، أو ربما هي من عالم آخر ويُخيل لها أنها تنتمي لهذا البيت وهذه العائلة؛
لكن _حمدًا لله_ يبدو أنها مخطئة!



_ولماذا لم تحاولي التقرب مني؟!



سألتها في تحفز، وقد بدأت المياه الراكدة في بركة كتمانها تهدد بالفوران:
_لماذا لم تعتذري؟ أو تخففي عني؟ لماذا لم تقومي بدوركِ كأخت كبرى لي؟
وارتفعت عينا لين إلى حيث غفران يتشنج وجهها في قلق، ورفض، فابتسمت وأجابت مُستعيدة ذكريات من أيام طفولة بعيدة:
_كنتِ تمتلكين شقيقة بالفعل، كانت لديكِ غفران تحبينها وترافقينها طوال الوقت قبل أن تنقلب عليكِ أيضًا وتنطوي بعيدًا عن الجميع، هل انتظرتِ أن أستغل الفرصة لأحل مكانها؟!



انعقد لسانها في مهمة بحث غير مُوفقة عن الإجابة، فرحمتها لين لتفعل بإقرار تصدره الأسف:
_لن أحل مكانها يومًا يا إيلاف، ستدرك أنها أخطأت، ستدرك أنها بحاجة إليكِ أنتِ تحديدًا، بينما أنتِ لستِ بحاجة لي، لديكِ شقيقة، لكن أنا.. نصف!



وثبت دقات قلبها في انفعال عندما استدارت لين إلى حيث طفلها الذي بدأ في البكاء، حملته بين ذراعيها ثم ألقت تحية استئذان صامتة على أختها التي ثبتت مكانها.
وبالأعلى كانت دقات قلب غفران أيضًا تتواثب في خوف، يبدو أن ثقتها كانت في غير محلها، فها هما أختيها تتبادلان حديثًا ربما لم يكن طبيعيًا كما هو مُتوقع، لكن من يدري في المرة القادمة كيف سيكون؟!



تعليقات